عربي
Thursday 27th of January 2022
553
0
نفر 0

مبادىء قضية الحسين

مبادىء قضية الحسين

 

كل الذين دوّنوا قضية الحسين (عليه السلام) أخذوا سلسلتها من أوساطها، أي من حين البيعة ليزيد. في حين أنّ القضية ـ كما سبق ـ تبتدىء من عهد أبي سفيان ومحمّد (صلى الله عليه وآله) ـ إن لم نقل من قبل ومن عهد هاشم(1) وعبد شمس ـ فإن أبا سفيان جدّ يزيد إذ رأى محمّداً جدّ الحسين قد نهض في مكة سنة 610م يدعو العرب إلى توحيد المعبود والإتحاد في طاعته، حسب أنّه سيهدم مجد عبد شمس ورئاستهم ويبني لبني هاشم(2) بيت مجد مرصوص الأساس ويعم ظله الوارف عامة الناس. فاندفع بكل قواه إلى معارضته ففعل ما فعل في مقاومة النبي (صلى الله عليه وآله) وإهانته، وتفريق

____________

1) هاشم وعبد شمس أخوان أبوهما عبد مناف بن قصي.

قيل ولدا توأمين متلاصقين بقطعة لحم في ظهريهما فألجأت الحالة إلى فصلهما بالسيف، فتطير المتشئمون من ذلك واستدلوا منه على استمرار السيف بين ذراريهما فكان كما قالوه، وكان الأمويون من بني عبد شمس والهاشميون من بني عبد المطلب طرفي الخصام في الجاهلية والإسلام. وكان هاشم اسمه عمرو ـ ويقال له: عمرو العلا ـ ولقب هاشماً لكثرة هشمه الثريد لأضيافه ولزوار البيت الحرام.

2) كان بنو هاشم صفوة قريش حينماكانت قريش صفوة العرب ووجوه أبناء الجزيره وامتاز بنو هاشم من بين القبائل كلها بالسماحة والفصاحة وطلاقة الوجه واللسان وإقراء الضيوف ونجدة المظلوم وحسن السمة وشرف النفس وطيب المولد وطالما اعتدت عليهم قريش بسبب تمسكهم بالحقوق ورعايتهم للعهود ومحاماتهم عن الحرم.


الصفحة 60


أعوانه، وتحشيد الجموع لمحاربته حتى كان في أيام بدر وأُحد والأحزاب وهما مثالان للحق والباطل، وأمرُ محمّد (صلى الله عليه وآله) يقوى انتشاره ومناره حتى رمى حزب أبي سفيان آخر نبلة من كنانته ولم يفلح: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.

وذلك أنّ الله سبحانه فتح لنبيه مكة فتحاً مبيناً، ونصره على قريش نصراً عزيزاً. انتهت الحركة السفانية، ولكن في الظاهر.

أمّا الحزب الخاسر المنكسر فقد كان يعمل ليلاً ونهاراً في تلافي خسرانه وارجاع سلطانه، ولكن تحت الستار وبأخفى من دبيب النمل على الصفا، يرسم الخطة للقيام بحركة وسيعة الدائرة حتى إذا قضى النبي (صلى الله عليه وآله) نحبه تنفس وانتهز الفرصة لاستعادة مجده.

أجل! لقي محمّد (صلى الله عليه وآله) ربه وأبو سفيان حي يسمع الناعية عليه، ولكن لا يسعه إظهار شيء وكان العباس عم النبي (صلى الله عليه وآله) يعرف من أمره شيئاً إذ كان صديقه الحميم في الجاهليه والإسلام، فأشار على عليّ (عليه السلام) ابن أخيه أبي طالب ـ وهو يغسل جنازة النبي (صلى الله عليه وآله) ـ قائلاً له: «يا علي مد يدك لأبايعك حتى يقول الناس: عم رسول الله بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان» فلم يسمع من ابن أخيه جواباً سوى كلمة: «يا عمّ أولها غيري!» وقبل أن يدفن النبي (صلى الله عليه وآله) نجم الخلاف حول خلافته بين المهاجرين والأنصار.

لكن الذي نعلمه أنّ أبا سفيان لم يكن من الأنصار ولا من المهاجرين عندما قالا: «منا أمير ومنكم امير» حتى يحسب لنفسه حساباً في التحيز الى طرف، ورأى انضمامه إلى اضعف الأحزاب ـ أي حزب علي (عليه السلام) ـ أقرب الى مقصده من إيجاد موازنة في القوى وخلق عراقيل تكاد تمنع من حسم الخلاف، فجاء علياً قائلاً له:


الصفحة 61


«لو شئت ملأتها لك خيلاً ورجالاً» وعلي (عليه السلام) يومئذ يطرق الأبواب على المهاجرين والأنصار يتمنى ناصراً لقضيته، فلو كان ممّن يضيّع رشده بالمواعيد الخلابة لاغتنم من أبي سفيان هذا العرض، ولكن الإمام عرف سوء قصده ـ وقصده الصيد في الماء العكر ـ فأجابه بالرد والاستنكار قائلاً له: «مه يا أبا سفيان أجاهلية وإسلاماً».

أي إنّك تتربص دوائر السوء بدين محمّد (صلى الله عليه وآله) في عهديك: عند الجاهليه وعهد الإسلام، وتفرّس سوء مرامه من كلامه وأنّه انتهز فرصة الخلاف من حاشية النبي (صلى الله عليه وآله) وقصد احتلال مدينة الرسول عاصمة الإسلام بحجّة نصرة الضعيف أو تسوية الخلاف، وما جيوشه سوى مردة العرب من أهل النفاق فاذا نزل هؤلاء في عاصمة التوحيد سادت منافقة العرب، وعادت مبادىء الجاهلية ـ والناس حديثو عهد بالإسلام ـ فيكون الرجعيون أولى بالقوة والنصرة والموحدون أولى بالضعف والذلة «ويخرجن الأعز منها الأذل». قرأ هذه الشروح وأكثر منها علي (عليه السلام) من كلمة من أبي سفيان فرده رداً قارصاً، لأنّ علياً رجل الحق وبطل الإيمان لا يضحّي الدين أو المصلحة العامة في سبيل نفع ذاتي أو شهوة وانتقام.

ولما عرف أبو سفيان أنّ علياً (عليه السلام) لا ينخدع وأنّه عند تداخل الأغيار ليصافح إخوانه المسلمين ويتحد معهم لحفظ بيضة الدين ـ مهما كان ضدهم وكانوا أضداده ـ ندم أبو سفيان على لفظته، وهرع إلى الحزب الغالب، وانضم إليهم ليحفظ مركزه الاجتماعي قبل أن يخسر الطرفين وتأخرت منوياته إلى حين، حينما يخضر عود أمية بإمرة معاوية على الشام وعود سلطانهم.

وبعدما نبغ فيهم معاوية أخذ على عاتقه القيام بنوايا أسلافه ومعه يومئذ أبوه ينصب علياً (عليه السلام) ـ دون المسلمين ـ هدفاً لسهامه الفتاكة، إذ عرفه الينبوع الوحيد


الصفحة 62


لسيال وحي المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وأنّه البطل المناوىء لهم بكل قواه، والعميد القائم ببيت بني هاشم، والمركز القوي لابادة الحركة السفيانية، وأنّ علياً هو وأبوه نصيرا محمّد (صلى الله عليه وآله) حين لا ناصر له حتى أنه فداه بنفسه ليلة مبيته على فراشه، وضيع على قريش هجرته، ونقض ما أبرموه عليه، وعلي القاتل صناديد قريش وأركان حزبهم في بدر وغيرها، ولولاه لقضوا على حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بدر وأُحد والخندق، وعلي الفاتح قلوب أهل مكة في وجه محمّد المصطفى إذ تلا عليهم سورة البراءة في الموقف العام العصيب بكل ثبات وجسارة وإقدام ـ الأمر الذي لم يكن يقوم به أحد من المسلمين إلى غير ذلك من مواقفه المهمة التي ضيع فيها على أمية مكايدها وكانت صدور أمية تغلي كالمرجل على رجل الإيمان.


الصفحة 63


دوافع يزيد الانتقامية

 

لقد تستّر ابن هند والحزب الأموي في اخفاء غرضه تحت مخابيء السياسة المطلية بدهائهم، لكنما أخلاقه ـ أمثال يزيد والوليد ـ كشفوا القناع بأفعالهم وأقوالهم عن كل ما أُجني وأُخفي على الملأ، فتجلى كالشمس أنّهم يبتغون التشفي والانتقام من محمّد وأهل بيته بكل معاني التشفي، إذ لم يسكت عن الحسين كما سكت عن ابن الزبير، وخالف في ذلك وصاية أبيه وبرنامجه ثم لم يسالم الحسين كما سالمه ولم يقنع بخروجه عن مناطق نفوذه وحدود سلطانه ـ كما اقترح عليه الحسين نفسه ـ ولم يجالدوا ابن النبي مجالدة عربي لعربي، بل ضيّقوا عليه سبل الحياة، ومنعوه من ورد الفرات، وحاصروه بنسائه وأطفاله في الفلاة، ومثَّلوا به وبصحبه بعد القتل شرّ مثلة، وجرّدوهم تاركين أشلاءهم عراة على العراء تسفي عليهم الرياح، وقطعوا رؤوسهم واداروا بها على فوق الرماح، وسبوا صبية الحسين ونساءه يطاف بهن في الآفاق وفي الأزقة والأسواق، موثقين بالحبال كالأغنام وحولهم طبول وأبواق، يضع أميرهم الرأس الشريف بين يديه وينكت برأس الخيزران ثناياه وشفتيه ويقول شامتاً:

 

يا حبذا لونك يا حسين

كحمرة الوردة في الخدين.. الخ

 

ويسبّون الحسين وأباه وأخاه سراً وجهراً، وينتحلون الأحاديث القادحة في


الصفحة 64


عليّ وصحابته، ويهتكون حُرَم اللهورسوله وحُرُمات الدين، ويفعل يزيدهم طغياناً في مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) ما فعله فرعون، ويزيد يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم فراثت خيلهم في روضه النبي (صلى الله عليه وآله) واستباح عسكره المدينة ثلاثة أيام وافتضت بها اثنى عشر ألف عذراء، ولم تسلم حُرّة في واقعة الحرّة، إلاّ من لذن ببيت السجاد علي بن الحسين (عليه السلام) وهنّ ستمائة من الهاشميات وغيرهن، فقد استثنى يزيد بيته وشخصه من الاضطهاد والاستعباد إذ أمر قائده أن يجدد مبايعة اليثاربة له على أنّه عبيده إن شاء باعهم وإن شاء أعتقهم.

وروى الجاحظ: «إنّهم وسموا العباد، ووشموا الأجساد» ـ كما يفعل بالأنعام والكلاب ـ علامة انّهم خول لبني أمية، ورأوا أنس بن مالك ـ خادم رسول الله وصاحبه ـ وفي عنقه قلادة مختوم عليها بالرصاص علامة عبوديته لهم، وأحرقوا ستار الكعبة، ورموها بالمنجنيق، وقتلوا الطائفين والعاكفين، وسفكوا الدم الحرام، في البلد الحرام، وفي الشهر الحرام، وحولوا قبلة واسط الى الشام.


الصفحة 65


معاوية وتعقيباته

 

ناصب معاوية وحزبه علياً وصحبه وكان ما كان من أيام البصرة وصفين والنهروان وعلي (عليه السلام) في كلّها غير مخذول، ولا يزداد معاوية إلا حقداً عليه وموجدة، وتعقب الضغائن إثر الضغائن، وكان معاوية رجل الغدر وحليماً إلاّ على علي (عليه السلام) وخاصته.

فلما توفي علي (عليه السلام) سنة 40 بسيف ابن ملجم الخارجي ساجداً في محرابه، زال من بين عيني معاوية ذلك الشبح الرهيب الذي كان يخيفه في منامه وفي خلواته، وقويت عزائمه وتوجهت شطره أكثر النفوس التي كانت رهن سجايا علي (عليه السلام) وعلومه ومنقادة لصوته وسوطه وصيت شجاعته وسماحته، لا سيما وأنّ الآثار النبوية المشهورة فيه كانت لا تقاس كثرة وشهرة بما ورد في شأن غيره، والخدمات التي قام علي بها كانت قاطعة الألسن فضلاً عن طول عهد الإمارة لمعاوية وانتشار حزبه الفعال وتوزيعه الأموال.

هذه العوامل وغيرها ضيّقت دائرة النفوذ على الحسن بن علي (عليه السلام) وخليفته ووسعت المجال لمعاوية وحزبه، فانتقم من علي بعد وفاته وسبَّ علياً على المنابر، والمنائر، والألسن، والكتب.

ويا بؤسها من حيلة ووسيلة لاستئصال مجد بني هاشم بثلب كبيرهم وقد قال


الصفحة 66


ابن عباس: «إنّهم يريدون بسب علي سبّ رسول الله» ثم لم يقنع بذلك فأخذ يتتبع خاصة علي (عليه السلام) بالسم والعسل ويقول: «إن لله جنوداً من عسل» يعني السم المرسول إلى أعدائه، ولم يسع حلمه أصحاب علي وبنيه قط فدس سماً ذريعاً إلى زوجة الحسن السبط فقتلته اغتراراً بموعد زواجها من يزيد.


الصفحة 67


تأثرات الحسين الروحية

 

هنا حري بنا أن ندرس حالة الحسين (عليه السلام) ذلك المتفاني في حب شقيقه الحسن ماذا يجري على قلبه وهو يرى أحشاء أخيه مقذوفة في الطست من سم معاوية، ثم تمنع بدسيسة مروانيه جنازة أخيه من زيارة جدّه ـ وهما ريحانتاه ـ ويسمع سبّ أبيه وأخيه في المعابر وعلى المنابر وتنعى إليه صحابة أبيه من فتك معاوية بهم، وسحق العهود الشريفة،ومحق شعائر الإسلام، وتبديل سنن جدّه بالبدع، وتحويل الإسلام من روح دينيه عالمية إلى روح قومية ملكية، وتمهيد أُسس للرجعة إلى الجاهلية.

هذا كلّه عدا ما سبق من أمر معاوية وعلي (عليه السلام) في حروب وفتن أوجدها معاوية لأغراض ذاتية، وفتّ في عضد الدين، وشتت بها شمل المسلمين. أضف عليها ما جرى على جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) من الحزب السفياني أثناء البعثة وبعد الهجرة. أفلا يكون بعد ذلك كله قلب الحسين دفتراً ملؤه المؤلمات؟! ولابد وأن تكون هذه الموجدات في الحسين (عليه السلام) وفي صدره بركاناً قوياً مشرفاً على


الصفحة 68


الانفجار، وحسين الشهامة لم يكن بالذي يقيم على الضيم لولا أنّ الوصيّة تتلو الوصيّة من أخيه وجدّه وأبيه وخاصة مواليه بالصبر، «والصبر أمرّ من الصبر».


الصفحة 69


كيف يبايع الحسين

 

غريب والله أنّ يزيد المشهور بالسفاسف والفجور يريد التقمص بخلافة النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) المبعوث لتكميل مكارم الأخلاق، وذلك في حياة الحسين (عليه السلام) ابن ذاك النبي وحبيبه. فيزيد يعلم نفسية الحسين ويعلم أنّ صدر الحسين (عليه السلام) أصبح بركاناً قريب الانفجار، ومع ذلك لا يقنع بسكونه وسكوته عما هو فيه، بل يريد منه فوق ذلك كلّه أن يعترف له بالخلافة عن الرسول، وهل ذاك إلاّ رابع المستحيلات؟ فإنّ اعتراف الحسين (عليه السلام) بخلافة يزيد عبارة أخرى عن أنّ الحسين ليس بالحسين «أي إنّ معنى قبوله البيعة ليزيد بيع دين جدّه، وكل مجده، وكل شعور شريف للعرب، وكل حق للمسلمين، وكل آمال لقومه يبيعها جمعاء برضى يزيد عليه» وهذا محال على الحسين (عليه السلام) وعلى كل أبطال الفضائل، فإنّ قبوله بيعة يزيد عبارة أخرى عن اعترافه بتساوي الفضيلة والرذيلة، واستواء العدل والظلم، واتحاد الحق والباطل، وتماثل النور والظلام، وأنّ العلم والجهل مستويان، وأنّ الخفيف والثقيل سيان في الميزان، فهل يسوغ بعد هذا كله سكوته وسكونه؟!

وقد يزعم البسطاء أنّ الحسين (عليه السلام) لو استعمل التقية وصافح يزيد لاتّقى ببيعته شرّ أمية، ونجا من مكرها، وصان حرمته، وحفظ مهجته، لكن ذلك وهم بعيد...

فإن يزيد المتجاهر بالفسوق لا يقاس بمعاوية الداهية المتحفظ، فبيعة مثل الحسين (عليه السلام) لمثل يزيد غير جائزة بظاهر الشريعة، ولذلك تخلّف عن بيعته سعد بن بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير


الصفحة 70


أيضاً فأنكروا على معاوية استخلاف يزيد وامتنعوا عن بيعته حتى فارقوا الحياة، وكان سيدنا الحسين (عليه السلام) أولى بهذا الامتناع والإنكار.

وأمّا مع غضّ النظر عن التكليف الشرعي ومطالبة وجه غير التمسك بظواهر الكتاب والسنة فنقول: إنّ التحري في الوثائق التاريخية والكتب المعتبرة يؤدي إلى الاعتقاد بأنّ سيدنا الحسين (عليه السلام) كان يعلم بانطواء خصومه على نية التشفّي من قتله، وقد صرح في مواطن عدّة بأنّ بني أمية غير تاركيه حتى لو كان في جحر ضب لاستخرجوه وقتلوه، وقال (عليه السلام) للعكرمي في بطن عقبة: «ليس يخفى عليّ الرأي ولكنهم لا يدعونني حتى يخرجوا هذه العلقة من جوفي» وأكد ابن زياد نية التشفّي من قتل الحسين (عليه السلام) في كتابه لابن سعد قائلاً: «حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء فلا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتقي الزكي عثمان بن عفان». وأعلم يزيد نفسه بما يضمره من الانتقام من آل محمّد كما قال:

 

لست من خندف إن لم انتقم

من بني أحمد ما كان فعل

 

الى غير ذلك من الشواهد التي نستنتج منها ما قصده الأمويون من الانتقام من آل الرسول (صلى الله عليه وآله) علم ابن النبي (صلى الله عليه وآله) من كل هذا تصميم آل حرب على انتقامهم من آل علي مهما تظاهر هؤلاء بمسالمتهم ومطاوعتهم ومهما تظاهر آل حرب لهم بالأمان والإيمان، وقد أكد هذا العلم غدر ابن زياد بابن عمّه مسلم واعطاؤه الأمان حتى إذا خلع سلاحه قتله شرّ قتلة، وأجلى من ذلك غدر معاوية بأخيه الحسن (عليه السلام) ودسه السم إلى من قتله بعد أن صالحه وصافحه وتنازل له عن خلافته المعقودة له، فهل ترى ابن النبي (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك كلّه يعيد الامتحان ويجرب المجرب؟ كلا! إذن فالحسن وجد نفسه مقتولاً إذا لم يبايع ومقتولاً إذا بايع، لكنه إن بايع اشترى مع قتله قتل مجده وقتل آثار جدّه أما إذا لم يبايع فإنّما هي قتلة واحدة تحيا بها آماله، وشعائر الدين، والشرف المؤبد.

 


الصفحة 71


البيعة ليزيد

 

صفا لمعاوية الجو وملك نحو أربعين سنة ملكاً قلّما يسمح الزمان بمثله، وهوفي خلال ذلك لا يفتر عن عمله ليله ونهاره فيستكثر أعوانه، ويعزّز إخوانه ويستحوذ على من يشاء بما أُوتي من مال ودهاء، واستمال إلى أهوائه أمثال زياد وابن العاص والمغيرة من الدهاة فمد أطناب حزبه ورواق مأربه، وانقادت إليه حتى آل هاشم. ولكن الرجل استحب دوام هذا السؤدد لبيته ومن يخلفه في إنفاذ نواياه، إذ عرف أنّ سلطانه وقتي وقسري ـ وما كان بالقسر لا يدوم ـ فأراد إثباته في بيته مادام حياً; لأنّه يخشى من موته انقلاب الأمور على بنيه، لا سيما وابنه يزيد موضع نقمة الجمهور وفي الناس مَن هو أقدم منه وأولى، فأخذ البيعة ليزيد حال حياته ـ بعد أن ذلل الصعاب ومهّد السبل لغاياته ـ غير أنّ الأُباة أبوا عليه البيعة ليزيد، واتخذت عملية معاوية هذه كمناورة يمتحن بها مخالفيه، ثم أوصى ولده يزيد بأن لا يمس هؤلاء بسوء إذا أبوا عليه البيعة بعد موته إلاّ ابن الزبير، والسر فيما ارتآه داهية قريش هو أنّ البعض من هؤلاء ضعيف النفس مسبوق بغضاضة.

وأما الحسين السبط فنفس أبيه بين جنبيه ويخشى على البيت الأموي من التعرّض له، وبما انّه رجل الفضيلة يؤمل فيه أن يستمر على سكوته وسكونه إذا


الصفحة 72


علم برغائبه ومداراته، ويخشى من قيامه أن يقوم الحجاز والعراقان معه حين لا معاوية لديه ولا ابن العاص.

أمّا ابن الزبير فذو نفسية حربية مع أعدائه وذو دهاء مع رقبائه ولكنه كأبيه شحيح لا مطمع فيه، فالعدو لا يأمن منه والصديق لا يأمل فيه، فاستهان القضاء عليه من دون توقع محذور في معاداته. ولكن يزيد لم يعمل بهذه الوصيّة إذ أنّه عاش عيشة ترف قضاها في الصيد والسكر واللهو، ومثل هذه التربية تسوق صاحبها لعبادة الهوى والاغترار بسلطان الشهوات، فلا يحترم قديماً، ولا يحتشم عظيماً، ولا يحتفل بالدين، ولا برغائب الجمهور.

وعليه فما مات معاوية إلاّ والأوامر تترى من يزيد على ابن عمه الوليد ـ والي المدينة ـ بأخذ البيعة له من الناس عامة ومن الحسين وابن الزبير خاصة فتلقى الوليد بن يزيد بن أبي سفيان أوامره بكل رهبة واحتياط، وكان يعرف سوء سمعة يزيد كما يعرف حسن شهرة هؤلاء عند المسلمين عامة وعند أهل الحجاز خاصة، فأدت سياسته إلى إعلام هؤلاء بالأمر بصورة ودية مع المداراة لرغائبهم وحركاتهم قبلما يأخذ البيعة العامة في مسجد النبي ليزيد كخليفة، فأرسل إلى الحسين والى ابن الزبير ليحضرا لديه فجاءه الحسين (عليه السلام) ومعه ثلة من أقربائه، ولم يدخلوا معه فاستقبله الوليد بالترحاب ومروان(1) جالس متغيّر وتكاد تقرأ ما في

____________

1) هو مروان بن الحكم بن العاص بن أُمية.

ولد في السنة الثانية للهجرة وطرده النبي (صلى الله عليه وآله) مع أبيه الى الطائف لأنّ أباه الحكم أسلم مع أبي سفيان يوم الفتح كرهاً ونفاقاً وكان يستهزىء بالنبي (صلى الله عليه وآله) إذا غاب عنه ويهجس الى المشركين بأخباره، فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) عليه وطرده فأواهما عثمان في خلافته واتخذ مروان كاتباً عنده، فنقم المسلمون ذلك عليه لا سيما بعد تزويره كتاباً عن لسان الخليفة يأمر فيه عامل مصر بقتل محمّد بن أبي بكر ورسل المدينة.

وكان مثار الفتن يوم الدار وفي الحروب التي أقامها معاوية ضدّ الامام علي (عليه السلام) وبايع الإمام نفاقاً كما أسلم أبوه نفاقاً وسرعان ما نكث البيعة وخرج مع طلحة الى حرب البصرة ثم رمى طلحة. ولما أسره الإمام (عليه السلام) تشفّع فيه الحسن (عليه السلام) فخلا سبيله. ولما تقدم ليجدد بيعته أبعده الإمام قائلاً: «لا حاجة لي في بيعته إنّها كف يهودية، أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الأكبش الأربعة، وستلقى الأمة منهم يوماً أحمر». ثم هرب مروان الى معاوية وخرج الى صفين، وبعد صلح معاوية مع سيدنا الحسن (عليه السلام) تولى إمارة المدينة فالحجاز كلّه، وأخذ فدكاً لنفسه، ثم أساء معاوية الظن فيه فعزله. وبعد موت معاوية بن يزيد تولى الخلافة ثم خنقته زوجته سنة 65 هـ بالشام.


الصفحة 73


قلبه من سحنات وجهه. وابتدأ الوليد ينعى معاوية فاسترجع الحسين (عليه السلام) ثم قال الوليد: «إنّ يزيد استحب اقتراح البيعة فماذا ترى؟» فأجابه الحسين: «إنّ البيعة تحسن من مثلي لمثل يزيد أن تكون علانية وبملأ من الناس، فالأولى أن تؤجلها إلى موعد اجتماع الناس في المسجد» فأجابه الوليد بكل لين وتساهل، غير أنّ مروان عكر صفو السلم، وقال: «يا أمير لا تدع حسيناً يخرج من عندك بلا بيعة فيكون أولى منك بالقوة وتكون أولى منه بالضعف، فاحبسه حتى يبايع أو تضرب عنقه» فوثب عندئذ حسين المجد قائلاً: «يا ابن الزرقاء! أنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله ولئمت» ثم انصرف هو وبنو هاشم.

كان الوليد ومروان كلاهما يبغيان إخضاع الحسين (عليه السلام) ليزيد ولكن ذاك بالسياسة وهذا بالتهديد، وكأنّ الوليد أراد أن يستميل قلب الحسين ويسترق من لسانه كلمة القبول ـ ولو سرا ـ لعلمه أنّ الحسين رجل الصدق والثبات، فلا يعدل عن كلمته وليس بذي لسانين، إسرار وجهار، ولا ذا وجهين محضر ومغيب.

أمّا مروان فكأنّه علم أنّ المسلمين إذا اجتمعوا في مسجد النبي بين قبره


الصفحة 74


ومنبره، وحضر لديهم ريحانة النبي وبنو هاشم وقوف وبنو الأنصار جلوس، فإن المؤثرات المعنوية والحسية لا تسفر إلاّ عن البيعة للحسين وخسران صفقة يزيد.

وبالجملة فإنّ مروان نقض على الوليد أمراً كان قد أبرمه، غير أنّ الخبر لم ينشر خارج المدينة لمراقبة الوالي وفقد وسائل المخابرات. أما الحسين (عليه السلام) فقد عرف أنّ مروان سوف يخابر يزيد على عزل الوالي أو يحمل الوالي على الوقيعة بالحسين وآله، وأنّ يزيد وحزبه ينقادون لإرادات مروان بشخصيته البارزة في الحزب السفياني، وقديم عدائه للنبي وآله. وقد كان هو وأبوه طريدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعلونين على لسانه(1) فلا بد وأن ينتقم من ريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله) بالمثل أو يزيد، فلم يجد الحسين (عليه السلام) بدّاً سوى الهجرة الى حرم الله.

____________

1) قال الجاحظ في رسالة المفاخر: إنّ مروان بن الحكم كان هو وأبوه ملعونين على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) وطريديه من المدينة مدة حياته، ثم في عهد أبي بكر وعمر كلما تشفّع عثمان فيهما وفي إيوائهما لم يجد حتى ولي عثمان فآوي مروان إلى المدينة على كره المسلمين ذلك حتى كان هذا الأمر أحد أسباب قيام المسلمين على عثمان وقتله».


الصفحة 75


553
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

قتيبة بن مسلم وملک الصين
العباس بن الإمام أمير المؤمنين ( عليهما السلام)
أَنوارٌ حسينيّة (3)
حیاة الامام الرضا (ع)
عرض تاريخي لعمارة المسجد النبوي
إذا بلغ الصبي بعد الإحرام وصار مستطيعاً
ما هو اسم الحسين عليه السلام
باقر علم النبيين صلوات الله عليه
الميزان
أصول العقیدة الإسلامیة وأرکانها

 
user comment