عربي
Saturday 23rd of March 2019
  15
  0
  0

معجم الرموز الشيعية... كربلاء المقدسة

معجم الرموز الشيعية... كربلاء المقدسة
حيدر الجراح

تختصر مدينتا كربلاء المقدسة والنجف الأشرف جميع ما يمكن أن يتعلق بالشيعة على امتداد العالم ، رغم وجود مدن وأماكن تحتوي على مزارات مقدسة تشكل الوعي الشيعي وامتداداته في التنظير والممارسة .
إضافة إلى كون النجف هي العاصمة الدينية لشيعة العالم ، وهي ترقى إلى مستوى الفاتيكان بالنسبة للمسيحين ، وذلك لوجود مرقد الإمام علي (عليه السلام) ، ووجود أكبر مقبرة فيها على مستوى العالم ، يقصدها الملايين لدفن موتاهم في ترابها ، إضافة الى حوزتها العلمية الشهيرة .


وفيما يتعلق بكربلاء ، وبعيداً عن المنافسة التاريخية التقليدية بينها ، وبين توأمها مدينة النجف ، تشكل تلك المدينة بما تضمه من ضريحي الإمامين الحسين والعباس (عليهما السلام) ، تاريخ الألم الشيعي ووجودهم الإجتماعي الذي لا يمكن أن ينفصل عن هذه المدينة ، فهي مقصد الزائرين على مدار العام ، فليس هناك بوم أو موسم محدد لزيارتها ، كما هو الحال مع بقية المدن التي تضم الأضرحة المقدسة ، وقد تجد الكثيرين من الشيعة لا يزورون تلك المدن إلا زيارات معدودة في حياتهم ، إلاّ أن كربلاء تعتبر زيارتها من أوجب الواجبات لدى الشيعة ، لما تمثله من حجم الإرث الضخم من المظلومية ، وقيم الثورة ضد التحريف والزيف والطغيان ،  والإيثار والإستشهاد في سبيل الحق من جانب ، والروايات الواردة التي تؤكد استحباب بل وجوب شد الرحال إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) من جانب آخر .

عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : (( مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين (عليه السلام) فإن إتيانه يزيد في الرزق ، ويمد في العمر ، ويدفع مدافع السوء ، وإتيانه مفترض على كل مؤمن يقر له بالإمامة من الله )) [ وسائل الشيعة ج14ص413ب37ح19583 ] .

وعن الإمام الصادق أيضاً (عليه السلام) : (( مَن أراد أن يكون في جوار نبيّه وجوار عليٍ وفاطمة ، فلا يدع زيارة الحسين بن عليّ (عليهما السلام)) [ كامل الزيارات باب 44 ] .
فالكثير من المدن تحيا في الذاكرة بغض النظر عن حجمها وعن أدوارها السياسية أو الإجتماعية ، فهي تخلد في الذاكرة نتيجة لحدث معين في فترة من حياتها ، وتعيد أحيانا تمثلاته في حاضرها ، من خلال العيش مجددا في هذا الحدث ، أو جزءاً منه عبر استذكاره واستدعائه في مناسبات معينة .
ومن تلك المدن ( روما – قرطاج – بابل – تدمر –غرناطة – مكة – المدينة المنورة - ستالينغراد – هيروشيما – ناجازاكي ) الى آخر تلك المدن التي انقرض قسم منها ، وبقيت اوابد وآثار تحكي عظمتها في زمن ماض بعيد ، ومنها لا يزال مستمراً يرفض الإندثار رغم بعد الحدث الذي شكل وجودها في وعينا وذاكرتنا .
وكربلاء إحدى مدن العراق الواقعة على شاطئ الفرات ، تعددت الآراء وتشعبت في معنى الكلمة ، فثمة نصوص تشير إلى أنها مؤلفة من كلمتي (كرب) و (بلاء) ، بمعنى الموضع الإلهي المقدس أو المقرّب ، أو - حرم الله - كما ورد في موسوعة العتبات المقدسة .


ويرى آخرون أن كلمة (كربلاء) منحوتة من (كور بابل) العربية ، وتعني مجموعة قرى بابلية ، وذهب آخرون إلى أنها كلمة فارسيّة المصدر ، مركبة من كلمتين هما ( كار) أي عمل و(بالا) أي الأعلى ، فيكون معناهما ( العمل الأعلى ) .
ويحتمل آخرون أن اسم كربلاء ربما كان ذا صلة باللغة الآرامية والآشورية - كربلاتو Karbalatu - ، وهو يعني نوعاً من غطاء الرأس .
أما ياقوت الحموي فقد أشار في معجمه إلى أن معنى كربلاء يحتمل عدة وجوه منها : قوله: ـ كربلاء بالمد وهو الموضع الذي قُتل فيه الحسين بن علي (عليهما السّلام) في طرف البرية عند الكوفة ، فأما اشتقاقه : فالكربلة رخاوة في القدمين ، يقال جاء يمشي مكربلاً ، فيجوز على هذا أن تكون أرض هذا الموضع رخوة ، فسميت بذلك ، ويقال: كَرْبلتُ الحنطة ، إذا هززتها ونقّيتها ، فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض مُنقاةً من الحصى والدغل فسْمّيت بذلك ، والكربل اسم نبت الحمّاض ، فيجوز أن يكون هذا الصنف من النبت يكثر وجوده هناك فَسُمّي به .
وربط بعض الكتّاب بين الاسم والفاجعة التي قُدِّر لها أن تصبغ أرض المدينة بالدم ، فهي مركب من كلمتين هما كرب وبلاء ، وإلى هذا أشار الشريف الرضيّ في قوله: كربلا ما زلتِ كرباً وبلا .
وهو قول الإمام الحسين (عليه السلام) لما وصل إليها ، قال : (( ما اسم هذه الأرض ؟ )) فقيل له : كربلاء . فقال : (( اللهم إني أعوذ بك من الكرب والبلاء )) [ منتهى الآمال: ج1 / ص471 ] .

ولبقاع كربلاء المختلفة أسماء متفاوتة منها : كربلاء أو (عقر بابل) ، وهي في الشمال الغربي من الغاضرية ، وكور بابل ، ونينوى ، والغاضرية ، وتعرف اليوم بأرض الحسينية ، وكربلة بتفخيم اللام ، وتقع إلى شرقي كربلا وجنوبها والنواويس - وكانت هذه المنطقة مقبرة للنصارى قبل الفتح الإسلامي ، ومكانها اليوم من أراضي ناحية الحسينية قرب نينوى ، إلى حدود روضته الشريفة أو حدود الصحن - ، والطف ، وشفية ، والعقر ، ونهر العلقمي ، وعمورا ، ومارية ، وما شابه ذلك ، وبعض هذه الأسماء تعود إلى قرى وأراضي شاسعة في هذه المنطقة .


والحير ويعرف (بالحائر) وهو اليوم موضع قبر الحسين (عليه السّلام) ، والحائرتطلق اصطلاحاً على صحن سيّد الشهداء (عليه السلام) .

ولهذه الكلمة جذراً لغوياً ، وجذراً تاريخياً ، جاء في لسان العرب في تعريف الحائر أنه : الموضع المطمئن الذي يحار فيه الماء [سفينة البحار 1: 358] ، وجاءت أيضاً بمعنى الشخص الحيران ، وكان يطلق على كربلاء قديماً اسم ( الحير ) ويعني المنطقة المرتفعة الفسيحة ، حيث كانت منذ القدم موضعاً لسكنى أقوام من العرب .
وتدل في المصطلح الفقهي والعبادي على ما يشتمل عليه الصحن الشريف من ضريح وأورقة ومتحف و… الخ ، بأقسامها القديمة والجديدة .
أنّ للإقامة والعبادة في حائر أبي عبد الله (عليه السلام) فضيلة ، كما أنّه من جملة المواضع التي يخيّر فيها المسافر بين الصلاة قصراً أو تماماً، وللعلماء فيها آراء مختلفة [ بحار الأنوار 86: 88 ، المزار للشيخ المفيد: 140] .

كما ويطلق على أهالي كربلاء ومن يسكن إلى جوار الصحن الشريف اسم (الحائري) .
أمّا المناسبة التاريخية التي دعت إلى إطلاق هذا الاسم على صحن الشهداء فهي أنّ المتوكّل العباسي لما أمر بهدم القبر ومحو آثاره وتفريق جموع الشيعة من حوله ، لأنه كانت بمثابة مصدر إلهام يشكل خطراً عليهم ، أجروا الماء على موضع القبر ، إلاّ أنّ الماء حينما بلغ ذلك الموضع توقف وتجمع وبقي حائراً في مكانه ، وتراكم حول القبر حتى صار كالجدار ، فيما بقيت باحة القبر جافة [ الإعلام للزركلي30:8 (الهامش)، بحار الأنوار 50: 225، سفينة البحار 1: 358] ، ولما كان موضع تجمع الماء يسمى حائراً ، فقد اتخذت باحة القبر هذا الإسم أيضاً .
وقد سبق للإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) أن نزل هذه الأرض أثناء سفره إلى حرب صفين ، وشوهد فيها متأمّلاً فيما بها من أطلال وأثار ، فسئل في ذلك فقال : إن لهذه الأرض شأناً عظيماً ؛ فها هنا محطّ ركابهم ، وها هنا مهراق دمائهم ، فسُئل عن ذلك فقال : ثِـقْـلٌ لآل محمد ينزلون ها هنا.
يبدأ تاريخ كربلاء كمدينة مقدسة في 12 محرم من عام 61 هـ بعد واقعة الطف بيومين ، حيث دفن بنو أسد الجسد الطاهر للإمام الحسين (عليه السلام) وأخيه أبي الفضل العباس (عليه السلام) وصحبه الميامين (عليهم سلام الله جميعا) .


وقد توسعت المدينة عمرانياً من خلال توسع الضريح والإهتمام به عبر الفترات التاريخية اللاحقة .
* ففي سنة 247 هـ أعاد المنتصر العباسي بناء المشاهد في كربلاء ، وبنى الدور حولها بعد قتل أبيه المتوكل الذي عبث بالمدينة وهدم مافيها ، ثم استوطنها أول علوي مع ولده ، وهو السيد ابراهيم المجاب الضرير الكوفي بن محمد العابد بن الامام موسى الكاظم (عليهم السلام) .
* وفي سنة 372 هـ شيد أول سور للحائر وقد قدرت مساحته 2400 م2.
* في سنة 412 هـ أقام الوزير - الحسن بن الفضل بن سهلان الرامهرمزي - السور الثاني للمدينة ، ونصب في جوانبه أربعة أبواب من الحديد .
* في سنة 941 هـ زار الشاه اسماعيل الصفوي كربلاء ، وحفر نهراً دارساً وجدد وعمر المشهد الحسيني .
* سنة 953 هـ أصلح سليمان القانوني الضريحين ، فأحال الحقول التي غطتها الرمال إلى جنائن .
* في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي زار أحد ملوك الهند كربلاء - بعد حادثة الوهابيين سنة 1216 هـ - وبنى فيها أسواقا جميلة وبيوتا ، أسكنها بعض من نكبوا ، وبنى سورا منيعا للبلدة .
* سنة 1217 هـ تصدى السيد علي الطباطبائي - صاحب الرياض - لبناء سور المدينة الثالث بعد غارة الوهابيين ، وجعل له ستة أبواب عرف كل باب باسم خاص .
* في سنة 1285 هـ 1868 م وفي عهد المصلح - مدحت باشا - بنيت الدوائر الحكومية ، وتم توسيع واضافة العديد من الأسواق والمباني ، وهدم قسماً من سور المدينة من جهة باب النجف ، وأضاف طرفاً آخر الى البلدة سميت بمحلة - العباسية - .

* سنة 1860 م تم إيصال خطوط التلغراف ، واتصال كربلاء بالعالم الخارجي .
* سنة 1914 م وبعد الحرب العالمية الأولى ، أنشئت المباني العصرية والشوارع العريضة ، وجففت أراضيها وذلك بإنشاء مبزل لسحب المياه المحيطة بها .


تضم مدينة كربلاء الكثير من المراقد والمقامات المقدسة التي تزار في مناسبات عديدة :
مرقد السيد إبراهيم المجاب (عليه السلام) ، مرقد حبيب بن مظاهر الأسدي ، ضريح الشهداء من أصحاب الحسين (عليهم السلام) ، والقاسم بن الحسن (عليه السلام) .
ومن المقامات والأماكن التي يتبرك بها الزوار: ـ نخل مريم ، مقام الحر بن يزيد الرياحي (عليه السلام) ، المخيم الحسيني ، مقام الإمام المهدي (عج) ، مقام تل الزينبية ، مقام الكف الأيمن للعباس (عليه السلام) ، مقام الكف الأيسر للعباس (عليه السلام) ، مقام الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ، مقام عون بن عبدالله ، مقام بن حمزة ، مقام الحسين وابن سعد ، مقام ابن فهد الحلي ، مقام فضة ، مقام الإمام علي (عليه السلام) ، مقام موسى بن جعفر (عليه السلام) ، مقام علي الأكبر (عليه السلام) ، مقام رأس الحسين (عليه السلام) ، مقام أم البنين (عليه السلام) ، مقام الأخرس بن الكاظم (عليه السلام) .
---------------------------------

مراجعة وضبط النص شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي (بتصرف) .

  15
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      السيد حسين الطباطبائي البروجردي
      السيد صدر الدين الصدر
      الشيخ محمد الفيض القمي
      الشيخ محمد كاظم الشيرازي
      السيد أبو الحسن الموسوي الإصفهاني
      الشيخ عباس القمي
      مكة المكرمة (غدير خم)
      معجم الرموز الشيعية... كربلاء المقدسة
      عبد الله بن سبأ ونشأة التشيع
      14 ربيع الآخر.. ذكرى ثورة المختار

 
user comment