شرح دعاء كميل رحلة في الآفاق والأعماق

كلمة الناشر:

الدعاء حديث الإنسان الى ربّه وعلاقة المخلوق مع خالقه؛ والعرفاء يعدّون الدعاء التزاماً عملياً بالتوحيد؛ ولذا نرى الأنبياء والرسل والأئمة من أهل البيت « يولون أهمية بالغة للدعاء. ويبرز دعاء كميل كواحد من أهم الادعية؛ التي تعدّ ينابيع للفيض الالهي لما ينطوي عليه من مضامين عرفانية سامية، حتى قيل عنه:: ««إنسان الأدعية»».
ودعاء كميل ووفقاً لما ورد في الروايات صدر من ينابع النبوّات فهو كلمات الخضر جرت على لسان سيّدنا وامامنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب « ولذا شغل منـزلة مرموقة لدى أهل البيت « فاحتفوا به جميعاً.
من هنا يُعتبر دعاء كميل مدرسة كبرى عميقة الغرور لما تشتمل عليه من مسائل غاية في الأهمية في الحياة الروحية والانسانية وقد تصدّى الى شرحه الاستاذ القدير الشيخ حسين أنصاريان وقد ابدع في ذلك لما امتازت به شخصيته من خصال ولاطلاعه الواسع على المصادر الإسلامية الأصيلة ولما عرف عنه من ارتباط روحي عميق مع هذا الدعاء الكريم، فكان هاجسه احياء كلماته ومعانيه في ضمير ووجدان وفكر الانسان؛ فجاءت شروحه مستندة الى أُسس وركائز قرآنية وروائية وعرفانية.
وانطلاقاً من العلاقة الروحية والوجدانية التي تربط المؤلف بهذا الدعاء الشريف وما يحظى به قلمه من اشعاع؛ فقد جاء شرحه لدعاء كميل ذلك السفر الجليل زاخراً بالعلم والمعرفة والفكر الاصيل.
نأمل أن يفتح هذا الكتاب لطلاب المعرفة وعشاق الثقافة الإسلامية نافذة على عوالم هذا الدعاء الكريم.
دار احياء التراث العربي
بيروت ـ لبنان
قبس من حياة المؤلف

المقدمة


قدّمت مدينة ««خوانسار»» وعلى مدى قرون وجوهاً مشرقة للانسانية كان من بينها علماء كبار كالمرحوم آية الله العظمى السيد الخوانساري « والمرحوم آية الله العظمى السيد جمال الخوانساري والمرحوم آية الله العظمى السيد محمد تقي الخوانساري والمرحوم آية الله العظمى السيد أحمد الخوانساري وآلاف العلماء ممن نشأوا في هذه المدينة العريقة.
ولد العلامة الاستاذ السيد حسين انصاريان في آبان سنة 1323هـ ش حيث فتح عينيه في هذه المدينة العريقة.
وأسرته معروفة بأسرة الحاج شيخ وقد اشتهرت بتدينها حيث المرحوم آية الله العظمى الشيخ موسى انصاريان من وجوه هذه الأسرة العلمية والدينية.
يقول الامام الخميني فيه:
««لم أجد كتاباً في فقه الصلاة ككتاب المرحوم آية الله انصاريان»».
وللمرحوم عشرات الآثار الأخرى فـ««منية الطالب»» الذي هو تقريراته في دروس المرحوم النائيني من ابرزها.
قلّده معظم أهالي النجف الاشرف بعد رحيل آية الله العظمى الاصفهاني، ولكن الأجل لم يمهله فتوفي إثره بمدة قليلة.
أما نسبه من والدته وهي من علويات البيت المصطفوي وجدّه من أمه شخصية معروفة يقصدها كثير من العلماء القادمين من النجف وقم حيث منزله مفتوح لاستضافتهم واقامتهم.
يروي الاستاذ احدى ذكرياته يوم كان في الثالثة من عمره ««جاء الى بيت جدّي ذات يوم آية الله العظمى محمد تقي الخوانساري، كنت يومها طفلاً فتحت الباب على غرفة الضيوف وقصدته لأجلس في حضنه فأراد جدّي أن يأخذني الى العيال فمنعه وراح يمسح على رأسي وسألني ماذا تحب أن تصبح في المستقبل قلت: اريد أن أصير مثلك! فدعا لي..
وما يزال طيف تلك ماثلاً أمامي كأحلى ذكرى في حياتي»».
شاء القدر أن تنتقل اسرته الى طهران وهو ما يزال في الثالثة من عمره وقد قطنت أسرته في احدى الحلاّت المحافظة التي كانت تعرف بـ««شارع خراسان»».
وكان عالم المحلّة يومئذ المرحوم آية الله الحاج الشيخ علي اكبر برهان رحمه الله فتتلمذ الاستاذ على يديه وهو ما يزال في نعومة أظفاره، وقد أثر في حياته تأثيراً بالغاً مما جعله يقول: ««انه لم ير له نظيراً أبداً»».
كان آية الله برهان عالم جليل ومجتهد تقي وكان يؤم المسلمين في جامع ««لرزادة»» وكانت شخصيتة تنطوي على جاذبية شدّت اليها الجميع من الطفل الصغير الى الشيخ كبير.. وكان مهتماً بتعليم الجميع وتربيتهم فافتتح مدرسة في الجامع وأخذ على عاتقه مهمة التدريس من المراحل الابتدائية.
يروي الاستاذ انصاريان ذكرياته في تلك الفترة قائلاً: ««طالما سمعت المرحوم استاذنا يكرر من فوق المنبر انه لا يود أن يموت في طهران ويدفن فيها وكان يدعو الله في ذلك في الليالي بعيون دامعة، فكان عاقبة أمره أن توفاه الله سبحانه وتعالى في سنة 1338 في الحج الى بيت الله الحرام ودفن في مدينة ««جدّه»» وكان عمري يومئذ أربعة عشر عاماً»».
ويروي ذكرى أخرى عن استاذ آخر هو آية الله السيد محمد تقي غضنفري امام مسجد ««لرزاده»» في خوانسار: ««انتظمت في سلك الدراسة الدينية ووصل خبر ذلك الى الاستاذ غضنفري، رتب الاستاذ بهذه المناسبة حفلاً دعا اليه أقارب والدي وعدداً من أهالي المحلّة وقد كان لذلك من الأثر في نفسي كبير حيث شجعني على مواصلة طلب العلم بهمّة عالية وارادة لا تعرف الخور»».
ومن الوجوه المشرقة التي تأثر بها الاستاذ هو المرحوم آية الله سيد حسن علوي الخوانساري وكان من المجتهدين المبرزين وقد تتلمذ عليه الاستاذ انصاريان، وكان قد عاد من النجف يستقر في خوانسار، يقول الاستاذ انصاريان عن المرحوم:
عندما ارتديت زي الطلبة وذهبت لزيارة جدي لأمي المرحوم السيد محمد باقر مصطفوي رحمه الله وجدّتي وقومي في خوانسار دعاني أحدهم لاقامة مجلس حسيني لمدّة عشرة ليال قلت نعم وارتقيت المنبر في الليلة الأولى فرأيت المرحوم ـ آية الله علوي ـ كان ضمن الجالسين فتعجبت أن يجلس مثله الى منبر مثلي، قلت في نفسي لعل له علاقة مع صاحب المجلس فجاء للمجاملة ولكن يا للعجب لقد رأيته في جميع تلك الليالي وعرفت أنه كان يحضر من أجل تشجيعي، من الوجوه الأخرى هو الحاج السيد محمد علي بن الرضا الخوانساري الذي تتلمذ عليه المؤلف في طفولته وكانت له معه علاقة نسب يقول فيه المؤلف: ««منذ أيام الصبا تعلمت منه نقطة اساسية أصبح لها الأثر الكبير في حياتي وهي مواظبته على زيارة سيدنا الحسين في ليلة كل جمعة بعد صلاة العشاء وهي الزيارة المعروفة بـ««زيارة وارث»» .. وكان يقرأها قائماً في حال عجيبة تؤثر في الكثير من الناس ممن يحضر تلك الزيارة.
وكانت للمؤلف علاقة طيبة جداً مع المرحوم الهي قمشأي حيث كان يحضر دروسه في الاخلاق.
وقد ساعدت جميع هذه العوامل في تحديد مسار دراسة الاستاذ المؤلف فما أن اكمل دراسة الثانوية حتى اتخذ سمته صوب الدراسة الدينية بمشورة مع الاستاذ قمشأي.
انتهل المؤلف دروسه الدينية في حوزتي قم وطهران. ففي طهران درس الآداب على يد الميرزا علي فلسفي وكان قد خلف ««برهان»» في امامة المؤمنين في جامع لرزاده»» وفلسفي حصل على اجازة الاجتهاد من السيد الخوئي..
وقد بلغ من اهتمام الميرزا فلسفي بالمؤلف انه كان يرعاه رعاية خاصّة وودعه الى قم بعد أن أهداه حديثاً عن سيدنا محمد «: ««من كان لله كان الله له»».
ويقول المؤلف انه منذ ذلك اليوم وهو يسعى أن يكون لله ومع الله عزوجل وانه لمس عن قرب انه متى كان كذلك كان الله معه دائماً، وان الله ينصر من ينصره.
وقد تم تعرف المؤلف على اساتذة قم ودرس على أيديهم العلوم الدينية في طليعتهم المرحوم آية الله الحاج الشيخ عباس الطهراني « وكان يواظب على حضور دروس الأخلاق التي كان يلقيها الحاج السد حسين الفاطمي يقول عنها المؤلف: كانت احاديث مفعمة بالحب والدموع.
انتهل علوم الدين على ايدي اساتذة اجلاّء منهم آية الله اعتمادي وآية الله العظمى لنكراني وآية الله صالحي نجف آبادي وآية الله صانعي وبعد أن اتم دراسته السطوح العالية ولج مرحلة الاستنباط في الفقه الأصول أو ما ««يعرف درس الخارج»» فدرس على ايدي كبار الفقهاء كالمرحوم آية اله السيد محمد محقق داماد « وآية الله منتظري والمرحوم آية الله الشيخ ابو الفضل النجفي الخوانساري وبخاصّة المرحوم آية الله العظمى الحاج ميرزا هاشم الآملي « وكان حصيلة ذلك تقريرات قيمة في الفقه والاصول.
ولا ننسى دراسته الحكمة على يدي آية الله الكيلاني وآية الله جوادي آملي.
وقد اجيز المؤلف علماً ورواية من قبل كثير من العلماء منهم المرحوم آية الله العظمى الميلاني والمرحوم آية الله العظمى الهمداني والمرحوم آية الله كمرأي « والمرحوم آية اله العظمى الكلبايكاني « والمرحوم آية الله العظمى السيد أحمد الخوانساري والمرحوم آية الله العظمى المرعشي
النجفي « والمرحوم آية الله العظمى الامام الخميني «.
وبعد هذه المرحلة ولج الاستاذ انصاريان عالم التأليف والتحقيق والتبليغ، وقد نتج عن هذه المرحلة التي امتدت الى حوالي ثلاثين سنة اربعة آلاف محاضرة في مواضيع متنوعة واكثر من اربعين كتاباً تقع في حدود ستين مجلداً وكلها خلال اقامته في مدينة طهران.

المؤلفات

:
1 ـ بسوي قرآن واسلام.
2 ـ فروغي از تربيت اسلامي.
3 ـ با كاروان نور.
4 ـ توبه، آغوش رحمت حق.
5 ـ مرز روشنايى «مجموعة شعرية»
6 ـ مناجات عارفان «مجموعة شعرية»
7 ـ چشمه سار عشق «مجموعة شعرية»
8 ـ كَلزار محبت «مجموعة شعرية».
8 ـ مجموعة غزليات «مجموعة شعرية»
9 ـ سيماى نماز.
10 ـ عبرتهاى روزكَار.
11 ـ نسيم رحمت.
12 ـ اخلاق خوبان.
13 ـ نظام حانواده در اسلام.
14 ـ درباركَاه نور.
15 ـ چهل حديث حج.
16 ـ حج وادي امن.
17 ـ چهره هاى محوب ومنفور قرآن.
18 ـ ترجمه قرآن كريم.
19 ـ ترجمه وبازنويسى مفاتيح الجنان.
20 ـ ترجمه نهج البلاغة.
21 ـ ترجمه صحيفة سجادية.
22 ـ راهى بسوي اخلاق اسلامي.
23 ـ ولايت ورهبرى از ديدكَاه نهج البلاغة
24 ـ شرح دعاى كميل.
25 ـ مجموعة مقالات «تحت الطبع» .
26 ـ زيبائيهاى اخلاق «تحت الطبع»
27 ـ فضل ورحمت «تحت الطبع».
28 ـ اهل بيت « «تحت الطبع».
29 ـ عبوديت «تحت الطبع».
30 ـ معاشرت «تحت الطبع».
31 ـ مهر ومحبت «تحت الطبع».
32 ـ شفا در قرآن «تحت الطبع».
33 ـ نفس «تحت الطبع».
34 ـ عرفان «تحت الطبع».
36 ـ تقريرات درس الخارج للمرحوم آية الله العظمى الحاج شيخ ابو الفضل نجفي خوانساري «مخطوط».
35 ـ تقريرات درس المرحوم آية الله العظمى الحاجي ميرزا هاشم آملي «مخطوط»
37 ـ عرفان اسلامي «شرح مصباح الشريعة» 12 مجلداً
38 ـ ديار عاشقان «شرح صحيفه سجاديه» 7 مجلدات.
39 ـ لقمان حكيم.
40 ـ اسلام و كار و كوشش.
41 ـ اسلام و علم و دانش.
42 ـ امام حسن را بهتر بشناسيم.
43 ـ معنويت، اساسي ترين نياز عصر ما

ترجم له حتى الآن

:
1 ـ با كاروان نور «الى الانكليزية».
2 ـ نظام خانواده در اسلام «الى الانكليزية».
3 ـ نظام خانوده در اسلام «الى الاردو».
4 ـ نظام خانواده در اسلام «الى اللغة العربية».
5 ـ شرح دعاى كميل «الى اللغة العربية».
6 ـ توبه آغوش رحمت باللغة العربية تحت الطبع.
7 ـ توبه آغوش رحمت باللغة الانكليزية تحت الطبع.
8 ـ توبه آغوش رحمت بالعربية تحت الطبع.
9 ـ لقمان حكيم الاردو تحت الطبع.
10 ـ شرح دعاى كميل الاردو تحت الطبع.
11 ـ شرح دعاى كميل الانكليزية تحت الطبع.
12 ـ نظام خانواده الروسية تحت الطبع.
13 ـ نظام خانواده بالتركية الاسطنبولية تحت الطبع.


كلمـةالمؤلـف


باسـمه الــودود
كنت في الحادية عشرة من عمري، وكان والدي يأخذني معه في ليالي شهر رمضان الكريم الى المجالس الدينية التي كانت تقام يومئذ في طهران.
وكان المرحوم الحاج السيد محمد مهدي لالزاري وكان عالماً تقياً ورعاً يرشد الناس ويعظهم وكانت كلماته الطيبة تسحر الناس بأثرها وردوعتها! وكان رحمه الله يقرأ في ليالي الجمعة دعاء كميل بصوت شجيّ فتخرج كلمات الدعاء ممتزجة بدموعه، وقد اطفئت المصابيح وكان صوته ينساب في تلك الليالي المباركة ولم نكن نسمع صوتاً غيره... حتى ان المرء يشعر ان نهراً هادئاً ينساب ويجري يسقى القلوب العطشى ويروي النفوس الظامئة.
استطيع القول اني كنت مفتوناً بذلك الدعاء حتى أنني حفظته عن ظهر قلب، وكنت لا أنفك اردد كلماته بصوت حالم واشعر أنّ كلمات الدعاء تتدفق من قلب سيدنا علي، وانها تستحيل الى نبع يتدفق ويجري ويغسل القلوب، ويطهر النفوس.
ولما جئت الى قم وقد انتظمت في سلك الحوزة العلمية لدراسة العلوم الدينية، أخذت علىنفسي اقامة مجلس في ليالي الجمعة لقراءة هذا الدعاء الكريم؛ وسرعان ما اصبحت مجالس قراءة هذا الدعاء ظاهرة في ايران كلّها وفي خارج ايران ايضاً وشهدت تلك المجالس اقبالاً من الناس منقطع النظير.
وها أنا أجد نفسي وقد وفقني الله عزوجل الى شرح هذا الدعاء الجليل آملاً أن يفيد منه الجميع.
ختاماً أتقدم بالشكر والتقدير الى قسم التحقيق في مؤسسة دار العرفان التي نهضت بمهام التقويم والتنقيح وكذا نشر هذا الجهد المتواضع سائلاً العلي القدير أن يمنّ على الجميع بالموفقية والرشاد.
الفقير الى مولاه
حسـين انصـاريان

نظرة الى الدعاء


الدعاء اظهار الحاجة في رحاب من لا يحتاج إلى أحد.
الدعاء، التعبير عن الفقر والمسكنة والبؤس في حضرة الغني المطلق ومالك الوجود بأسره.
الدعاء مدّ الأيدي والأكفّ الخالية من كل شيء باتجاه الكريم السخيّ الكريم واظهار العجز أمام القادر المتعال.
الدعاء طلب النجدة والغوث من العبد الضعيف المسكين الذليل المستكين البائس الى الخالق الرحيم والربّ الكريم والحكيم اللطيف والسميع البصير.
الدعاء، تعبير عن التواضع والخشوع والانكسار والخضوع في رحاب الملك القدّوس العزيز الجبّار المتكبّر القوي والعليم القدير.
الدعاء، لغة الحبّ والأنس بين العاشق والمعشوق؛ فهو ينبوع العاشقين والسالكين وقرّة عين العارفين وسراج الراحلين وقنديل المشتاقين، وسند البائسين والمحتاجين، ونور يشعّ في قلوب الحائرين.

الدعاء في القرآن الكريم:


الدعاء في القرآن الكريم
يقول نبع الفيض اللانهائي، والبحر الذي لا آخر له ولا أول والنور الذي لا ظلمة معه، ينبوع الحكمة رب العزّة في كتابه المنـزل مخاطباً نبيّه المرسل: «قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ««1».
اخبرهم يا رسولي يا نبي الرحمة للعالمين ان الله ربّكم لا يكترث لكم الاّ عندما تدعونه وتسألونه؛ فالدعاء اذن الأداة الوحيدة التي يمكننا من خلالها أن نرتبط بالله عزوجل. ومن خلال الدعاء تتدفق الرحمة الالهية نحونا، نظرة من الله سبحانه وحدها تقشع عنا الشقاء وتبسط أمامنا مائدة مفعمة باللذة والسعادة والبركة والنماء.
يقول حبيب المحبّين، معشوق العاشقين وانيس الذاكرين، وجليس الشاكرين، ونصير المستضعفين في قرآنه الكريم:
«وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ««2».
أجل لا يوجد شيء أقرب الى الانسان من ربّه، إنه قريب جداً وهل هناك من هو أقرب له ممن أوجده ومنحه نعمة الحياة والوجود؟!
الله سبحانه الذي أودع الانسان في رحم أمه جنيناً، ثم أخرجه الى النور من ظلمات ثلاث، ثم اذا به وهو يفتح عينيه على الدنيا يجد مائدة الوجود الحافلة بكل النعم المادية والروحية، واذا هو الكائن الذي يجد حوله من الموجودات في خدمته مسخرة له، ثم بعث له الانبياء والرسل من أجل هدايته وارشاده الى طريق السعادة في الدارين.. في دار الدنيا ودار الآخرة، وانزل عليه القرآن الكريم كتاباً عزيزاً يضيء له الطريق ونصب له نجوم الهداية وهم أئمة أهل البيت المعصومين « يدلّونه الى معين الخير والسعادة والخلود؛ الله سبحانه هو وحده الذي يطعم عبده الجائع ويسقي عباده الظامئين يشفي المرضى ويعين البائسين يبدد وحشة المرء بزوجة تؤنسه وأبناء يتوددون له وأصدقاء يخلصون وأحباء يحنون اليه.
الله سبحانه الذي يكسو الحفاة والعراة ويوقد شعلة الحب في قلوب عباده المؤمنين، ويرفع عنهم الأغلال التي يضعها الخاطئون من البشر ممن يغويهم الشيطان.
الله سبحانه هو وحده مصدر العزّة والكرامة وفي عبادته وحده تكمن الحرّية..
الله وحده هو خالق كل شيء وهو وحده القادر على كل شيء.. أجل هو وحده الذي يراقب الاعماق وهو وحده الذي يعرف حاجات عباده وما ينشدون. قال الله تبارك وتعالى..
«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ««3».
والأنبياء وهم مثال الانسانية ونموذجها الأسمى في البصيرة والحكمة والنبل والاخلاق الرفيعة، كانوا متعلقين بأدب الدعاء؛ قلوبهم النابضة بالحب تتلقى الاشراق والوعي، تتلقى الفيض الالهي؛ ارواحهم تسبح في ملكوت الله ونفوسهم تطوف حول عرش الله، وقلوبهم تغتسل بالدعاء والكلمات المقدسة.
أجل الأنبياء والمرسلون تلك هي حياتهم، الصلاة تجري على شفاههم وتمتمات الدعاء تطوف، تنساب من أفواههم، يتقرّبون اليه عزوجل بالدعاء فتراهم خاشعين في رحابه، خاضعين في حضرته.
انهم يعتبرون الدعاء منطلق النمو للروح وتزكية للقلب؛ ولا يزيح غبار المادة المتكاثف عن قلوبهم، الا بالاستحمام في رشاش الكلمات المقدسة التي تسبح بحمد الله.
كانوا صلوات الله عليهم أجمعين واثقين أشدّ الوثوق، مؤمنين اشدّ الايمان انّ الله عزوجل لن يخيبهم ولن يعودوا من حضرته وساحته خائبين.
كانوا متأكدين من استجابة الدعاء فلم يعتور ايمانهم بالله شك ولا ريب ولا هم يحزنون.
الله الصمد شعارهم فهم الفقراء في حضرته وهو الغني المطلق الكريم الذي لا يخيب آمليه ولا يطرد عن بابه سائليه.
وهذا القرآن الكريم يروي على لسان سيدنا ابراهيم قوله « الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء««4».
الدعاء هو الذي كان وراء ولادة يحيى وقد بلغ الكبر بوالده زكريا ما بلغ حتى اشتعل الشيب في رأسه.
أجل ولد يحيى وكان أبوه شيخاً طاعناً في السن وكانت أمّه عاقراً غير ولود.
لم يشعر زكريا « باليأس حتى سمع الملاك يخاطبه: يا زكريا إنّا نبشرك بغلام اسمه يحيى«5» ..
والدعاء كان وراء نزول مائدة من السماء عندما أراد الحواريون أنصار المسيح « ذلك فما أن رفع كفّيه الى السماء طالباً مائدة سماوية الهية تكون لهم عيداً، حتى استجاب الله عزوجل وأنزل عليهم مائدة تزخر بالبركة والخير وكانت كرامة للمسيح عيسى ابن مريم«6».
وقد أمر الله عزوجل عباده بالدعاء ودعاهم الى ذلك ليجسّدوا العبودية له ويعبّروا عن حاجتهم الدائمة اليه.
لا عبادة أرقى وأسمى واكثر تعبيراً من كلمات خاشعة خاضعة تمتزج بالدموع، تخرج من قلب كسير ونفس تعي بأنها لا شيء وأنها مجرّد صفر أمام الواحد الأحد الفرد الصمد.
أجل لا شيء أجمل من مشهد الانسان وهو يمدّ كفّيه الى ربّ الوجود وخالق كل شيء.
نعم الدعاء هو التعبير الكامل الذي يجسّد حالة الانسان المتواضع لسيّده والعبد الى مولاه والدعاء هو الذي يحطم روح الغرور الفارغ والتكبّر البشري الذي لا يعني شيئاً غير الجهل.
قال الله عزوجل في محكم كتابه:
«وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ««7».

الدعاء في الروايات:

الدعاء في الروايات
ان فضل الله سبحانه تبارك وتعالى يغمر كل الكائنات وبخاصّة الانسان، وهذه مائدة الوجود مفعمة برحمته ولطفه وكرمه.
لا يوجد في رحابه معنى لليأس أو القنوط، ولا في حضرته بخل وليس في صفاته مكان للطرد.
نبع يتدفق فضلاً وكرماً وجوداً وعطاءً، فالجميع يرنو اليه وينظر الى وجهه الكريم.
قال تبارك وتعالى يخاط عبده داود: «يا داود انّا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ان الذين يضلّون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب««8».
وهذا تراثنا الاسلامي يحفل بالنصوص الرائعة الجميلة الزاخرة بالمعاني النبيلة، التي تشكل مع ما يسطع من آيات الله البيّنات بشارة كبرى من الله عزوجل الى عباده، الاّ ييأسوا من رحمته وفضله وأن تبقى قلوبهم تنبض بالأمل والرجاء، في كل الظروف والأحوال وليعلموا الاّ سبيل الىالله الاّ باللجوء اليه والاّ طريق الى السعادة والخلود الاّ بدعائه والتواضع في حضرته والتضرع في رحابه والخضوع بين يديه؛ وأنه لا يمكن تحقيق ما يصبو اليه البشر الاّ بدعائه باخلاص وحبّ وايمان.
من هنا أكّدت الشريعة الإسلامية وجاء في الروايات والآثار ما يبيّن منـزلة الدعاء واهميته وبخاصّة ما روي عن أئمة المسلمين أئمة أهل البيت الطاهرين إذ جاء من التأكيد على الدعاء ما يجعله عبادة رفيعة لا تضاهيها عبادة.
جاء عن سيدنا محمد « قوله:
«إن الدعاء هو العبادة» «9».
وعنه « قال:
«الدعاء مخ العبادة» «10».
وجاء عن الامام محمد الباقر « قوله:
«أفضل العبادة الدعاء» «11».
وعنه « أيضاً قال:
«ما من شيء أفضل عند الله عزوجل من أن يُسئل ويطلب مما عنده، وما أحد أبغض الى الله ممن يستكبر عن عبادته ولا يسئل ما عنده» «12».
وعن الامام علي أميرالمؤمنين « قوله:
«أحبّ الاعمال الى الله تعالى في الأرض الدعاء» «13».
وعنه « قوله:
«الدعاء مفاتيح النجاح، ومقاليد الفلاح وخير الدعاء ما صدر عن صدر نقي وقلب تقي، وفي المناجاة سبب النجاة وبالاخلاص يكون الخلاص، فإذا اشتدّ الفزع فإلى الله المفزع» «14».
وعن الإمام الصادق «:
«إذا نزل البلاء فعليكم بالدعاء والتضرّع الى الله» «15».
وعنه « قال:
«عليك بالدعاء فإنّ فيه شفاء من كل داء» «16».

قيمة الدعاء عندما يكون اجتماعياً :


قيمة الدعاء عندما يكون اجتماعياً
تتخذ عبادة الدعاء عندما تتم بصورة جماعات جماعات حلّة أخرى وتصبح لها قيمة أكبر، إذ اننا سنشهد حالة أخرى من اداء هذه العبادة حيث يجتمع بعض الناس في مكان واحد متجهين بقلوبهم جميعاً الى نقطة واحدة ثم تمتد الاكف والايدي المتضرّعة الى الله سبحانه وتعالى تستمطر رحمته وتستنزل فضله وكرمه، فتتفتح ابواب الرحمة والجود الالهي؛ تغمرهم بالبركات، ذلك انه عندما تتفتح القلوب وتنشرح الصدور فان الله سبحانه هو السميع المجيب.
وعندما تصّاعد كلمات التضرّع والمناجاة، وعند تمتزج بآهات القلوب وقطرات الدموع حينئذ تنفتح أبواب السماء بغيث الرحمة والبركات والسخاء.
ولقد ورد فضل وقيمة الدعاء الجماعي في حشد من الروايات عن أهل البيت «.
عن أبي عبدالله الامام الصادق « قال:
««ما اجتمع أربعة قط على أمر واحد فدعوا الاّ تفرّقوا عن اجابة»» «17».
وعن سيدنا محمد « قال:
««لا يجتمع اربعون رجلاً في أمر واحد الا استجاب الله تعالى لهم حتى لو دعوا على جبل لأزالوه»» «18».
ويروي العالم الربّاني ابن فهد الحلّي مما ورد في كتاب ««وسائل الشيعة»» في كتابه ««عدّة الداعي»» :
««إنّ الله تعالى أوحى الى عيسى «: يا عيسى! تقرّب الى المؤمنين، ومُرهم ان يدعوني معك»» «19».
وعن الامام الصادق « قال:
««كان أبي إذا حَزَنه أمر جمع النساء والصبيان ثم دعا وأمّنوا»» «20».

لا يأس مع الايمان:


لا يأس مع الايمان
ينبغي للداعي أن يعي هذه الحقيقة جيداً وهي أن ألله سبحانه الرحمن الرحيم؛ هو الذي أمر بالدعاء وضمن الاجابة؛ فقال عزوجل ادعوني استجب لكم.
ان الله عزوجل هو القادر على كل شيء؛ فكل هذا الوجود يحيا في ظلاله الوارفة وهو الحاكم المطلق في هذا العالم وهو الذي اذا قال للشيء كن فيكون، يستجيب كل دقائق هذا الكون المترامي لأمره وتخضع لسطوته الأشياء وتتحرك بمشيئته.
من هنا لا ينبغي للداعي وهو يقف في حضرة الله سبحانه وفي رحابه عزوجل وهو نبع الرحمة اللانهائي؛ لا ينبغي لـه أن تساوره ذرة من يأس وقنوط؛ ذلك أن حالة اليأس انما هي حالة كفر لا تليق بالمؤمن الذي يعتقد بأن الله هو القادر المدبّر السميع المجيب.
ان اليأس لا ينسجم مع الايمان بالله عزوجل بل هو حالة الكفار.
قال الله عزوجل:
«وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ««21».
وقد اكد القرآن المجيد على الأمل الكامل بالله عزوجل ونهى عن اليأس. قال الله تعالى.
«لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله ««22».
وقال سيدنا محمد «:
«اليأس من روح الله اشدُّ برداً من الزمهرير» «23».
وعنه صلوات الله عليه وآله قال:
«الفاجر الراجي لرحمة الله تعالى أقرب منها من العابد المقنط» «24».
وقد جاء في الروايات والمعارف الإسلامية أن اليأس والقنوط من رحمة الله من الكبائر، وقد توعّد الله عزوجل اليائسين والقانطين بالعذاب الشديد.
ان على الداعي الاّ يقنط من رحمة الله ولا يشعر باليأس اذا لم يُستجب دعاؤه.
فقد جاء ذلك في الآيات الكريمة وفي الروايات، فلعل عدم استجابة دعائه كان لمصلحة الداعي نفسه وربما لم تتوفر الظروف المناسبة لاجابة الدعاء.
فعلى الداعي أن يتيقن من ذلك وهو ان عدم استجابة دعائه كان لمصلحة، وربما امتد ذلك الى يوم القيامة يومئذ يستجاب لـه ذلك الدعاء فيعلم آنذاك انه كان لمصلحته ورحمة به من الله تبارك وتعالى.
وعلى أية حال على من يدعو الاّ ييأس من رحمة الله سبحانه، لأن اليأس ليست له أرضية عقلية ولا شرعية ولا أخلاقية ولا انسانية؛ وانّ المؤمن حقاً لا يدع لليأس طريقاً ينفذ اليه.
وقد ورد في مسألة الدعاء والاجابة كثير من الروايات الهامّة في امهات الكتب الإسلامية وهذا مثال على هذه الروايات الإسلامية القيمة:
««عن أبي عبدالله الصادق « قال: إنّ العبد ليدعو فيقول الله عزّوجل للملكين: قد استجبت له ولكن احبسوه بحاجته، فإنّي أحبّ أن أسمع صوته. وان العبد ليدعو فيقول الله تبارك وتعالى: عجلوا له حاجته فأنّي ابغض صوته»» «25».
وعن منصور الصيقل قال: قلت لأبي عبدالله «: ربما دعا الرجل بالدعاء فاستجيب له ثم اُخّر ذلك الى حين قال: فقال: نعم قلت ولم ذاك ليزداد من الدعاء؟ قال: نعم»» «26».

شروط الدعاء:


شروط الدعاء
ان الداعي إذا اراد استجابة دعائه ان يتوافر على الشروط التالية قبل ان يلج ساحة الدعاء وقد ثبّتت مصادر روائية هامّة من قبيل: ««اصول الكافي»» ««المحجة البيضاء»» ، ««وسائل الشيعة»» ««جامع أحاديث الشيعة»» شروط استجابة الدعاء وهي: الطهارة الشرعية من قبيل الوضوء، الغسل، التيمم والتطهّر من حق الناس، الاخلاص، قراءة نصوص الدعاء بطريقة صحيحة الكسب الحلال، صلة الرحم، التصدّق قبل الدعاء، طاعة الله عزوجل اجتناب المعاصي، العمل الصالح، الدعاء وقت السحر، الدعاء في صلاة الوتر، الدعاء عند طلوع الفجر الصادق، الدعاء عند طلوع الشمس، الدعاء يوم الاربعاء بين الظهر والعصر الصلاة على النبي « وآله ««27».

ليلة الجمعة:


ليلة الجمعة
تؤكد الروايات الواردة عن أهل البيت « على أنّ ليلة الجمعة هي من أفضل الليالي والاوقات وانسبها للدعاء وأنها ليلة لا تضاهيها ليالي الأيام الأخرى وأنها تكاد تضاهي ليلة القدر.
وقد أوصى الأولياء والصالحون ونصحوا باحياء هذه الليلة والعبادة والاستغفار ما أمكن، ذلك أن الله سبحانه يرسل في هذه الليالي ملائكة الى أهل الايمان، تغمرهم بالكرامة وتزيدهم حسنات الى حسناتهم وتمحو سيئاتهم.
قال الامام الصادق «: ««ان للجمعة حقاً فايّاك أن تضيّع حرمته أو تقصّر في شيء من عبادة الله تعالى والتقرّب اليه بالعمل الصالح وترك المحارم كلّها فان الله تعالى يضاعف فيه الحسنات ويمحو السيئات ويرفع فيه الدرجات ويومه مثل ليلته فإن استطعت ان تحييها بالدعاء والصلاة فافعل، فانّ الله تعالى يرسل فيها الملائكة الى السماء الدنيا وتضاعف فيها الحسنات وتمحو السيئات وان الله واسع كريم»» «28».
وقال الامام الباقر «: ««ان الله تعالى يأمر ملكاً فينادي كل ليلة جمعة من فوق عرشه من أول الليل الى آخره: ألا عبدٌ مؤمن يدعوني لآخرته ودنياه قبل طلوع الفجر فأجيبه؟
ألا عبدٌ مؤمن يتوب اليّ من ذنوبه قبل طلوع الفجر فأتوب عليه؟
ألا عبد مؤمن قد قترت عليه رزقه فيسألني الزيادة في رزقه قبل طلوع الفجر فأزيده وأوسّع عليه؟
ألا عبد مؤمن سقيم فيسألني أن أشفيه قبل طلوع الفجر فأعافيه؟
ألا عبدٌ مؤمن مغموم محبوس يسألني أن أطلقه من حبسه وأخرّج عنه قبل طلوع الفجر فأطلقه وأخلي سبيله؟
ألا عبد مؤمن يسألني أن آخذ لهبظلامته قبل طلوع الفجر فانتصر له وآخذ بظلامته؟ قال: فلا يزال ينادي حتى يطلع الفجر»» «29».
وليلة الجمعة لها آدابها من صلوات ودعاء ومناجاة وأوراد واذكار كثيرة وفي طليعتها دعاء كميل الذي يشغل منـزلة خاصّة.

كميل بن زياد النخعي:


كميل بن زياد الخعي
كان في طليعة العلماء سواء لدى الشيعة أو أهل السنة فلقد كان معروفاً بصلابته وايمانه وثباته على الحق وروحه الكبيرة واخلاصه وصفاء نيّته وحسن اخلاقه وسيرته النبيلة.
عرف لدى الجميع بعدالته وجلال شأنه وعلوّ منزلته كان من خوّاص أمير المؤمنين علي « ومن اصحاب الامام الحسن « سبط رسول
الله « وريحانته«30».
وقد عدّه الامام أحد العشرة من اصحابه المقربين«31».
وكان في طليعة الشيعة المخلصين المحبّين والموالين لأمير
المؤمنين ««32».
وبلغ من ثقة أميرالمؤمنين « به أن أودعه اسراراً كبيرة واوصاه بوصاياه البليغة.
وبالرغم من نظرة الشك التي كان ينظر اليها أهل السنة عادة الى اتباع مذهب أهل البيت « إلاّ أنهم يضعون ثقتهم كاملة في شخصية كميل«33».
ويعدّه العرفاء وأهل السلوك صاحب سرّ أميرالمؤمنين وخازناً للمعارف الروحية التي أفاضها عليه مولاه مولى الموحدين وامام المتقين.
كان كميل بن زياد النخعي في الثامنة عشرة من عمره في عصر رسول الله « حيث شمس النبوة مشرقة تفيض بنورها على الارض الإسلامية.
كان كميل انساناً عظيماً نقياً طاهراً ورجلاً كريماً وكان يواجه الصعاب بروح ملؤها الصبر والاستقامة حتى نال شرف الشهادة على يد حاكم العراق الدموي الحجاج بن يوسف الثقفي.. تلك الشهادة التي بشّره بها سيدنا علي بن أبي طالب «.
وتدور رحى الايام حتى فوجئ أهل العراق بتنصيب الحجاح حاكماً عليهم من قبل الخليفة الاموي عبدالملك بن مروان، وقد بدأ حكمه بمطاردة الشيعة والقاء القبض على رموزهم من اصحاب الامام علي « لا لذنب سوى حبّهم ووفائهم لأهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة.
اضطر كميل الى الاختفاء عن الانظار ولكن الحجاج عرف كيف يلقي القبض عليه من خلال المضايقات التي فرضها على قبليته وقطع ارزاقهم؛ فأبت نفس كميل أن يتجرّع قومه وعشيرته الآلام من وراء ذلك؛ فاضطر الى تسليم نفسه وذهب الى قصر الحجاج ليدور بينه وبين الطاغية هذا الحوار الخالد:
كان وجهه مضيئاً وكان وجه الحجاج مكفهرّاً ولم يعبأ كميل بمنظر الجلاّدين.
قال كميل بصلابة المؤمن: اخبرني سيدي اميرالمؤمنين علي انك قاتلي واعلم ان بعد القتل الحساب.
قال الحجاج: تبرأ من علي لتنجو من الموت.
قال كميل: دلني على دين أفضل من دين علي.
وبهت الحجاج فأشار الى الجلاّدين.. وفي لحظة هوى كميل شهيداً.