|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
أصدق المظاهر الدينية
أصدق المظاهر الدينية
ليس في التعبير عن الحسين (عليه السلام) بآية الحق أو رمز السلام أو نحوهما مبالغة ما إذ كان ـ والحق يقال ـ مثال الحق والإسلام في كل أحواله وأفعاله وأعماله، فلم تكن المرآة المواجهة للشمس أصدق حكاية عنها من الامام (عليه السلام) عن الإسلام. ولابدع فإنّ الناهض حقاً بحقيقة يجب أن يمثّلها بكل أطواره وأدواره، والحسين بن علي غدا في نهضته أُمثولة الحق الصارع وحاكياً عنه حكاية الزجاج عن المصباح، فأظهر الحقيقة في كتبه وخطبه وأقواله وأحواله، فقدم خطورة الدين على خطورة السكن والوطن، وقدم حرمة حرم اللهوحرم رسوله (صلى الله عليه وآله) على حرمة نفسه وحرمه، وأجاب دعوة من لا يوثق بولائهم ودعائهم، وخسر في سبيل أُمته صفوة أحبته ونخبة عشيرته، وضايق نفسه حفظاً لظواهر الدين، واستفرغ وسعه وقواه في نصيحة أعداء الدين وبذل النفس والنفيس في سبيل مصلحة الدين. كل ذلك وغيره ليذكرهم الله ويستهديهم بكتاب الله حتى حانت ساعة القيام بأصدق المظاهر الدينية ـ وهي ساعة الصلاة والشمس في الهاجرة من ظهيرة اليوم العاشر من المحرم ـ ولم يكن الحسين (عليه السلام) ممن ينسى أو يتناسى الصلاة الموقوتة ـ ولو في أحرج ساعاته ـ قدوة بأبيه علي (عليه السلام) رجل الإيمان، فإنّه لم يؤخّر صلاته المفروضة في أحرج ساعات الوغى ليلة الهرير في صفين، فصف
قدميه لوجه الله مصلياً والحرب ثائرة من حوله ودائرة، ولما لاموه عليها أجاب: «ألسنا نحارب لإقامة الصلاة؟!». كذلك ابنه الحسين (عليه السلام) ـ والشبل من ذاك الأسد ـ فاهتم بها عندما صاح مؤذنه أبو تمامة الصيداوي،وصلّى بأصحابه ولكن صلاة الخوف قصراً وسهام الأعداء تترى عليه بالرغم من استمهالهم. أيخشى الإمام (عليه السلام) قتله في الصلاة وقد مضى أبوه قتيلاً في محرابه؟ أم يخشى الموت صحبه وهم يتسابقون إليه تسابق الجياع الى القصاع ويحبذون الموت بوجه الله وفي سبيله مع ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله). ولكن كانت صلاة الحسين (عليه السلام) من أصدق مظاهر إخلاصه لله وتمسكه بالشريعة، وبعيدة عن كل شبهة أو شائبة، وإذا كانت المظاهرات الحسينية تكشف مساوىء أخلاق أعدائه ومبلغ حرمانهم من الإنسانية فإنّ مظاهرة صلاة الخوف بين أولئك المعارضين برهنت على سوء نية العدو واستهانته بشريعة الإسلام. فهي إن لم تبطل سحر العدو في أعين الناظرين فقد أبلغت حجة الحسين (عليه السلام) الى مسامع الغائبين، حيث إنّ العدو كان متذرّعاً بحبائل الدين ضّد الدعوة الحسينية، يوهم البسطاء والحمقاء أنّ يزيد خليفة النبي بمبايعة من أكثر المسلمين وأنّ حسيناً خارج على إمام زمانه لغايات دنيوية فيجب إعدامه أو إرغامه ـ واسم الدين قد يغش العامة ولو كان يقصد محو الدين ـولكم تذّرع المبطلون بأسلحة الحق ضّد أهل الحق فخدعوا بذلك العامة ـ كما انخدع الخوارج ضد أميرالمؤمنين بشبهة رفع المصاحف ومخالفته للدين وأي دين؟ أهو ذلك الدين الذي قام واستقام بخدمات علي (عليه السلام) ومعاركه ومعارفه؟ ـ وكان شمر الخارجي وأشباهه من بقايا الخوارج قائمين بحركات أسلافهم في تمويه حقائق الدين بالظواهر الخداعة
مستعملين اسم الإسلام آلة لاجراء منوياتهم في الحسين (عليه السلام) ولكن إقامة الإمام (عليه السلام) صلاة الخوف في أحرج المواقف والمواقيت بين الأسنة والحراب بين العدى والردى كانت أقوى آلة فعّالة في إبطال سحرهم ومكرهم، فإنّهم لم يمهلوا الحسين (عليه السلام) وصحبه ان يتعبّدوا لله في حين أنّ الدين يفرض إمهال المتعبدين والعبادة شعار الموحدين، فما عذرهم عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) في موقفه بعد موقفهم هذا؟ أفلم يروا ريحانته يصلي الى قبلة الإسلام مع صحبه المسلمين؟ أفلا تحترم الصلاة وهي حرم الله؟ أولم يسمعوا كلام الله: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} وصحب الحسين (عليه السلام) ألقوا السلاح، وأظهروا السلام والإسلام، واستمهلوا للصلاة، واستأمنوهم لذكر الله فهل ترى مظهراً للدين والحق أصدق من هذا؟ لكن أعداء الحسين (عليه السلام) قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فلم تعد تؤثر فيهم مظاهر إسلامية أو عواطف إنسانية سوى السيف المخيف أو الرغيف، وقد كانا يومئذ في يد أعداء الهدى {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}.
إذا وصف القرآن قربان إبراهيم بالذّبح العظيم نظراً لآثاره الباقية في الحج والإسلام، فإنّ المظاهرة الأخيرة التي قام بها الحسين (عليه السلام) أثّرت تأثيراً عظيماً من بين مجاهداته الأدبية في كشف حقائق النزعة الأموية، وهذه الحادثة الأليمة بالرغم من استحقاقها التوسّع فإنني لا استطيع فيها سوى الإيجاز، فالحسين (عليه السلام) بعدما خلى رحله من الماء وطال على أهله الظمأ ـ حتى جفت المراضع وشحت المدامع ـ تناول طفله الرّضيع ـ واسمه علي أو عبد الله ـ ليقدّمه الى العدو وسيلة لرفع الحجر من الماء، فأشرف على الأعداء بتلك البينة المعصومة من أية جانحة أوجارحة قائلاً: «يا قوم! إنّ كنّا في زعمكم مذنبين فما ذنب هذا الرضيع؟ وقد ترونه يتلظى عطشاً، وهو طفل لا يعرف الغاية ولم يأت بجناية، ويلكم اسقوه بشربة ماء فقد جفت محالب أمه». فتلاوم القوم بينهم بين قائل: «لا بد من إجابة الحسين (عليه السلام) فإنّ أوامر ابن زياد بمنع الماء خصت الكبار دون الصغار ـ والصغير استثنته الشرائع والعواطف من كل جريمة وانتقام، حتى لو كان من ذراري الكفار» وقائل: «إنّ الحسين قد بلغ الغاية من الظمأ والضرورة، فإن صبرتم عن سقايته سويعة أسلم أمره إليكم وتنازل لكم». فخشي ابن سعد من طول المقام والمقال أن يتمرّد عليه جيشه المطيع فقال
لحرملة: «إقطع نزاع القوم» وكان من الرماة القساة، فعرف غرض ابن سعدفرمى الرضيع بسهم نحره به، وصار الحسين (عليه السلام) يأخذ دمه بكفه وكلما امتلأت كفه دماً رمى به الى السماء قائلاً: «اللهم لا يكونن أهون عليك من فصيل» يعني فصيل ناقة صالح. ولما أحسّ الرّضيع بحرارة الحديد وألمه فتح عينيه في وجه أبيه وصار يرفرف كالطير المذبوح، وطارت روحه رافعة شكاية الحال الى العدل المتعال، وترك القلوب دامية من مصيبته المفتتة للأكباد. وقد بلغ أمر الرضيع الذبيح مبلغاً من قوة الدّلالة على انحراف قلوب القوم عن سنن الإنسانية وعلى سفالة أخلاقهم بحيث يئس الحسين عند ذلك من رشدهم وعاد عنهم خائباً، وربما كانت مصيبته في خيبته أعظم عليه من مصيبته في الرضيع، فاستقبلته صبية قائلة: «يا أباه لعلك سقيت أخي ماء؟» فأجابها: «هاك أخاك ذبيحاً» ثم حفر الأرض بسيفه ودفن الرضيع ودفن معه كل آماله. وكان حسين الحقّ لم يدخر فيوسعه أي قوة ولم يضيّع أي فرصة في إفشاء سرائر الحزب السفياني، فإن قتل الذراري وذبح الأطفال كانت الشرائع والعادات تمنع عنه أشد المنع، وقد روى المحدّثون أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) بعث سرية فقتلوا النساء والصبيان فأنكر النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك عليهم إنكاراً شديداً، فقالوا: «يا رسول الله إنّهم ذراري المشركين». فقال: «أوليس خياركم ذراري المشركين». وإن خالد بن الوليد لما قتل بالعميصاء الأطفال رفع النبي (صلى الله عليه وآله) يديه حتى رأى المسلمون بياض إبطيه وقال: «اللهم إنّي ابرأ إليك مما صنع خالد» ثم بعث علياً (عليه السلام) فوأدهم، فلم يعهد ذبح الأطفال بعد ذلك إلاّ ما كان من معاوية في قتله أطفال المسلمين في الأنبار وفي اليمن على يد عامله بسر بن أرطأة، وكان فيمن قتلهم ولدان لعبيدالله بن عباس،
وكررت ذلك أشياعه في الطف فذبحوا من الصبية والأطفال ما ظهروا عليهم وظفروا بهم بغير رحمة منهم ودون أدنى رقة أو رأفه، الأمر الذي برهن على غلوّهم في القسوة والفسوق عن الدين، وأوضح بلا مراء ولا خفاء أنّ قصد التشفّي والانتقام بلغ بهم الى العزم على استئصال ذرية الرسول (صلى الله عليه وآله) وقطع نسله ومحو أصله. أمّا علي بن الحسين العليل فلم يفز بالنجاة من أيديهم العادية لا لصغر سنّه، ولا بتعلق عمته به قائلة: «لا يُقتل إلاّ واُقتل معه» ولا بشفاعة حميد بن مسلم وأشباهه فيه، بل إنّما نجا من حدّ الحديد لشدّة مرضه وقوة علته وضعف أملهم بحياته، ونجا الحسن بن الحسن باختفائه وهو جريح طريح وفاء من الله بوعده وحفظه لنسل نبي الرحمة بإكثار المصلحين في الأمة وهدايتها بعلوم الأئمة.
يقف العقل حائراً كلما فكر في النظام العائلي أو الداخلي لأُسرة الحسين (عليه السلام) وحسن تربيته لآله وعياله، فكانوا ـ حتى في الشدائد ـ أتبع له من ظلاله وأطوع من خياله، ولا ينهض بأمر لجماعة مثل حسن الطاعة ولست مغالياً في قولي: «اطاعة الزعيم فيما تكره ولا عصيانه فيما تحب» فالانكسار كان أبعد شيء من مثل هذه الجماعة لو لم تصبهم فاقة جوع او عطش. فلا ترى شمراً مبالغاً في قوله لقومه عن الحسين (عليه السلام) وأهله: «انّهم إذا وصلهم الماء أبادوكم عن آخركم» فكان منع جيش الحسين (عليه السلام) عن الماء أقوى أسلحة عدوه عليه ـ ومن عدّ الصبر على الجوع متعسراً يعد الصبر على العطش متعذراً ـ لا سيما من فحولة هاشم وسيوفهم في أيمانهم والماء في أعينهم، ويسمعون بآذانهم ضجة صبيتهم عطاشى ومرضى ونخص من بينهم الفتى الباسل أبا الفضل العباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ فقد أثرت عليه الحالة وأثارت عواطفه، فتقدّم الى أخيه الحسين (عليه السلام) يستميحه رخصة الدفاع معتذراً بأنّ صدره قد ضاق من الحياة ويكره البقاء. نعم، شيء لا أشهى من الحياة وأطيب، لكنما الحي إنّما يحبها مادامت منطوية على مسرات ولذات أمّا إذا خلت من تلكما الحسنيين وأمست ظرف آلام لا تطاق استحالت الحياة الحلوة كأساً مرة. غير أنّ أقوياء النفوس لو أفضى الزمان
بهم الى مثل هذه الحالة العصبية وعجزوا عن سلوان أنفسهم بمهل التاريخ فإنهم يختارون الموت في سبيل دفع الموت، ويفضلونه على الموت في سبيل انتظار الموت. أجل، إنّ الموت في سبيل دفاعه أفضل وأحوط من الموت في سبيل انتظاره، وقد كان الحسين (عليه السلام) مستميتاً ومستميتاً كل من كان معه، وكانت أنفسهم الشريفة متشربة من كأس التضحية وريانة من معين التفادي. وفي مقدمة هؤلاء أبو الفضل أكبر أخوة الحسين (عليه السلام) الممتاز في الكمال والجمال، وقمر بني هاشم، وحامل راية الحسين، وعقيد آماله في المحافظة على رحله وعياله. ولذلك شق على الحسين أن يأذن له بالبراز الى الأعداء، غير أنّه يأمل في مبارزته القوم إبلاغ الحجّة وإحياء الذريّة، وأن يعين على حياة العائلة بالسقاية والرواية ـ كما سبق منه ذلك ـ ولذلك صارت له درجة تغبطه عليه الشهداء، وإنّ أخبث رؤساء جيش العدو (شمر الكلابي) وهو على شقائه أمّن لعباس وأشقّائه ـ لنسبة بينه وبين أُم العباس أُم البنين ـ ولأنّ عباس الفتوة إذا عهدت اليه السقاية يعود منها بعودته الى الحسين (عليه السلام) فمن هذا وذاك وذياك كان جوابه لأخيه العباس: «إذن فاطلب من القوم لهؤلاء الأطفال جرعة من الماء». فتوجّه العباس بن علي (عليه السلام) نحو الجيوش المرابطة حول الشرائع، فأخذوا يمانعونه عن الماء ويستنهض بعضهم بعضاً على معارضته ومقاتلته خشية أن يصل الماء الى عترة النبي (صلى الله عليه وآله). ولم يزل العباس يقارعهم ويقاتلهم ويقلب فئة على فئة، ويقلّ العصابة تلو العصابة حتى كمنوا له وراء نخلة من الغاضرية فقطعوا يمناه، فتلقى السيف بيسراه مثابراً على الدفاع غير مكترث بما أصابه، وهو يتلو الأراجيز،ويذكّر القوم بمآثر أهل البيت وحَسَبهم ونسبهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكمنوا له ثانية من وراء نخلة وضربوه بالسيف على يساره فقطعوه، فأضحى
كعمه جعفر الطيار (رضي الله عنه) يدافع عن نفسه وهو مقطوع اليدين، وكأن القوم قطعوا بيديه يدي الحسين (عليه السلام) فعند ذلك تقّدم إليه دارمي غير هيّاب له وضربه بعمود من حديد فخر صريعاً وصارخاً: «يا أخاه أدرك أخاك». ولم يدرك الحسين (عليه السلام) ظهيره ونصيره إلاّ بعد اختراق الجموع والجنود، وفي آخر لحظة منه نادباً له وقائلاً له: «الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوي».
حدود الجاذبة والطاردة (العنف والتسامح) في الإسلام (3)
حدود الجاذبة والطاردة (العنف والتسامح) في الإسلام (2) حدود الجاذبة والطاردة (العنف والتسامح) في الإسلام العلاقة بين الليبرالية والتعددية عدم الاختلاف في مجال ضروريات وقطعيات الإسلام تذكير بالعامل النفسي لنشأة الفكر التعددي العامل النفسي لنشأة الفكر التعددي الأزمة الكبيرة في عالمنا المعاصر برامج أعداء الثورة لإضعاف القيم الإسلامية مسؤوليتنا في مجال الثقافة/2 حفظ التعادل النسبي بين عوامل الهداية والانحراف في كلّ عصر مسؤوليتنا في مجال الثقافة الشهادة تعني الرؤية أو الحضور، وشـــَهِد الرجل الشيء أي رآه، وكل مشاهدة رؤية وما كل رؤية مشاهدة، والشاهِد اسم فاعل ويُطلق على من يشهَد على ما يرى من أعمال الناس وجمعه شهود وأشــْهاد وشهداء وشــُـهَّـد، والمَشهود أي المحضور أو ما يُشهَد عليه، والإشهاد على العامل بعد اتحاده بالعمل ( وفي هذا المقام يكون الحديث في العامل دون العمل ) يحتاج في عمله إلى القوة والطاقة والعلة، ولكل معلول علة وكل علة معلولة لعلة أخرى فوقها، ولابد أن ترتقي كل العلل في عالم الوجود إلى علة العلل ونهاية العلل وغاية الغايات ومسبب الأسبا كيف لا افتخر بالحسين(ع) ؟ |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| Copyright © 2004-2010 ERFAN.IR | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||