عربي
Sunday 17th of January 2021
600
0
0%

عدم التكلّف في البحث عن عدالة الصحابة

عدم التكلّف في البحث عن عدالة الصحابة :
ذهب جماعة إلى تجويز المعصية على الصحابة ، ولكنهم توقفوا في البحث عن عدالتهم وطلب التزكية لهم ، ونسب هذا الرأي إلى ابن الاَنباري وغيره ، حيث قالوا : (وليس المراد بكونهم عدولاً : العصمة واستحالة المعصية عليهم ، إنّما المراد أن لا نتكلّف البحث عن عدالتهم ولا طلب التزكية لهم) (2).
وهذا الرأي غير تام ، فلو جوزنا على الصحابة المعصية ، فإنّ هذا يستلزم البحث عن عدالتهم وطلب التزكية لهم ، لمعرفة العادل منهم والفاسق ، وهذه المعرفة ضرورية لتحديد معالم الدين في التفسير وفي السُنّة ، وتشخيص صحة الرواية بلحاظ رواتها ، وهي ضرورية في كتابة التاريخ وأخذ العبر والتجارب منه ، وقد ألفت الكتب في الجرح والتعديل
____________
1) المستصفى ، للغزالي 2 : 257 ـ المدينة المنورة 1413 هـ .
2) شرح الكوكب المنير 2 : 477 في الهامش هذا القول لابن الانباري وغيره .


( 117 )

في جميع مراحل المسيرة الاِسلامية ، وهو أمر مألوف إلى يومنا هذا .

الرأي الثالث : عدالة جميع الصحابة قبل دخولهم في الفتنة :
ذهب البعض إلى عدالة جميع الصحابة إلى حين وقوع الاختلاف والفتن فيما بينهم ، فلا بدَّ من البحث في العدالة عن الصحابي إذا لم يكن ظاهر العدالة (1)، وذهب المعتزلة إلى عدالة الجميع باستثناء من قاتل الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام فهو فاسق مردود الشهادة (2).
ورأي المعتزلة غير مقبول عند الجمهور الذين يرون عدالة جميع الصحابة حتّى من قاتل الاِمام عليّ عليه السلام ، قال ابن كثير : (وقول المعتزلة : الصحابة عدول إلاّ من قاتل علياً ، قول باطل مرذول ومردود ، وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : عن ابن بنته الحسن بن علي... « إنّ ابني هذا سيّد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » ، وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الاَمر... وسمي عام الجماعة... فسمى الجميع مسلمين...) (3).
وهذا الوجه لا يصحُّ الاستدلال به على عدالة جميع الصحابة ، وغاية ما يدل عليه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمى الفئتين بالمسلمين ، وإطلاق اسم المسلم على فرد أو جماعة لا يستفاد منه العدالة ، فليس كل مسلم عادلاً ، لاَنّ التسمية تطلق على من شهد الشهادتين وإن كان فاسقاً أو كان منافقاً مستتراً ، بل إنّ كلمة الاِسلام تطلق حتى على مرتكب الكبائر ماعدا الشرك
____________
1) الاِحكام في أصول الاَحكام 2 : 320 .
2) المصدر السابق نفسه .
3) الباعث الحثيث في شرح علوم الحديث : 177 .


( 118 )

بالله تعالى .
ومثل ذلك ما قاله محمد بن إسحاق ، كما حكى عنه البيهقي : (وكل من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إمارته فهو باغ) ، وأضاف البهيقي:( على هذا عهدت مشايخنا وبه قال ابن إدريس الشافعي... ثم لم يخرج من خرج عليه ببغية عن الاِسلام) (1).
وغاية ما يستدل بهذا القول : إنّ الباغين على الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام لم يخرجوا عن الاِسلام ، وعدم الخروج عن الاِسلام لا يستلزم العدالة .

الرأي الرابع : تأويل مواقف الصحابة :
إنّ عدالة جميع الصحابة لم تثبت حسب موازين الجرح والتعديل ، فقد ارتكب بعضهم أفعالاً ظاهرة الانحراف والفسق ، ومن أجل الحفاظ على نظرية عدالة الجميع ، ذهب جمهور من علماء العامّة إلى ضرورة تأويل مواقفهم بما ينسجم مع القول بالعدالة .
قال ابن حجر الهيتمي : (إعلم أنَّ الذي أجمع عليه أهل السُنّة والجماعة أنّه يجب على كلِّ مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم ، والكفّ عن الطعن فيهم... والواجب أن يلتمس لهم أحسن التأويلات، وأصوب المخارج ، إذ هم أهل لذلك) (2).
ولهذا أوّلوا ما ارتكبه بعض الصحابة من معاصي وإن كانت من الكبائر ،
____________
1) الاعتقاد على مذهب السلف ، للبيهقي : 219 دار الكتب العلمية ـ بيروت 1406 هـ ط2 .
2) الصواعق المحرقة : 325 .


( 119 )

بأنّ ما ارتكبوه قد صدر منهم عن اجتهاد وتأويل ، ومن ذلك بغي معاوية وعمرو بن العاص على الاِمام علي بن أبي طالب عليه السلام وما رافق ذلك البغي من سفك الدماء وقتل خيرة الصحابة كعمّار وخزيمة بن ثابت وحجر بن عدي وآخرين .
قال ابن حجر : (وفئة معاوية وإن كانت هي الباغية ، لكنّه بغي لا فسق به ، لاَنّه صدر عن تأويل يعذر به أصحابه) (1).
ولم يكتف القائلون بالتأويل بذلك ، فترقّى بهم الحال ليدّعوا أنّ للبغاة أجراً على بغيهم :
قال ابن كثير : (... لاَنّهم وإن كانوا بغاة في نفس الاَمر ، فإنّهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال ، وليس كل مجتهد مصيباً ، بل المصيب له أجران ، والمخطيء له أجر) (2).
وقال ابن حزم : (وعمّار رضي الله عنه قتله أبو العادية يسار بن سبع السلمي ، وقد شهد بيعة الرضوان ، فهو من شهداء الله له بأنّه علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه ورضي عنه ، فأبو العادية... متأول مجتهد مخطيء فيه باغ عليه مأجوراً أجراً واحداً) (3).
وذكر ابن حجر الرواية المشهورة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله لعمّار بن ياسر : « تقتلك الفئة الباغية » وأردفها بالقول : (إخبار من الصادق المصدّق رضي الله عنه أنّ معاوية باغ على عليّ ، وأنّ عليّاً هو الخليفة الحق) .

____________
1)الصواعق المحرقة : 328 .
2) السيرة النبوية ، لابن كثير 2 : 308 .
3) الفصل في الاَهواء والملل والنحل 4 : 161 .


( 120 )

وقال : وجوابه أنّ غاية ما يدل عليه هذا الحديث أنّ معاوية وأصحابه بغاة... ذلك لا نقص فيه ، وأنّهم مع ذلك مأجورين غير مأزورين...) (1).
وعلى الرغم من القول بالتأويل ، إلاّ أنّهم خرموا القاعدة في رأيهم بقتلة عثمان بن عفّان ، قال ابن حجر : (... إنَّ الذي ذهب إليه كثيرون من العلماء أنّ قتلة عثمان لم يكونوا بغاة ، وإنّما كانوا ظلمة وعتاة لعدم الاعتداد بشبههم ، ولاَنّهم أصرّوا على الباطل بعد كشف الشبهة وإيضاح الحقّ لهم)(2)» .
والرأي في قتلة عثمان ينقض قاعدة التأويل ، بل ينقض عدالة جميع الصحابة ، لاَنَّ بعض الصحابة قد فسقوا بقتلهم عثمان كما يدّعون ، فما هو الملاك في التأويل ؟! فإذا كان قتلة عثمان قد قتلوا شخصاً واحداً ، فإنّ معاوية ومن معه قتلوا آلاف المسلمين وعشرات الصحابة ، بل استمر معاوية على هذا النهج وقتل جماعة من أخيار الصحابة حينما تسلط على المسلمين بقوة السيف ، فلماذا نبرّر لمعاوية بغيه على الخليفة الحق وسفكه الدماء ، ولا نبرّر لبعض الصحابة مشاركتهم في قتل عثمان ؟ فما هو المرجح في التبرير ؟
ولماذا يبرّر لابن ملجم قتله الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام كما ورد عن البيهقي أنّه قال : (ولا خلاف بين أحد من الاُمة أنّ ابن ملجم قتل علياً متأولاً مجتهداً مقدّراً على أنّه على صواب) (3).

____________
1) تطهير الجنان : 42 .
2) الصواعق المحرقة : 326 .
3) السنن الكبرى 8 : 58 .


( 121 )

فالحق أنّه لا ملاك في تأويل أخطاء الصحابة إلاّ ولاء المؤرخين وبعض العلماء إلى الوضع السياسي الغالب ـ لا سيّما أيام معاوية بن أبي سفيان ـ وإظهاره بأفضل صور العدالة .
نقض التأويل والاجتهاد :
لو سايرنا الرأي الذي يبرّر لبعض الصحابة ما ارتكبوه من أعمال وممارسات ، سفكت فيها الدماء وتشتت فيها إلفة المسلمين وتخلخلت جبهتهم الداخلية ، تحت ذريعة التأويل والاجتهاد ، فإننا نقطع بأنّ بعض الصحابة كمعاوية وعمرو بن العاص غير متأولين وغير مجتهدين في بغيهم على الاِمام عليّ عليه السلام وسفكهم الدماء ، وإنّما بغوا عليه متعمِّدين ، وليس مطالبتهم بدم عثمان إلاّ ذريعة واهية ، وفيما يلي نستعرض الظروف والوقائع التي تؤكد تعمدهم في البغي بلا تأويل ولا اجتهاد .
أولاً : عدم نصرة عثمان في حياته :
إنَّ المطالبين بدم عثمان لم ينصروه في حياته وهم قادرون على ذلك ، فقد أوصى معاوية قائد جيشه أن يرابط قرب المدينة في زمن حصار عثمان ، وقال له : (إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها ، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب) . فأقام قائده بذي خشب حتى قُتل عثمان، وحينما سئل جويرية عن ذلك قال : (صنعه عمداً ليُقتل عثمان فيدعو إلى نفسه) (1).

____________
1) تاريخ المدينة المنورة 4 : 1289 .


( 122 )

ولهذه الحقيقة أدلة وشواهد كثيرة ، فحينما طلب معاوية من عبدالله بن سعد بن أبي سرح البيعة أجاب : (ما كنتُ لاُبايع رجلاً أعرف أنّه يهوى قتل عثمان) (1) .
وقال عمرو بن العاص لمعاوية : (إنَّ أحق الناس ألاّ يذكر عثمان لا أنا ولا أنت... أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام ، واستغاثك فأبطأت ، وأما أنا فتركته عياناً) (2).
وكان ابن العاص يحرّض على قتل عثمان حتى الراعي في غنمه ، وحينما سمع بمقتله قال : (أنا أبو عبدالله ، أنا قتلته وأنا بوادي السباع) (3).
فالذي تباطأ عن نصرة عثمان والذي حرّض الناس على قتله هل يكونا مجتهدين في المطالبة بدمه ؟ إلاّ أن نقول إنّ التباطؤ والتحريض هو اجتهاد للوصول إلى الخلافة ، واجتهد معاوية أيضاً حينما أصبح خليفة بترك ما يسميهم قتلة عثمان خوفاً على سلطانه (4)!!
فلا ميزان ولا مقياس للاجتهاد عند أصحاب هذا الرأي ، وهذا التبرير مخالف للقواعد الثابتة للاِسلام ، فالاِسلام ثابت بموازينه وقيمه ، والمسلمون هم الذين يقتربون ويبتعدون عن تلك الموازين والقيم ، فيصيبون ويخطؤون ، ومن الاَفضل للباحثين أن يصفوا الاَشخاص بالوصف الذي يستحقونه دون تبرير حفاظاً على سلامة الموازين والقيم
____________
1) تاريخ المدينة المنورة 4 : 1153 .
2) الاِمامة والسياسة 1 : 98 .
3) الكامل في التاريخ 3 : 275 .
4) أنساب الاَشراف 1 : 125 .


( 123 )

الاِسلامية الثابتة .
ثانياً : عدم اتّباع الاسلوب المشروع في القصاص :
إنَّ طاعة الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام واجبة على معاوية وجميع أهل الشام ، وهذا متسالم عليه عند فقهاء السُنّة في وجوب طاعة الاِمام المبايع من قبل أهل الحل والعقد (1).
وقد حاجج الاِمام عليّ عليه السلام معاوية بما هو مرتكز عند المسلمين ، من أنّ طاعة الخليفة المبايع واجبة على بقية الاَمصار ، فقال في كتابه إليه : «إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشّاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يردَّ ، وإنَّما الشورى للمهاجرين والاَنصار ، فإنَّ اجتمعوا على رجلٍ وسمّوهُ إماماً كان ذلك لله رضىً ، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعنٍ أو بدعةٍ ردّوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتِّباعه غير سبيل المؤمنين » (2).
فطاعة الاِمام عليّ عليه السلام واجبة ، والاَمر في القضاء والقصاص من اختصاصه ، ولا حق لاَحد من الاُمّة التدخل في ذلك ، لاَنّ ذلك يؤدي إلى الاضطراب والتشتت وضعف النظام ، فالاسلوب المنطقي والشرعي أن يدخل معاوية في الطاعة ثم يطالب بالقصاص ـ لو كان له حق المطالبة لقرابته من عثمان ـ وفي ذلك كتب الاِمام عليّ عليه السلام إلى معاوية : « فأمّا طلبك قتلة عثمان ، فادخل في الطاعة ، وحاكم القوم إليَّ ، أحملك وإياهم
____________
1) الاحكام السلطانية ، للماوردي : 7 . وأُصول الدين ، لعبدالقاهر البغدادي : 280 .
2) نهج البلاغة : 366 ـ 367 الكتاب 6 .


( 124 )

على كتاب الله وسُنّة رسوله» (1).
فالواجب على معاوية الطاعة أولاً ثم طلب المحاكمة وانتظار الحكم النهائي فهو الذي يحدّد استدامة البيعة للخليفة أو الخروج عليه ، ولكنه التجأ إلى اُسلوب البغي والعدوان ، وحينما أحسَّ بقرب انتصار الاِمام عليّ عليه السلام رفع المصاحف والتجأ إلى الصلح وترك المطالبة بدم عثمان .
ثالثاً : إلقاء الحجّة :
إنَّ اجتهاد معاوية باطل ، لاَنَّ الحجة ملقاة عليه ، فقد وردت أحاديث مستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تؤكد على فضائل الاِمام عليّ عليه السلام ووجوب موالاته ، ومنها حديث الغدير قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه» وهذا الحديث أخرجه (الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جداً ، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد ، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان) (2) .
وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للاِمام علي وفاطمة والحسن والحسين: : «أنا سلمٌ لمن سالمتم ، وحربٌ لمن حاربتم » (3).
وقوله للاِمام عليّ عليه السلام : « لا يحبّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافق » وقد ورد بألفاظ متنوعة ترجع إلى معنى واحد (4).

____________
1) شرح نهج البلاغة 9 : 294 .
2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، لابن حجر العسقلاني 7 : 61 دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1402هـ ط2 .
3) سنن ابن ماجة 1 : 52 . وسير أعلام النبلاء 2 : 122 .
4) صحيح مسلم 1 : 86 . وسنن الترمذي5 : 635 . وسنن ابن ماجة 1 : 42 . وتاريخ بغداد2 : 255 .


( 125 )

والبغي أشدُّ صور البغض ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حول عمّار بن ياسر ـ كما تقدم ـ واضح الدلالة في أنّه سيُقتَل من قبل الفئة الباغية الناكبة عن الطريق ، وقد أُلقيت الحجّة على معاوية وابن العاص ، وهي واضحة لا لبس فيها ولا غموض ، كما جاء في الرواية التالية : (وقد كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمّار بن ياسر : «تقتلك الفئة الباغية... » فكان ذو الكلاع يقول لعمرو : ما هذا ويحك يا عمرو ؟ فيقول عمرو : إنّه سيرجع إلينا ، فقُتل ذو الكلاع قبل عمّار مع معاوية ، وأُصيب عمّار بعده مع الاِمام عليّ عليه السلام ، فقال عمرو لمعاوية : ماأدري بقتل أيُّهما أنا أشد فرحاً... والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمّار لمال بعامة أهل الشام إلى عليّ) (1).
وهذه الرواية تبيّن لنا أنّ الحقّ واضح حتى عند معاوية وابن العاص ، فلا مجال للاجتهاد بعد وضوح الحجّة .
رابعاً : الاعتراف ببطلان الموقف :
اعترف عمرو بن العاص ببطلان موقفه من الاِمام عليّ عليه السلام ، كما ظهر في كلامه مع معاوية حيثُ قال له : (أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة فانّ في النفس من ذلك ما فيها ، حيثُ نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته ، ولكن إنّما أردنا هذه الدنيا) (2).
واستشار ابن العاص ولديه ، فأشار عليه عبدالله بعدم الالتحاق بمعاوية، وأشار عليه محمد بالالتحاق ، فقال ابن العاص : (أما أنت
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 311 .
2) تاريخ الطبري 4 : 561 . والكامل في التاريخ 3 : 276 .


( 126 )

ياعبدالله فأمرتني بما هو لي في آخرتي وأسلم لي في ديني ، وأما أنت يامحمّد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي ، وشرٌّ لي في آخرتي) (1).
وأشار عليه غلامه وردان بالقول : (اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت مع علي الآخرة بلا دنيا ، ومع معاوية الدنيا بغير آخرة... أرى أن تقيم في منزلك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك) ، فقال ابن العاص : (الآن حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية ؟) (2).
لم يترك الرجلان إذن مجالاً لتأويل أفعالهما ، بعد أن أفصحا عمّا في الضمائر والنوايا ، فهل تكلّف التأويل بعد كل هذه الاعترافات إلاّ تمحّل وعصبية ؟!

الرأي الخامس : الرأي المعتدل :
يرى أصحاب هذا الرأي أنّ حال الصحابة كحال غيرهم من حيث العدالة ، ففيهم العادل والفاسق ، فليس كل من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عادلاً ، وليس للصحبة دور في عدالة الصحابي ما لم يجسّد سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سلوكه ومواقفه ، فالملاك هو السيرة العملية ، فمن تطابقت سيرته مع المنهج الاِسلامي فهو عادل ، ومن خالف المنهج الاِسلامي فهو غير عادل .
وهذا هو الرأي المعتدل المطابق للواقع الموضوعي الذي أشار إليه
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 275 . وبنحوه في الاِمامة والسياسة 1 : 96 .
2) الاِمامة والسياسة 1 : 96 .


( 127 )

القرآن الكريم والسُنّة النبوية ، وأكدّته سيرة الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعده ، وقد أجمع علماء وفقهاء الشيعة على ذلك ، وتابعهم جمهور من علماء وفقهاء العامّة مخالفين للمشهور لديهم في ذلك .
ذكر السيد مرتضى العسكري الشواهد على هذا الرأي فقال : (ترى مدرسة أهل البيت تبعاً للقرآن الكريم : أنّ في الصحابة مؤمنين أثنى عليهم الله في القرآن الكريم... وكذلك تبعاً للقرآن ترى فيهم منافقين ذمهم الله في آيات كثيرة... وفيهم من أخبر الله عنهم بالافك... وفيهم من قصد اغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عقبة هرش... وإنّ التشرف بصحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس أكثر امتيازاً من التشرف بالزواج بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنّ مصاحبتهن له كانت من أعلى درجات الصحبة ، وقد قال الله تعالى في شأنهنَّ : ( يا نِسَاءَ النَّبي مَن يأتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُّبينةٍ يُضَاعَف لَها العَذابُ ضِعفَينِ... ومن يقنُت مِنكُنَّ للهِ ورَسُولهِ وتعمل صالِحاً نؤتِها أجرَها مَرّتَينِ... ) ، ثم ذكر الروايات الدالة على ما سيقوم به بعض الصحابة من أحداث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) (1).
ورأي الشيعة الاِمامية هو أوسط الآراء كما يقول السيد عبدالحسين شرف الدين : (رأي الاِمامية في هذه المسألة... أوسط الآراء ، إذ لم يفرّطوا تفريط الغلاة ، ولا أفرطوا إفراط الجمهور) (2).
وفي بحثنا هذا لم نذكر رأي الغلاة الذين يكفرّون جميع الصحابة ، لاَنّه من الآراء الشاذة المخالفة للقرآن وللسُنّة ولسيرة الصحابة وللمنطق السليم، وقد انقرض هذا الرأي ، ولا يوجد في الوقت الراهن من يقول به ،
____________
1) معالم المدرستين 97 ـ 98 . والآية من سورة الاَحزاب 33 : 30 ـ 32 .
2) الفصول المهمة ، لعبدالحسين شرف الدين : 189 مؤسسة البعثة ـ طهران ط1 .


( 128 )

فالصحابة وإن انحرف بعضهم وفسق في ممارساته العملية إلاّ أنّ صفة الاِسلام لا تسلب منه ما دام يشهد الشهادتين .
والرأي المعتدل الذي ذكرناه آنفاً ، تسالم عليه بل أجمع عليه علماء وفقهاء ومتكلمو الشيعة ، وهو الرأي الموافق للقرآن ، والموافق للسُنّة ـ كما تقدم في حديث الحوض ـ وأحاديث أُخرى ، والموافق لسيرة الصحابة حيثُ كذّب بعضهم بعضاً ، وقاتل بعضهم بعضاً ، ونسب بعضهم الفسق إلى البعض الآخر .
وعدالة جميع الصحابة لم تذكر على لسان أي صحابي ، ولم يحتجّ بها أحد من الصحابة في خضمّ الاَحداث والوقائع ، ففي جواب عائشة لخالد ابن الواشمة حينما قال فيهم : (لا يجمعهم الله في الجنة أبداً) . قالت : (أولا تدري أنّ رحمة الله واسعة وهو على كلِّ شيء قدير) (1) فلم تحتجّ عليه بالعدالة ، وإنّما أرجأتهم إلى رحمة الله تعالى .
وهذا الرأي المعتدل لم يكن من مختصات الشيعة وحدهم ، ولم ينفردوا به ، بل تابعهم عليه جمع غفير من علماء وفقهاء العامّة وصرّحوا بأنّ الصحابة غير معصومين ، ففيهم العدول وغير العدول ، ومن القائلين بهذا : سعدالدين التفتازاني ، والمارزي ، وابن العماد الحنبلي ، والشوكاني وآخرون (2) .
ومن المتأخرين محمد عبده، ومحمد بن عقيل العلوي، ومحمد رشيد رضا، والمقبلي، وسيد قطب، ومحمد الغزالي، ومحمود أبو ريّة وآخرون .

____________
1) السنن الكبرى ، للبيهقي 8 : 174 .
2) الاِمامة في أهم الكتب الكلامية : 465 .


( 129 )

فهم يقولون بقول الشيعة من أنّ العدالة مختصة ببعض الصحابة الذين استقاموا على المنهج الاِسلامي ولم يبدلّوا ولم يغيّروا .
ومن يتابع القرآن الكريم والسُنّة النبوية وسيرة الصحابة أنفسهم كما تتبعناها ، يجد صحة هذا الرأي القائل بعدم عدالة جميع الصحابة .

وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين

 

 

600
0
0%
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

زياد ابن أبيه.. أحد رمـــوز الإرهاب الأموي
جارنا التركي في الطريق إلى تجديد الخلافة
لماذا حمل الحسين (ع) عياله وأطفاله في هجرته الثورية ؟
الصوفية
خطب الإمام السجاد(عليه السلام) في الكوفة والشام ومشارف ...
نظرة على اعتقادات الإمام الخميني واهدافه وتطلعاته
مقامات أهل البيت عليهم السلام في سوريه
حركة السفياني:
مناظرة الإمام الرضا مع المأمون الرشيد في أقرب الناس ...
الموالي والنزعات الدينية

 
user comment