عربي
Monday 18th of December 2017
code: 90030
الامام الخميني والوحدة الاسلامية

لا يأتي المرء بجديد إذا ذهب إلى القول بأنّ الحقبة الزمنية التي شهدت البعثة المباركة لخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنوات عمره المعطاءة القصيرة كانت تشكل بحد ذاتها انعطافاً رهيباً وتحولاً كبيراً في حياة البشرية، في وقت شهد فيه الخط البياني الدال على مدى الابتعاد المتسارع عن المنهج السماوي وشرائعه المقدسة انحداراً عميقاً وتردياً ملحوظاً أصبح من العسير على احد تحديد مدى انتهائه وحدود أبعاده.
بلى، انّ مجرد الاستقراء المتعجّل لأبعاد التحول الفكري والعقائدي في حياة البشرية عقيب قيام هذه الدعوة السماوية في أرض الجزيرة - المسترخية على رمال الوهم والخداع وسيل الدم المتدافع - يكشف وبلا تطرّف ومحاباة عظم ذلك التأثير الإيجابي الذي يمكن تحديد مساره من خلال رؤية التحول المعاكس في كيفية التعامل اليومي مع احداث الحياة وتطوراتها، وبالتالي في فهم الصورة الحقيقية لغاية خلق الإنسان ودوره في بناء الحياة.
كما أنّ هذه الحقائق المجسّدة تكشف بالتالي عن عظم الجهد الذي بذله صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم في تحقيق هذا الأمر وتثبيت أركانه، في وقت شهدت فيه البشرية جمعاء ضياعاً ملحوظاً في جميع قيمها ومعتقداتها، وخلطاً وتزييفاً مدروساً في مجمل عقائدها ومرتكزات أفكارها، كرس بالتالي مسارها المبتعد عن الخط السماوي ومناهجه السوية .
وأنّ أي استعراض لمجمل القيم السائدة آنذاك - والتي كانت تشكل المعيار الاساسي والمفصل المهم الذي تستند اليه مجموع السلوكيات الفردية والجماعية وتشذّب من خلاله - يكشف عن عمق المأساة التي كانت تعيشها تلك الأُمم في تلك الأزمنة الغابرة.
فمراكز التشريع الحاكمة آنذاك - والتي تعتبر في تصور العوام وفهمهم مصدر القرار العرفي والشرعي المدير لشؤون الناس والمتحكم بمصائرهم ومسار تفكيرهم - تنحصر في ثلاثة مراكز معلومة أركانها الأساسية: اليهود بما يمتلكونه من طرح عقائدي وفكري يستند الى ثروات طائلة كبيرة، والصليبيون بما يشكلونه من قوة مادية ضخمة تمتد مفاصلها ومراكزها الى أبعد النقاط والحدود، وأصحاب الثروة والجاه من المتنفّذين والمتحكمين في مصائر الناس.
ومن هنا فان كل الضوابط الأخلاقية والمبادئ العرفية والعلاقات الروحية والاجتماعية كانت تخضع لتشذيب تلك المراكز وتوجيهها بما يتلاءم وتوجهاتها التي لا تحدها أي حدود.
إنّ هذه المراكز الفاسدة كانت تعمل جاهدة لان تسلخ الإنسان من كيانه العظيم الذي اراده الله تعالى له، ودفعه عن دوره الكبير الذي خلق من أجله عندما قال تعالى للملائكة: { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرضِ خَلِيفَةً} بل تعمل جاهدة لأن تحجب تماماً رؤية هذه الحقيقة العظيمة عن ناظر الإنسان ليبقى دائماً بيدقاً أعمى تجول به أصابعهم الشيطانية لتنفيذ أفكارهم المنبعثة من شهواتهم المنحرفة.
وأمّا ما يمكن الاعتقاد به من بقايا آثار الرسالات السابقة، فلا تعدو كونها ذبالات محتضرة لم تستطع الصمود امام تيارات التزييف والكذب والخداع التي مسخت صورتها الى ابعد الحدود.
نعم بُعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوم خير تعبير عنهم قول جعفر بن أبي طالب للنجاشي: أيها الملك كنّا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف.
هذا في الوقت الذي كانت فيه مراكز القوى تلك تتضخّم وتتعاظم على حساب ضياع البشرية وموت مبادئها.
وهكذا فقد كانت الدعوة الإسلامية الفتيّة وصاحبها صلى الله عليه وآله وسلم في مواجهة هذه المراكز بامتداداتها الرهيبة وقدراتها العظيمة، والتي شكلت أعنف مواجهة شرسة وقتال ليس له مثيل صبغ أرض الجزيرة ورمالها الصفراء، بلون أحمر قاني لسنوات لم يعرف فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخيرة أصحابه للراحة طعماً وللسكون مسكناً.
إنّ تلك الحصون المليئة بالشر والخراب لم تتهاوَ إلاّ بعد جهد جهيد وسيل جارف من الدماء الطاهرة التي لا توزن بها الجبال، من رجال اوقفوا انفسهم وأرواحهم من أجل هذا الدين وصاحبه صلى الله عليه وآله وسلم.
إستطاع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقيم حكومة الله تعالى في الأرض وأن يثبِّت فيها الأركان على أساس الواقع والوجود، فلم تجد آنذاك كل قوى الشرّ بدّاً من الإختباء في زوايا العتمة والظلام تتحيّن الفرص السانحة والظروف الملائمة للانقضاض على هذا البنيان الذي بدأ يزداد شموخاً وعلوّاً مع تقادم السنين.
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدرك عياناً أنّ نقطة ضعف هذه الأمّة يكمن في تفرّقها وفي تبعثر جهودها ممّا سيمكن من ظهور منافذ مشرعة في هذا البنيان الكبير لا تتردد أركان الكفر وأعداء الدين المتلوّنين والمتسترين من النفوذ خلالها والتسلل بين أهلها، وفي ذلك الخطر الاكبر. ولذا فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصرّح ويحذّر من افتراق أُمّته، ويلوح للمفترقين بالنار والجحيم.
بيد أنّ ما حذّر منه صلى الله عليه وآله وسلم وما كان يخشاه، بدت أوّل معالمه الخطرة تتوضح في اللحظات الأولى لرحيله صلى الله عليه وآله وسلم وانتقاله الى عالم الخلود، وعندها وجد أعداء هذا الدين الفرصة مؤاتية للولوج الى داخل هذا البناء والعمل على هدمه بمعاول اهله لا بمعاولهم هم.
فتفرّقت هذه الأُمّة فرقاً فرقاً وجماعات جماعات، لا تتردد كل واحدة من أن تكفّر الأخرى وتكيل لها التهم الباطلة والافتراءات الظالمة، وانشغل المسلمون عن أعدائهم بقتال إخوانهم والتمثيل بأجسادهم، وحل بالأمّة وباء وبيل بدأ يستشري في جسدها الغض بهدوء دون أن تنشغل بعلاجه.
نعم بعد هذه السنين المرة من الفرقة والتشتّت بدأ المسلمون في أخريات المطاف يلعقون جراحاً خلّفتها سيوف إخوانهم لا سيوف أعدائهم في حين ينظر اليهم أعداؤهم بتشفّ وشماتة.
إنّ ما حلّ بالمسلمين من مصائب وتخلّف في كافة المستويات اوقعتهم في براثن المستعمرين أعداء الله ورسله يعود الى تفرق كلمتهم وتبعثر جهودهم وتمزّق وحدتهم، ولعل نظرة عاجلة لما يجري في بقاع المعمورة المختلفة يوضّح لنا هذه الصورة المؤلمة والمفجعة، فمن فلسطين مروراً بلبنان وأفغانستان، والبوسنة والهرسك، والصومال وغيرها وغيرها مشاهد مؤلمة لنتائج هذا التمزّق والتبعثر.
وإن كان من كلمة تقال فإنّ للجهود المخلصة الداعية إلى الالتفات إلى مصدر الداء لا أعراضه فقط الثقل الأكبر في توقي غيرها من المضاعفات الخطيرة التي تتولد كل يوم في بلد من بلاد المسلمين لا في غيرها.
ولا نغالي إذا قلنا بأنّ للجمهورية الإسلامية في إيران ومؤسّسها الإمام الخميني - رضوان الله تعالى عليه - الفضل الأكبر في تشخيص موضع الداء وتحديد موطنه.
ولعل الإستقراء المختصر لجمل توجيهات الإمام - رحمه الله - طوال حياته ولسنين طويلة يدلّنا بوضوح على قدرته التشخيصية في وضع يده على موضع الداء ودعوته الى الالتفات الى ذلك، لا إلى الإنشغال بما عداه.
فمن نداء له - رحمه الله - إلى حجاج بيت الله الحرام في عام ( 1399 هجري) قال: ومن واجبات هذا التجمع العظيم دعوة الناس والمجتمعات الإسلامية إلى وحدة الكلمة وإزالة الخلافات بين فئات المسلمين، وعلى الخطباء والوعّاظ والكتّاب أن يهتمّوا بهذا الأمر الحياتي ويسعوا إلى إيجاد جبهة للمستضعفين للتحرر بوحدة الجبهة ووحدة الكلمة وشعار (لا إله إلاّ الله) من أسر القوى الأجنبية الشيطانية والمستعمرة والمستغلة، وللتغلب بالاخوة الإسلامية على المشاكل.
يا مسلمي العالم، ويا أتباع مدرسة التوحيد رمز كل مصائب البلدان الإسلامية هو اختلاف الكلمة وعدم الإنسجام، ورمز الانتصار وحدة الكلمة والإنسجام، وقد بيّن الله تعالى ذلك في جملة واحدة: {وُاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} والاعتصام بحبل الله تبيان لتنسيق جميع المسلمين من أجل الإسلام وفي اتجاه الإسلام ولمصالح المسلمين، والإبتعاد عن التفرقة والإنفصال والفئوية التي هي اساس كل مصيبة وتخلّف.
وقال - رحمه الله - في كلمة له مع وفد من كبار علماء الحرمين الشريفين(1399 هجري): رمز انتصار المسلمين في صدر الإسلام كان وحدة الكلمة وقوة الإيمان.
لو كان ثمة وحدة كلمة إسلامية، ولو كانت الحكومات والشعوب الإسلامية متلاحمة فلا معنى لان يبقى ما يقارب مليارد إنسان مسلم تحت سيطرة القوى الأجنبية، لو أنّ هذه القدرة الإلهية الكبرى تقترن بقوة الإيمان ويسيروا جميعاً متآخين على طريق الإسلام فلا تستطيع أية قوة أن تتغلب عليهم.
وأكّد - رحمه الله - على مغزى سر انتصار المسلمين في صدر الإسلام الأوّل رغم قلّة عددهم وتواضع امكانياتهم، وانكسارهم في الوقت الحاضر مع عظم امكانياتهم وكثرة عددهم بقوله:
يا مسلمي العالم ماذا دهاكم فقد دحرتم في صدر الإسلام بعدة قليلة جداً القوى العظمى وأوجدتم الأُمّة الكبرى الإسلامية الإنسانية، واليوم وأنتم تقربون من مليارد إنسان وتملكون مخازن الخيرات الكبرى التي هي أكبر حربة تقفون أمام العدو بمثل هذا الضعف والإنهيار، أتعلمون أنّ كلّ مآسيكم تكمن في التفرقة والاختلاف بين زعماء بلدانكم وبالتالي بينكم أنتم أنفسكم.
وقال أيضاً: إثارة الاختلافات بين المذاهب الإسلامية من الخطط الإجرامية التي تدبرّها القوى المستفيدة من الخلافات بين المسلمين، بالتعاون مع عملائها الضاّلين بمن فيهم وعاظ السلاطين المسودة وجوههم أكثر من سلاطين الجور أنفسهم، وهؤلاء يؤججون نيران هذه الاختلافات باستمرار، وكل يوم يرفعون عقيرتهم بنعرة جديدة، وفي كل مرحلة ينفذون خطة لإثارة الخلافات، آملين بذلك هدم صرح الوحدة بين المسلمين من أساسه.
وهكذا فإنّ الصورة تبدو أكثر وضوحاً عند قراءة سلسلة خطب الإمام الخميني وتوصياته المستمرة الى عموم المسلمين وخصوصاً في مواسم الحج التي تشكّل أفضل تجمّع إسلامي تشارك فيه أعداد ضخمة من المسلمين ومن شتّى بقاع المعمورة في مؤتمر ضخم لابد من أن يكرِّسه المسلمون لتدارس أُمورهم وعلاج مشاكلهم ومناقشة معتقداتهم، حيث أنّ الإمام - رحمه الله - كان يواظب على إثارة هذه الأُمور الحساسة والمهمة في حياة الإسلام والمسلمين، ولم يدخر في ذلك جهداً.
كما أنّ الإطلاع على فتاوى الإمام - رضوان الله تعالى عليه - يكشف بوضوح عمق توجهه الى هذا الأمر الحيوي والدقيق، وتأكيده عليه.
فمن توجيهاته - رحمه الله - إلى الحجاج نورد هذه الملاحظات المختصرة.
قال: يلزم على الإخوة الإيرانيين والشيعة في سائر البلدان الإسلامية أن يتجنّبوا الأعمال السقيمة المؤدّية إلى تفرقة صفوف المسلمين، ويلزم الحضور في جماعات أهل السنّة، والإبتعاد بشدة عن تشكيل صلاة الجماعة في المنازل ووضع مكبّرات الصوت بشكلٍ غير مألوف وعن إلقاء النفس على القبور المطهرة وعن الأعمال التي قد تكون مخالفة للشرع.
يلزم ويجزي ( أي يكفي) في الوقوفين متابعة حكم القاضي من اهل السنّة، وإن حصل لكم القطع بخلافه.
على عامّة الإخوة والأخوات في الدين أن يلتفتوا إلى أنّ واحداً من أهم أركان فلسفة الحج إيجاد التفاهم وترسيخ الإخوة بين المسلمين.
وغير ذلك من الفتاوى المهمّة التي ندعو جميع المسلمين إلى مطالعتها والتأمّل فيها.
وعلى هذا الخط المبارك واصلت الجمهورية الإسلامية مسارها في الدعوة إلى وحدة كلمة المسلمين بعد رحيل الإمام الخميني - رضوان الله تعالى عليه - وأخذت تؤكد عليه في كل مناسبة ومكان على لسان قائدها سماحة آية الله السيد علي الخامنئي - حفظه الله - وباقي مسؤوليها، ولم تدّخر جهداً في العمل على اقامة هذا الأمر الشرعي المهم والدفاع عنه، من خلال توجيهاتها المستمرة في هذا المنحى او دعمها غير المحدود لكل الجهود المخلصة في هذا الميدان.
وأخيراً.. فإنّ هذا الكتاب المائل بين يدي القارئ الكريم - وهو بقلم الباحث القدير الشيخ جعفر السبحاني - دعوة للتأمّل ضمن الحدود التي أشرنا اليها في حديثنا، وهي بالتالي تعكس صورة صادقة عن حجم الهجمة الكافرة التي ارادت تمزيق الأُمّة ودفعها الى التشتت، وبيان ما اخذت من مساحة واسعة في فكر هذه الأمُة ومعتقداتها.
بل لسنا في معرض الدفاع عن الوجود المقدس لهذه الشريعة السماوية فحسب، بل ابتغينا إزاحة اللثام وإماطة الخبث عن الدسائس الخبيثة التي تريد بالأمّة الهلاك.
وقد قامت معاونية شؤون التعليم والبحوث بنشره، حتى يعم نفعه ويتعرف المسلمون على الشيعة عن كثب.
المصدر :
راسخون 2015

 


source : راسخون
user comment
 

آخر المقالات

  الثقافة واللغة
  العلم والدین
  التوحيد ونفي التشبيه
  زيد بن علي بن الحسين
  أنس بن الحارث الكاهلي
  شبهات حول الرجعة
  الاشاعـرة
  الانسان والاديان
  للرجعة احکام
  مواعظ وحكم لعلي عليه السلام