عربي
Friday 19th of April 2024
0
نفر 0

يا قائم آل محمد (عجل الله تعالى فرجه)

يا قائم آل محمد (عجل الله تعالى فرجه)

 

مدخل:

كان هذا النداء الرائع، الذي سيبقى البلسم الشافي لجراح المسلمين، والدعاء المستمر الذي ستلهج به ألسنة المسلمين، ماداموا المظلومين في الأرض، المهضومي الحقوق بين الأمم، إلى أن يستجيب الله سبحانه لدعائهم، ويظلهم براية إمامهم المنقذ لهم من الضلال، والمخلص لهم من الذل والجهل، والآخذ بأيديهم لأن يصبحوا بحق خير أمة أخرجت للناس، وأن يصبح دينهم ظاهراً فوق جميع الأديان، ولو كره المشركون والكافرون والجاحدون ورغم أنف الملحدين والمعاندين.

أقول: كان هذا النداء والدعاء، محل تهجم وتشنيع من الناعقين بالباطل على طول التاريخ، في الماضي والحاضر على السواء، وبالحط من شأنه وشأن المؤمنين به منقذاً للأمة الإسلامية، ومخلصاً لها من الوهدة المظلمة، التي أوقعها فيها أصحاب الأهواء المضلة، والعقول العفنة المتشنجة، وهكذا ابتدأ صاحب النشرة الخبيثة (رسالة لزملائي الطلبة) عدده الثاني، بعنوان (ماذا تعرف عن عبارة: ياقائم آل محمد (عج))، وجعل لهذا العدد راية حمراء سماها( تنبيه النيام من أهل السنة الكرام)، إنها الفتنة النائمة التي يريد هذا الشيطان أن يوقظها من سُباتها الطويل، إذ رنى بصره السقيم لرؤية أنهار الدم، بعد أن كادت تجف تربتها الآسنة، وأوشكت أن تشم روائح الألفة والوفاق والوئام.

هذه النشرة المهيجة للأحقاد والضغائن، لا أدري كيف يستقبلها زملاؤه من الطلبة، ولعلهم أو البعض منهم يظنون فيها الصدق والإخلاص، فتمتلئ قلوبهم بالكره لهؤلاء الشيعة، أتباع محمد وآل بيته الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فيكرهون الحق بكره أهله ، ويتابعون مسيرة أسلافهم في الحقد الأعمى والتعصب الممقوت، فتضلّ بذلك قلوبهم، وتزِلّ في طرق الغواية أقدامهم، ويتنكبون الطريق القويم والصراط المستقيم، ولولا الخوف على هؤلاء من المصير إلى هذا المنزلق الخطير، لما ألقينا بالاً لأقوال هذا الشيطان الغوي، ولا شغلنا قلماً وقرطاساً ووقتاً ثميناً، في الردّ على ضلالاته وأوهامه وتلبيساته.

إن هذا الإبليس يغش الناس، من حيث أنه يدّعي نصحهم، ويوقعهم في اللبس والشك، من حيث يوهمهم أنه يقدم لهم البيان، ويدّعي في جريمته تلك امتثالاً لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الدين النصيحة)، بينما هو في الحقيقة والواقع يمتثل لتلبيسات إبليس، ويستجيب لأوامر هواه الخسيس، فنحن لذلك مضطرون للردّ عليه، وردع شيطانه وهواه.

 

عقيدتنا في الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف:

لا تختلف عقيدة الشيعة في الإمام المهدي كثيراً عما أجمع عليه المسلمون، وملخصه أن رجلاً من عترة المصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم، اسمه محمد، يظهر في آخر الزمان، فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، وهذا الرجل هو المهدي ، وهو القائم، وهو المنتظر، عجل الله تعالى فرجه وفرجنا به.

وقد أجمعت الروايات الواردة في كتب إخواننا من السنة أن المهديّ من أهل بيت رسول الله، وأنه من ولد فاطمة، وذكرت بعض رواياتهم أنه من ولد الحسين، فقد جاء عن أحمد بن حنبل أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لابنه الحسين: (من صلبك تاسعهم قائمهم)، وانفرد أبو داوود بعبارة (اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي)، فهو على هذه الرواية محمد بن عبد الله، بينما أجمعت روايات الشيعة، على أن اسمه محمد بن الحسن المهدي عليه وعلى آبائه السلام.

وتمسّك السنة بهذه الرواية المنفردة عن أبي داوود، وتمسّك الشيعة بما أجمعت عليه روايات أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأهل البيت أدرى بالذي فيه، وهذه هي نقطة الخلاف الأولى بين السنة والشيعة، وأما النقطة الثانية، فهي اعتقاد الشيعة أن الإمام المهدي قد وُلِدَ وغاب وسيظهر، بينما أنكر السنة ولادته وغيبته، وقالوا أنه سيولد في آخر الزمان، ونقطتا الخلاف هاتان، لا يترتب عليهما بالنسبة إلى إخواننا السنة أي إشكال، سوى استغرابهم أن يكون قد وُلد وعاش هذه المدة الطويلة حتى الآن، وإلى وقت ظهوره المجهول، هذا الاستغراب الذي لا يقوم على أي أساس من العقل ولا من النقل.

على أن العمر الطويل ليس بمستحيل عقلاً، والبشرية جادة في البحث عن سبل إطالة الأعمار، وما هو مستغرب ومستبعد اليوم، قد يصبح واقعاً غداً، كما أن الغيبة ليست مستغربة كذلك، فكم غيبت الظروف السياسية والأحوال المعيشية، عن ساحة الظهور بين الناس إلى حين، أشخاصاً يعرفونهم حق المعرفة، ويعرفون سبب غيبتهم واختفائهم وتواريهم عن الأنظار.

والأهم من ذلك أن هذين الأمرين، ليسا غريبين على ذهنية المسلمين، بعد أن حكى لنا القرآن الكريم قصص المعمِّرين، مثل أهل الكهف ونوحٍ عليه السلام، وقصص من رفعهم الله إليه، كإدريس وعيسى بن مريم عليهم السلام، والغائبين الحاضرين المختفين عن الأنظار كالخضر (عليه السلام).

وسواء أكان أمر هؤلاء طبيعياً كما في حالة نوح (عليه السلام)، أو معجزاً كما في حالتي عيسى والخضر عليهما السلام، فيبقى الأمر في دائرة الإمكان الطبيعي أو الإعجازي، فما المانع أن يتكرر هذا الحال في أمر الإمام المهدي (عليه السلام)؟.

على أن للشيعة دليلاً ظاهراً أكثر وضوحاً مما تقدم، لأنه قد يقال: ما كل ممكنٍ يقع، وما حصل مع واحد ليس بالضرورة أن يتكرر مع آخر، ونقول نعم، هذا صحيح لا غبار عليه، ونحن أيضاً لا نقبل تكرار إلاّ مادلّ عليه دليل، فلا نقول بوقوع ممكن حتى يدلَّ دليل على وقوعه، وهذا من المسلّمات البديهية لدينا، بل من ضروريات عقيدتنا بالمهدي ذاته، حتى لا يدّعيَ المهدية كل من هبّ ودبّ على ظهر هذه الأرض، والأدعياء كُثُرٌ لا حصر لهم.

 

ولادة الإمام المهدي وغيبته يقينية عندنا:

ولنا في التدليل على هذا الأمر مسلكان: مسلك نقلي، ومسلك نقلي عقلي، أما طريق النقل: فما تواتر من الروايات الكثيرة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام، والتي تؤكد أخبار الولادة والغيبة، ومنها أن الإمام الحادي عشر، وهو الإمام الحسن العسكري، خرج على أصحابه في مجلسه قبيل وفاته بأيام، فعرض عليهم ابنه الإمام المهدي عليه السلام، وقال لهم: (هذا صاحبكم بعدي وخليفتي عليكم... وهو القائم الذي تُمَدُّ إليه الأعناق بالانتظار، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً، خرج فملأها قسطاً وعدلاً)(1)ولن ندخل في إطار تعداد هذه الروايات ولاشيء منها، لسبب بسيط، هو أن الطرف الآخر لا يعتدّ برواياتنا، ولا يأخذ بشيء منها، فهل نرويها هنا لإقناع أنفسنا نحن بها؟.

أما المسلك النقلي العقلي، فهو خيارنا في هذا المجال، ولذلك فإننا نبسطه بين أيدي البحث على الشكل التالي:

روت صحاح أهل السنة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة..كلهم من قريش)(2).

وقد جهد جهابذة المسلمين في عدّ هؤلاء الاثني عشر خليفة فلم يفلحوا ولم يجدوا إلى ذلك سبيلاً، وما ذلك إلا لأنهم حادوا عن الجادة وتنكبوا صراط الله المستقيم، الذي دلّهم عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يوم غدير خم بعد حجة الوداع، إذ وقف عليه وآله الصلاة والسلام، في أكثر من مائة ألف من المسلمين خطيباً، فقال: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأَدِرِ الحق معه حيثما دار)، واحتشد المسلمون يومئذ على خيمة عليٍّ (عليه السلام)، يبايعونه بالإمامة والخلافة، وفيهم أبو بكر وعمر، اللذين أُثر عنهما أنهما قالا يومئذ لعلي: بَخ ٍ بخ ٍ لك يابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة(3)، ولو أنهم لم يتأولوا كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأخذوا صريح معناه وواضحة، لعلموا أن الخلفاء الاثني عشر المشار إليهم، ليسوا سوى أئمة أهل البيت، الذين أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم محمد المهدي بن الحسن العسكري (عليهم السلام).

وإذا ضممنا إلى ما تقدم، ما جاء عن الإمام أحمد بن حنبل أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لابنه الحسين: (من صلبك تاسعهم قائمهم)(4)، يتأكد لنا أن هذا التاسع وهو القائم (عليه السلام)، إنما هو ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، الذي هو ثامن الأئمة، وإذا كان ابنه على الحقيقة والواقع، فلا بد أنه قد وُلِدَ قبل وفاة أبيه، وهذا ما تؤكده جميع المصادر الشيعية، وعليه إجماعهم، وإذا كان قد ولد فعلاً، فلا بد أنه قد غاب وتوارى عن الأنظار، ينتظر فرج الله مع المنتظرين.

وبولادته (عليه السلام)، تكون فكرة المنقذ والمخلّص، قد تحولت (من التطلّع إلى منقذ تتمخض عنه الدنيا في المستقبل البعيد المجهول، إلى الإيمان بوجود المنقذ فعلاً، وتطلّعه مع المتطلعين إلى اليوم الموعود، واكتمال كل الظروف التي تسمح له بممارسة دوره العظيم، فلم يعد المهدي عليه السلام فكرةً ننتظر ولادتها، ونبوءةً نتطلع إلى مصداقها، بل واقعاً قائماً ننتظر فاعليته، وإنساناً معيناً يعيش بيننا بلحمه ودمه، نراه ويرانا، ويعيش مع آمالنا وآلامنا، ويشاركنا أحزاننا وأفراحنا، ويشهد كل ما تزخر به الساحة على وجه الأرض، من عذاب المعذبين وبؤس البائسين وظلم الظالمين، ويكتوي بكل ذلك من قريب أو بعيد، وينتظر بلهفة اللحظة التي يتاح له فيها، أن يمدّ يده على كل مظلوم وكل محروم وكل بائس، ويقطع دابر الظالمين)(5).

هذه هي عقيدتنا- نحن الشيعة- في الإمام المهدي عجّل الله تعالى في ظهوره، وفرّج به عن المؤمنين ما هم فيه من ضنكٍ ورَهَق وضيق، إنه قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله)، القائم الذي لا يعلن في الوقت الحاضر عن نفسه، والحيُّ الذي لا يكشف للآخرين حياته، رغم أنه يعيش معهم انتظاراً للحظة الموعودة، الذي يؤدي فيه واجبه المأمور به، ويقوم فيه بدوره الرسالي المطلوب منه.

ونلاحظ أن هذا التجسيد الحقيقي الواقعي، قد (أعطى الفكرة زخماً جديداً، وجعل منها مصدر عطاء وقوة بدرجة أكبر، إضافة إلى ما يجده أي إنسان رافض، من سلوة وعزاء وتخفيف لما يقاسيه من آلام الظلم والحرمان، حين يحس أن إمامه وقائده يشاركه هذه الآلام، ويتحسس بها فعلاً، بحكم كونه إنساناً معاصراً له، يعيش معه، وليس مجرد فكرة مستقبلية)(6)، وهذا في الواقع، شعور لا يحس به إلاّ المؤمنون حق الإيمان بالإمام الحي القائم، والرافضون لكل انحراف وظلم وبغي يرفضه إمامهم، ويثورون عليه كلما استطاعوا، تمهيداً لظهور إمامهم وقائدهم، الذي سيحقق قول الله تبارك وتعالى: ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)[سورة التوبة: الآية 33].

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

الأدعية والزيارات المهدوية عن المعصومين ( عليهم ...
سيرة الإمام المهدي المنتظر(عجل الله فرجه)
كيف يكون الإنتظار للإمام المهدي عليه السلام
القسم الثالث. أعمال الإمام المهدي... دولة الخوارق
يا قائم آل محمد (عجل الله تعالى فرجه)
أتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
دور العرب في عصر الظهور
نصوص في التوراة والإنجيل تبشّر بظهور قائم آل ...
کتابة رقعة الحاجة إلی مولانا صاحب العصر والزمان ...
إن سياسة النبذ والإهمال المتعمد والإقصاء ...

 
user comment