عربي
Friday 12th of August 2022
0
نفر 0

الأمر بين الأمرين

الأمر بين الأمرين

إن موجودات العالم حينما تبلغ أيّ مرحلة من مراحل الكمال تتمتع بالهداية الخالصة لتلك المرحلة ، والهداية بالنسبة إلى درجات الوجود متفاوتة في الرتبة والكمال أيضاً .

بإمكاننا نحن أن نعين موضعنا بين الموجودات المختلفة في هذا العالم ، تعلم أن النباتات لا خيار لها بين أيدي قوى الطبيعة القسرية ، ومع ذلك لها ردود فعل قصيرة ومتفاوتة تظهر منها أمام بعض المتغيرات .

وحينما نحلل خصائص الحيوان نشعر بأنه يتمتع بخصائص متفاوتة عن النباتات بصورة تصاعدية وتكاملية ، إن عليه أن يسعى وراء غذائه سعياً حيثيثاً واسعاً ، إذ أن الطبيعة لا تدعو الحيوان إلى موائد معدة ، ولا تحضر له مواده الغذائية ممهدة ، ومن البديهي أنه في سعيه هذا بحاجة إلى وسائل كافية ، وهو بنفس المستوى مجهز بأدوات تكفيه لمهمته .

وهو من حيث تأثره الشديد بشهواته الغريزية موجود طائع مكره ولا يتمتع إلّا بدرجة واحدة من الحرية والإِرادة والاختيار ، وهو بذلك يتحرر بنفس المستوى من أسر الطبيعة وعسرها .

ويعتقد علماء الحيوان بأن الحيوانات مهما كانت عاجزة بالنظر إلى الأجهزة والبنية الطبيعية ، كانت من حيث الغريزة أقوى وأعتى وأتبع للطبع ،

وكلما كانت من حيث القوى الحسية والعقلية أكثر تجهيزاً وأكثر استقلالاً وقدرة ، كانت من حيث الهداية أو القيادة الغريزية أقل وأضعف وأبعد ، فالطفل في أدوار حياته الأولى لا يعيش إلّا تحت ظلّ حماية الأبوين سيما الأم حماية شاملة ، وكلما تدّرج في الرشد والنموّ خرج من تحت رعايتها .

إن الإِنسان هو المتصاعد إلى أعلى مراحل الكمال الخلقي ، وهو الموجود الوحيد الذي يتمتع بقوة إرادة مستقلة ( نسبياً ) وتمييز ومعرفة تامة ( نسبياً ) نجده من حيث الغريزة إنما هو في مستويات ضعيفة ، بينما هو في مراحل الحرية التدريجية بالنسبة إلى عالم النباتات والحيوانات قد بلغ حدّ الاختيار التام مع ضعف في الأجهزة .

إن الطبيعة ترفع أنواع حاجات النباتات من جهات مختلفة ، وفي الحيوانات على الأم أن تتحمل قسطاً من الأتعاب من الحمل والتغذية والرعاية ، وإن كانت الغرائز في الحيوانات ثرة نشطة من أيامها الأولى وليس على الأم تربيتها ، وهي بذلك فرحة مستبشرة ، وأما في الإِنسان فنرى أنه لا يتمتع بأجهزة طبيعية قوية ، ولذلك فإن قوة مقاومته أمام العوامل المضادة والكاسرة أقلّ من الحيوان بمراتب عديدة ولذلك فإن علاقته وحاجته إلى الآخرين ، وبخاصة إلى الأبوين ، وبالأخص إلى الأم الوالدة تستمر وتدوم مدة أطول من سائر الحيوانات ، حتى يصل إلى حدّ الاستقلال والكفاية الذاتية فيقوم على قوائمه .

فالقرآن الكريم يصرح بضعف الإِنسان ، ويقول :

(وخلق الإِنسان ضعيفاً)(1) .

والطبيعة قد أوكلت الإِنسان إلى نفسه أكثر من الحيوان ، ومع طي مراحل النموّ والتكامل نشاهد في أنفسنا اتّساع رقعة الاختيارات والتحرّكات والحرّيات من ناحية، ومن ناحية أخرى نرى ازديادنسبة الحاجاتوالعلاقات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 سورة النساء : الآية 28 .

 

والارتباطات ، ولذلك فمع تمتعنا بالقدر الأكثر من الحرية والاختيارات نرانا ننحدر إلى شدة الحاجة والعجز معها .

والمفكرون يرون هذه الكيفيات من أسباب التكامل في الموجودات ومع ذلك يرون أن الإِنسان مهما نما وترقى تقدم نحو الحرية أكثر فأكثر ، وأن التقدم إنما يحصل في ظلّ الحاجات ومع السعي لإِيجاد التوازن .

ولكي تتجلى الحرية في الإِنسان لا بدّ من وجود عامل مخالف أمام الغرائز الطبيعية في البشر كي يرى الإِنسان نفسه بين جاذبتين متخالفتين كل منهما تجره إلى اتجاها ، فيضطرّ إلى أن يختار بإرادته الحرة طريقته المختارة عن وعي وقدرة وعمل بعيداً عن أيّ جبر أو إكراه أو أصول مسبقة ، ثم يبدأ ببناء نفسه على أساس أصول خاصة يختارها ، وبدون وجود هذا العامل المخالف لا يقدر البشر على أن يقع في طريقته الصحيحة المتعادلة بصورة أتو ماتيكية وبلا أيّ سعي من نفسه .

وفي خضم هذا الصراع والنزاع والتخاصم إما أن يقع الإِنسان أسيراً لميوله الهوجاء مع تحمله للأمانة الإِلهية والموهبة الربانية التي لم تكن( إنه كان ظلوماً جهولا ) وإما أن يبدأ مسيرته في سبيل الكمال وطريق الرقيّ بالإِفادة من استعداداته الفياضة وإرادته النافذة المختارة والمستندة إلى فكرته الرشيدة .

إذا تحرر الإِنسان عن الطاعة الجبرية لغرائزه ، وقدر على كسر أغلالها من يديه ورجليه ، وداوم على التمتع بقواه الاكتسابية والمكتنزة ضعفت مراكز إحساساته وعواطفه وتضاءلت وسائلها الطبيعية أمام العقل ، فإن كل عضو أو طاقة في الموجود الحيّ إذا تركت بلا أيّ استفادة ضمرت وقصرت ، وبالعكس كلما اشتغل عضو أو طاقة أكثر وبصورة أساسية نمت وتكاملت وتطوّرت .

وعلى هذا فإذا أصبحت الإِرادة الخلاقة والواعية للإِنسان مستلهمة من وحي العقل ، مصباح الطريق ، استعانت فكرته ببصيرته لسلوك السبيل إلى

الحقائق والواقعيات ، وحملته حالة التحير بين طرفي الترديد على التأمل والمقايسة ، حتى يتعرف على الصراط المستقيم بمدد عقله ، وهكذا تبعث الميول والحاجات على الفكر والفعالية وتتقوّى وتتحرّك وتفيض في الإِنسان منابع الفكر .

إن حرية الإِرادة ، ومحاولة الخروج من مرحلة التحيّر ، وحب الحياة ، كل ذلك يبعث على الأمل ، ومحاولة سدّ الحاجات وبلوغ الأهداف تصبح دوافع الإِنسان لمتابعة مقاصده بالإِفادة من قوّة إرادته ; ولذلك لا معنى للإِرادة والأمل في الموجودات المكرهة على التبعية لطبائعها الذاتية ، وإنما ينشأ الأمل وتتبع الإِرادة من الإِرادة بصورة مباشرة .

وكذلك العلم والتمدّن والحضارة والملكية التحرر ، كلها من ثمرات الاختيار ونتائجها المباشرة ، والإِنسان بتمتعه بالحرية ومساعيه الإِيجابية يقدر على التقدّم باتّجاه نموّه وكماله العلمي في إطار طبيعته وفطرته ، وأن يبلغ ـ بتفتح طاقاته واستعداداته وطبائعه الإِنسانية السامية ـ إلى مرحلة يصبح فيها فياضاً للفضائل ، وعاملاً مثمراً لمجتمعه ، وذلك كله من آثار الاختيار .

إن نفس وجود هذا النزاع والتخاصم بين معترفي ومنكري الاختيار شاهد بيّن على القبول الضمني لوجود الاختيار في البشر .

ولكن لنر ما هي شروط وحدود الاختيار في الإِنسان ؟ وكم هو شعاع نفوذه وإلى أيّ مدى ؟ .

إن الرؤية الإِسلامية الأصيلة لدى المسلمين من الشيعة المستلهمة من آيات القرآن الكريم ، وأحاديث أئمة الدين ، اختارت مسلكاً ثالثاً هو الوسط  بين مذهبي الجبر المطلق والتفوى المطلق ، لا يحتوي على ما يحتوي عليه مذهب الجبر من نقاط الضعف ، المخالف للعقل والفكر والوجدان والمقاييس الأخلاقية والاجتماعية ، والذي ينسب بالقول بالجبر جميع

الفجائع والأخطاء إلى الله سبحانه وينتهي إلى إنكار العدل الإلهيّ ، ولا يؤدي إلى ما يؤدي إليه القول بالتفويض المطلق من إنكار شمول قدرة الله ، ومخالفة توحيد الله في الأفعال والأعمال والخلق والإِيجاد .

بيّن أن هناك فرقاً بين حركاتنا الإِرادية وبين حركات الأرض والشمس والقمر والنبات والحيوان ، إه ينبع من طبيعتنا إرادة تفتح أمامنا أبواب الفعل والترك كليهما ، وتترك لنا حرية الاختيار .

إن تصميمنا الاختياري لتحقيق الأعمال الصالحة والسيئة ، ينبع من طيب خواطرنا وينشأ من قوة التمييز فينا وتشخيص الخير والشر لأنفسنا ، إن الإِفادة من هذه الموهبة الإِلهية يجب أن تكون عن وعي وشعور وبصيرة ، نقارن ونعيّن ونحاسب ثم نختار ، وهذه هي إرادة الله أن نتمتع نحن بهذه الحرية في عالم لا تجري فيه الأمور إلّا بإرادته وإرادته وإاحاطته وعلمه وإدراكه .

وكل ما نقدم عليه من عمل ليس خارجاً عن عمله ، ولا سابقاً لمشيئته وكل أمور الحياة ومصائر البشر مشروطة بعلمه ، ومقيدة ومحدودة بحدود سبقت في علمه ، ولا نستغني في أية لحظة عنه ، ولا يمكننان التمتّع بما فينا من قوى وطاقات بدون إمداده سبحانه .

وهو يراقبنا ببصيرته النافذة وقدرته العظيمة والقاهرة ، ومحيط بجميع نياتنا وأعمالنا ، وله أن يقطع عنا فيضه في أية لحظة .

ولا يخرج اختيارنا وحريتنا عن النظام العام وما وضع له من شروط وحدود ، وعلى هذا فليست هناك أية مشكلة في هذه المسألة من جهة توحيده تعالى .

إن الإِنسان الذي يؤثر في ظل طاقاته وإرادته في هذا العالم هو بدوره محكوم بسلسلة من القوانين الطبيعية لنظام الوجود ، فهو يولد بلا إرادته ، ويموت حتف أنفه ، قد أسرته الطبيعة بسلسلة من الحاجات والغرائز

المختلفة وتجره بها إلى نفسها ، وفي نفس الوقت يتمتع بإمكانات واستعدادات ، وفيه جهات من الحرية والغنى ، وهما يمنحانه قدرة وخلاقية المحيط .

ولهذا قال الإِمام الصادق (عليه السلام) :

« لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين الأمرين »(1) .

فالبشر له الخيار إلّا أنه ليس مئة بالمئة ، إذ القول باستقلا المخلوق واختصاصه بمساحة من القدرة والاختيار يؤدي إلى الشرك في فاعلية الله تعالى ! أما هذا الاختيار المحدود فهو حسب إرادة خالق الطبيعة ، وتتجلى أوامر الله بصورة السنن الحاكمة على الطبيعة بما فيها البشر .

الإِنسان في الرؤية الإِسلامية ليس موجوداً مخلوقاً بجبر القدر ، ولا موجوداً مطلقاً في محيط مظلم وبلا هدف ، بل هو فياض بالدوافع والاستعدادات والميول المختلفة والوعي الخلّاق ، معه هداية فطرية وقيادة معنوية .

إن أتباع مذهبي الجبر والتفويض أخطأوا حيث تصوروا أن لا ثالث للأمرين ، فإما أن ننسب أفعالنا إلى الله ، فنسلب الإِنسان حريته ونقول باضطراره ، أو لا بدّ لنا من القول بصدور أفعالنا الاختيارية من ذواتنا مستقلة وبدون ارتباط بالله تعالى ، وهذا يؤدي إلى محدودية قدرة الله ، بينما لا تأثير لحرية إرادتنا في شمول قدرته سبحانه ، إذ هو الذي أراد قدرتنا على التصميم بحريتنا ضمن السنن الطبيعية .

بإمكاننا أن ننسب أفعال الإِنسان إلى نفسه من ناحية ، وإلى الله من ناحية أخرى ، فنسبتها إلى الإِنسان مباشرة وبلا واسطة ، ونسبتها إلى الله مع واسطة الإِنسان ، وكلتا النسبتين حقيقيتان وواقعيتان ، وعلى هذا فإرادة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 الكافي ج 1 ص 160 .

 

الإِنسان لا تقابل إرادة الله ولا هي مخالفة له سبحانه .

إن الاعتقاد بأثر الأسباب في مسبباتها ، والاعتراف بدور المخلوقات في نظام العالم ، ليس شركاً للخالقية ، بل هو من كمال الاعتقاد بخالقية الخالق وإحاطته وحاكميته المطلقة على الوجود بأسره ومنه الإِنسان .

وإن نحن أنكرنا كل مؤثر في الوجود سوى الله سبحانه بصورة مطلقة ، لم نجد أيّ توجيه أو تفسير معقول لحركة المادة ، ومع نفي تأثير الموجودات بعضها في بعض لا يبقى لنا طريق لإثبات العلل للمعلومات .

وليس من المنطق القول : بأن الحوادث كلها تحدث من حركة المادة والله يوجد الحركة في المادة في كل لحظة بصورة دائمة مستمرة .

إذ الحركة حقيقة واحدة ، فلا يمكن أن تصبح بنفسها سبباً للتحوّلات المختلفة للمادة ، بل المادة التي تتشكل بحركتها بأشكال مختلفة لابدت أن يكون وجود الصور لها بيد القدرة الخالقة حتى يمكن أن يتحقق تنوّع الموجودات .

ولنتساءل : هل للمادة أيّ أثر في الموجودات والحوادث أو لا ؟ فإن لم يكن لها أيّ أثر فمن أين تنشأ هذه الآثار المتنوعة في نظام الوجود ؟

وإن كانت تؤثر ، فلابدّ من القول بأن الله لا يخلق جميع الحوادث بصورة مباشره تماماً كالعلة بالنسبة إلى معلوها الماديّ ، بل المادة مؤثرة ولكنها تأخذ كل طاقاتها واستعدادتها من الله سبحان ، وهو ليس مادة ولا حركة في المادة .

إن الاعتراف بأن الله أودع في المادة قوي واستعدادات تستطيع بها إيجاد التحوّلات في نفسها وغيرها ، لا يستتبع أيّ إشكال في خالقيته المطلقة ، وإن الفاعلية المحدودة للإنسان بكل ما فيه من فقر وحاجة تحيط بجميع وجوده لا تتنافى مع إرادة الله ومشيئته ، ولا تخل هذه الفاعلية في

خالقية الخالق اللامتناهية ، ولا تؤدّي إلى أيّ إشكال معقول .

جاء في حديث عن أبي عبدالله الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال :

« أبي الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب ، فجعل لكل شيء سبباً . . »(1) .

فمن أسباب خلق الله هو الإنسان وإرادته ، وهذه قاعدة عامة تشمل أفعالنا الاختيارية ، ولابدّ أن يكون اختيارنا وإرادتنا في آخر الأجزاء من سلسلة حلقات الأسباب بعد حصول سائر الأسباب والعلل المتقدمة ، حتى ينتهي إلى صدور وتحقق عمل من قبل الخالق القدير .

إن آيات القرآن الكريم التي تنسب كل شيء إلى الله سبحانه ، ليست إلاّ في مقام بيان الإرادة الأزلية لخالق العالم منذ الأزل ، وبيان الصورة العامة للوجود ، وتثبيت إحاطته الكاملة وقدرته التامة ونفوذ أمره الشامل لجميع العالم بلا استثناء ، ولكن مع هذا النفوذ الواسع الشامل والعامل التام الكامل لا تنافي حرية البشر في اختياراتهم ، إذ اختيار البشر أيضاص جزء من المخلوق ، وهو الذي أفاض هذه الحريه عليه لاتّخاذ طريقته التي يختارها في الحياة .

لو كان الإنسان مجبراً على شيء فإنما هو مجبر على الاختيار ـ إن صحّ التعبير ـ وإن حرية الإنسان من مشيئة الله لا خلاف مشيئته .

وعلى هذا فنحن حينما نشتغل بالعمل الصالح نجد الطاقة على العمل منه واختيارنا منا .

والقرآن الكريم يؤكد على دور الإرادة ، ويرد دعوى الجبريين ، حينما يجعل عذاب الدنيا ومصائبها نتائج أعمالهم ، ولا نجد بين مجموعة الآيات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 الكافي ج 1 ص 183 .

 

المتعلقة بالإرادة الإلهية حتى مورداً واحداً تنسب فيه الأفعال الاختيارية إلى إرادة الله .

( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره )(1) .

( ولتسألنّ عما كنتم تعملون )(2) .

( سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء . كذلك كذّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا . قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلاّ الظن وإن أنتم إلاّ تخرصون )(3) .

لو كان الفلاح والضلال من مشيئة الله لما بقي أيّ أثر من الضلال والفساد في الأرض ، ( لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً )(4) .

وقد ادعى المنحرفون أن أرتكاب نوع من الفساد إنما هو بإرادة الله كما حكى القرآن عنهم إذ قال تعالى :

( وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا ، والله أمرنا بها ، قل : إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون )(5) .

إن الله كما قرر الثواب للعمل الصالح قرر الجزاء والعقاب للفساد والباطل ، ولكن ليس معنى تعيين العقاب للسيئات أنه قرر وقوع السيئات .

لو شاء إنسان عاقل أن يشعل عود الكبريت ( الولاعة ) في مخزن من النفط ، فلو أشعل النفط أمكن أن تلتهم النار نفس المشعل الباعث على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 سورة الزلزال : الآيتان 7 ـ 8 .

2 سورة النحل : الآية 93 .

3 سورة الأنعام : الآية 148 .

4 سورة الرعد : الآية 31 .

5 سورة الأعراف : الآية 28 .

 

الاشتعال ، إن هذا الاشتعال قاعدة طبيعية تتحكم في هذا العالم ، ومشعل النار أقدم على ذلك عالماً بهذه القاعدة الطبيعية ، ولم يكن عمله هذا ضرورة طبيعية بل كان على خلاف طبيعة الإنسان العاقل .

إن إرادة الله تتعلق بوجود الإنسان والآثار الطبيعية لأفعاله ، أما نفس تلك الأعمال الإرادية فهي تنشأ من إرادة الإنسان نفسه .

الرؤية الإسلامية في التصوّر الشيعي هي : أن البشر ليست إرادته مطلقة بحيث يمكنه أن يتجاوز بها ويخالف إرادة ومشيئة الله المتمثلة في قالب القوانين والسنن الكونية الثابتة في العالم ، فليس الله ـ معاذ الله ـ ضعيفاً أو عاجزاً أو مغلول اليدين أمام إرادة مخلوقاته ، ولكنه ليس من ناحية أخرى أسيراً لما ركب فيه من عوامل ودوافع وبواعث بحيث لا يمكنه اختيار سبيله في الحياة كما يشاء كالحيوانات أسيراً لإرادة غرائزه فحسب .

ويصرّح القرآن الكريم بأن الله قد هى الإنسان إلى سبيل الرشاد ، ولكنه ليس مكرهاً على الفلاح والهدى ولا على الضلالة والردى :

( إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً )(1) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 سورة الدهر : الآية 3 .

0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

الجنة والنار وتجسد الاعمال
العقل والروح مسيرة إحيائية واحدة
علماء السنة يجيزون لعن يزيد بن معاوية
المؤاخاة من السياسة الداخلية الحكيمة للرسول ...
دور اهل البيت (ع ) في مواجهة .
احسن الکلم
الإِحكام و الإِتقان دليل علمِهِ بالمصنوعات
السحر في اللغة والفقه وفي الكتاب والتفسير
أهداف الفاروق
المعاد خاتمة المطاف فی تکامل الانسان

 
user comment