عربي
Tuesday 11th of May 2021
462
0
نفر 0
0% این مطلب را پسندیده اند

الامام في مواجهة التاريخ

 الامام في مواجهة التاريخ

31
الإمام في مواجهة التّاريخ
كان أميرُ المؤمنين عليّ عليه السّلام، كما يخبرنا هو، وكما سنرى خلال هذه الدراسة يوجّه عناية فائقة إلى التاريخ، عناية جعلت من التاريخ عنصراً بارزاً فيما وصل إِلينا من كلامه في مختلف الموضوعات الّتي كانت تثير اهتمامه.
وعناية الإمام بالتاريخ ليست عناية القاصّ والباحث عن القصص. كما أنّها ليست عناية السياسي الباحث عن الحيل السياسيّة وأساليب التمويه الّتي يعالج بها تذمّر الشعب، وإنّما هي عناية رجل الرسالة والعقيدة، والقائد الحضاري والمفكر المستقبلي.
إِنّ القاصّ يبحث ليجد في تاريخ الماضين وآثارهم مادّة للتّسلية والإثارة. والسياسي يبحث ليجد في التاريخ أساليب يستعين بها في عمله السياسي اليومي في مواجهة المآزق، أو يستعين بها في وضع الخطط الآنية المحدودة1.
والمؤرّخ يقدم لهذا وذاك المادّة التاريخيّة الّتي يجدان فيها حاجتهما.
أمّا الرائد الحضاري، رجل الرسالة والعقيدة ورجل الدولة فهو يبحث ليجد في
___


________________

1 - قال المسعودي في تقريره عن النشاط اليومي لمعاوية بن أبي سفيان «... ويستمرّ إلى ثلث اللّيل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها، وسير ملوك الأمم وحروبها ومكايدها. وسياستها لرعيتها وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة... ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها، والحروب والمكايد. فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتّبون وقد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمرّ بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السّياسات... « - مروج ... (بتحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد) - مطبعة السّعادة - الطّبعة الثّانية (1367هجري - 1948م) الجزء الثّالث - ص 40 .

32
التاريخ جذور المشكل الإنساني، ويتقصّى جهود الإنسانيّة الدائبة في سبيل حلّ هذا المشكل بنحو يعزّز قدرة الإنسان على التكامل الروحي - المادّي، كما يعزّز قدرته على تأمين قدر ما من السعادة مع الحفاظ على الطهارة الإنسانية.
وقد كان الإمامُ عليّ يتعامل مع التاريخ بهذه الروح ومن خلال هذه النظرة، ومن ثم فلم يتوقّف عند جزئيّات الوقائع إلا بمقدار ما تكون شواهداً ورموزاً، وإِنّما تناول المسألة التاريخيّة بنظرة كلّيّة شاملة، ومن هنا فقلّما نرى الإمام في خطبه وكتبه يتحدّث عن وقائع وحوادث جزئيّة، وإِنّما يغلب على تناوله للمسألة التاريخيّة طابع الشمول والعموميّة.
والإمام ليس مؤرخاً، ولذا فليس من المتوقع أن نجد عنده نظرة المؤرخ وأسلوب في سرد الوقائع وتحليلها والحكم عليها، وإنّما هو رجل دولة حاكم، ورجل عقيدة ورسالة فيها كل حياته، فهو يتعامل مع التاريخ باعتباره حركة تكوِّن شخصية الإنسان الحاضرة والمستقبلة، ولذا فهي تشغل حيّزاً هاماً وعلى درجة كبيرة من الخطورة في عملية التربية والتحرك السياسي، وهذا ما يجعل رجل رسالة وحاكماً كالإمام علي عليه السلام حريصاً على أن يدخل في وعي أمّته الّتي يحمل مسؤولية قيادتها ومصيرها .... الى التاريخ سليمة تجعله قوة بانية لا مخرّبة ولا محرّفة.
*
ونحن نعرف عناية الإمام عليّ (ع) الفائقة بالتاريخ واهتمامه البالغ بشأنه من نص ورد في وصيته الّتي وجهها إلى ابنه الإمام الحسن عليه السّلام كتبها إليه بحاضرين1 عند انصرافه من صفّين، قال فيه:
1 - قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 16 / 52 - أمّا قوله «كتبها إليه بحاضرين» فالّذي كنّا نقرؤه قديماً، «كتبها إليه بالحاضرّينِ،» على صيغة التّثنية، يعني حاضر حلب وحاضر قنسرين، وهي الأرباض والضواحي المحيطة بهذه البلاد، ثم ___ بعد ذلك على جماعة من الشيوخ بغير لام، ولم يفسّروه، ومنهم من يذكره بصيغة الجمع لا بصيغة التّثنية، ومنهم من يقول: خناصرين يظنونه تثنية خناصرة أو جمعها. وقد طلبتُ هذه الكلمة في الكتب المصنفة سيّما في البلاد والأرضين فلم أجدها، لعلي أظفر بها فيما بعد فألحقها في هذا الموضع.
قال الشيخ محمد عبده في شرحه: حاضرين: اسم بلدة بنواحي صفّين.
33
«أيْ بُنَيَّ إنِّي وَإنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إلَيَّ مَنْ أُمُوِرِهِمْ، قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أوَّلَهَمْ إلى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مَنْ ضَرَرِه».
وكان قبل ذلك قد وجّه الإمام الحسن (ع) في هذه الوصية إلى تعرّف التاريخ الماضي للعبرة والموعظة، قال:
«أحْيِ قَلْبَكَ بالْمَوعظَةِ ... وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْماضِينَ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا، وَعَمَّا انْتَقَلُوا، وَأَيْنَ حَلوُّا وَنَزَلُوا. فَإنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الأَحِبَّةِ، وَحَلوُّا دِيَارَ الْغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَليلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ».
وهذا النص يحملنا على الإعتقاد بأنّ الإمام عليه السّلام تحدّث كثيراً عن المسألة التاريخية في توجيهاته السياسيّة وتربيته الفكرية لمجتمعه، ولرجال إدارته، ولخواصّ أصحابه.
ولكنّ النّصوص السياسيّة والفكريّة التي اشتمل عليها نهج البلاغة مِمّا يدخل فيه العنصر التاريخي قليلة جدّاً، وإنْ كانت النصوص الوعظيّة الّتي بنيت على الملاحظة التاريخية كثيرة نسيباً.
ولا نستطيع أن نفسّر نقص النصوص السياسيّة والفكريّة - التاريخيّة إلا بضياع هذه النصوص لنسيان الرّواة أو لإهمال الشّريف الرضي لما وصل إليه منها، لأنّه جعل منهجه في تأليف كتاب نهج البلاغة: «اختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الكتب، ثم محاسن الحِكم والأدب»1. وقد أدّى هذا المنهج بطبيعة الحال إلى إهمال الكثير من النّصوص السياسيّة والفكريّة لأنّه لم يكن في الذّروة من الفصاحة والبلاغة.
ومن المؤكّد أنّ الكثير من كلام أميرِ المؤمنين في هذا الباب وغيرِه لم يصل إلى الشّريف الرضي كما اعترف هو بذلك في قوله:
«... ولا أدّعي - مع ذلك - أنّي أحيط بأقطار جميع كلام عليه السّلام حتّى لا يشذّ عنّي منه شاذّ، ولا يندّ نادّ، بل لا أبعد أن يكون القاصر عنّي فوق الواقع إليّ،
____


________________

1 - من مقدمة الشريف الرضي نهج البلاغة.

34
والحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي»1.
*
وعلى أيّة حال فإنّ سُؤالاً هاماً يواجهنا هنا، وهو:
مِنْ أين استقى الإمام معرفته التاريخيّة ؟
إنّه يقول عن نفسه: «... نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ...».
فما الوسيلة الّتي توصّل بِها إلى معرفة أعمالهم لينظر فيها هو كيف تسنّى له أن اطّلع على أخبارهم ليفكّر فيها ؟
نقدّر أنّ الإمام عليه السّلام قد اعتمد في معرفته التاريخية على عدّة مصادر:
1 - القرآن الكريم:
يأتي القرآن الكريم في مقدّمة هذه المصادر الّتي استقى منها الإمام معرفته التاريخيّة. وقد اشتمل القرآن على نصوص تاريخيّة كثيرة منبثة في تضاعيف السّور تضمنت أخبار الأمم القديمة وارتفاع شأنها، وانحطاطها، واندثار كثير منها، وذلك من خلال عرض القرآن الكريم لحركة النّبوات في تاريخ البشرية، وحكايته لكيفية استجابات الناس في كلّ أمة وجيل لرسالات اللّه تعالى الّتي بشّر بها الأنبياء سلام اللّه عليه أجمعين..
وقد كان أميرُ المؤمنين عليّ عليه السّلام أفضل الناس - بعد رسول اللّه (ص) - معرفة بالقرآن من حيث الظاهر والباطن، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والأهداف والمقاصد، والأبعاد الحاضرة والمستقبلة، وغير ذلك من شؤون القرآن. كانت معرفته بالقرآن شاملة مستوعبة لكلّ ما يتعلق بالقرآن من قريب أو بعيد. والتأثير القرآني شديد الوضوح في تفكير الإمام التاريخي من حيث المنهج ومن حيث المضمون، كما هو شديد الوضوح في كلّ جوانب تفكيره الأخرى.
وقد حدّث الإمام عن نفسه في هذا الشأن كاشفاً عن أنّه كان يلحّ في مسائله


________________

1: من مقدَمة الشّريف الرّضي لنهج البلاغة.

35
لرسول اللّه (ص) في شأن القرآن من جميع وجوهه. قال: «وَاللّه مَا نَزَلَتْ آيَة إلا وَقَدْ عَلِمْتُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ. أنّ رَبِّي وَهَبَ لِي قَلْبَاً عَقُولاً وَلِسَاناً سَؤُولاً»1.
وشهاداتُ معاصريه له في هذا الشأن كثيرة جداً. منها ما رُوِي عن عبد اللّه بن مسعود، قال: «إنّ القرآنَ أُنْزِل على سبعِة أحرُفٍ، مَا منها حرفُ إلا له ظهر وبطن، وإنّ عليَّ بنَ أبي طالبِ عليه السّلام عنده علم الظاهر والباطن».2
2 - التعليم الخاص:
التعليم الخاص الّذي آثر به رسول اللّه (ص) عليّاً مصدر آخر من مصادر معرفته التاريخيّة وغيرها.
وفقد استفاضت الروايات الّتي نقلها المحدثون، وكتّاب السيرة، والمؤرخون من المسلمين على اختلاف مذاهبهم وأهوائهم - استفاضت هذه الروايات - بل تواترت إِجمالاً - بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قد خص أميرَ المؤمنين عليّاً بجانبٍ من العلم لم يرَ غيره من أهل بيته وأصحابه أهلاً له.
فمن ذلك ما قاله عبد اللّه بن عباس: «وَاللّهِ لَقدْ أُعطِيَ عَلَيُّ بن أبِي طَالِب (ع) تِسْعَةَ أعْشَارِ العلمِ، وَايمُ اللّهِ لَقدْ شَارَكَكُمْ فِي العُشرِ العَاشِرِ».3
وما رُوِي عن رسول اللّه (ص): «عَلِيّ عَيبَةُ عِلْمِي».4
وما رواه أنس بن مالك، قَالَ: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللّه عَمَّنْ نَكْتُبُ الْعِلْمَ ؟ قالَ: عَنْ عَلِيّ وَسَلمَانَ».5
وقال الإمام عليه السّلام: «عَلَّمَني رَسُولُ اللّهِ (ص) ألْفَ بَابِ مِنَ العِلِم كُلُّ بابِ يَفتَحُ


________________

1 - ابن سعد: الطبقات الكبرى ج 2 قسم 2 ص 101، والمتقي الهندي: كنز العمال 6 / 396 - وقال: أخرجه ابن سعد وابن عساكر، وقالوا (لِسَاناً طَلِقاً سَؤولاً) وأبو نعيم: حُلية الأولياء 1 / 67.
2 - أبو نعيم: حلية الأولياء: 1 / 65.
3 - أسد الغابة 4 / 22 والإستيعاب: 2 / 462.
- كنز العمال 6 / 153 وفتح القدير: 4 / 456.
5 - تاريخ بغداد: 4 / 158.

36
ألفَ بابٍ».1
وقد صرّح فيما وصل إِلينا من نصوصِ كلامه في نهج البلاغة بذلك في عدّة مناسبات، فقال:
1 - «... بَلِ انْدَمَجْتُ2 عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوبُحْتُ بِهِ لاضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ لأرشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ3 الْبِعيدَةِ»4.
2 - «وَلَقَدْ نُبِّئْتُ بِهذَا الْمَقَامِ وَهذَا الْيَوْم...».5
3 - «... لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ6 عَنْكُمْ غَيْبُهُ إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلى الصُّعُدَاتِ7 تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ»8.
4 - «يَا أَخَا كَلْبٍ، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ، وَإِنَّماَ هُوَ تَعَلُّمُ مِنْ ذِي عِلْمٍ».9
وإِذا كانت بعضُ هذه النصوص ظاهرة في العلم بالغيبات (علم المستقبل)، فإنَّ غيرها مطلق يشمل الماضي، وإِذا كان الإمام قد اطّلع من رسول اللّه (ص) على بعض المعلومات المتعلقة بالمستقبل فمن المرجّح أنه قد اطلع منه على علم الماضي.
3 - السّنة النّبويّة:
إِشتملت السّنّة النبويّة على الكثير المتنوع من المادة التاريخيّة.
منه ما ورد في تفسير وشرح القرآن الكريم، ومن ما اشتمل إِجمالاً أو تفصيلاً على حكاية أحداث تاريخيّة لم ترد في القرآن إِشارة إِليها.


________________

1 . كنز العمال: 6 / 392.
2 . اندمجتُ: انطويتُ، كناية عن معرفته بأمور خاصة جداً.
3 . الأرْشِية: جمع رشاء، الحبل. والطّويّ جمع طوية وهي البئر.
4. نهج البلاغة - الخطبة رقم: 5.
5 . نهج البلاغة - الخطبة رقم: 16.
6 . طُوي: حُجب عِلمُه عَنكُمْ.
7 . الصِّعُدات: جمع صَعيد. يُريدُ: لَذهبتْ عنكم الدّعةُ والإستقرارُ في منازِلكم وخرجتُم مِنها قلقينَ على مَصيرِكم.
8. نهج البلاغة - رقم الخطبة: 116.
9. نهج البلاغة - رقم الخطبة: 128.

37
وقد كان أمير المؤمنين علي (ع) أعلم أهل البيت (ع) والصحابة قاطبة بما قاله رسول اللّه (ص) أو فعله وأقرّه، فقد عاش علي (ع) في بيت رسول اللّه (ص) منذ طفولته، وبعث الرسول (ص) وعلي عنده، وكان أوّل من آمن به، ولم يفارقه منذ بعثته (ص) إِلى حين وفاته إِلا في تنفيذ المهمات الّتي كان يكلّفه بها خارج المدينة وهي لم تستغرق الكثير من وقته، ومن هنا، من تفرغه الكامل لتلقي التوجيه النبوي، ووعيه الكامل لِما كان يتلقّاه كان الإمام أعلم الناس بسنّة رسول اللّه وكتاب اللّه.
4 - القراءة:
فقدّر أنّ الإمام عليّاً قد قَرأ مدونات تاريخية باللّغة العربيّة أو بغيرها من اللغات الّتي كانت متداولة في المنطقة الّتي شهدت نشاطه، وخاصة بعد أن انتقل من الحجاز إِلى العراق واضطرّته مشكلات الحكم والفتن إِلى التنقل بين العراق وسوريا، وإِن كنا لا نعلم ما إِذا كانت هذه المدوّنات قد دفعت إِليه صدفة أو أنّه بحث عن كتب كهذه وقرأها أو قرئت له بلغاتها الأصلية مع ترجيحنا أنّه عليه السّلام كان يعرف اللّغة الأدبيّة الّتي كانت سائدة في المنطقة العراقيّة السّوريّة.
5 - الآثار القديمة:
وربما كانت الآثار العمرانية للأمم القديمة من جملة مصادر المعرفة التاريخيّة عند الإمام عليه السّلام، ويعزّز هذا الظن بدرجة كبيرة قوله في النص الآنف الذكر: «وَسِرْتُ في آثَارِهِمْ» ممّا يحمل دلالة واضحة على أنّ مراده الآثار العمرانية.
وقد خبر الإمام في حياته أربعة من أقطار الإسلام، هي: شبه الجزيرة العربية، واليمن، والعراق، وسوريا.
ونقدّر أنه قد زار الآثار الباقية من الحضارات القديمة في هذه البلاد، وإِذا كان هذا قد حدث - ونحن نرجّح حدوثه - فمن المؤكّد أنّ الإمام لم يزر هذه الآثار زيارة سائح ينشد التسلية إِلى جانب الثقافة، أو زيارة عالم آثار يتوقف عند الجزئيات، وإنّما زارها زيارة معتبر مفكر يكمل معرفته النظرية بمصائر الشعوب والجماعات بمشاهدة بقايا وأطلال مدنها ومؤسّساتها الّتي حلّ بها الخراب بعد أنِ انحطّ بناتها وفقدوا
38
قدرتهم على الإستمرار فاندثروا.
هذه هي، فيما نقدّر، المصادر المعلومة والمظنونة والمحتملة الّتي استقى منها الإمام علي (ع) معرفته التاريخيّة.

 التاريخ عند الإمام (ع) في المجال الوعظي، وفي المجال السّياسي الفكري

إستخدم الإمام عنصر التّاريخ في مجالين، أحدهما مجال السّياسة والفكر، وثانيهما مجال الوعظ.
وهنا يواجهنا سؤال هام:
لماذا يدخل الإمام عنصر التاريخ في أحاديثه الوعظية، أو في أحاديثه وخطبه و كتبه السياسيّة والفكريّة، أو في غير ذلك من مجالات توجيههِ كرجل رسالة وعقيدة وحاكم دولة ؟ لماذا التاريخ ؟
ونقول في الجواب على هذه المسألة الّتي تثير الشك حول جدوى التاريخ باعتباره مادة أساسية في البنية الثقافية للإنسان والمجتمع أو باعتباره عاملاً مساعداً في الأعمال الفكريّة الّتي تتناسب مع مادّة التاريخ... نقول في الجواب:
إِنّ الحياة الإنسانية لدى جميع الناس في جميع الأزمان والأوطان واحدة في أصولها العميقة، ومكوّناتها الأساسية، وحوافزها، فهي نهر متدفق من التجارب والآمال والإنجازات وخيبات الأمل، وهذا ما يجعل الأسئلة الّتي تثيرها مشكلات الحاضر حافزاً نحو استرجاع الماضي باعتباره عملاً مكمّلاً وضرورياً في البحث الصحيح الموضوعي عن أجوبة أكثر سداداً وحكمة تؤدّي إِلى حلول صائبة أو مقاربة للصواب للمشكلات الّتي تواجه الإنسان في حاضره، أجوبة معجونة بالتّجارب الإنسانيّة
42
السّابقة.
وقد يثير هذا التحليل حفيظة فريق من أهل الفكر المشتغلين بالسياسة، أو فريق من أهل السياسة يدعون لأنفسهم صلة بالفكر يرون - أولئك وهؤلاء - أنّ النزعة التاريخيّة، أو العقلية التاريخية (السلفية) تعيق نموّنا في الحاضر وتقدّمنا في المستقبل، لأنّها تشدّنا دائماً إلى الماضي، إلى قيمه وتصوّراته. إنّ التاريخ عند هؤلاء مرض يشوّه الحاضر ويقضي على المستقبل.
ولكن هذا الرأي بعيد عن الصّواب.
بطبيعة الحال نحن - في فهمنا لدور التاريخ كعامل مكوّن في البنية الثقافية للإنسان والمجتمع ومساعد في عمليات الفكر - لا ندّعي أنَ من الحكمة أنْ يجعل الإنسان نفسه سجين التاريخ، لسنا في فهمنا لدور التاريخ مع غلاة النزعة التاريخية الّذين يرون أنّ التاريخ هو الحقيقة كلّها، لا مرحلة من مراحل نمو الحقيقة التجريبية فقط. فهذا الموقف الفكري يتّسم بالغلو والشطط.
ولكن ليس من الحكمة أيضاً أنْ يواجه الإنسان حاضره ويتجه نحو مستقبله وهو بلا جذور، إنّه حين لا يستشعر تاريخه الخاص بأمته أو تاريخ الإنسانيّة يفقد القدرة على الرؤية الصحيحة، ويفقد القدرة على تقويم المواقف الّتي تواجهه في خاطره تقويماً سليماً سواء في ذلك ما يتعلق منها بالحاضر نفسه أو ما يتعلق منها بالمستقبل، إنّه في هذه الحالة يتحرّك في الفراغ.
لهذا وذاك نرى أنَّ الإستخدام المتّزن للتاريخ، الإستخدام المتّسم بالحكمة والإعتدال يجعلنا أقدر على التحرّك في حاضرنا وأكثر شعوراً بخطورة قراراتنا فيما يتعلق بشؤون المستقبل، لأن التاريخ في هذه الحالة يعمّق حِسَّنا الأخلاقي حين اتخاذنا قرارات مستقبلية تمسّ نتائجها حياة أجيال، نصنع بهذه القرارات - المستقبليّة بالنسبة إلينا - حاضرها هي الّذي هو مستقبلنا المظنون الّذي قد لا نشاركها فيه لاننا نكون حينئذٍ قد غادرنا الحياة، ومن ثمّ فلا نواجه نتائج قراراتنا الماضية.
بدون استرجاع الماضي وما يمنحنا ذلك من عمق في الرّؤية، وغنى في التجربة
43
الإنسانيّة ووعي لاستمرار الحضارة الإنسانيّة فينا وفيمن يأتي بعدنا من الأجيال - بدون ذلك لن يكون في وسعنا تفادي أخطاء وقعت في الماضي كما لن يكون من حقنا التمتع بنتائج تجارب ناجحة أنجزت فيه، كما أننا في هذه الحالة قد نتّخذ بالنسبة الى المستقبل الّذي لا نملكه وحدنا قرارات متهوّرة شديدة الخطورة بالنسبة إلينا وإلى وضعية ومصير الأجيال الآتية.
إنّ الغلوّ في استرجاع التّاريخ، فكراً وعملاً، قد يجعل من التّاريخ مقبرة للحاضر والمستقبل، ويجعل الإنسان غريباً في العالم الّذي يعاصره ويحيط به ويتدفّق بالحياة نحو المستقبل من حوله.
كما إنّ الغلوّ في رفض التاريخ، والإنقطاع عنه والإنصراف عن تجاربه ومآثره قد يجعل الإنسان «ريشة في مهبّ الريح» عاجزاً عن التماسك في الحاضر، ويفقده القدرة على ممارسة دوره الأصيل في بناء الحضارة ويجعل منه مجرّد ممثّل لأدوار يضعها الآخرون يعكس هو بتمثيله إراداتهم وأفكارهم وموجاتهم.
إذنْ لابدّ للإنسان من أن يتعامل مع التاريخ باعتدال يجعله دليلاً في حركته وتربة ينمو فيها الحاضر الأصيل والمستقبل الأكثر يمناً وأصالة.
واستجابة لهذه الضّرورة تعامل أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (ع) مع التّاريخ في مجال الوعظ وفي مجال السّياسة والفكر.
وأكبر همنا في هذه الدراسة هو التّعرف على النظرة التاريخية للإمام في مجالي السّياسة والفكر، مكتفين بالنسبة إلى المجال الوعظي ذي المحتوى التاريخي بتقديم نموذج واحد من النصوص الوعظية في كتاب نهج البلاغة، وتحليله مع تسليط الأضواء على
التّاريخ في مجال الوعظ

حلّلنا في فصل (الوعظ) من كتابنا «دراسات في نهج البلاغة»1، مواعظ أمير المؤمنين علي (ع) في نهج البلاغة على ضوء الظروف السياسية والإجتماعية والنفسية الّتي كانت تسيطر وتوجه مجتمع العراق بوجه خاص في أيام خلافة الإمام عليه السّلام.
وكشفنا النّقاب هناك عن أنّ الإمام لم يكن في مواعظه داعياً إلى مذهب زهدي يقف موقفاً سلبياً من الحياة الدنيا والعمل لها والإستمتاع بها، وإنّما كان، في مواعظه وتوجيهه الفكري بوجه عام، يدعو إلى مواجهة الحياة بواقعية وصدق، محذّراً من اللّهاث المجنون وراء الآمال الخادعة والأحلام الكاذبة الّتي ليس لها في واقع الحياة سند ولا أساس.
وكشفنا النّقاب أيضاً عن أن النّظرة الشّائعة إلى مواعظ الإمام في نهج البلاغة قد تأثرت بالتّيار الزهدي السّلبي الّذي طبع المجتمع الإسلامي بطابعه في عصور الإنحطاط، وهو دخيل على الفكر الإسلامي وعلى أخلاقيات الإسلام وتشريعه، ولذا فإنّ هذه النظرة خاطئة لا تمثل مقاصد الإمام وأهدافه من المواعظ الّتي كان يوجّهها إلى مجتمعه.


________________

1 . محمّد مهدي شمس الدّين: دراسات في نهج البلاغة (الطّبعة الثّالثة) بيروت ص 247.

48
والمواعظ الّتي استخدم الإمام فيها عنصر التّاريخ كغيرها من مواعظه في أنه لا يدعو فيها إلى مذهب زهدي سلبي من الحياة الدنيا، وإنّما يعالج بها حالة خاصة في مجتمعه الّذي بدا غافلاً عن مصيره التعس، مهملاً لواجباته في جهاد النفس وجهاد العدو، متلهفاً على المتع والثراء اللّذَين لا يستحقهما الا مجتمع مستقر أحكم وضعه الأمني والسّياسي والإجتماعي، وقطع دابر الطامعين فيه المتآمرين عليه، وهذا ما لم يكنه مجتمع العراق في عهد الإمام عليه السلام، بل كان مجتمعاً قلقاً يعاني من اضطراب أمنه الخارجي وتدهور أمنه الداخلي، كما يعاني من التمزّق السياسي، وكان - نتيجة لذلك - يؤجّج مطامع الحكم الأموي في الشام ويدفع به نحو التآمر عليه.
ونقدّم فيما يلي نموذجاً من النّصوص الوعظية الّتي يكون التاريخ عنصراً بارزاً وأساسيّاً فيها.
قال عليه السّلام:
«أمّا بَعْدُ، فَإنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإنَّهَا حُلوَة خَضِرَة، حُفَّتْ بِالشَّهواتَ، وَتحبَّبت بِالعاجِلةِ، وراقت بِالقليلِ، وتحلَّت بِالآمالِ، وتزيَّنت بِالغُرُور، لا تدُومُ حبرتُها1، ولا تُؤمَنُ فجعتُها، غرَّارة ضرَّارة، حائلة2 زائلة نافدة بائدة3، أكَّالة غوَّالة4، لا تعدُو - إذا تناهت إلى أُمنيَّةِ أهلِ الرَّغبةِ فِيها والرِّضاءِ بِها أَن تكُون كما قالَ اللهُ تعالى سُبحانهُ «كماءٍ أَنزلناهُ مِن السماءِ، فاختلط به نباتُ الأرضِ، فأَصبح هشِيماً5 تذرُوهُ الرِّياح وكان اللهُ على كُلِّ شيء مُقتدراً»6، لم يكُنِ امرُؤ مِنها فِي حَبرةٍ اِلا أعقبتهُ بعدها عبرةً، ولم يلقَ فِي سرَّائها بطناً إلا منحتهُ مِن ضرَّائَها ظهراً7، ولم تطُلَّهُ فيها دِيمة8 رخاءٍ إِلا هتنت9 عليهِ مُزنةُ بلاءٍ. وحرِيّ إذا أَصبحت لهُ مُنتصرةً


________________

1 . الحبرة: بالفتح - النّعمة.
2 . حائلة: متغيرة.
3 . نافدة: فانية.
4 . غوّالة: مهلكة.
5 . الهشيم: النبت اليابس.
6 . سورة الكهف (رقم 18 مكيّة) الآية: 45.
7 . البطن كناية عن إقبال الدّنيا، والظّهر كناية عن الإدبار.
8 . الطلّ: المطر الخفيف. والدّيمة: مطر يدوم في سكون لا يرافقه رعد وبرق.
9 . هتنت: إنصبّت.

49
أن تُمسِيَ لهُ مُتنكِرةً، وإن جانِب مِنها اعذوذبَ واحلولى أَمرَّ مِنها جانِب فأَوبى1 لا ينالُ امرُؤ مَن غضاريها رغباً2 إلا أرهقتهُ مِن نوائبِها تعباً، ولا يُمسِي مِنها في جناحِ أمنٍ إلا أصبحَ على قوادِمِ خوفٍ3. غرَّارةُ ما فِيها، فانية، فانٍ مَن عليها، لا خيرَ فِي شيءٍ مَن أزوادِها إلا التقوى.
«مَن أقلَّ مِنها استكثرَ مِمَّا يُؤمِنُهُ، ومَنِ استكثرَ مِنها استكثرَ مِمّا يُوبِقُهُ4، وزال عمَّا قلِيلٍ عنهُ».
«كم مِن واثقٍ بِها قد فجعتهُ، وذِي طُمَأنِينَةٍ إليها قد صرعتهُ، وذِي أُبهةٍ قد جعلتهُ حقِيراً5، وذِي نخوةٍ قد ردَّتهُ ذلِيلاً6.
«سُلطانُها دُوَّل7 وعيشُها ريق8، وعذبُها أُجاج9، وحُلوها صَبِر10، وغِذاؤُها سِمام11 وأسبابُها رِمام12.
«حيُّها بِعرضِ موتٍ، وصحِيحُها بِعرضِ سُقمٍ، وموفُورُها منكُوبٍ13 وجارُها محرُوب14.
«ألستُم فِي مساكِنِ من كان قبلكُم أطولَ أعماراً وأبقى آثاراً، وأبعدَ آمالاً، وأعدَّ عدِيداً. وأكثف جُنُداً ؟ تعبَّدُوا لِلدُّنيا أيَّ تعبُّدٍ، وآثرُوها أيَّ إيثارٍ، ثُمَّ ظعنُوا عنها بِغيرِ زادٍ مُبلغٍ، ولا ظهرٍ قاطِعٍ15».


________________

1 . أوبى: صار كثير الوباء.
2 . الغضارة: النّعمة، والرّغَب: الرغبة، والمرغوب فيه.
3 . القوادِم: جمع قادِمة، ريش في مقدم جناح الطائر.
4 . يُوبِقهُ: يُهلكهُ.
5 . أبّهة: عظمة.
6 . النّخوة: الإفتخار.
7 . دُوَّل - بضم الدال - المنحول.
8 . الريق: الكدر.
9 . أجاج: شديد الملوحة.
10 . الصّبر: عصارة الشّجر المرّ.
11 . سمام: جمع سم، وهو مثلث السين.
12 . الرّمام: جمع رمّة - بالضم، القطعة البالية من الحبل، ومنه (ذُو الرّمّة).
13 . موفورها..: من كان عنده وفر (كثرة) من الدنيا معرض للمصائب والنّكبات.
14 . محروب: المحروب من سلب مالُه.
15 . ظهر قاطع: وسيلة تقطع براكبها الطريق بأمان وتبلغه غايته.

50
«فهل بلغكُم أنَّ الدُّنيا سخت لهُم نفساً بِفِديةٍ1 أو أعانتهُم بِمَعُونةٍ، أو أحسنت إليهِم صُحبَةً.. ؟ بل أرهقتهُم بالقوادِحِ2 وأوهقتهُم بِالقوارِعِ3 وضعضعتهُم بِالنَّوائبِ4، وعفَّرتهُم لِلمناخِرِ5، ووطِئتهُم بِالمناسِمِ6، وأعانت عليهِم ريبَ المنُون».
«فقد رأيتُم تنكُّرَها لِمن دان لها7 وآثرها وأخلدَ إليها8 حِين ظعنُوا عنها لِفِراقِ الأبدِ... أفهذِهِ تُؤثِرون ؟ أم إليها تطمئنُّونَ ؟ أم عليها تحرِصُون ؟ فبِئستِ الدَّارُ لِمن لميتَّهِمها، ولم يكُن على وجلٍ مِنها».
«فاعلمُوا - وأنتُم تعلمُون - بِأنكُم تارِكُوها وظاعِنُون عنها، واتَّعظوا فِيها بِالَّذِين قالُوا (من أشدُّ مِنّا قُوَّةً..)9 حُمِلُوا إلى قُبُورِهِم فلا يُدعون رُكباناً10. وأُنزِلُوا الأجداث فلا يُدعَونَ ضِيفاناً11، وجُعِل لهُم مِنَ الصَّفِيحِ12 أجنانُ13 ومِن التُّرابِ أكفان...
استبدَلُوا بِظهرِ الأرِضِ بطناً، وبِالسَّعةِ ضِيقاً، وبِالأهلِ غُربةً، وبِالنُّورِ ظُلمَةً...»14.
*
ركّز الإمام عليه السّلام في هذه الخطبة الوعظية - كما هو شأنه في معظم مواعظه - على عاملين ثابتين في طبيعة الحياة على هذه الأرض:


________________

1 . لم تدفع عنهم الدّنيا بلاء الموت.
2 . أرهقتهم: أتعبتهم. والقوادِح: جمع قادح، مرض يصيب الأسنان والشجر. أراد به هنا المصائب والنكبات.
3 . الوهق: حبل تصطاد به الفريسة، والقوارع: المحن. أراد أنهم أسرى مشاكلهم المادية والإجتماعية.
4 . ضعضعتهم: جعلتهم قلقين، وحرمتهم الإستقرار وطنب العيش.
5 . عفرتهم: العفر التراب، مرغت آنافهم بالتّراب، كناية عن إذلالِهم.
6 . المنسم: خف البعير، كناية عن إذلالهم.
7 . دان: خضع.
8 . أخلد: إِطمأنَ.
9 . سورة فُصّلت (رقم 41 مكّيّة) الآية: 15.
10 . لا يُدعَونَ رُكباناً لأنّهم مقهُوُرون ولم يُحملوا مختارين. ولا يُدعون ضيفاناً لأنّهم يُقيمون في قبورهم.
11 . الاجداث: القبور.
12 . الصفيح: الوجه من كل شيء له مساحة، والمراد هنا الارض.
13 . أجنان: جمع جنن - بالفتح - القبر.
14 . نهج البلاغة - رقم الخطبة: 111.

51
1 - عامل التغيّر والتقلّب في الحياة:
الحياة بما هي حركة، وبما هي تفاعل، وبما هي طاقات وقوى تتفاعل فتتكامل أو تتقاتل في داخل كل شيء ومن حول كل شيء في الكون المادي كلّه - الحياة بما هي كل هذا متقلّبة متغيّرة متحوّلة باستمرار - هي في حالة صيرورة دائمة لا تستقر على حال ولا تثبت على وتيرة واحدة.
2 - عامل الزّمن:
أثر الزمن في الأشياء والأعمار ظاهر لكلّ ذي بصيرة، فالزّمن يفتت الحياة باستمرار، فما أن يبدأ وجود الحياة في شيء، بل ما أن يبدأ وجود شيء، حيّاً كان أو غير حيّ حتى يبدأ هذا الوجود بالذّوبان والتّفتّت والضّياع. إنّ الحياة تولد في الزّمن. ولكنّ الزّمن يغتالها باستمرار.
وهذان العاملان - التّغيّر والزمن - لا يختصان بعالم الإنسان وحده، إِنّهما يعملان في كلّ شيء ويحُولانِ دون ثبات كل شيء: الجماد، والنّبات، والحيوان، والإنسان. ويتميّز الإنسان - بالنسبة إليهما - عن العوالم الأخرى بأنّه - لما أوتي من عقل وإدراك - يستطيع أن يعي الوجه المأساوي لعمل هذين العاملين، وأثرهما في حياته وفي الوجود من حوله.
ووعيُ الإنسان لهذين العاملين وأثرهما في الحياة والأشياء يجعله قادِراً على مواجهة الحياة ومباهجها الموقتة، ووعودها السّخيّة، وآمالها اللامعة. بعقل صافٍ خالٍ من الأوهام، ويعزّز فيه النّزعة الواقعية في أخذ الحياة والتعامل مع الدّنيا - هذه النّزعة الّتي من شأنها أن تجعل الآمال أقل بريقاً وجذباً واستهواءً، والإنتصارات أقل مدعاة للغرور والصلف، والمآسي أقل إيلاماً. ويعزّز مناعة الإنسان أمام تكالب صروف الدهر، وخيبات الأمل وضياع الجهود، ونوازل المرض والموت... فلا ينهار بسبب ذلك ولا ييأس ولا يستسلم، ولا يستكين ولا يهرب من العمل، وإنّما ينبعث للعمل والكفاح في سبيل نفسه وأهله ومجتمعه وعالمه من جديد لأنّه لم يفاجأ بالخيبة والإخفاق، بل كان مهيء النفس لتقّبلهما ومن ثم فقد كان مهيء النفس لتجاوزهما، واستئناف
52
العمل مرة أخرى بأملٍ واقعي جديد.
بالإجمال: إنّ وعيَ الإنسان لهذين العاملين، وإدراكهُ لأثرهما العميق والمصيري في حياته وفي الوجود من حوله يجعله قادِراً على مواجهة الحياة بكلّ وجوهها وما فيها من حسن وقبح، وألم ولذّة، وواقع وخيال، ونجاح وإخفاق ... يواجهها بروح واقعية.
وحين يدخل الإمام عليه السّلام في وعظه عنصر التاريخ فيتحدّث عن الماضين وما حلّ بهم من كوارث وآلام وما انتهت إِليه حياتهم على عظمة توهجها من انطفاء فإنه يقدّم لتحليله النظري الّذي تناول واقع حياة معاصريه الّذين يخاطبهم - يقدّم نماذج تطبيقيّة من حياة أقوام آخرين .. إنّه يقدّم لمعاصريه تجربة الآخرين الّتي يعرفونها، ويبعثون حياتهم في ساحاتها، ويرون آثارها الباقية من الماضي في هذه الساحات.
فهذه المدن والمساكن، وهذه الضياع والمزارع، وهذه القلاع والحصون عمرها في عصور سابقة أناس تقلبت بهم صروف الحياة وأفراحها وأحزانها، والآمال الّتي سعدوا بإنجازها وخيبات الأمل، ثم ماتوا وانقطعوا عن كل ما كان يملأ عليهم حياتهم من أحلام وأماني. ومطامح ومطامع، وحب وبغضاء، وصداقات وعداوات...
وكان هؤلاء أطول أعماراً، وأكثرُ قوةً .. «وأعد عديداً»، وقد وجّهوا كل ما أوتوا من قدرة وذكاء ومعرفة لدنياهم، فأعدوا لها واستعدوا، ولم يشغلهم عنها تفكير بالآخرة أو عمل لها، ولكن كلّ ذلك لم ينفعهم ولم يعد عليهم بطائل، لأنَّ عامل التغيّر والتقلّب من جهة وعامل الزمن من جهة أخرى، عملا دائماً - كما لا يزالان يعملان، وكما سيعملان في المستقبل - على تفتيت حياة أولئك الناس، وكانت حياتهم - كما هي الحياة الآن، وكما ستبقى الحياة - تحمل في جوهرها وفي أعماقها أثناء ولادتها ونموها وازدهارها بذور تقلصها وذبولها وأنطفائها في آخر المطاف.
*
هذا نموذج من وعظ الإمام عليّ الّذي يدخل فيه عنصر التاريخ باعتباره يُضيء الحاضر لأنه يضيف إِليه تجربة الماضي ويجعله - بذلك أكثر غنى، ويجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهته بروح واقعية وبعقل خالٍ مِنَ الأوهام، فلا يهن ولا يستسلم تحت وطأة الكارثة، ولا يطغى ولا يطوّح به الغرور وهو في ذرى النجاح.

462
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

الشنتوية
الإمام [الباقر (عليه السلام )] في كلمات علماء وأعلام أهل ...
هل کان العلامة المجلسي من المروجين للدولة الصفوية و ...
قبيلة أشْعَر
بحث في إثبات تواتر حديث: أنا حرب لمن حاربكم سلم لمن ...
من هم قتلة عثمان
خالد بن ولید يقتل الصحابي مالك بن نويرة طمعاً في زوجته
خطبة الإمام الحسين ( عليه السلام ) الأولى يوم عاشوراء
أهل الذمة في عصر الأمويين
ما بعد صفين

 
user comment