عربي
Sunday 29th of May 2022
650
0
نفر 0

السؤال : قرأنا أنّ علم الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) ينقسم إلى ناسوتي ولاهوتي ، الرجاء شرح هذين القسمين مع الأمثلة إن أمكن .

معنى علمه الناسوتي واللاهوتي :

السؤال : قرأنا أنّ علم الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) ينقسم إلى ناسوتي ولاهوتي ، الرجاء شرح هذين القسمين مع الأمثلة إن أمكن .

الجواب : إنّ علم الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) قد يكون من مبدأ الوحي بلا واسطة أو بواسطة ، فهذا علم إلهي ، أو قد يعبّر عنه البعض بعلمٍ لاهوتي .

وقد يكون منشأ علمهم الطرق المتعارفة والمألوفة عند الناس ، وهذا علم عادي ، وقد يسمّيه البعض بعلم ناسوتي .

ثمّ إنّ القسم الأوّل هو المايز بين المرتبطين بعالم الوحي وغيرهم ، إذ لا إشكال في عدم طرق الخطأ والزلل في هذا العلم ، ومن ثمّ سوف يكون عالمه معصوماً من جميع الجهات ، كما هو واضح بأدنى تأمّل ، ومن هذا القسم ، علم الأحكام والعقائد والمعارف الإلهية .

وأمّا القسم الثاني ، فيحصل من مقدّمات عادية ومتداولة ، وهذا القسم يشمل العلم بالموضوعات الصرفة التي لا علاقة لها بأصل الدين والوحي ، فالنبيّ أو الإمام (عليه السلام) يتصرّف في مورده بمعونة القواعد العقلية والعرفية .

وهذا القسم وإن كان يحتمل فيه الخطأ والخلل عند الناس بصورة عامّة ، إلاّ أنّ المصلحة الإلهية تقتضي نفي هذا الاحتمال بالنسبة للنبي والإمام (عليه السلام) ، وهذه المصلحة هي حفظ مكانة المعصوم (عليه السلام) في أعين الناس عن مطلق السهو والخطأ ، ولأنّ التمييز بين الأحكام والموضوعات ليس أمراً سهلاً عند الجميع ، فينبغي سدّ باب الاحتمال لئلا يكون إغراءً لهم في المقام .


الصفحة 377


على أن تقسيم علم النبي والإمام (عليهما السلام) إلى ناسوتي ولاهوتي غير صحيح ، لأنّ المطّلع على العلم اللاهوتي لـه إطلاع على العلم الناسوتي ، أو بالأحرى لا يحتاج لـه أصلاً .

( أبو علي . لبنان . 33 سنة . طالب علم )

الفرق بينه وبين علم الله :

السؤال : ما هو القول الفصل لديكم حول علم الإمام المعصوم (عليه السلام) ؟ هل هو حصولي أم هو حضوري ؟ علماً أنّ هناك لكُلّ من القولين روايات عدّة تؤيّده ، فأيّ طائفة من الروايات تؤيّدون ؟

أرجو الإجابة مع الدليل القاطع إن أمكن ، ولكن الأجر .

الجواب : تارة نبحث عن علم المعصوم (عليه السلام) هل هو حضوري ـ أي حاضر عنده بدون أن يتعلّم ويكتسب العلم ـ أو هو حصولي ـ أي يحصل عنده من خلال التعلّم والتكسّب ـ ؟

وظاهر المشهور هو الأوّل ، أي أنّ علمهم (عليهم السلام) حضوري .

وأُخرى نبحث عن علم المعصوم (عليه السلام) على رأي المشهور ـ أي أنّ علمه (عليه السلام) حضوري لا حصولي ـ فنقول : هل أنّ علمه (عليه السلام) حاضر عنده بالفعل ـ بمعنى أنّ المعلومات منكشفة عنده فعلاً ـ أو حاضر عنه بالقوّة ـ بمعنى متى ما أراد وأشاء أن يعلم علم ـ ؟

وظاهر المشهور هو الأوّل ، أي أنّ علمه (عليه السلام) فعلي .

وما أُثير من أنّه يلزم على هذا الرأي اتحاد علم الله تعالى مع علم المعصوم (عليه السلام) ، وبالتالي يلزم الشرك والغلوّ .

فيردّه : بأنّ هناك فروق بين علمه تعالى الحضوري وعلم المعصوم (عليه السلام) الحضوري الفعلي ، منها :

1ـ إنّ علمه تعالى قديم وعلم المعصوم حادث .


الصفحة 378


2ـ إنّ علمه تعالى علّة وعلم المعصوم معلول .

3ـ إنّ علمه تعالى عين ذاته وعلم المعصوم عرضي موهوب منه تعالى .

4ـ إنّ علمه تعالى مطلق وعلم المعصوم محدود ، بمعنى أنّه (عليه السلام) يعلم ما كان وما يكون ، وما هو كائن بمقدار ما اطلعه الله تعالى عليه ، ولا يعلم العلم المخزون المكنون الذي استأثر الله به لنفسه .

وقد ذكر علماؤنا في بحث علم الإمام (عليه السلام) مجموعة من المؤيّدات للنصوص ـ من الآيات والروايات ـ المثبتة لعموم علمه (عليه السلام) وفعليته .

هذا وقد حملوا النصوص ـ من الآيات والروايات ـ النافية لعموم علم المعصوم (عليه السلام) ، والنافية لفعلية علمه (عليه السلام) على عدّة محامل ، فلتراجع في مظانّها .

( علي . أمريكا . 27 سنة . طالب )

ثابت بسبب تعليم من الله :

السؤال : لدي عدّة أسئلة عن علم الغيب :

1ـ هل علم أهل البيت (عليهم السلام) لدنّي ؟

2ـ هل الإمام المهدي (عليه السلام) الآن مثلاً يعلم بأمر رسالتي هذه إليكم ؟ أي هل عنده علم الغيب الذي من هذا النوع ؟

3ـ ما معنى الفقرة : " ارتضاكم لغيبه " الواردة في شرح الزيارة الجامعة ؟

الجواب : بالنسبة إلى السؤال الأوّل نقول : إذا كنتم تقصدون من العلم اللدنّي العلم الذاتي الذي لا يحتاج إلى تعليم حتّى بالطرق غير المتعارفة ـ وذلك كما هو الحال في علم الله سبحانه ـ فالجواب : كلا ، إنّ علمهم ليس علماً لدنّياً


الصفحة 379


بالمعنى المذكور ، كيف وأمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : " إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علّمني ألف باب من العلم ، يفتح كُلّ باب ألف باب " (1) .

كيف وعندهم الصحيفة الجامعة ، التي فيها علم كُلّ شيء حتّى أرش الخدش ، كيف والمولود منهم إذا وُلد ضرب لـه عمود من نور يرى من خلاله الأشياء ، كيف وهم يزدادون في كُلّ ليلة جمعة ، إنّ هذا وما شاكله يدلّ على أنّ علمهم ليس ذاتياً كعلم الله تعالى .

وإن كنتم تقصدون منه العلم الذي لا يحتاج إلى تعليم بالطرق المتعارفة ، بل يحصل لهم بطرق غير متعارفة ، فنسلّم أنّ علمهم لدنّي بالمعنى المذكور .

فحصيلة الجواب إذاً : أنّه لابدّ من التفصيل ، فعلمهم لدنّي بالمعنى الثاني ، وليس لدنّياً بالمعنى الأوّل .

وبالنسبة إلى السؤال الثاني نقول : نعم ، أيّ مانع في أن يكون الإمام (عليه السلام) علم برسالتك هذه ، فإنّ علم الغيب على قسمين ، علم بالغيب من دون تعليم من الله سبحانه ، وهذا من مختصّات الله سبحانه { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } (2) ، وعلم بالغيب بسبب تعليم من الله سبحانه ، وهذا هو الثابت للنبي والإمام ، قال تعالى : { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ } (3) ، وقال : { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا }(4) .

وكان عيسى (عليه السلام) يعلم الغيب { وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ } (5) ، وكان الخضر (عليه السلام) يعلم الغيب أيضاً على ما نقل القرآن الكريم في

____________

1- الخصال : 572 .

2- الأنعام : 59 .

3- آل عمران : 179 .

4- الجنّ : 26 ـ 27 .

5- آل عمران : 49 .


الصفحة 380


القصّة التي دارت بينه وبين موسى (عليه السلام) : { وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ... } (1) .

وجاء في نهج البلاغة : أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما أخبر عن التتار بقولـه: " كأنّي أراهم قوماً كأنّ وجوههم المجانُّ المطرّقة ، يلبسون السَرَق والديباج ، ويعتقبون الخيل العتاق ... " ، فقال لـه بعض أصحابه : لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ؟ فضحك (عليه السلام) وقال للرجل ـ وكان كلبياً ـ : " يا أخا كلب، ليس هو بعلم الغيب ، وإنّما هو تعلّم من ذي علم ... " (2) .

وبالنسبة إلى السؤال الثالث نقول : معناها واضح ، وهو أنّهم (عليهم السلام) يعلمون الغيب ، بسبب التعليم من قبل الله سبحانه ، فالعلوم الغيبية الثابتة لله سبحانه قد ثبت بعضها لهم (عليهم السلام) كما قال تعالى : { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ } (3) ، { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } (4) .

( سامي جحهف . اليمن . زيدي . 19 سنة . طالب )

لا يتنافى مع قولـه { لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ }

السؤال : قال الله تعالى : { وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ }(5) فقد نفى الله أن يكون النبيّ يعلم الغيب ، فكذلك من هم أقلّ منه منزلة ، وهم الأئمّة فما هو ردّكم ؟

الجواب : إنّ عقيدتنا في علم المعصوم (عليه السلام) تتلخّص فيما يلي :

أ ـ علمهم (عليهم السلام) علم لدنّي ، أي أعطي من قبل الله تعالى كرامةً لهم .

____________

1- الكهف : 80 .

2- شرح نهج البلاغة 8 / 215 .

3- آل عمران : 179 .

4- الجنّ : 26 ـ 27 .

5- التوبة : 101 .


الصفحة 381


ب ـ يعلمون الغيب بصراحة القرآن : { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ... } (1) .

ج ـ إنّ حدود علمهم (عليهم السلام) من جهة الكمّية والكيفية تتبع إرادة الله تعالى ، فلا يكون ذاتياً ولا أزلياً .

د ـ إنّهم (عليهم السلام) ليسوا مكلّفين بالعمل على طبق هذا العلم ، بل وليست وظيفتهم إظهاره في كافّة الموارد .

وعليه ، فكثيراً ما كانوا يتعاملون مع الواقع الموجود على ضوء العلوم العادّية والظاهرية بدلاً من علم الغيب ، لمصالح شتّى ذكرت في مظانّها .

وبناءً على ما ذكرنا ، فإنّ عدم العلم المذكور في الآية هو بالنظر إلى العلوم العادّية ، لا العلم اللدنّي المسمّى بعلم الغيب ، وهذا نتيجة الجمع بين الأدلّة في المقام .

ولتقريب المعنى نذكر مورداً آخر يدلّ بوضوح على الموضوع ، فمثلاً : يخاطب القرآن النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالنسبة لبعض المنافقين ويقول : { وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ... } (2) ، أي كان ممكناً أن يعرّف الله تعالى المنافقين بواسطة الوحي للنبي (صلى الله عليه وآله) ، على أنّه (صلى الله عليه وآله) كان بإمكانه أيضاً أن يتعرّف عليهم ـ المنافقين ـ من خلال العلم العادي .

فالنتيجة : إنّ إعطاء علم الغيب للمعصوم (عليه السلام) لا ينكر ، وهذا بمعنى قابليته (عليه السلام) لهذا المقام ، وأمّا تطبيقه لـه في الموارد المختلفة ، فذلك أمر آخر .

____________

1- الجنّ : 26 ـ 27 .

2- محمّد : 30 .


الصفحة 382


عمر بن الخطّاب :

( ... . الكويت . ... )

عدم انطباق ما جاء في الإنجيل عليه :

السؤال : جاء في مقالة لأحد الكتّاب السنّة ، وهي : ورغبة منّا في بيان بعض صفات الفاروق في أسفار أهل الكتاب ، نقول : قد وردت نبوآت كثيرة ومتواترة في أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله) ، جاءت تترى في كتب اليهود والنصارى ، ومن ذلك :

يقول النبيّ زكريا وفي سفره : ابتهجي يا بنة صهيون ، اهتفي يا بنت أورشليم ، هو ذا ملكك يأتي إليك ، هو عادل ومنصور ، وديع وراكب على حمار ، وعلى جحش بن آتان ، واقطع المركبة من افرايم ، والفرس من أورشليم ، وتقطع قوس الحرب ، ويتكلّم بالسلام ـ أي الإسلام ـ للأُمم ، وسلطانه من البحر إلى البحر ، ومن النهر إلى أقاصي الأرض " سفر زكريا 9 / 9 طبعة البروتستنتية ـ دار الكتاب المقدّس " .

وأورشليم هي القدس ، والمَلِك الذي فتح القدس بالصلح والموادعة هو قطعاً عمر ، وأبرز صفة فيه هي العدل ، وقد ركب عمر في طريقه إلى بيت المقدس ، وهذا مصداق لقولـه : يأتي إليك ، وراكب على جحش ابن آتان ، وهو البرذون ، وقد حاول القسّ المسيحي وليم باركلي في كتابه تفسير العهد الجديد ، أن يزوّر هذه البشارة فيقول : حاول بعض مفكّري وعلماء الإسلام أن يثبتوا هذه البشارة على أحد خلفائهم ، الذي أتوا بعد محمّد ، والصحيح أنّ كلامهم باطل ، بل المبشّر به هو الربّ يسوع المسيح ، عندما يأتي في


الصفحة 383


الدينونة ، يدين الناس بالحقّ ، والكلمة في آخر العالم " تفسير العهد الجديد : 174 " .

وأقول أنا : أنّ كلامه في غاية الهذيان والبطلان ، لأنّ هذا الملك هو بشر ، وليس ربّ وإله !! ثمّ إنّه من زمن زكريا إلى زمن عيسى إلى ما بعدهم لم يأت ملك عادل تدين لـه القدس ، بل كانت القدس تحت السيطرة الوثنية للرومان المحتلّين بحكم الحديد والنار ، وأوّل فتح إسلامي للقدس هو في زمن الفاروق ، بل وهو الذي أتى بنفسه لفتحها بكُلّ وداعة وعدل ، فليتأمّل كُلّ من ورم أنفه !!

ولو تأمّلت قليلاً ، وركّزت ذهنك برهة ، لوجدت أنّ الصفات التي جاءت في حقّ الفاروق ، كالتالي : عادل ، منصور وديع ، راكب على حمار !!

إنّها ثلاثة صفات تدلّ على الفاروق خاصّة ، في مسيره نحو بيت المقدس ، وتجد كُلّ صفة منها مفصول بينها حرف : العطف " واو " ، والذي يلفت النظر بحقّ ، أنّنا لو رتّبنا الحروف الأُولى من هذه الصفات لوجدنا : عادل = ع ، منصور = م ، راكب حمار = ر ، فإنّ النتيجة تكون : عمر !!

وممّا يؤكّد ذلك أيضاً ، ما جاء في سفر حبقوق قدامه : ذهب الوباء ، وعند رجليه خرجت الحمى ، وقف وقاس الأرض نظر فرجفت الأُمم ، ودكّت الجبال الدهرية ، وخسفت آكام القدم ، مسالك الأزل لـه ، رأيت خيام كوشان تحت رجليه ، وجفّت أرض مدين " سفر حبقوق قدامة 3 / 5 " .

وأنا أقول : من الذي ظهرت في طريقه الحمى ؟ ألم تسمعوا بطاعون عامواس ! وكيف أنّه ظهر في مقدم عمر إلى القدس ، ومن الذي دكّت الجبال الدهرية على يديه ـ فارس والروم ـ ؟

من الذي صارت خيام كوشان ـ هي مصر كما جاء في قاموس الكتاب المقدّس ـ تحت رجليه ؟ انتهى كلام الكاتب السنّي .

وبالتالي فإنّه يستدلّ على صحّة خلافة عمر بن الخطّاب بما جاء في كتب أهل الكتاب ، مثلما جاءت البشارات في رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله) .

فنرجو منكم الردّ على هذا الاستدلال ، ولو كان ردّاً مختصراً ، وفّقكم الله لمرضاته .


الصفحة 384


الجواب : في الإجابة عدّة نقاط :

الأُولى : إنّ الكتاب المقدّس " العهد القديم " ـ وكما هو معروف ـ قد كتب باللغة العبرانية ، وهذا ما اتفق عليه معظم علماء الكتاب المقدّس ، إذ إنّها كانت اللغة السائدة في ذلك الزمان ، ومن ثمّ ترجم إلى اللغات الأُخرى ، كاليونانية والإنكليزية والعربية ، وغيرها .

ومعظم النسخ الأصلية لهذا الكتاب مفقودة ، وأقدم نسخة التي وجدت تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد ، وهي ناقصة ، إذ لا تحتوي إلاّ على بعض الأسفار من العهد القديم ، وهذا أحد أسباب الشكّ في نسبة هذا الكتاب كُلّه إلى الوحي الإلهي .

الثانية : فيما يخصّ سفر زكريا ، فإنّ علماء الكتاب المقدّس قسّموا هذا السفر إلى قسمين : الأوّل يبدأ من الإصحاح " 1 ـ 8 " ، وأمّا القسم الثاني فإنّه يبدأ من الإصحاح " 9 ـ 14 " .

ومن يطالع هذا السِفر يجد الاختلاف في الأسلوب بين القسمين ، حتّى شاعت بين العلماء نسبة هذا السِفر إلى كاتبين مختلفين ، وحاولوا بشتّى الوسائل حلّ هذا الاختلاف ، لكي لا يفقد هذا السِفر قيمته ، وبالتالي يؤدّي إلى التشكيك بصحّة العهد القديم .

ولكن للاختصار نترك البحث في هذه المسألة ، ونسلّم بأنّ كاتب السِفر هو النبيّ زكريا (عليه السلام) .

وأمّا النصوص :

1ـ أمّا قول الكاتب السنّي : هو ذا ملكك يأتي إليك .

فالمشهور أنّ الخليفة الثاني لم يكن ملكاً لأورشليم ولا لفلسطين ، بل كُلّ ما في الأمر أنّه قدم إلى بيت المقدس ـ سنة 15 أو 16 هجرية ـ لعقد الصلح مع أهلها ، ودفعهم للجزية ، ولم يلبث فيها إلاّ أيّاماً معدودة ، ومن ثمّ عاد إلى المدينة ، فهو لم يحكم أورشليم ، ولا استفاد أهلها بظلّ عدله !!


الصفحة 385


فهل ينطبق هذا على كون ملك أورشليم المنتظر ، الذي بشّر به النبيّ زكريا (عليه السلام) هو الخليفة الثاني ، والذي لم يمكث في بيت المقدس إلاّ أيّاماً ؟!

2ـ وأمّا الصفات التي ذكرها الكاتب ، وحاول جاهداً إلباسها للخليفة الثاني ، كي تنطبق عليه ما جاء في سِفر زكريا (عليه السلام) ، فهي غير صحيحة ، لأنّ الكاتب يقول عند ذكر صفة هذا الملك : عادل ومنصور وديع ... ، ويفسّر منصور وديع ، أي الذي فتح القدس بالصلح والموادعة ، وهذا خلاف ما يفهم من النصّ ، فالوديع هنا صفة للملك ، وليست صفة للنصر ، ولأنّ المشهور والمعروف عن الخليفة الثاني ـ بل تكاد تكون أبرز صفة فيه ـ هي غلظته وشدّته وقساوته ، وهذا ما تواترت به كتب التاريخ والحديث ، ولهذا فإنّ الكاتب السنّي ، وهروباً من هذه الحقيقة ، جعل صفة " وديع " للنصر ، وهذا ما لا يرضاه أيّ باحث لـه إلمام بسيط باللغة العربية .

وحتّى ما فسّره الكاتب بالفتح بوداعة ، فهو مردود أيضاً ، فإنّ الصلح كان بعد معارك بين المسلمين ، وأهل ايليا ، فهذا الأزدي يذكر : أنّ أهل ايليا قاتلوا المسلمين ساعة ثمّ انهزموا ، ثمّ قاتلوهم ثمّ انهزموا إلى داخل حصونهم ، بل يضيف الواقدي : " ولم يزل أبو عبيدة ينازل أهل بيت المقدس أربعة أشهر كاملة ، وما من يوم إلاّ ويقاتلهم قتالاً شديداً " (1) ، ومن بعد هذه المعارك جاء عمر وعقد الصلح ، فهل يعني ذلك أنّ فتح أورشليم كان عن وداعة !!

3ـ وأمّا قولـه : بأنّ أبرز صفة فيه هي العدل ، ففي ذلك أيضاً شكّ ، فإنّ الخليفة الثاني هو أوّل من أعطى العطايا على السابقة ، وفرّق بين المسلمين في العطاء ، وفي الواقع هو أوّل من أرسى النظام الطبقي في المجتمع الإسلامي ، والذي كان نتيجة طبيعية لهذا التمايز في الفرض والعطاء ، حتّى وصل ذروته في زمن الخليفة الثالث ، الذي انتهج سيرة عمر .

____________

1- فتوح الشام 1 / 224 .


الصفحة 386


ولعلّ أحد الأسباب غير الظاهرية لحرب الجمل في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام) ، هي رفض أمير المؤمنين (عليه السلام) التفاضل في العطاء بين المسلمين للسابقة ، ممّا دفع بعض الصحابة الأوائل ـ كطلحة والزبير ـ إلى اتخاذ مواقف سلبية من أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وإشعال نار الفتنة والحرب ضدّه .

4ـ وما ذكره الكاتب حول ركوب الخليفة الثاني للبرذون ، فنقول :

أوّلاً : لماذا لم يشر الكاتب إلى أنّ هذا الملك الموعود يكون راكباً على حمار كما ذكر النصّ ؟

والجواب : لأنّ المؤرّخين بلا استثناء ما ذكر أحداً منهم أنّ الخليفة الثاني ركب الحمار عند خروجه من المدينة إلى بيت المقدس ، بل اختلفوا في أنّه امتطى فرساً أو ناقة ، ولهذا نرى الكاتب يغمض عينيه عن هذا المقطع .

وثانياً : حتّى ما ذكره حول ركوب الخليفة للبرذون غير مقبول ، وذلك لأنّ الخليفة لم يركب البرذون إلاّ للحظة واحدة فقط ، فهذا ابن كثير يقول : ثمّ سار عمر إلى بيت المقدس من الجابية وقد توحّى فرسه ، فأتوه ببرذون فركبه ، فجعل يهملج به ، فنزل عنه وضرب وجهه ، وقال : لا علم الله من علّمك هذا من الخيلاء (1) ، وأضاف الواقدي : " قال عمر : احسبوا ، احسبوا ، ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا ، فأتى بجمله فركبه " .

وقال الطبري : " ثمّ دعا بفرسه بعد ما أجمه أيّاماً يوقحه فركبه ، ثمّ سار حتّى انتهى إلى بيت المقدس ... ولم يركب برذوناً قبله ولا بعده " (2) .

فليت شعري هل يعقل أن يتنبأ النبيّ زكريا (عليه السلام) بملك أورشليم العظيم ، والمنتظر بصفة كانت لـه للحظة واحدة ، وهي ركوبه للبرذون ؟!

5ـ وأمّا ردّه على القسّ المسيحي ، فذلك أيضاً فيه نظر ، وذلك لأنّ النبيّ زكريا (عليه السلام) عندما ذكر نبؤته ، كان يعلم أنّ المسيح (عليه السلام) ليس ربّاً ولا إلهاً ،

____________

1- البداية والنهاية 7 / 67 .

2- تاريخ الأُمم والملوك 3 / 106 .


الصفحة 387


بل هذا من تحريفات النصارى ، الذين ألبسوا المسيح (عليه السلام) ثوب الألوهية زوراً وبهتاناً .

6ـ وأمّا ترتيبه للحروف بهذا الشكلّ ، فليس عليه دليل إلاّ الحمية والعصبية ، فيا ترى لو تأمّل أيضاً قليلاً ، ورتّب الحروف من الحرف الرابع ، لكانت النتيجة : ب و ل = مادّة نجسة !! فهل هذا يحسب تنبّؤاً ؟!

وذكره عن سِفر حبقوق ، فالأمر اغرب ، فقد تكلّف الكاتب السنّي كثيراً ، واكتفى بنقل مقتطفات من النصّ ، وليته لم يفعل ، وهنا سنبيّن النصّ كاملاً ، ولنرى هل ينطبق على الخليفة الثاني أم لا ؟!

وإليك هذا النصّ : الله جاء من تيمان ، والقدّوس من جبل فاران ، سلاه ، جلاله غطّى السماوات ، والأرض امتلأت من تسبيحه ، وكان لمعان كالنور ، لـه من يده شعاع ، وهناك استتار قدرته ، قدامه ذهب الوباء ، وعند رجليه خرجت الحمى ... .

فالضمير في " قدامه " يعود إلى القدّوس الآتي من جبل فاران ، ولا أدري كيف لم يلتفت إلى هذه المسألة البديهية الكاتب السنّي ، فهو يصف القدّوس بأنّ " جلاله غطّى السماوات و ... " ، فهل تنطبق هذه الصفات على الخليفة الثاني ؟! يا حبّذا لو يبيّن الكاتب السنّي ذلك لنستضيء بعلمه .

وختاماً نقول : إنّ الذي يُؤذي ويُغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يستحقّ أن يكون خليفة للمسلمين ، والخليفة الأوّل والثاني قد أغضبا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وذلك كما نُقل عن صحيح البخاري : أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال عن فاطمة (عليها السلام) : " فإنّما هي بضعة منّي ، يريبني ما أرابها ، ويؤذيني ما آذاها " (1) ، وأيضاً هجرها لأبي بكر ، وأنّها لم تكلّمه حتّى توفّيت (2) .

____________

1- صحيح البخاري 6 / 158 .

2- المصدر السابق 5 / 82 .


الصفحة 388


والمعروف والمشهور أنّ فاطمة (عليها السلام) خرجت من الدنيا وهي غاضبة على أبي بكر وعمر ، وأمرت أمير المؤمنين (عليه السلام) أن لا يسمح لأبي بكر وعمر حضور تشييع جنازتها ، ولهذا فقد دفنت ليلاً .

( العجمي . عمان . ... )

650
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

السؤال : ما هي تسبيحة الزهراء ؟ وكيف تكون ؟
الفرق بينه وبين النسخ :
السؤال : هل صحيح بأنّ الإمام الرضا (عليه السلام) ...
السؤال: نشكركم على جهودكم في إفادة الناس ...
ما هي الآية الكريمة التي حددت العلاقة بين الزوج ...
السؤال : هل صحيح أنّ سيف ذو الفقار للإمام علي ...
هل استدل أمير المؤمنين (ع) على خلافته بحديث الغدير
ما كان اسم الخضر عليه السلام عندما ظهر في أيام ...
شبهات حول الشیعة
السؤال : هل عصمة النبيّ والأئمّة (عليهم السلام) ...

 
user comment