عربي
Tuesday 11th of May 2021
611
0
نفر 0
0% این مطلب را پسندیده اند

التجارب اللاحقة

التجارب اللاحقة:

التجربة الاولى للحكم الشيعي تجربة الادارسة دلّت على ما يمكن أن يعطيه هذا الحكم.

فقد كان عهد الادارسة عهد نشر الاسلام، واقامة العمران وبث العلم والايمان كما كان كذلك عهد العلويين في بلاد الديلم.

ولم يأت القرن الرابع الهجري حتى كان جُلّ العالم الاسلامي محكوماً من قبل الشيعة.

فالفاطميون، والبويهيون، والحمدانيّون كانوا هم سادة معظم الاقطار الاسلامية.

فماذا حدث خلال هذا الحكم الشيعي العريض؟

حدث أن القرن الرابع الهجري اعتبر عصر النهضة الفكرية الاسلامية، واعتبرت حضارته الحضارة الاسلامية الجديرة بالعناية والدرس.

ولم يكن ذلك إلاّ لان الحكم الشيعي كان يتميز بظاهرتين فذّتين ; هما:

1 ـ إطلاق الحريات العامة للمواطنين.

2 ـ تبنّي الدولة للحركات العلمية والفكرية والفنية والادبية.

الفاطميون:

ففي ظلال الحكم الشيعي عرفت الشعوب حرّية العقيدة وحرية الاعراب عن هذه العقيدة.

عند ما نزل أبو عبدالله الشيعي أرض المغرب وسيطر عليها باسم الفاطميين، أراده أخوه أبو العباس أن ينفي عن القيروان من يخالف مذهبه، فقال له أبو عبدالله: « إنّ دولتنا دولة حجة وبيان، وليست دولة قهر، واستطالة، فاترك الناس على مذاهبهم ».

ولما امتدت هذه الدولة واصلةً إلى مصر[1]، وأنشأت الجامع الازهر مقرّاً لدعوتها ; دعت المذاهب الاسلامية كلّها إلى أن تتولّى تدريس مبادئها في الجامع الازهر. فكان للمالكية خمس عشرة حلقة، وللشافعية مثلها ولاصحاب أبي حنيفة ثلاث حلقات[2].

ثم أصبحت القاهرة ملجأ للعلماء والمفكرين يفرّون إليها من الاضطهاد والفقر.

هذا القاضي أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى البغدادي، إمام الشافعية يفد إلى مصر الفاطمية فيملي من مذهبه فيها ما شاء أن يملي، ويظلّ كذلك حتى يموت سنة 441 هـ، وأبو الفتح سلطان بن إبراهيم الفلسطيني 518 هـ يفد كذلك بين العلماء الوافدين[3].

وأبو الحجاج يوسف الميورقي 523.

ومجلى بن جيع المخزومي 550[4].

والقاضي أبو الحسن الموصلي الخلعي 448[5].

وعبدالله بن رفاعة السعدي 561[6].

والقاضي القضاعي[7]. هؤلاء الخمسة ممن وفد إلى مصر وولي القضاء للفاطميين بالرغم من أنهم كانوا شافعيّي المذهب.

ولقد حرصنا على أن نختار واحداً من كل فترة لنبين أن الامر قد استمر ولم ينقطع، ولو أردنا أن ندلي بعشرات الشواهد لكانت الاسماء تحت أيدينا.

وعدا عن هؤلاء الشوافع، فمن فقهاء المالكية لجأ إلى مصر الفاطمية، أمثال محمد بن سليمان المعروف بأبي بكر النعّال، الذي كانت إليه إمامة المالكية وإليه كانت الرحلة بمصر، وكانت حلقته في الازهر الفاطمي تدور على سبعة عشر عموداً لكثرة الطلاب الذين كانوا يقصدونه 380[8].

وهناك قصة الفقيه المالكي عبدالوهاب بن علي، الذي وصفه الخطيب في تاريخ بغداد بأنه لم يُرَ في المالكية أفقه منه. هذا العالم تضيق به دنيا الاسلام فيكاد يموت من الجوع في بغداد ويتطلع إلى البلد الذي يحفظ عليه رمقه ويقيه بؤس العيش فلا يجد إلاّ مصر الفاطمية، فما أن يصل إلى مصر حتى تتلقاه الدولة بالترحاب، وتُغدق عليه المال، وتأمره بالانصراف إلى عمله. ولكن الامر لا يطول به فيمرض بالفالج، فيقول: لا إله إلاّ الله عندما عشنا متنا 422[9].

وعبدالجليل مخلوف الصقلي 499 وأبو بكر الطرطوشي محمد بن الوليد الاندلسي نزيل الاسكندرية 525 وغيرهم.

ويقول ابن أبي اُصيبعة: إنه لما وصل المهذب بن النقاش ـ وكان فاضلاً في صناعة الطب ـ إلى الشام من بغداد، أقام بدمشق مدة ولم يحصل له بها ما يقوم بكفايته، وسمع بالديار المصرية إنعام الخلفاء فيها وكرمهم وإحسانهم إلى من يقصدهم ولا سيما أرباب العلم والفضل، فتوجه إلى مصر، فوهبت له الاموال وأقام فيها مكرماً[10].

وبلغ الامر إلى أنّ الغزالي الذي هاجم الشيعة بعامّة والفاطميين بخاصة، والذي شحن كتبه بالتحامل عليهم والطعن فيهم، لم يجد آخر الامر إلاّ مصر الفاطمية بلداً يؤويه ويشجعه على مواصلة البحث والدرس[11]. وتناسى الفاطميون تعصب الغزالي واعتداءه عليهم ولم يذكروا إلاّ أنه عالم، وحق العالم عليهم حقّ كبير، وتجاهلوا ما نالهم منه في كتبه « القسطاس » و « المنقذ من الضلال » و « المستظهر » وغيرها، فأحلّوه في دولتهم على الرحب والسعة، والّف بعض كتبه ككتاب « مشكاة الانوار » في رعايتهم وبين ظهرانيهم.

الشيعة هم هم على اختلاف آرائهم:

واننا ونحن نتحدث عن حرية الفكر والقول، التي أباحها الفاطميون لكل المواطنين، لا يفوتنا أن نشير إلى أن التشيع أيّاً كانت آراؤه قد اتّخذ من الحرية والتحرير وتشجيع العلم واحترامه طريقاً لم يحد عنها أبداً، فهؤلاء الائمة الزيود الزيدية وقد استقوا من المنابع الشيعية الاولى، لم يخرجوا عن هذا الطريق حين كانت لهم السلطة المطلقة على اليمن.

لقد حدث أن آل يعفر سجنوا الحسن بن أحمد الهمداني الشهير[12]، صاحب كتاب « الاكليل » فتوهم الهمداني أن ذلك كان برأي الامام الناصر أحمد بن الامام يحيى الهادي.

فانتقم الهمداني لهذا السجن بأن ملا كتبه بالهجوم لا على من يتهمه بسجنه وحده، بل على الائمة الزيود كلّهم، وعلى قومهم.

ومع ذلك فإن هؤلاء الائمة احترموا هذه الكتب وما فيها من علم، متغاضين عن نزوات الهمداني متجاهلين أنفسهم وقومهم.

فحفظوا تلك الكتب ولم يمدوا إليها يداً بسوء فلم توجد إلاّ في خزائنهم وكان بعضها مستنسخاً بخط الائمة أنفسهم ومحفوظاً في مكاتبهم الخاصة، على حين كانوا يستطيعون إحراقها.

وحسبنا من ذلك كتاب الدامغة وشرحها، الذي ألّف للطعن بهم والانتقام منهم، ومع ذلك صانوه حتى وصل إلينا من مكتباتهم وحدها!

 

الحمدانيون:

وفي بلاد الشام حكم الحمدانيون[13]، وتلالا بطلهم سيف الدولة علي بن حمدان المتوفّى سنة 356 هـ، فإذا بحلب عاصمتهم تصبح قطب النهضة العلمية الفلسفية الشعرية الادبية، وإذا بالعلماء والشعراء والمؤلفين يفدون إلى حلب، منتجعين سيف الدولة ; فيجدون في ظلّه الحماية والرعاية والتشجيع، فيلتقي في بلاطه أمثال: الفارابي[14]، وأبي الفرج[15] والمتنبي[16]، وابن خالويه، وكل من حمل قلماً وأذكى فكراً إلى معرفة.

يقول شلمبوكر في كتابه عن القائد البيزنطي نيكفورفوكاس متحدثاً عن سيف الدولة: « هذا القائد المجاهد ـ سيف الدولة ـ لم تصرفه المعارك عن أن يجعل من حلب بيئةً خصبةً للاداب والفنون والعلوم، فقد فتح قصره لكل فنان موهوب وأديب فّذ فتوافدوا عليه من جميع الاطراف: من العراق وإيران والشام وبيزنطة وفينيسيا وجنوى. وكان يستمع إلى الشعراء ويتحبب إلى الكتّاب والمصورين، ويمنح المؤرخين الشيء الكثير من عطاياه فيعود هؤلاء إلى بلادهم حاملين إلى شعوبهم صورة رائعة من خلق الرجل العلمي وشخصيته العجيبة ».

وفي الواقع فان كلّ شيء كان يصرف سيف الدولة الحمداني عن التفكير بالعلم والفكر والادب ; فان الخطر البيزنطي كان خطراً مرعباً يهدّد الديار الاسلامية بالاكتساح فتصدّى له سيف الدولة وحده بدولته الناشئة وجيشه الصغير وقوّته القليلة.

لقد كان سيف الدولة يحكم رقعة ضيّقة الحدود منكمشة الاطراف، هي جزء من شمال سوريا، ولكنه بوطنيته الشمّاء استطاع أن يؤلّف من هذا النطاق المحدود جيشاً شجاعاً صمد للسيول البيزنطية المتحدّرة صمود الابطال، فخاض به سيف الدولة أكثر من أربعين معركة، واستطاع أن ينقل الحرب إلى الارض البيزنطية نفسها، فحمى بذلك العالم الاسلامي الذي كان يحلم البيزنطيون باستعادة سيطرتهم على الارض التي أخرجهم منها[17].

كان لسيف الدولة شاغل بهمومه الحربية ومتاعبه العسكرية عن التفكير بالعلم والشعر والفلسفة والادب. ولكن لم يشغله عن ذلك شيء فشهدت البلاد أزهى نهضة عرفتها في تاريخها، وجمعت مجد القلم إلى مجد السيف.

بنو عمار[18]:

وحكم بنو عمّار دولة على الساحل السوري اللبناني، عاصمتها مدينة طرابلس.

وقد قالت عنها دائرة المعارف الاسلامية: كما كانت حلب في عهد سيف الدولة مركزاً للشعر، كذلك كانت طرابلس في عهد الحسن بن عمار، وقد ازدهرت المدينة في عهده وأصبحت مركزاً للحياة الفكرية في بلاد الشام، وأنشأ مدرسة كبيرة ومكتبة[19].

وقالت مجلة الثقافة: ومن هذه المكتبة انتشر العلم في أنحاء المدينة، حتى قال المؤرخون: إن طرابلس صارت جميعها دار علم.

وكان في هذه المكتبة مائة وثمانون رجلاً لا عمل لهم إلاّ نسخ الكتب، وشراؤها لجمعها في هذه المكتبة، والفضل الاعظم في هذا لابي طالب الحسن بن عمّار[20].

البويهيون

وفي البويهيين يقول الغناوي: امتاز عهد آل بويه[21] بالخصب العلمي بتأثيرهم الخاص وتأثير وزرائهم، ذلك أنهم استوزروا أبرع الكتّاب واعتمدوا عليهم في تدبير شؤون الحرب وأُمور السياسة والادارة والمال جميعاً.

فلمعت أسماؤهم وعظمت هيبتهم وطار صيتهم في الافاق، فقصدهم أهل العلم والادب فأفادوا منهم كثيراً، وانتجوا كثيراً في ميدان الادب والفلسفة والعلم، فكان أثرهم في الحياة الفكرية قوياً جداً.

وقال المؤرخ الهندي السيد مير علي: لقد شجّع البويهيون الروح الادبية، وعضدوا مدرسة بغداد التي كان قد اضمحلّ شأنها في أثناء تدهور الخلافة.

ويقول آدم متز في كتاب الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري عن عضد الدولة: كان يحب العلم والعلماء، ويجري الارزاق على الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين والنحاة والشعراء والنسابين والاطباء والحسّاب والمهندسين، وأفرد لاهل الاختصاص من العلماء والحكماء موضعاً يقرب من مجلسه، وأنشأ مكتبة تحتوي على كلّ كتاب صُنّف إلى وقته من جميع أنواع العلوم[22].

وقال عنه في كتاب الكنى والالقاب: كان عضد الدولة يعظّم الشيخ المفيد، وقد الف له العلماء العديد من الكتب، وقصده فحول الشعراء ومدحوه بأحسن المدائح، ومنهم شاعر العرب الاكبر أبو الطيب المتنبي الذي قال فيه:

وقد رأيت ملوك الارض قاطبة     وسرت حتى رأيت مولاها[23] ويقول طه الراوي في رسالته عن بغداد: في عهد بني بويه وصل العلم والادب في بغداد إلى القمة العليا، فنشأ أكابر المفسرّين والمحدّثين والفقهاء والمتكلمين والمؤرخين والكتاب والشعراء وأساطين العلوم العربية والحذّاق في المعارف الكونية.

دول اُخرى:

وقامت دول شيعية أخرى، لم تبلغ في اتساع الرقعة وقوة السلّطان ما بلغت هذه الدول، ولكن كان شأنها في نشر العلم والادب وتشجيع العلماء والاُدباء والمفكرين نفس الشأن. كالدولة المزيدية في العراق[24]، والدولة المرداسية في سورية[25].[26].

نصير الدين الطوسي:

وجاء وقت عاد فيه العالم الاسلامي شلواً ممزقاً، وبدا للناس ان الجذوة الاسلاميّة قد انطفأت ; وذلك حين تدفقت جحافل المغول بقيادة هولاكو حاملةً الدمار والفناء، ومضت متجاوزة من قطر إلى قطر، تستهدف أول ما تستهدف قتل العلماء وحرق الكتب وهدم المدارس، حتى خُيّل للناس أنّ الوثنية قد طغت والشرك قد تركّز والجهل قد عمّ.

ومن بين هذا الهلع المريع واليأس القاتل والخيبة الشاملة والاستسلام الكامل ; من بين كل ذلك يبرز نصير الدين الطوسي فيكون بطل الاسلام في عصره، البطل الذي يقاتل بالعقل والعلم حين يعزّ عليه أن يقاتل بغيرهما.

يبرز نصير الدين فيدرك أن النصر العسكري على المغول أمل لا يتحقق، ويعلم أنه إذا كتبت على الاسلام الهزيمة الفكرية بعد الهزيمة الحربية كان في ذلك القضاء المبرم على الاسلام.

فيتجرّد للمعركة الحاسمة بكل ما أوتي من إيمان وإخلاص وتضحية، وبكل ما تفرّد به من ذكاء ومرونة ومعرفة فيخطّط وينظّم، فيكون أول ما يفعل أن يحفظ الكتب ويحفظ العلماء، ثم يستولي على عقل الطاغية ويروّض شارب الدماء، ويسوقه دون أن يدرك إلى تحقيق أهدافه، فيقيم في مراغة أعظم جامعة علمية عرفها العالم الاسلامي، وينشىء فيها أكبر مكتبة، ويحشد لها العلماء والمفكّرين والحكماء من كل مكان، ويستحضرهم من الشرق الاسلامي ومن الغرب الاسلامي، فيلتقي في مراغة ابن الشام مؤيد الدين العرضي، مع ابن افريقيا يحيي بن محمد بن أبي الشكر المغربي، مع ابناء الموصل وبغداد والجزيرة وقزوين وتفليس وكل بلد إسلامي.

يلتقون بدعوة من نصير الدين الطوسي ويجتمعون برعايته فيخطط لهم للمعركة الكبرى، معركة حماية الاسلام، المعركة التي لا سلاح فيها إلاّ القلم والفكر والكتاب، ولا ميدان لها إلاّ المدرسة والمسجد والبيت.

فيمضون بقيادته الحكيمة الباسلة ويمشون من نصر إلى نصر، حتى تكون قمة النصر إسلام الدولة المغولية التي جاءت لهدم الاسلام.

كانت مخطّطات نصير الدين فريدة في التاريخ، وكان نصير الدين واحداً من عمالقة الكون فكراً وعلماً وإخلاصاً. والامم في مِحَنها الطاغية إذا لم يقيض الله لها رجلاً مثل نصير الدين فانها هالكة في الهالكين.

تطلّع الطوسي فاذا المسلمون قد مزقتهم العصبيات الحمقاء وخدّرهم الجهل، ولم يبق في أيديهم من العلم إلاّ قشور لا لباب فيها. كانوا والمغول على أبوابهم يسفكون دماءهم بأيديهم[27]، فيهاجم ابن الخليفة المستعصم بجنوده محلة الكرخ البغدادية، فيذبح فيها رجال الشيعة ويسبي نساءهم ويعتبر أن ذلك هو النصر الاكبر.

والشوافع والاحناف يتذابحون في أصفهان والمغول يحاصرونها، ويستنصر الشوافع بالمغول ويفتحون لهم أبواب المدينة فيقضي المغول على الفريقين.

والقاضي شمس الدين القزويني لم يرُعْهُ أنَّ المغول بقيادة جنكيز قد اجتاحوا بلاد المسلمين حرقاً وقتلاً ونهباً، ولم يَسُرّه أن قلاع الاسماعيليين في آلموت وغيرها قد صمدت لجنكيز فلم يقو على اجتياحها. بل كان كلّ هم هذا القاضي الاسف على أنْ سَلِمتْ تلك القلاع ومن فيها! فراح يحرّض حفيد جنكيز على تحطيمها وقتل الاسماعيليين لانهم يخالفونه في المذهب. ومضى يشجعه حتى مشى هولاكو، وشعار حملته: محو الاسماعيليين وقلاعهم! فكان منه الذي كان ولم يقض على الاسماعيليين وحدهم، بل قضى معهم على الخلافة القائمة[28].

تطلّع الطوسي إلى هذا الماضي المثقل بالرزايا، والحاضر المشلول بالنكبات، فاذا بالطوسي أكبر من عصره وأكبر من الرزايا والنكبات، وإذا به يرتفع إلى القمة التي تليق برجل الساعة فما زال حتى استخلص أوقف المسلمين من أيدي الباغي العاتي وتفرّد بادارتها ; فاجتمع له المال الوفير إلى العقل الكبير والاخلاص الغزير، فاستنقذ الكتب، وفتح معاهد العلم، وبذل المال للطلاب، وحمى العلماء من القتل بأساليب غاية في البراعة وحسن التدبير.

وأرسل تلميذه فخر الدين المراغي إلى أقصى البلاد يؤمّن المروَّع الشارد من العلماء ليعود إلى بلاده، ويغري علماء البلاد الاخرى بالقدوم إليه[29]، غير ناظر إلى مذهب أو مشرب أو نِحلة، مترفعاً عمّا كان قد اجتاح أهل عصره من أدواء مذهبية وعلل طائفية، واضعاً نُصبَ عينيه الاسلام ونجاة هذا الاسلام، وفاز بما أراد.

إن نصير الدين الطوسي واحد من أنضر وجوه التشيع في التاريخ، ومثل على ما كانت عليه تلك الوجوه من تناسي الاحقاد، والصفح عن الجرائر حين تدلهمّ الخطوب وينزل البلاء.

 

جمال الدين الافغاني ـ الاسد آبادي:

ويقظة العالم الاسلامي في هذه العصور الاخيرة مدينة إلى شيعي من هذه البلاد، وهو جمال الدين الحسيني، الذي اشتهر بالافغاني.

هذا الرجل الذي خرج من بلدته أسد آباد[30] فطوّف في البلاد، واستقرّ حيناً في مصر داعياً إلى الاصلاح والنهوض، فكانت دعوته النداء الاول الذي استفاق إليه المسلمون بعامّة، والعرب منهم بخاصة، بعد طول رقاد[31].

 

 


[1] ابتدأت دولتهم في المغرب العربي سنة 296 هـ وامتدت إلى مصر وبلاد الشام، وامتدّ حكمها إلى سنة 567 هـ

[2] النجوم الزاهرة 5: 47.

[3] النجوم الزاهرة 5: 229.

[4] النجوم الزاهرة 5: 235.

[5] النجوم الزاهرة 5: 305.

[6] النجوم الزاهرة 5: 372.

[7] النجوم الزاهرة 5: 375.

[8] النجوم الزاهرة 4: 158.

[9] النجوم الزاهرة 4: 276.

[10] النجوم الزاهرة 5: 193.

[11] النجوم الزاهرة 5: 247.

[12] هو الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد العطار الهمداني سافر الكثير في طلب الحديث، وكان من أعيان المحدثين في زمانه، توفي سنة 569 هـ، الكامل في التاريخ 11: 411.

[13] منذ سنة 333 هـ، وحتى سنة 392 هـ.

[14] الذي أقام في بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب انظر: المنجد في الاعلام: 516.

 

[15] كان في بلاط آل بويه بصحبة الوزير المهلبي: انظر مقدمة مقاتل الطالبيين، الاعلام 5: 88.

 

[16] وصحبته لسيف الدولة مشهورة شهرة المتنبي نفسه، وقال في مدحه من متين شعره مالم يقله في أحد غيره. انظر ديوان المتنبي 1: 344، 359، 363، 384.

ومن شعره يمدحه:

لنا مَلِك لا يَطعَمُ النومَ همُّه     مماتٌ لحَيٍّ أَو حياةٌ لميِّتِ

ويكبُرُ أَن تَقْذى بشيء جفونُهُ     اذا ما رأتهُ خَلَّةٌ بكَ فرَّتِ

جزى الله عني سيف دولة هاشم     فأنّ نداهُ الغَمرَ سيفي ودولتي

وقال يمدحه:

فلا تعجبا إنَّ السيوف كثيرةٌ     ولكن سيف الدولة اليوم واحدُ

ولما رأيت الناس دون محلِّهِ     تيقنت ان الدهرَ للناس ناقِدُ

وفيه يقول:

ولست مليكاً هازماً لنظيره     ولكنّك التوحيد للشرك هازم

[17] الكامل في التاريخ 8: 517 سنة 345 هـ، ص 531 سنة 349 هـ، ص 627 سنة 362 هـ، وغيرها.

[18] بنو عمار اُسرة تعود اُصولها إلى قبيلة كتامة المغربية، وفي العهد الفاطمي تصدّر بنو عمار في المؤسسات القضائية والادارية والعسكرية، ثم أصبحوا أمراء طرابلس الشام، وأشهر هؤلاء الامراء: أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار 464 هـ، وأبو الحسن علي بن عمار 492 هـ، وعمار بن محمد بن عمار 514 هـ، وأبو المناقب شمس الملوك أبو الفرج محمد بن عمار المتوفى سنة 501  هـ. استقل بنو عمار بطرابلس سنة 462 هـ، وشملت امارتهم أراضي واسعة في البلاد اللبنانية والسورية، وكانت عاصمتهم طرابلس أعظم مدينة على الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط، ومركزاً كبير للصناعات المتطوّرة آنذاك، كالسكّر الذي كان يصدّر إلى البلاد الاوربية، وصناعة الاقمشة المختلفة، والورق، وغيرها.

وتعتبر الحاضرة طرابلس أيام بني عمار أكثر الحواضر الاسلامية صموداً أمام الغزو الصليبي، حتى ظلّت تقاتله بكلّ اقتدار لمدة عشر سنوات بعد أن سقطت من حولها المدائن والحواضر وأضحت محاصرة برّاً وبحراً. وفي سنة 501 هـ ذهب آخر اُمراء بني عمار عمار بن محمد بن عمار إلى بغداد طالباً نجدة السلاجقة لفك الحصار عن طرابلس، لكن السلاجقة لم ينجدوه، ومات في تلك السنة، وصمدت بعده المدينة نحو عام واحد حتى سقطت بأيدي الصليبيين سنة 502 هـ.

وقد أسس بنو عمار دارين عظيمتين للكتب كانت مراكز للعلم ومجتمعاً للعلماء من كل صوب ومذهب، الاولى: « دار العلم » أسسها الحسن بن عمار وجمع فيها أكثر من مئة ألف كتاب، والثانية: « دار الحكمة » أسسها الحسن بن عمار نفسه، وقد أفناهما الصليبيون حرقاً بعد الاحتلال.

الكامل في التاريخ: أحداث سنة 501 هـ، الحروب الصليبية / حسن حبشي: 65، فضل العرب على أوربا / سيفريوهونكه: 28، دولة بنو عمار في طرابلس / حسن الامين ـ مجلة المنهاج ـ العدد الاول ص 163 ـ 186.

[19] دائرة المعارف الاسلامية 4: 331، أعيان الشيعة 5: 217.

[20] أعيان الشيعة 5: 217.

[21] والذي امتد على أرض ايران والعراق بين سنتي 321 هـ و 445 هـ، تاريخ الاسلام 1: 344 ـ 375.

[22] وأبرز ملوكهم عضد الدولة بن ركن الدولة سنة 338 ـ 372 وهو الّذي استولى على بغداد وافتتح أمجاد الدولة البويهية.

قال ابن الاثير في وصفه: كان عاقلاً فاضلاً، حسن السياسة، كثير الاصابة، شديد الهيبة، بعيد الهمة، ثاقب الرأى، محباً للفضائل وأهلها، باذلاً في مواضع العطاء، مانعاً في أماكن الحزم، ناظراً في عواقب الامور.

وكان لا يعوّل في الامور إلاّ على الكُفاة، ولا يجعل للشفاعات طريقاً إلى معارضة من ليس من جنس الشافع، ولا فيما يتعلّق به.

حكي عنه أن مقدّم جيوشه أسفار بن كردويه شفع في بعض أبناء العدول ليتقدّم إلى القاضي ليسمع تزكيته ويعدله، فقال له عضد الدولة: ليس هذا من اشغالك، إنما الذي يتعلّق بك الخطاب في زيادة قائد ونقل مرتبة جندي وما يتعلق بهم، وأما الشهادة وقبولها فهو القاضي، وليس لنا ولا لك الكلام فيه، ومتى عرف القضاة من إنسان ما يجوز معه قبول شهادته فعلوا ذلك بغير شفاعة.

وكان يُخرج في ابتداء كل سنة شيئاً كثيراً من الاموال للصدقة والبر في سائر بلاده... وكان يوصل إلى العمال المتعطّلين ما يقوم بهم، ويحاسبهم به إذا عملوا.

وكان محباً للعلوم وأهلها مقرباً لهم محسناً إليهم، وكان يجلس معهم يعارضهم في المسائل، فقصده العلماء من كل بلد، وصنّفوا له الكتب، منها: الايضاح في النحو، والحجّة في القراءات، والملكي في الطب، والتاجي في التاريخ، إلى غير ذلك، إلاّ انه أحدث في آخر ايامه رسوماً جائرة في المساحة والضرائب على بيع الدواب وغيرها من الامتعة.

الكامل في التاريخ ـ احداث سنة 372 هـ.

وكان في سياسته المحافظة على التوازنات المذهبية تلافياً لايّة فتنة طائفية، ففي الوقت الذي اعتمد فيه أبا بكر الباقلاني ـ أمام الاشاعرة ـ سفيراً إلى ملوك الروم، كان قد نفى الشيخ المفيد ـ شيخ الشيعة ـ إلى فارس مرتين ـ كما نفى نقيب العلويين، والد الشريف الرضي، واخاه قاضي القضاة إلى فارس أيضاً... وعزل القاضي الحنفي أبا علي المحسن بن علي التنوخي وألزمه داره، لتعصّبه على الشافعي ونيله منه.

انظر الكامل في التاريخ، احداث سنة 369، 371.

 

[23] الكنى والالقاب 2: 469.

[24] الدولة المزيدية في الحلّة... ابتدأت سنة 403 هـ نيابة عن الدولة البويهية، إذ كان فخر الدولة البويهي قد قلّد علي بن مزيد أمر الجزيرة الدبيسية بعد انتصاره على ابن دبيس، وكانت ولايته قبل ذلك محصورة في الحلّة.

واستمرت هذه الدولة بعد البويهين، زمن السلاجقة، وكان أشهر ملوكها صدقة بن منصور الذي حكم بين سنتي 479 ـ 501 هـ ولقب بسيف الدولة، وتوسع سلطانه فملك هيت وواسط ثم البصرة، وملك بعده ابنه دبيس بن صدقة 501 ـ 529 هـ واستمر حكم بني مزيد حتى عام 545 هـ. تاريخ دول الاسلام 2: 58 ـ 67.

وكان عهد صدقة بن منصور، أمير العرب سيف الدولة، هو العهد الذهبي لهذه الدولة، فقد قصده العلماء، واستجار به الكبار، وله صنّف أبو يعلى ابن الهبّارية كتاب الصادح والباغم في ألفي بيت على اُسلوب كليلة ودمنة، وهي من مفاخر الادب العربي، ومنها قوله:

وضعتُه مخترعاً معناهُ     لملك ما خابَ مَن رجاهُ

بحر الندى ربّ الايادي والمنن     شمس العلى صدر الهدى ابي الحسن     الاسدي المزيدي صدقة

ومن إذا كذّب مدحٌ صدقه     ولم تزل حلّتهم معاذا

كل من يهرب من بغدادا     تاريخ ابن الوردي 2: 27 أحداث سنة 501

[25] الدولة المرداسية في حلب 414 ـ 473 هـ.

أسسها صالح بن مرداس من بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ومركزها حلب، وملك مابين بعلبك غربي الشام وعانة غرب العراق.

وقد قامت الدولة المرداسية محل الدولة الحمدانية في منازلة الروم وكسر شوكتهم، وقد كتب أبو العلاء المعري عامة شعره الحماسي في هذه الحروب. وللمؤلف مقال بعنوان الشعر في ظل بني مرداس في حلب نشرته مجلّة المنهاج.

تاريخ دول الاسلام 2: 82 ـ 87، تاريخ حلب الشهباء 1: 288، مجلّة المنهاج ـ العدد 3: 219 ـ 236.

 

[26] هناك دولة علوية اُخرى لها أثر هام لا سيما في نشر الاسلام بين الديلم، ألا وهي: الدولة العلوية في طبرستان 250 ـ 316.

أسسها الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن علي بن الحسين السبطعليه السلام ولم يستقر ملكه ولا ملك ابنه بعده حتى نهض الاطروش، وهو الحسن بن علي بن الحسن بن عمر بن زين العابدين بن علي بن الحسينÃ Äالسبطعليه السلام، سنة 278.

وبداية أمره كانت في الديلم، ولم يكن عامّة أهلها قد أسلموا بعد، فمكث يدعوهم إلى الاسلام، فأسلم منهم خلق كثير واجتمعوا عليه، فملك بهم طبرستان حتى توفي سنة 304، فملك بعده صهره الحسن بن قاسم، ويعرف بالداي، فاستولى على الري أيضاً، حتى توفي سنة 316، وبوفاته كانت نهاية هذه الدولة. تاريخ دول الاسلام 1: 245 ـ 250.

[27] جامع التواريخ: م2 ـ ج 1: 233، تاريخ أبي الفداء: 3/204.

[28] سير أعلام النبلاء: 23/180، شذرات الذهب: 7/467.

[29] الحوادث الجامعة لابن الفوطي: 411.

[30] مدينة ـ في بلاد إيران ـ بينها وبين همدان مرحلة واحدة نحو العراق. معجم البلدان 1: 176.

[31] ولد جمال الدين سنة 1839م وتوفي سنة 1897م، وهو بلا نزاع رائد النهضة الاسلامية المعاصرة، وقد صنّفت في حياته ونهضته عشرات الكتب والدراسات وترك من الاثار: العروة الوثقى وهي جريدته التي أصدرها في لندن وأغلقت بعد عددها السابع عشر، وقد جمعت مقالاته فيها في كتاب يحمل العنوان نفسه، وله عدة رسال أهمها الردّ على الدهريين وكلها مطبوعة، جمعت أخيراً في كتاب واحد أعده السيد هادي خسروشاهي.

611
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

الشنتوية
أي لو أخبر حذيفة بأسماء المنافقين الأحياء منهم ...
الإمام [الباقر (عليه السلام )] في كلمات علماء وأعلام أهل ...
هل کان العلامة المجلسي من المروجين للدولة الصفوية و ...
قبيلة أشْعَر
بحث في إثبات تواتر حديث: أنا حرب لمن حاربكم سلم لمن ...
من هم قتلة عثمان
خالد بن ولید يقتل الصحابي مالك بن نويرة طمعاً في زوجته
خطبة الإمام الحسين ( عليه السلام ) الأولى يوم عاشوراء
أهل الذمة في عصر الأمويين

 
user comment