عربي
Thursday 30th of June 2022
534
0
نفر 0

القدرة الإِلهية المطلقة

لا دليل لإِثبات القدرة المطلقة الإِلهية أوضح من ظواهر الطبيعة وصورها وأشكالها وألوانها الطبيعية التي تفوق حدّ الوصف والبيان .

إننا حينما نلقي نظرنا على مخلوقات الله نرى أنفسنا أمام قدرة عظيمة لا يتصور لها أيّ حدود أو قيود ، إن مراجعة هذه المخلوقات وملايين الحقائق المودعة في عجائب الطبيعة ، وأعماق نفوسنا ، بلغ بنا إلى أوضح البراهين على مدى قدرة خالقها ، ولا طريق سوى قدرة الله المطلقة لتعليل هذا النظام وتفسيره .

إن قدرته المطلقة هي التي تحمل العقل على الخضوع أمام خالق هذا النظام العظيم ، وليست لنا أية كلمة تحدد لنا أبعاد هذه القدرة المطلقة ، إن قدرة الله العظيمة تبلغ ما وصفه ذاته سبحانه في قوله : ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له : كن ، فيكون )(1) .

إن أبطال العلوم الطبيعية ورجال المختبرات العلمية لم يتوفقوا حتى اليوم إلى كشف أسرار الخلقة بصورة كاملة حتى في جزء واحد من هذه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 سورة يس : الآية 82 .

 

الكثرة من المخلوقات الصغيرة والكبيرة والمختلفة .

ومع ذلك فإن المعلومات القليلة والناقصة والقصيرة التي حصل عليها الإنسان بالنسبة إلى قسم من موجودات نظام هذا العالم ، تكفي لإِدراك لا نهائية تلك القدرة العظيمة في هذه الموجودات المتنوعة ذات الأحجام المختلفة من الحيوانات الصغار والكبار في أعماق البحار والمحيطات بمختلف الأشكال والصور ، والطيور الجميلة ذات الألحان العذبة والأجنحة الملونة البديعة في بطون الغابات ، والنجوم والكواكب وطلوعها وغروبها والشفق والأفق والشمس والقمر والكرات والمجرات والسحابيات بما فيها من ملايين النجوم العظيمة المشرقة ، مما يحير ذوي الألباب والعقول .

يحكي البروفيسور ( روايه ) جانباً من عظمة عالم الفضاء فيقول :

« إن في منظومتنا الشمسية مئة ألف من النجوم لم يعرف سوى خمسة آلاف منها ، ومنظومتنا الشمسية هذه جزء صغير من مجرتنا ( درب التبانة ) ونحن لا نتمكن من أن نرى سوى جانب صغير منها ، هو من أكثر أجزائها كثافة ، ولكن نفس هذه المجرة العظيمة ليست أِّام مليارات المجرات الأخرى سوى سحابة صغيرة فيها نجوم ، وتسمى مجموعة المجرات هذه في العلوم ( ميتا كالاكسي ) وهي التي تشكل مجموع العالم » .

وقد قدّر ( آنشتاين ) العالم الرياضي أبو نظرية النسبية ، قدّر الشعاع النسبيّ لهذا العالم بستمئة سنة ضوئية ، وكان قد أقنع العلماء بنظريته القائلة : بما أن العالم في حدّه الأعلى لا نهاية له ، وبما أن وسائلنا العلمية وإمكاناتنا اليوم لا تظفر بالوقوف على نهاية هذا العالم ، إذن فالأحسن أن نحسب نسبة شعاع هذا العالم بستمئة سنة ضوئية والتي تعادل اللانهاية ، ثم نأخذ بالتحقيق في فضاء نسبي قطره ألف ومئتا سنة ضوئية .

وكان ( آنشتاين ) قد قام بهذه الحسابات بالاستناد إلى التحقيقات العلمية في مراصد جوية كمرصد ( بالومار ) الذي كان يعدّ أقوى المراصد

يومئذ ، وقد كسر الراديو هذه الحدود وتعداها وقلل من قيمة أعمال مرصد ( بالومار ) .

إن عدداً كبيراً من الصور الملونة بالألوان الأصيلة للمصورات الفضائية التي صورتها ( بالومار ) ولا سيما من مجرتنا هذه ( درب التبانة ) لا تزال منذ سنين مورداً لتحقيق علماء الفضاء في العالم ، وإن النظريات التي أبداها العلماء كانت مستندة إلى هذه الصور .

إن طوّل مجرتنا هذه مئة ألف سنة ضوئية ، والمنظومة الشمسية في أحد طرفيها ، وهي تسير في الفضاء بسرعة مئتين وخمسين كيلومتراً في الساعة منذ ميليارات من السنين »(1) .

فهل الخليفة بهذه العظمة المحيّرة لا تعبّر عن القدرة المطلقة للخالق العظيم ؟ أفهل يمكن أن نغضّ عيوننا عن قدرة خالق وهب الحياة هذه الألوان المختلفة والمتنوعة ، والذي وضع الأصول الحيوية لها وصوّر صورها وعيّن حدودها ؟

نحن نعلم أن إبداع هذه الهندسة البديعة إنما تتحقق من ذرة صغيرة ، ولا يمكن تفسير هذه الموجودات إلّا مع الإِذعان بقدرة مطلقة مريدة ومقدرة وهادية ، أجل هو الله ( الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) ، فهو القادر على الخلق والإِبداع وهو المهندس الحكيم .

إن الصغر والكبر والمشكل والسهل من خواص الموجودات المحدودة ، وليس للقلة والكثرة والصغر والكبر أيّ طريق إلى ذات الله وصفاته ، ويمتنع تصوّر العجز ـ وهو من لوازم محدودية الفاعل أو لوجود المانع أو لفقدان الوسائل ـ بشأن الوجود اللانهائي الإِلهي ، كما يقول القرآن الكريم : ( وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً )(2) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ألفا عالم في البحث عن الخالق العظيم : ص 13 ـ 29 ـ 32 ( بالفارسية ) .

2 سورة فاطر : الآية 44 .

 

ومع أن الله على كل شيء قدير ، فقد خلق هذا العالم بنظام خاص ، وأعطى كل شيء دوره المعين في إطار هذا النظام الدقيق ، والأشياء في واجباتها إنما هي جنود للرحمان مجندة سامعة مطيعة لا تعصي الله ما أمرها وإنما تفعل ما تؤمر ، كما يقول القرآن الكريم :

( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَات بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالاَْمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )(1) .

وليس لأيّ موجود في نظام هذا العالم أن يكون منفرداً بشيء من القدرة ، أو ذا حظ في إرادته وحكمه ، فكما لا شريك لذات الله كذلك لا شريك له في فاعلية ، وكما لا استقلال لذوات موجودات هذا العالم فهي مستندة في وجودها إليه كذلك لا استقلال لها في الفاعلية والتأثير ، فكل فاعل وسبب لا بدّ أن يكون وجوده منه سبحانه وكذلك فاعليته وتأثيره .

وإذا اقتضى الأمر وأراد الله أفقد نظام الوجود دوره المتعاد له ، وأصبح هذا النظام العظيم خاضعاً لإرادته سبحانه ، فإن الخالق الذي وهب لكل عامل وسبب أثره الخاص به قادر على أن يحبط أثره في أىّ لحظة ، وأن يسلب أثر الحوادث بأمره كما أوجد النظام فيها بإرادته وحكمه ، كما يقول القرآن الكريم :

( قَالُوا حِرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الاَْخْسَرِينَ )(2) .

إن قوة الجاذبية في الأرض والشمس، وإن كانت نافذة في رقعة وسيعة من هذا العالم ، إلا أنها خاضعة أمام إرادته سبحانه ، فما أن يهب الله قدرة الطيران لطائر صغير حتى يتمكن من مقاومة جاذبية الأرض طائراً في الجو :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 سورة الاعراف : الآية 54 .

2 سورة الانبياء : الآيات 68 ـ 70 .

( أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَات فِي جَوِّ السَّماءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لاَيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ )(1) .

إن أيّ موجود يفترض في هذا النظام لا تقضى حاجاته في الوجود ودوام الحياة إلاّ بالله العظيم ، وإن أيّ قدرة في هذا النظام إنما تنتهي إلى القدرة المطلقة الإلهية ، يقول أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) في خطبة له في نهج البلاغة :

« فلسنا نعلم كنه عظمتك إلاّ أنّا نعلم أنك حيّ قيّوم لا تأخذك سنة ولا نوم لم ينته إليك نظر ولم يدركك بصر أدركت الأبصار وأحصيت الأعمال وأخذت بالنواصي والأقدام ، وما الذي نرى من خلقك ونعجب له من قدرتك ونصفه من عظيم سلطانك وما تغيب عنا منه وقصرت أبصارنا عنه وانتهت عقولنا دونه وحالت ستور الغيوب بيننا وبينه أعظم »(2) .

إن الإنسان حينما يصمم على بناء مستشفي مثلاً فإنه يعدّ قسماً من الوسائل والأدوات اللازمة التي ليس بينها أيّ علاقة ذاتية ، وإنما هو يربط بعضها ببعض بروابط اصطناعية ، ولإيجاد هذه الروابط الاصطناعية يفيد من أشياء وإمكانات مختلفة ، وليس عمله الذي يشكل جزءاً من معدّات هذا البناء فاعلية خالقة ، بل فاعلية حركة تصنع الشكل الخاص من الأشياء الموجودة ، بينما ليس صنع الله من نوع إيجاد علاقة مصطنعة بين أمور مختلفة ، بل إن الله خالق كل شيء بجميع خصائصه وقواه .

ونحن إذ نقول بأن الله على كل شيء قدير ، علينا أن نعلم بأن القدرة إنما تتعلق بالأمور الممكنة ، أما الأمور المستحيلة عقلاً فهي خارجة عن حيطة القدرة بصوة مطلقة ، بل لا معنى لاستعمال كلمة القـدرة في المحالات .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 سورة النحل : الآية 79 .

2 نهج البلاغة / الخطبة : 159 .

 

أجل ، وإن كانت قدرة الله غير محدودة ، ولكن لا يصح الغفلة عن شرط قابلية المحل لتعلق الإلهية ، فإن عدم استحالة الأمر والقابلية الذاتية شرط لازم في تعلق إرادة الله به ، وإن إرادة الله لا تتعلق بشيء إلاّ مع قابليته الذاتية ، صحيح أن الفيض الإلهيّ دائم لا نهاية له ولكن المورد غير قابل لهذا الفيض ، البحر المحيط ممتليء من الماء إلاّ أن لكل شيء ظرفية خاصة ، ولا يستوعب أيّ ظرف أكثر من ظرفيته ، وليست المحدودية من قبل مياه المحيط بل في الظرف .

قيل لأميرالمؤمنين ( عليه السلام ) : هل يقدر ربّك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن تصغر الدنيا أو تكبر البيضة ؟ ، قال : إن الله تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز ، والذي سألتني لا يكون(1) .

فمع أنه لا سبيل للعجز إلى ذات الله المقدّسة ، إلاّ أن التساؤل عن قدرة الله على فعل محال تساؤل غير معقول ولا معنى له .

إن المؤمن الممتليء قلبه بالإيمان بالله وحبه لا يجد نفسه خائباً آيساً وحيداً ، بل لا يقدم على أيّ عمل إلاّ مع وعي كامل وهو يرى نفسه تحت رعهاية تلك القدرة العظيمة الإلهية التي تستطيع أن تنصره في كل المشاكل والأمور .

إن من عرف الله وعلم أن يتمتع بتأييده يتصف بالصبر والمقاومة أمام الصعوبات ولا يرى المشاكل إلاّ كزبد على سطح المياه يزول بسرعة ; وكل نار تتأجج حوله من المشاكل فإنه سيخرج منها كزبر الحديد أقوى وأصلب .

يحسّ بفضل الله وعنايته في جميع مراحل المشاكل ، وهذا الإحساس هو أساس سعيه ومحاولاته ، فلا يجد أيّ مانع في طريقه حتى خيبة بعض آماله فإنها لا تستتبع استسلامه للمشكلات ، بل يتابع هدفه حتى الظفر التام بمثابرة في العمل وإخلاص في النية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 بحار الأنوار ج 3 ص 143 .

 

إن المؤمن بالله يعلم جيداً أن : ( سيعه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) وأن النصر للمؤمنين ولعبادالله الصالحين ، وأن الله يأخذ بأيدي المظلومين الذين لا يجدون لهم ملجأ إلّا الله ، ويصل بهم إلى أوج العزة والعظمة ، وقد يرغم أنوف الأعزة الطغاة الظالمين الذين لا يفكرون في شيء سوى القدرة والسلطان ، والذين لا يعترفون للإِنسان بأيّ ثمن .

ما أكثر من سقط من هؤلاء الجبابرة في هوة الظلام ، على مدى التاريخ البشري ، سقطوا في أمواج الذلة وهلكوا .

كلنا يعلم شيئاً عن قصص أنبياء الله الذين هم نماذج كاملة لكل القيم الإِنسانية ، وكيف قاموا بوجه القوى المتحالفة أمامهم ، وذلك لإِنقاذ الناس وإرشادهم وتجديد بناء المجتمع وسوقه نحو الأهداف السامية ، هؤلاء الذين كانوا أول من حمل مشعل الثورة على رؤوس أهل الشرك والضلال ، وقد كانت لدعوتهم آثار أثرت في صورة ومسيرة التأريخ ج وأسست أساس التوحيد والفضائل بجميع أبعادها وكل جوانبها .

فهل لأحد أن ينكر دور الإِيمان والوحي في مساعيهم التي لم تكن تعرف الكلل والملل ؟ ! لنفكر إلى أي درجة يستطيع أن يصبر الإِنسان ويبدي من نفسه قوة الإِرادة ؟ .

بمرور عابر على تأريخهم الفاخر نلمس إخلاصهم وصفاء ضمائرهم ورأفتهم ورحمتهم بالإِنسان والإِنسانية ، وأن سر خلودهم هو أنهم لم يكونوا يفكرون في أنفسهم لحظة واحدة بل كانوا قد جعلوا حياتهم وقفاً لإِرشاد الناس بكل إخلاص ، فوهب الله لهم بذلك صفة الأبدية والخلود .

534
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

فيما جاء في تفسير قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله ...
تشريع صلاة التراويح
نشاة التشيع
سعة دائرة الحلال
هندسة القضاء والقدر
في صفات الأنبياء وكتبهم
التقية في الاسلام
الإمامة والخلافة بإختصار
ما أثر الشفاعة
ماهية الإمامة عند أهل السنّة

 
user comment