عربي
Wednesday 10th of August 2022
0
نفر 0

النّهضة الحسينيّة من منظور مغربي-2

لكن هل يمكننا الحديث عن وقف كلّ التعبيرات الشعبيّة والطقوسيّة العاشورائيّة ؟ في تصوّري المطلوب هو التوازن . أعني : إعطاء الوعي حقّه مقدار ما نعطي اللاّوعي . أي : أن يوجد نوع من التوازن يؤدّي إلى تعدّد في الخطاب . المشكلة هي إذن ، في اختلال التوازن . نحن نعلم أنّ المتلقّي المفترض يشكّل القاعدة الاجتماعيّة الشعبيّة الأوسع . لكن هذا لا يعني إغفال الشريحة الواسعة التي تتطلّع إلى تشكيل حالة ارتكازيّة في منطقة الوعي بالقضيّة الحسينيّة . من ناحية اُخرى أعتقد أنّ الطقس الحسيني والقالب الذي يقدّم به الخطاب ، ليس مرفوضاً مطلقاً حتّى مع وجود ما يبدو منفراً في ثقافات اُخرى . فهذا أمر طبيعي إنّنا نفهم الطقس الحسيني في تعبيره الشعبي والثقافي الرمزي ، حكاية عن انجنان مفرط بمحبّة الحسين (عليه السّلام) ، يترجم أقصى الولاء . والمحبّة للحسين ولعموم أهل البيت (عليهم السّلام) هي أمر بسيط يشتدّ ويضعف ، فلا حدود له . بل كلٌّ يحبّ بطريقته ، والكلّ يتنافس . ( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) ؛ لقوله (صلّى الله عليه وآله) : (( حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ الله مَن أحبّ حسيناً )) . فهناك مَن يحبّ كثيراً ، وهناك مَن يحبّ قليلاً ، ومن الحبّ ما قتل .
ويبدو لي أنّ ما لا يفهمه الآخر في الاُسلوب الذي تقدّم به القضيّة الحسينيّة هو أنّ هناك قيمة في الوجدان الشيعي تقوم على اعتبار الانجنان بحبّ الحسين (عليه السّلام) ، ( حبّ الحسين قد جنّني ) . فالمظاهر التي تشاهَد في المناسبات دالّة على أنّ المطلوب هو إظهار الانجنان بحبّ الحسين (عليه السّلام) ، وليس المقام مقام معالجة برهانيّة أو جماليّة .
وإذا كان هناك مَن ينعت الشيعة بأنّهم مجانين من خلال طقوسيّات عاشوراء فله الحقّ أن يقول ذلك ما دام هو خارج دائرة تأثير الوجدانيّة الشيعيّة الحسينيّة . وذلك في اعتقادي دليل على أنّ الشيعة نجحوا في تقديم المراد ، بأنّ حبّ الحسين قد جنّهم . أعتقد أنّ المطلوب هو التوازن في الخطاب وفي الطقس للكشف عن الوجه الكوني للخطاب . على أنّ الحديث عن الوجه الكَوني للخطاب لا يعني القضاء على الجانب الشاعري والطقسي للخطاب ، فللكَونيّة طقوسها المقبولة أيضاً .
الملحمة الحسينيّة هي إنسانيّة متعدّدة الأبعاد . وتضخّم الحالة الوجدانيّة واختزالها في الطقس الاحتفالي راجع إلى سعة القاعدة السوسيولوجية الشعبيّة للمجتمع الذي يتعاطى هذه الاحتفاليّة مقابل محدوديّة النخبة وثقافتها . لكن هذا التنوّع في الأبعاد العاشورائيّة لا يظهر منه إلاّ الجانب الطقسي . وعلينا أن نوسّع من الجانب التحليلي والقرائي الذي يدرس الملحمة الحسينيّة من خلال أبعادها وزواياها الاُخرى .
هذا في الإطار العام . أمّا من ناحية المبلّغين وخطباء المنبر الحسيني ، فعليهم أن يتحلّوا بثقافة عالميّة ، تمكّنهم من استحضار الوعي العالمي والذَّوق العالمي ، ويكونوا أكثر توازناً . والخطباء في هذا المقام مطالبون أكثر من غيرهم بتحصيل حدّ أدنى من الثقافة العالميّة والاجتهاد في مراعاة الذَّوق المشترك ، وعدم الاستسلام للسّبات الانفعالي والعاطفي الذي يقوم عادةً على حساب منطق المحتوى الرسالي للمادّة الحسينيّة . إنّ القدرة على السّيطرة على ناصية الوجدان الشعبي في العرض العاشورائي أثناء سرد الأطوار الموحية في نعي الحسين (عليه السّلام) لا ينبغي أن تسرق وعي الخطيب وتجعله يتسامح فيما أسميناه ( المحتوى المنطقي و الموضوعي لرسالة الحسين ) .
هناك ما يُعرف بـ ( الغوريز ) ـ الكاف المعجمة ـ عند خطباء المنبر الحسيني ، والكلمة فارسيّة ، يعنون بها : الهروب . وهي تقنيّة خطابيّة تنقل ذهن المتلقّي بنكتة ينخرم فيها السّياق بصورة خفيّة إلى المصيبة من دون سابق إنذار ، ولكن بذكاء خطابي . ويحتاج الإنسان أن يكون متمثّلاً للوجدانيّة الحسينيّة حتّى يسامح هذه الانعطافة الخطابيّة ، حيث البعض يبالغ في التسامح أحياناً إلى حدٍّ غير معقول . على الخطيب أن لا يمارس ( الغوريز ) المنطقي فضلاً عن الخطابي ؛ لأنّ ذلك غير مقبول من المتلقّي العالمي الذي لا زالت تنقصه المعطيات . إنّ الثقافة الحسينيّة كما تمارس في المجتمع الشيعي ، تجعل المتلقّي المفترض لا يرى في الأطوار الذي يكاد يحفظها عن ظهر قلب سوى لحظة سماع لاستحضار مصيبة لا تغيب عنه تفاصيلها . ولكن المتلقّي خارج دائرة تأثير الوجدانيّة الشيعيّة تنقصه المعطيات . إنّ التضخّم من الحالة الوجدانيّة ليس هو المشكل ، بل المشكل يكمن في غياب حدّ أدنى من فكرنة الملحمة الحسينيّة ، وحدّ أدنى يوازي ذلك من الدراسة الواعية لمضمونها النّهضوي . هناك خطاب حسيني منبري نشأ وتطوّر وتراكم في مجال سوسيو / ثقافي معيّن ، كما يفترض متلقّياً محدّداً سلفاً . لكن المنبر الحسيني لم يطوّر خطاباً مفتوحاً ، ولم يفترض متلقّياً مختلفاً ، قد تنقصه المعطيات المتعلّقة بالمحتوى التاريخي والمنطقي للمصيبة ، أو قد لا يتمتّع بالحاسّة السّوسيو / ثقافيّة لالتقاط اللغة الرمزيّة والذوقيّة لهذا العرض البكائي الممسرح .
من ناحية اُخرى يجب التأكيد على المحتوى الحضاري الكبير ، والبُعد المشروعي لملحمة الحسين (عليه السّلام) . إنّ الخطباء يركّزون بالتفصيل على المقتل ، وعلى إبراز اللحظات الدراماتيكيّة للجريمة . فلا ينسون جزئيّة من جزئيّات المقتل . وهذا أمر مهمّ نجح فيه المنبر الحسيني إلى أبعد الحدود . لكن قضيّة الحسين (عليه السّلام) ليست مجرّد وصف لمقتل ، بل هي وصف لقتل استتبع أشكالاً من القتل لمشروع اُمّة ومشروع نهضة ، أي البُعد الشأني للإمام الحسين (عليه السّلام) وموقعيّته الرساليّة داخل الاُمّة . إنّ نضج الخطيب الحسيني وثقافته تنعكس بصورة تلقائيّة على المحتوى ، فتكبّر القضيّة بمستوى ثقافة الخطيب وعلمه . وفي هذا السّياق يمكننا الحديث عن نماذج تركت بصماتها على المنبر الحسيني من أمثال : الشيخ الوائلي (رحمه الله) ، الذي استطاع أن يطوّر نمطاً خاصّاً في الخطابة الحسينيّة ، استدمج فيها العلم والتحقيق بفنّ الخطابة وما يقتضيه من نكات بيانيّة ، فكان نموذجاً للخطيب الذي يفقه عصره ، ويفقه موقعيّة الخطيب الحسيني ومسؤوليّته . وهناك نماذج كثيرة ـ حيث من الأفضل أن لا أتحدّث عن الأحياء ـ استطاعوا أن يطوّروا اُسلوبهم الخاص ، ويثروا تجربتهم الثقافيّة ، ويعصرنوا خطابهم الحسيني المسؤول ، ويكيّفوه ضمن جغرافيا الحسّاسيّات المختلفة . وأعتقد أنّ المنبر الحسيني يجب أن يتحوّل إلى شعبة تخصّصيّة . وأنّ الخطابة الحسينيّة يجب أن تصبح تخصّصاً ، ومادّة للدراسة يتعلّم فيها الخطيب فنون الخطابة والتزوّد بالمعارف والعلوم الضروريّة للخطيب . فحيثما أبرزنا المشروع الحضاري والنّهضوي الذي قضى في سبيله أبو الأحرار ، كبرت الملحمة الحسينيّة ، وأصبحت أكثر عقلانيّة ، وبالتالي أصبحت الوجدانيّة نفسها مقبولة بهذا اللحاظ . إنّ الحسين (عليه السّلام) قد فتح صفحة بيضاء ، علينا أن نعرف كيف نكتب عليها أعظم جملة للتعبير عن ملحمة ، لازلنا نرى أنّها قادرة على أن تلهمنا بالشئ الكثير .

المحاوِر : ما هو الثابت وما هو المتغيّر في ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) ؟ وهل يمكن لذكرى فاجعة مروعة كهذه الثورة أن تكون أرضيّة لإستقرار السّلم والأمن محليّاً وإقليميّاً ودوليّاً ، وكيف ؟
إدريس هاني : لا يوجد عندي ثابت غير خاضع لضرب من الحركة ، بالمعنى الذي تفيده الحركة الجوهريّة . فكلّ شيء يبدو لك ثابتاً فهو يتحرّك على نحو من الحركة ، بها يتكامل الثابت وبها تتشكّك أبعاده فيكسب تعابير شتّى تُدين لذلك الجوهر ؛ ولذا فإنّني لا أتحدّث عن ثابت في قبال متحوّل ، بل أتحدّث عن ( ثابت متحوّل ) برفع واو العطف ؛ لاُؤكّد على أنّ ثمّة أحد أحد فقط ، لا يخضع للحركة ولا للثبات ، وإن كان هو كلّ يوم في شأن . فهو يتعالى عن الثابت والمتحوّل في آنٍ واحد ؛ من هنا أرى أنّ كلّ ما في نهضة الحسين (عليه السّلام) هو ثابت متحرّك . حيث القيم الإنسانيّة العليا تعبّر عن نفسها بمستويات مختلفة وتتحرّك في مديات النّفوس والاجتماع بمراتب شتّى . فالقيم كالأفكار تسبح في أنساق اجتماعيّة وشروط موضوعيّة هي ما يمنحها الشكل الأكثر قابليّة للتطبيق والتشخّص . وأعتقد أنّ القِيَم التي صدرت عنها مواقف وشعارات النّهضة الحسينيّة ، تشكّل تعاليم قابلة للتكيّف بأشكال مختلفة مع الأنساق الاجتماعيّة والمنظومات القيميّة التي دان بها الإنسان في أوج نضجه الحضاري .
نعم ، إذا كان ولا بدّ أن نتحدّث عن ثوابت ، ولَو بالمعنى العام ، فإنّني أعتقد أنّ رعونة يزيد لم تعد مقبولة في هذا العصر . وأعتقد أنّ آخر أرعن كان يملك وقاحة يزيد ، هو ( صدّام ) المخلوع ، الذي كان يقتل العلماء والفضلاء من مواطنيه صبراً ومن دون أي مبرّر . وأعتقد أنّ هذه الرعونة التي فرضت التحدّي على الحسين (عليه السّلام) وأهله ، لم يعد لها وجود اليوم . وحتّى لو ظلّت مظاهر الظلم سارية فإنّها لم تعد قادرة على ممارسة الطغيان العاري . وفي مثل هذه الحالة ، فإنّ اُسلوب التعبير عن المطالب العادلة للشعوب أمسى ممكناً دون هذه التراجيديا السوداء التي خلّدتها ذكرى شهادة أبي الأحرار . أنا لا أخاف من المستقبل على صفاء القضيّة الحسينيّة  كما لا أخاف من المستقبل على الإسلام ؛ لثقتي في عظمة المحتوى وممانعة القضيّة العادلة في وجه طوفان التزييف .

المحاوِر : بين عاشوراء الحزن والعزاء في المشرق الإسلامي وعاشوراء العيد والفرح في المغرب الإسلامي تنطرح إشكاليّة الازدواجيّة في تخليد هذه المناسبة . فما هو الطريق للخروج من هذه الأشكال تعريفاً بالماهيّة الحقيقيّة لعاشوراء ؟
إدريس هاني : عاشوراء التي أصبحت مناسبة للتذكير بمقتل أبي الأحراروأهله ، وبمصابهم الجلل لا يمكنها إلاّ أن تكون عاشوراء الحزن .
وأعتقد أنّه لا بدّ من التدقيق أكثر في السؤال . فليست عاشوراء حزينة عند كلّ المشارقة ، كما أنّها ليست عاشوراء عيد الفرح عند كلّ المغاربة . ففي المغرب هناك ثقافة متعدّدة وطقوس متعدّدة تعبّر عن نفسها في عاشوراء بأساليب متعدّدة . وأنا شخصيّاً لا أعرف من فلسفة حقيقيّة وتبرير معقول للحالة العيديّة لعاشوراء في بعض الطقوس الغرائبيّة في المغرب الإسلامي .
إنّ للحسين (عليه السّلام) وعموم البيت العلوي في الوجدان المغاربي مكانة خاصّة ، هي نفسها التي جعلت منّا حسينيين ، لم تزدنا تجربتنا المعرفيّة الاُخرى سوى بصيرة في هذا الإحساس . وأنا شخصيّاً لم أكسب وجدانيّتي الحسينيّة سوى من فطرتي المغربيّة وليس من جهة اُخرى . ثق تماماً ، فالذين يحتفلون ويضربون الدفوف في بعض مناطق المغرب مثلاً ، لا يتصوّرون الموضوع ، ولا تحضر عندهم مصيبة الحسين (عليه السّلام) كما تحضر عند أغيارهم . ولا هم يحتفلون بمقتل الحسين ، حاشا أحداً يفعل ذلك في مغاربنا المعروفة بحبّها لآل البيت الأطهار ، بل هم يجهلون عاشوراء ولا يعرفون مصدر هذه الاحتفاليّة العيديّة ولا موضوعها . وحتّى لو عرفوا أنّ في هذا اليوم قُتل الإمام الحسين (عليه السّلام) فلا يستطيعون الربط . فالمسألة ليست منطقيّة أو معرفيّة ، بل هي سوسيولوجيّة وثقافيّة ؛ ومن هنا مفارقتها .
إنّ عاشور عند هؤلاء هي مجرّد عيد يتعلّق بمكانة ( اليوم ) المذكور في ذاته ، كيوم له قدسيّته ؛ ولهذا الجهل والغفلة بعاشوراء بمدلولها الكربلائي سبب تاريخي ، لا أخفي أن تكون آثاره يزيديّة . وبما أنّ المغاربة لا يمكنهم أن يقبلوا بالاحتفال والشماتة بمقتل الحسين (عليه السّلام) ، فإنّ سياسة التجهيل التي استبعدت الموضوع الحقيقي للاحتفال ، وأبقت عليه كطقس غامض يمارَس بلا وعي كانت تدرك بأنّ محاولة إقناع المغاربة بجعل يوم مقتل الحسين (عليه السّلام) عيداً للفرح والأهازيج دونه خرط القتاد . لكن هناك تعبيرات اُخرى وإن لم تكن في حرارة الطقس الأول ، إلاّ أنّها تستحضر الوعي بالموضوع العاشورائي ، والحزن على مقتل ابن النّبي (صلّى الله عليه وآله) . وهذه الشرائح الواسعة لا تظهر ؛ لأنّها تكون في حالة انزواء وحزن ولا تخرج إلى الشارع ولا تشعل ناراً ولا تصبّ ماءاً .
المهمّ المسألة هي مجرّد طقس ثقافي يمارَس هنا من دون استحضار لموضوعه التاريخي . إنّها مسألة وعي مرّة اُخرى . وهي المفارقة التي تجدها في تعبير آخر ، حيث تتقاطر شرائح واسعة في المولد النّبوي على إحدى الأضرحة ، وبدل أن يكون يوماً للفرح والأهازيج يتحوّل إلى يوم ضرب الرؤوس بالسكاكين ، واستقبال القدور بالهامات ، وأكل الشوك ، وافتراس الماشية وما شابه من ألوان الطقوس . فهل يقال أنّها حالة دمويّة لاستقبال ذكرى المولد النّبوي ؟ لقد قلت سابقاً أنّها طقوس اجتماعيّة تستقي رمزيّتها من الوجدان الشعبي والثقافي ، وفي هذا الإطار ، يغلب اللاّوعي على الوعي وتستبدّ المفارقة .
إنّني أعتقد أنّ المخرج من اللاّمعنى في الطقس الاجتماعي هو بتكثيف الوعي بمضمونه وفلسفته . وهذا في ظنّي أمر ممكن اليوم . والشعوب العربيّة سوف تتعلّم الكثير عن عاشوراء ، وستخرج من سبات اللاّوعي واللاّمعنى في ممارستها وطقوسها الشعبيّة . وهذا أمر ممكن .

المحاوِر : هل ينبغي لتجسيد أهداف ثورة الحسين (عليه السّلام) الخروج على الحكّام والأنظمة في بلداننا ، كما فعل الإمام الحسين (عليه السّلام) ، مع ملاحظة أنّ التهديد الأكبر الذي هو الكيان الصهيوني يقع بين ظهرانينا وهو محمي بلا حدود بالاستكبار العالمي ؟
إدريس هاني : قلنا أنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) متعدّدة الأبعاد . وإذا ما رأى فيها البعض أنّها إيحاء باللون الأحمر بديلاً عن اللون الأسود ، فإنّني لا أقبل بهذه القراءة الإستبداليّة التي تختزل ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) في اللون الواحد . إنّها بالأحرى تختزل كلّ هذا التعبير الممتد امتداد المعنى ، والمتعدّد باللون الأسود والأحمر ، بل أضيف هنا اللون الأبيض ( لون السّلام ) الذي عبّر عنه الإمام الحسين (عليه السّلام) من خلال الكلمة والموقف . إنّها ثورة من أجل الكرامة والحريّة ، حيث لا استقرار للإنسان إلاّ في مجتمع كريم وحرّ يتمتّع بكامل حقوقه . وهي الدعوة التي عبّر عنها الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ، وهو يلخص كلّ رسالة عاشوراء التي شهدها وهو على فراش المرض : (( اللهمّ ، إنّا نرغب إليك في دولة كريمة )) . إنّ المشهد الحسيني بكلّ تعابيره صرخة حيّة من أجل السّلام والعيش الكريم . فهو الذي خطب في النّاس أنّه لم يخرج أشراً ولا بطراً ، وإنّما خرج طلباً لإصلاح اُمّة جدّه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
ثورة الحسين (عليه السّلام) لم تكن في غايتها القصوى سوى ما تطلّعت إليه أفئدة الأحرار ؛ ولهذا جاء نداؤه إنسانيّاً .
لقد قدّم الإمام الحسين (عليه السّلام) كلّ ما في وسعه ليتجنّب المعركة . وقد التمس في مفاوضاته مع محاصريه أن يخلّوا سبيله ، وأن يسمحوا له بأن يذهب ويرابط في ثغر من ثغور المسلمين ، فيصوّب سيفه ذَوداً عن حمى الإسلام وحدود الدولة الإسلاميّة كواحد من جنود الإسلام . فلم يقبلوا منه إلاّ أن يقبل بالذلّة ، فقال لهم حينئذ : (( هيهات منّا الذلّة )) . ومع أنّهم أكثر النّاس معرفة بجديّة وصدق الحسين (عليه السّلام) ، فلا هو من أهل الغدر ولا من منبته ، لكن القَوم رأوا أن يصفوا القضيّة الحسينيّة في العراء ، ويطووا صفحة هذا التحدّي الحسيني . وبدل أن يمضوا في المفاوضات إلى الحدّ الذي يحولوا فيه جريمة قتل بقايا آل محمّد إلى ما يجعلهم يفيدون من الحسين (عليه السّلام) في إصلاح الاُمّة ، جعلوا من الحسين العدو الأول .
ويكفي أن الجيش الذي قاتلوا به الحسين (عليه السّلام) هو جيش اُعدّ لمواجهة الديلم ، أربعة آلاف جندي معدّ لمحاربة بقايا الأمبراطوريّة الرومانيّة ، يوجّه للفتك بسبعة عشر ممَّن تبقّى مع الحسين (عليه السّلام) . فقاتلي الحسين هم من حاد عن المشروع الكبير من مواجهة تحدّي خارجي إلى إبادة الحسين (عليه السّلام) ومَن معه . إنّها هزيمة اُمّة ، وهي تفوق كلّ البدع التي ابتدعها بنو اُميّة في تاريخهم الأسود بدعة أن تقاتل حفنة من المعارضين بجيش نظامي جرّار . وكان دون ذلك مندوحة لو شاؤوا .
الحسين (عليه السّلام) قاتَل بعد أن لم يتركوا له خياراً آخر ، ولو وجد خياراً لكان موقفه كأخيه الحسن (عليه السّلام) ، ولو أنّ أخاه الحسن (عليه السّلام) انقطعت به الأسباب ولم يجد في الصلح مخرجاً لكانت كربلاء الحسن قبل كربلاء الحسين (عليهما السّلام) .
الحسين (عليه السّلام) لم يخرج على نظام ، بل خرج على منطق الإذلال ؛ ومن هنا أعتقد أنّه آن الأوان لتطوير فهم أعمق بمحتوى رسالة الحسين (عليه السّلام) .
الحسين (عليه السّلام) كان يطلب الإصلاح في اُمّة جدّه ، وكان كما أخيه قد يقبل بالحدّ الأدنى ، كما يخبر دعاء ابنه زين العابدين (عليه السّلام) : (( اللهمّ إنّا نرغب إليك في دولة كريمة )) . لكنّهم لم يسمحوا حتّى بالحدّ الأدنى وغلّقوا الأبواب في وجه كلّ الخيارات الممكنة ؛ ومن هنا يجب أن ننطلق في قراءتنا لنهضة الحسين (عليه السّلام) واستيعابنا لفلسفة عاشوراء ، على أساس فقه الأولويّات والأهم والمهمّ وتأويل الحدث والسموّ برمزيّته إلى ما يخدم نهضة الاُمّة وتقدّمها ووحدتها .

498
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

السيدة زينب في الكوفة
المهدي المنتظر في القرآن الكريم
حركة الإمام المهدي (عج) في سياق حركة التاريخ
طقوس عيد الأضحى
اليوم السابع من محرم..يوم مخصص للعباس بن علي (ع)
معجزات الإمام الحسين (عليه السلام)
القصيدة التائية لدعبل الخزاعي
نصائح لخدام المنبر الحسيني
زيارة أم البنين عليها السلام
العمل والانتاج في الإسلام

 
user comment