عربي
Saturday 25th of November 2017
code: 89805
في رحاب نهج البلاغة (الإسلام والإمام علي عليه السلام) – الأول

السيد محمّد أمير امام

إنّنا نعيش في الكون ذي الأسرار والغموض وعلى رغم شعورنا وادراكنا بواسطة العلوم الطبيعية، هذا العلوم لا تخبرنا بالتأكيد عن الأسرار والغوامض وكما قال إيليا أبو ماضي، شاعر المهجر الأكبر:
جئتُ لا أعلم من أين ولكنّي أتيتُ
كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟ لستُ أدري
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود...
أتمنّى أنني أدري ولكن لستُ أدري [١]
وهذه الكلمات تذكرني بما قاله مولانا وسيدنا علي بن أبي طالب عليهما السلام: "من ترك قول(لا أدري)أصيبت مقاتله" [٢].
وقال الشيخ محمّد عبده في شرحه لهذه الكلمات: "أي مواضع قتله، لأنّ مَن قال ما لا يعلم عُرف بالجهل، ومَن عرفه الناس بالجهل مقتوه فحرم خيره كلّه فهلك". فأسأل نفسي "ما سرّ وجودي وسرّ وجود الكون؟" أي ما هو السر الحقيقي وجوهره الذي اسمّيه "سرّ أسرار الوجود" وإنّي اردّ آراء بعض علماء الطبيعات والحياة الذين يقولون ان الوجود ـ أي وجود الكون ووجود البشرية ـ لا معنى له ولا غاية، لأن هذه الآراء تبطل البحث مطلقاً في كل الأنحاء العلمية والمناهج الفكرية ولا سيّما في معاني الأخلاق ومقاصد المجتمع البشري.

ومن آمن باللّه وبالغيب يعترف أنه لا يدري ما هوالغيب ولكن مع هذا كلّه يؤمن أن للكون مكوّناً وللخلق خالقاً، وكما ورد في حديث الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم): "ما عرفناه حق معرفته" وهكذا ينجي نفسه من الاستكبار والمزاعم الباطلة، وإيمانه بهذه الآيتين الكريمتين وثيق، إذ قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآيات لأُولِي الأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ) [٣].
وكما نعرف فإن جميع الرسل والأنبياء أرسلهم اللّه بالتنزيل من عنده إلى المجتمع البشري من آدم ونوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى المسيح ومحمّد المصطفى (صلوات اللّه عليهم أجمعين) ليبلغوا إلى البشرية رسالته في تقديس الوجود والحياة بمناسبة نسبة المخلوق إلى الخالق، لأننا نعرف أن حدوث العالم والكون مستحيل بدون المحدِث، والمحدَث يحتاج إلى المحدِث لحدوثه ولهذه النسبة بين الموجد والجود والموجود تلزم حرمة المخلوق والحياة.

ونعرف أيضاً أن الأشياء والأنفس كلّ منها عاجز عن إيجاد نفسه لأجل القانون العقلي أن لا شيء لا يوجد شيئاً، ولا يوجد شيء من لا شيء، وأيضاً قانون تحفّظ المادة والقوة الطبيعية يبعد أوعلى الأقل يستبعد إيجاد الشيء أوالنفس بنفسه، فاعتبار الخلق من دون الخالق لا يخلو من أحد أمرين، أما حدث الخلق بنفسه، وذلك كما جادلنا باطل، وإما أن يبقى ويدوم الخلق بلا أمد من الأزل إلى الأبد، وأزليّة الخلق وأبديته تستلزم اللاّنهائية في اعتبار الاُمور والأشياء وهذا فكر لا يُتصور ولا يُتوهم فيناسب هذا لذات الخالق أي لذات اللّه سبحانه وتعالى فقط الذي ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) [٤].
وعلى هذا القياس المعقول والأساس المنصوص قال مولانا وسيدنا علي بن أبي طالب عليهما السلام أنّ "التوحيد أن لا تتوهمه" [٥]، وبعده قال(عليه السلام): "والعدل أن لا تتّهمه" [٦] .

وهذان ـ أي التوحيد والعدل ـ من أركان ديننا ومن أصوله الأساسية ويتصلان بسلسلة بلا انقطاع إلى الرسالة المسيحية والشريعة الموسوية وبعدها إلى سفر أيوب النبي الذي كان يعاصر (كما رواه المسعودي في "المروج") النبي يوسف [٧].

وسفر أيوب يبحث في مسائل التوحيد والعدل وبالآلام والمصائب التي تصيب الإنسان ويسأل "هل هذه الآلام والمصائب من جانب اللّه، وهل يجوز هذا العمل في العدل الإلهي؟!" فبهذه المسائل وبالأجوبة التي تحلها وبرسالة التوحيد والعدل تتصل السلسلة الروحانية والدين المنزّل من إبراهيم خليل اللّه وموسى كليم اللّه إلى عيسى المسيح روح اللّه ومحمّد المصطفى حبيب اللّه بلا انقطاع ولا عدول عن الصراح المستقيم.
وبين سفر أيوب وأفكاره في التوحيد والعدل وبين أقوال الإمام علي(عليه السلام)وخطبه وكلماته ووصاياه وهداياه ورسائله ومكتوباته وعهوده، صراط مستقيم دون انقطاع وعدول عن الدين المنزّل، تمّ تكميل الدين المنزّل برسالة محمّد بن عبد اللّه المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) وبإلهام الإمام على بن أبي طالب(عليه السلام).
وأشار إلى هذه الحقيقة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه في حديث رواه إمام الحنابلة أحمد بن حنبل عن أبي سعيد الخدري وأيضاً رواه الخوارزمي بإسناده عن أبي ذكر الغفاري عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، أن علياً(عليه السلام) يقاتل على تأويل القرآن بعد الرسول كما قاتل الرسول نفسه على تنزيل القرآن [٨].
كما قلتُ، انّ التوحيد والعدل هما معاً أصل أصول الدين وركن أركانه وأيضاً التوحيد والعدل ليسا صفتين مختلفتين ولا متنوعتين بل مثل صفات اللّه الأخرى، العدل متحد بالتوحيد في وحدة اللّه لأن الوحدة لا تسمح ولا تجوز التعدّد، لا فهماً ولا وهماً; إنّ وحدة اللّه منشأ ومصدر لجميع صفات اللّه وهي كلّها تنبعث من الوحدة الإلهية، أي من التوحيد، ليس فيه أي مجال أومنال لتدخل التعدّد لا فهماً ولا وهماً، وحتى في صفة التوحيد نفسها أيضاً أي مفهوم أوموهوم من معاني التعدد ممنوع.

وفي هذا الموضوع يجدر أن نتذكر قول مولانا وسيدنا علي بن أبي طالبعليهما السلام: "الحمد للّه الدال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليّته، وباشتباههم على أن لا شبه له... الأحد لا بتأويل عدد... " [٩].
وقال (عليه السلام) أيضاً: "الحمد للّه الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد... واحد لا بعدد ودائم لا بأمد..." [١٠].
فكما قال (عليه السلام) الخلق دالّ على وجود الخالق وحدوث الخلق دال على أزليّة الخالق، وتنزّه الخالق عن مجانسة مخلوقاته يدل على أن ليس كمثله شيء أو نفس لأنه هو خالق الكل والاشتباه بين المخلوقات ينزّه الخالق عن المخلوق، حتى صفة توحيد الخالق لا تشبه العدد.
أما صفة العدل الإلهي وصفة التخليق فهما توأمان لأن من يخلق الخلق ويرزق الخلق ويرأف بهم لا يمكن أن يظلم كما قال سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ ) [١١].

وفي القرآن المجيد برهان مبين على صفة رأفة اللّه لأن في ابتداء كل سورة إلاّ سورة براءة، تذكير لنا أن اللّه رحمن رحيم. فبالجملة كل من صفات اللّه تعالى تنبعث هكذا من صفة التوحيد وصفة العدل، التوحيد منبع التخليق والتخليق ينشئ الرأفة والتخليق والرأفة يقتضيان العدل، ولكن كل هذه الصفات تقتضي من البشرية الأعمال التي تناسبها حتى تستحق الرأفة من الخالق العادل الرؤوف كما نقرأ في كتاب اللّه ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوء تَوَدُّ لَوأَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ) [١٢].
والصفات الأخرى التي تتعلّق بالتوحيد والتخليق والعدل، كالحكمة والعلم والحلم، منبعثة أيضاً الأخرى من الاُولى ولكن كلّ هذه الصفات الإلهية ليست كالصفات البشرية لأنها منبعثة من صفة التوحيد، والتوحيد كما نعرف من قول مولانا وسيدنا الإمام علي المرتضى ابن أبي طالب(عليه السلام)، ما لا نستطيع أن نتوهمه، قال (عليه السلام): "التوحيد أن لا تتوهمه والعدل أن لا تتهمه".
ونعرف أيضاً أن تأويل الإمام في هذه المسائل الدينية مبني على التنزيل من عند اللّه إلى رسوله محمّد المصطفى ابن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ونعلم أيضاً أن الإمام علياً المرتضى(عليه السلام) تعلّم علوم الدين من القرآن المجيد ومن تعاليم الرسول الأكرم الأعظم محمّد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالأنوار الإلهية والأضواء النبوية تطلع من كلام مولانا وسيدنا الإمام على المرتضى صلوات اللّه وسلامه عليه. وعلى الأسس والأصول الدينية والتنزيلية، مثلنا نقرأ في الآية الكريمة ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )، يرتكز التأويل الإلهامي الذي نجده في الأفكار العلوية في الخطبة الاُولى في نهج البلاغة: " أوّل الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص له وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه... فمَن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ومَن قرنه فقد ثنّاه ومَن ثنّاه فقد جزّأه ومَن جزّأه فقد جهله ومَن جهله فقد أشار إليه ومَن أشار إليه فقد حدّه ومَن حدّه فقد عدّه..." [١٣].
إنّ معرفة الخالق صعبة جداً على المخلوق لأنه شتّان بين شأن الوجود الواجب وشأن الوجود الممكن! وشتّان بين المطلق والمقيد! وشتان بين الأزلي الأبدي الدائم الباقي القديم والحادث الفاني الهالك الزائل الزماني! وأشار إلى تعسّر هذا الأمر، أي معرفتنا بالخالق، أي خالقنا وخالق الكون والوجود وخالق مطلق، رسولنا الأكرم الأعظم محمّد المصطفى ابن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قال فيدعواللّه: "ما عرفناك حق معرفتك". وتلميذه وأخوه ووصيّه وصهره الإمام علي المرتضى ابن أبي طالب (عليه السلام) يقول: " إنّ أوّل الدين معرفته "، لا ليُسر هذا الأمر بل لأوّليته على رغم عسره! وفي قول آخر يقول الإمام (عليه السلام) إن الاخلاص أي التنزيه يقتضي نفي الصفات عنه، أي نفي الصفات كما نتصور ونتفهم الصفات لأنّ جميع صفات اللّه سبحانه تعالى، مثل صفة التوحيد، تتنزّه وتترفع عن التوهم البشري، كما قال الإمام علي(عليه السلام): "التوحيد أن لا تتوهمه" وأيضاً قال الإمام (عليه السلام): "إنّ اللّه أحد لا بتأويل عدد" أي لا بمعنى العدد لأننا نستطيع بهذا الوصف تثنيته وتجزئته، ونعوذ باللّه أن نرد إلى هذا الانتهاء من الجهل وظلمة الكفر!
وكما اتضح في شرح نهج البلاغة للشيخ محمّد عبده، جزاه اللّه أحسن الجزاء، "جهله أي جهل أنه منزّه عن مشابهة الماديّات مقدّس عن مضارعة المركبات. وهذا الجهل يستلزم القول بالتشخيص الجسماني ويستلزم صفة الاشارة إلى تعالى اللّه عن ذلك"  [١٤].

 وكما نعرف فإن الآية الكريمة لا تجوّز تحدد اللّه في أي مكان أوزمان ولا تعديده حتى بعدد الأحد بتأويل عدد لأن اللّه موجود في كل مكان وفي كل زمان ولا بتخصيص أي مكان أو زمان تبارك وتعالى سبحانه كما قال: ( وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ) [١٥].
فمَن هوموجود في كل مكان وفي كل زمان لا يمكن الاشارة إليه ولا تحديده الزماني أوالمكاني ولا تعديده حتى بعدد الأحد بتأويل العدد، وهذا هو المعنى الروحاني الذي ينطوي عليه قول الإمام علي المرتضى: "التوحيد أن لا تتوهمه".

وهذا الإيمان بالتوحيد مع التنزيه والتجليل يردّ كل نوع من أنواع المعتقدات التجسيمية مع خرافاتها، ويصوننا من ظلمات الجاهلية. لأننا إن نتوهم إلهنا على أشكالنا وهيئاتنا وإن نقسه على أنفسنا يسقط قدره وتنحط منزلته عندنا ومعه نستكبر أنفسنا فنصير كإبليس إذ ( أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ) [١٦].
وكما هوواضح ولا حاجة لبيانه ولا لتوضيحه أنّ الاستكبار من أشدّ وأسوء أنواع الشرك لأن الاستكبار يجعل نفس المستكبر في موضوع المعبود والمستكبر يعبد نفسه بدلا من خالقه وربّه وهذا هووضع الشيء في غير محلّه وهذا هو تعريف الظلم ولعن اللّه الظالمين في القرآن المجيد وأنذرهم بالعذاب الأليم ( وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ ) وإنما ( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) وإنّ العدل من الأوصاف الإلهية، أي الوصف الثاني (بعد الوصف الأوّل أي التوحيد).
وعلى أساس نص ( وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ ) قال الإمام علي(عليه السلام): " والعدل (الإلهي) أن لا تتهمه " لأننا نظلم أنفسنا بسب استكبارنا والاستكبار من أشد وأسوء أنواع الظلم لأنّ ابليس هوالذي أسس أساس الظلم باستكباره، كما قال سيدنا ومولانا الإمام علي (عليه السلام): "فعدو اللّه... سلف المستكبرين، الذي وضع أساس العصبية..." [١٧] .
والعدل نقيض الظلم وأيضاً من العدل تنبعث أوصاف الخالق والرازق، والحكيم والحليم، والرحمن والرحيم، والعليم وهكذا إلى آخرها فجميع هذه الأوصاف تؤكد لنا أن العدل الإلهي هو مصدر هذه الأوصاف بانتهاء جلاله وكماله فلا يتّهم عدله لما تقدم أيدينا! فلعنة الله على الذين لا يؤمنون بتوحيد الله ولا يعتقدون بعدل الله ويظلمون عباد الله وخلقه بسبب استكبارهم وأنانيّتهم وآخر الأمر ينحل المجتمع البشري وتتحلّل الحضارة والثقافة وفي انتهاء الأمر تفقد الآداب والعلوم والإنسانية وتتحول سيرة الإنسان إلى جبلّة الحيوان ( بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) [١٨].
إنّ الإيمان بالتوحيد والعدل، كما اتضحت معانيهما في تأويل الإمام علي المرتضى(عليه السلام) للتنزيل القرآني على الرسول الأكرم محمد المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)، قد أخمدا الشرّين في المجتمع أي العصبية، وغايتها الطبيعية أي الملك، في عهد الرسالة الإسلامية كما يقول ابن خلدون في " المقدمة " [١٩].

لكن اشتعل هذان الشرّان من جديد بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وابن خلدون يستصوب ويوافق ويقبلهما معاً ـ أي العصبية والملك ـ على رغم اعترافه بأنّ الله ورسوله ذمّا العصبية والملك وردّاهما. أما رضا ابن خلدون بوجودهما وقبوله لهما فمبنيّ على شدّة اشتغاله وتولّعه بنظريته الاجتماعية الحيوانية التي أسّست أساسها على هذين ـ أي العصبية والملك ـ ففي نظريته إنّ العصبية العائلية القبائلية لازمة للعائلة والقبيلة، وللبطون أيضاً تتركب بها القبيلة كما يتركب البطن من العيايل، فكما واضح وبيّن أنّ كل هذه التراكيب والمركبات الاجتماعية تحصل عن روابط الحسب والنسب والنسل، وابن خلدون نفسه يعترف أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذمّ العصبية وردّها ومنعنا عن التفاخر على أساس الحسب والنسب والنسل [٢٠]: "إنّ الله أذهب عنكم عُبّيَّة (أي الكبر والفخر والنخوة) الجاهلية وفخرها بالآباء، أنتم بنوآدم وآدم من تراب" وقال تعالى ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ ).

وجدناه أيضاً قد ذمّ الملك وأهله ونعى على أهله أحوالهم من الاستمتاع... والاسراف... والتنكب عن صراط الله...
وعلى هذا الأساس والقياس قال الإمام علي(عليه السلام) في خطبته القاصعة: "فأطفؤوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية وأحقاد الجاهلية، فإنّما تلك الحمية تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته... واعتمدوا وضع التذلّل على رؤوسكم، وإلقاء التعزّز تحت أقدامكم، وخلع التكبّر من أعناقكم..."  [٢١].
مع ذلك وعلى رغم جميع هذه الأوامر والنواهي تمرّدت قريش وأبت وتكبّرت عن اطاعة هذا الهدى والرشاد لأنّ العصبية والملك كانا لهم مصادر ثروتهم المالية ومراكز سلطتهم السياسية والاجتماعية وهذان ـ أي العصبية والملك ـ كانا عندهم أهم خطورة من أصنامهم وأوثانهم الثلاثة مائة وخمسة وستين، لهذا السبب وعلى رأس قريش كان رؤساؤهم مثل أبي جهل (عمروبن هشام) وأبي سفيان (صخر بن حرب بن أمية) وكلّهم كانوا ألد أعداء الإسلام ومن أشد المناوئين لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن أعند المخالفين لدعوة التوحيد والعدل، أما الذين أسلموا من قريش فقد تقبّلوا الأوامر والنواهي الإسلامية وأطاعوا الرسول الأكرم في نهيه للعصبية والملك حتّى وفاته، أما بعد وفاته فرجعوا إلى أصلهم الماضي فاشتعلت العصبية في المجتمع العربي من جديد.
أخذت العصبية تشتعل بعد وفاة الرسول سريعاً في الاجتماع في سقيفة بني ساعدة إذ احتجّ أبوبكر وجادل الأنصار على أساس حديث رواه بنفسه حين الاجتماع في السقيفة، وهذا الحديث أنّ "الأئمة من قريش"! ولكن الحديث على ما يظهر، يخالف ماأمر به ونهى عنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في العصبية والملك كما مضى في الرواية السابقة في البحث على "المقدمة" عن ابن خلدون.
وعلى أساس الحديث انّ "الأئمة من قريش" أقام أبوبكر حجّته لاستحقاق قريش الامارة على غيرهم وكما نعلم فإنّ هذا ينافي العدل والانصاف في المجتمع الانساني ويناقض حقوق البشرية. طه حسين يبحث عن هذا الموضوع في كتابه [٢٢] فيقول: "منذ ذلك الوقت نشأت في الإسلام أرستقراطية" وهذا مالا يجوز في أي زمان أو مكان في المجتمع الإنساني ولا في الإسلام أيضاً لأنّه ينافي المساواة الاجتماعية. وبعده يقول طه حسين: "... ينبغي أن نستأني في تحقيق هذه الارستقراطية كما فهمها أبوبكر وأصحابه من المهاجرين وكما فهمتها قريش بعد ذلك... وأكبر الظن أنّهم (أي أبوبكر وأصحابه) إنّما فكروا في المهاجرين الذين سبقوا إلى الإسلام...". وبعده يقول طه حسين: "ولكن قريشاً فهمت قول أبي بكر على غير ما أراده هو وعلى غير ما فهمه أصحابه في ذلك الوقت، فاستيقنت أن الامامة حق لها... ولو قد صحّ فهمها وتأويلها... لكان بنوهاشم أحقّ المسلمين بالإمامة...".
وبعده يستنتج طه حسين من هذا البحث: "ومهما يكن من شيء فقد نشأت هذه الارستقراطية (أي ارستقراطية الطلقاء من بني امية) القرشية فجأة وعلى غير حساب من الناس، وكانت ارستقراطية قد غُلط بها، أراد أبو بكر أن تكون الإمامة في المهاجرين... فحوّلت قريش ذلك فيما بعد إلى منافعها وعصبيّتها، وخرجت بذلك عن أصل خطير من اصول الإسلام وهو المساواة... ولم تكد قريش تخطوهذه الخطوة حتّى اتبعتها خطوة أخرى كان لها أبعد الاثر في حياة المسلمين، وهي تفضيل العرب على غيرهم... انّ استئثار قريش بالخلافة جرّ على المسلمين كثيراً من الفتن...".

وتبيّن في السطور السابقة كيف اُحيِيَت العصبية من جديد وكيف اشتعلت نيرانها بعد خمودها، وتبيّن أيضاً ماكان من العلاقة القريبة والرابطة القوية بين العصبية والملك وكيف كانتا بمنزلة "صنمي قريش" وماكان انهدامهما إلاّ بوسيلة قوّتين روحانيّتين وهما قوة الإيمان بالتوحيد وقوّة الإيمان بالعدل.

فبعد ايحاء صنم العصبية نشاهد في التاريخ ـ أي تاريخ العرب والمسلمين ـ كيف صار احياء صنم الملك وهكذا حصل احياء "صنمي قريش" من جديد، ونستطيع أن نشاهد كيف بدأ هذا الاحياء في الرواية التالية: "ولما لقي معاوية عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عند قدومه إلى الشام في اُبّهة الملك وزيّه من العديد والعدّة استنكر ذلك وقال: أكسروية يامعاوية؟ فقال: ياأمير المؤمنين إنّا في ثغر تجاه العدوبنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب والجهاد حاجة; فسكت ولم يخطئه لما احتجّ عليه بمقصد من مقاصد الحق والدين... " [٢٣].

وكما هو واضح فهذا الاعتذار من جانب معاوية بن أبي سفيان إلى عمر بن الخطاب كان خالياً عن الصدق ومعرّى من الحق والاخلاص كما ينكشف من الرواية التالية في شرح فتح العراق واستخلاص الملك من الفرس: "... وحين ورد الخبر إلى العجم بوصول سعد (ابن أبي وقاص) بالجيش، ندبوا رستم في ثلاثين ألف مقاتل، وكان جيش العرب من سبعة آلاف إلى ثمانية آلاف ثم اجتمع إليهم بعد ذلك ناس فالتقوا، فكان العجم يضحكون من نبل العرب، ويشبّهونها بالمغازل".

"وهاهنا موضع حكاية تناسب ذلك لا بأس بايرادها، حدّثني فلك الدين محمّد بن أيدمر قال: كنت في عسكر الدويدار الصغير لما خرج إلى لقاء التتر بالجانب الغربي من مدينة السلام، في الواقعة العظمى سنة ست وخمسين وستمائة. قال: فالتقينا بنهر بشير من أعمال دجيل، فكان الفارس منّا يخرج إلى المبارزة وتحته فرس عربي وعليه سلاح تام، كأنه وفرسه الجبل العظيم، ثمّ يخرج إليه من المغول فارس تحته فرس كأنّه حمار، وفي يده رمح والرمح كأنّه المغزل وليس عليه كسوة ولا سلاح، فيضحك منه كلّ من رآه، ثم ماتمّ النهار حتّى كانت لهم الكرة، فكسرونا كسرة عظيمة... " [٢٤].

ثم يرجع الرواية إلى فتح العراق واستخلاص الملك من الفرس: "ثم ترددت الرسل بين رستم وسعد، فكان البدوي يأتي إلى باب رستم وهو جالس على سرير الذهب، وقد طرحت له الوسائد المنسوجة بالذهب، وفرش له الفرش المنسوج بالذهب، وقد لبس العجم التيجان واظهروا زينتهم، وأقاموا الفيلة في حواشي المجلس، فيجيء البدوي وفي يده رمحه وهو متقلد سيفه متنكب قوسه فيربط فرسه قريباً من سرير رستم، فيصيح العجم عليه ويهمّون بمنعه فيمنعهم رستم، ثم يستدنيه فيمشي إليه متكئاً على رمحه، يطأ به ذلك الفرش وتلك الوسائد فيخرقها بزُجّ رمحه وهم ينظرون إليه فإذا وصل إلى رستم راجعه الحديث فكان رستم لا يزال يسمع منهم حكم وأجوبة تروعه وتهوله" [٢٥].

فمن هذه الرواية يتضح لنا أنّ اعتذار معاوية بن أبي سفيان كان خدعة قد خدع بها الخليفة عمر بن الخطاب، ولكنّي لا أعتقد أنّ عمر بن الخطاب خُدع بل أنّه سكت لمصالحه السياسية وهو كان رجلاً فطناً وكان أعرف بمصالحه السياسية من معاوية بن أبي سفيان، كما أنّه كان يعرف بأنّ الامويين كانت لديهم الثروة والأموال وكانت سياستهم مبنيّة على أموالهم، وكانوا يشترون تأييد الناس لسياستهم بأموالهم وبثروتهم. وكما قال عظيم المعرة، أي أبوالعلاء المعرّي:

الدهر كالدهر والأيام واحدة ***** والناس كالناس والدنيا لمن غلبا

وفي محل آخر قال أبوالعلاء:

أرائيك، فليغفر لي الله زلّتي ***** بذاك، ودين العالمين رياء

والتاريخ يشهد أن أهل الثروة وأهل المال يخشون المحرومين ويخافون شدّة بطشهم لحرمانهم كما يتضح من الرواية السابقة، فللوقاية من بطش المحرومين وللدفاع عنهم، اشترى معاوية ضمائر هؤلاء الذين كانوا يحتاجون الأموال من عنده وماكان يعطيهم ماطلبوا وسألوا منه في سبيل الله، بل كان عطاؤه لتأييدهم لملكه، فهذا الملك كان الصنم الثاني من صنمي قريش حيث كانت العصبية صنمهم الأوّل! وابن خلدون يحاول بأقصى جهده، حلّ هذه المسائل التي تنشأ من "انقلاب الخلافة إلى الملك": "فقد تبيّن لك كيف انقلبت الخلافة إلى الملك، وأن الأمر كان في أوّله خلافة، ووازع كل أحد فيها من نفسه وهوالدين، وكانوا يؤثرونه على أمور دنياهم وإن أفضت إلى هلاكهم وحدهم دون الكافة... وهكذا كانت أحوالهم في اصلاح دينهم بفساد دنياهم ونحن:

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ***** فلا دينُنا يبقى ولا ما نرقّع

فقد رأيت كيف صار الأمر إلى الملك وبقيت معاني الخلافة من تحرّي الدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق، ولم يظهر التغيّر إلاّ في الوازع الذي كان ديناً ثم انقلب عصبية وسيفاً..." [٢٦].

 إنّ اعتراف ابن خلدون ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذمّ العصبية والملك وردّهما ومن حيث أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان ينطق عن الهوى بل كان ينطق بما يوحى إليه من عند الله عزّ وجلّ، هذا الرّد والتذميم كان من جانب الله سبحانه تعالى ولكن على رغم هذه الحقيقة فإنّ ابن خلدون لا يترك نظريّته الاجتماعية الحيوانية التي تستند إلى الغلبة في السياسة فحسب بدون أيّ انتماء إلى أصول الأخلاق أوالشريعة أوأي قانون إلاّ أنانية المستبد وعصبية رهطه كما قال هو في الفصل السابع عشر، الباب الثاني، في البحث " أنّ الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك " [٢٧]، وحيث هو (ابن خلدون) يقول: "فلابدّ أن يكون (الوازع أوالحاكم) متغلّباً عليهم (على القوم أوالأمة) بتلك العصبية... وهذا التغلّب هوالملك... و... الملك فهوالتغلّب والحكم بالقهر... و... التغلّب والقهر... مطلوب للنفس. ولا يتمّ اقتدارها عليه إلاّ بالعصبية التي يكون مطبوعاً عليها. فالتغلّب الملكي غاية للعصبية كما رأيت" [٢٨].

وما هو بيّن ولا حاجة لبيانه أنّ ابن خلدون استند إلى الحوادث والوقائع التأريخية في المجتمع العربي في نظريّته الاجتماعية الحيوانية، ولا حرج ولا بأس فيه ولكن الحرج والبأس في تأييده بنظريّته للمتسبدين وللّذين يبتغون الإنفراد بالمجد [٢٩]، لأنّ الانفراد بالمجد يدفعهم طبعاً إلى الاستكبار مثل ابليس، أي إلى عمل الشيطان وإلى الظلم والجور.

تأييد ابن خلدون لنظريّته مبنيّ على أهمية العصبية والملك، على رغم اعترافه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذمّهما وردّهما، وهو ما يجرّه إلى حدّ التناقض، وتضل به الأكثرية من السواد الأعظم لالتباس آرائه ولابهام أفكاره.

فمثلاً في بحثه عن التغيّر في الوازع من الدين والضمير البشري إلى العصبية والسيف (أي سيف الملك والتغلّب والسلطة) نرى أنه على رغم اعترافه بهذا التغيّر الأساسي، فهو يصرّ على أنّ معاني الخلافة والدين بقيت بين الناس! فما هي معاني الدين؟ وماهي معاني العصبية؟ وماهي معاني السيف (أي سيف الملك)؟ وماهي معاني الضمير؟ ألا تختلف معاني هذه الكلمات (الدين والضمير، الملك، العصبية والسيف) المختلفة، كلّ الاختلاف، الواحدة عن الأخرى؟ وماهومعنى الشعر الذي تمثّل به ابن خلدون في عبارته السالفة الذكر إذ يقول:

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ***** فلا دينُنا يبقى ولا ما نرقّع

فهذه التناقضات تجرّ ابن خلدون إلى تناقضات أخر، فنراه يستصوب عصبية الأمويين ويؤيد تأييد قريش للأمويين في سعيهم وجهودهم الباطلة للتغلّب والسلطة والملك، على رغم اعترفه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذمّ العصبية والملك، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مأموراً بهذا من جانب الله لأنّه ماكان ينطق عن الهوى بل بوحي يُوحى. فإنّ قيّد ابن خلدون قلمه وحصره على تذكر الشعر الذي يشير إلى الخسران في الدنيا وفي الآخرة، لما ازدادت التناقضات والاضطرابات في أفكاره وعباراته التي تلي الشعر المذكور! لأنّه إذا انقلبت الخلافة إلى الملك وتغيّر الوازع عن الدين والضمير إلى العصبية والملك وسيفهما ـ أي الاستبداد والجور ـ كيف يبقى "التحري بالدين والجري على منهاج الحق"؟! فهذا الانقلاب ـ أي انقلاب الخلافة إلى الملك ـ يذكرنا بالآية القرآنية ( وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوقُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ ) [٣٠].

وإنّ هذه الآية التي تلاها أبوبكر لعمر بن الخطاب لمّا كان يهدّد بعضاً من الناس ويمنعهم عن ذكر وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّه (أي عمر) كان يصرّ على أنّ الرسول لا يُتوفى، فكيف نّسيت هذه الآية لما اشتعلت العصبية (أي العصبية القرشية) في السقيفة وقبل دفن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، والهاشميون مشغولون بدفنه فلم يحضروا في اجتماع السقيفة؟! إلى هذه الوقائع أشار مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين الإمام علي(عليه السلام) كما يلي "واعجباه! أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة؟!" ورُوي له شعر في هذا المعنى:

"فإنّ كنتَ بالشورى ملكت أمورهم ***** فكيف بهذا والمشيرون غيّب

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم ***** فغيرك أولى بالنبيّ وأقرب"

(ويشرح الشيخ محمّد عبده في الذيل): "غُيّب: جمع غائب، يريد بالمشيرين أصحاب الرأي في الأمر وهم عليّ وأصحابه من بني هاشم (وفي الشعر الثاني) يريد احتجاج أبي بكر على الأنصار بأنّ المهاجرين شجرة النبيّ" [٣١] .

ونعرف أن أبا بكر قال في السقيفة " الأئمة من قريش " وما ذكر اسم المهاجرين وجرّ هذا السهوإلى سوء الاستفادة من قريش مكة لا المهاجرين من قريش! وكان هذا السهوخطيراً عنيفاً جداً للمجتمع العربي، كما يقول طه حسين في تأليفه "الفتنة الكبرى: عثمان" فليراجع.

فعرفنا كيف نشأت واشتعلت العصبية من جديد بعد خمودها، وأيضاً كيف تلاها الملك نشوءاً واشتعالاً بحدّته وشدّته، فما كان لأي عامل في المجتمع، سواء كان روحانياً أم مادياً، أن يقاوم هذين الصنمين، صنمي قريش (العصبية والملك) إلاّ بالتوحيد الذي انهدم بتأثيره الصنم الأول (أي العصبية للعشيرة وللقبيلة)، والعدل الذي انهدم بتأثيره الصنم الثاني (أي الاستبداد بالملك) ولولا التوحيد والعدل وتأثيرهما في المجتمع لاستولى صنما قريش ـ أي العصبية لقبيلة قريش وملكهم ـ على الناس بدون أي احتجاج أومقاومة من أي شخص أوجماعة ونتيجة ذلك نسيان المساواة الإسلامية والعدالة الاجتماعية، ولصار المجتمع ونظامه استبدادياً إلى أبد الدهر.

كان استشهاد الإمام علي وأبنائه الحسن والحسين (عليهم السلام) في سبيل الله وللدفاع عن تقديس التوحيد والعدل ولابقاء ذكرهما في ضمائر الناس وفي المجتمع الانساني فكان هذا الصراع بين صنمي قريش ـ العصبية والملك ـ على جانب وعلى الجانب الآخر التوحيد والعدل، أساسيّ للإسلام، ولعب صنما قريش دوراً عنيفاً وشنيعاً فيه كما يشير ذلك أبوالعلاء المعري في "اللزوميات" في "نكر الأيام":

أرى الأيّام تفعل كلّ نكر ***** فما أنا في العجائب مستزيد

أليس قريشكم قتلت حسيناً ***** وصار على خلافتكم يزيد؟! [٣٢]

وأيضاً يرثي أبوالعلاء المعري علياً ونجله، وههنا رثاؤه مع كلمات جورج جرداق في التمهيد: " فالمآسي الكبار حلقات متصلة من سلسلة واحدة صاغها كفر العتاة بالخير وجحود الطغاة لقيم الحياة التي لا تعدلها

قيمة، قال عظيم المعرّة:

وعلى الدهر من دماء الشهيدين ***** عـلـيّ ونـجـلـه شـاهـدانِ

فـهما في أواخر اللّيل فجرانِ ***** وفـي أولـيـاتـه شـفـقـانِ

ثـبتا فـي قميصه ليجيء الـ ***** ـحشر مستعدياً إلى الرحمانِ [٣٣]

كما هو واضح، تاهت أفكار ابن خلدون المضطربة بين اعتقاده بالقرآن المجيد ونظريته المربوطة بصنمي قريش (العصبية والملك) أي بين أصول الإسلام وعُبِّيَّة الجاهلية، فمرة هو يعترف بعلوعلي بن أبي طالب(عليه السلام) وتارةً هو يدافع عن سياسة معاوية بن أبي سفيان ويعتذر لزلاّته في حصول الملك بالعصبية والجور، وتأييد ابن خلدون لعصبية الأمويين يجرّه إلى تفضيل عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير بناءً على اعتقاده بعدالة عبد الملك بن مروان رغم استبداده [٣٤].

أما في مسألة قيام الإمام الحسين بن عليعليهما السلام، فحتى ابن خلدون نفسه يعترف بفضيلة الإمام سبط الرسول وابن فاطمة الزهراء(عليها السلام)، ويرد افتاء القاضي أبي بكر بن العربي المالكي في كتابه "العواصم والقواصم" (أوكما في المنجد في الأعلام : العواصم من القواصم) لأنّه إذا أفتى كان يخبط خبط عشواء، فابن خلدون ردّ عليه كما يلي: "قد غلط القاضي أبوبكر بن العربي المالكي في هذا فقال في كتابه الذي سماه العواصم والقواصم مامعناه أنّ الحسين قُتل بشرع جدّه، وهوغلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومَن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء؟!!" [٣٥].

ولكن ابن خلدون نفسه، ولوأنّه لا يخبط خبط عشواء كالقاضي أبي بكر المالكي، فإنّه لم يزل يتيه مفتوناً في اعتقاده بنظريّته مربوطاً بالعصبية والملك، على رغم اظهار تدينه! فليس عنده ولا عندنا أي أمل أورجاء إلاّ بالاعتقاد في أصل أصول الدين وهوالتوحيد وصفة منبعثة من التوحيد أي العدل كما علّمناهما سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) "التوحيد أن لا نتوهمه والعدل أن لا نتهمه ".

إنّ التوحيد كما تعلّمناه من تعاليم الإمام علي المرتضى(عليه السلام) أرفع من التوهم ومنزّه عن التجسيم، فلا نستطيع أن نقيس الخالق على أنفسنا، والعدل بريء عن التهم وتنحل به البهم لأنّ الخالق سوّى أنفسنا وألهمنا الفرق والامتياز بين الفجور والتقوى، أي ما هو الشر وما هوالخير فإنّنا مسؤولون عن ماتقدمه أيدينا كما نقرأ في القرآن المجيد:(وَنَفْس وَما سَوّاها *فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها *قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها *وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها ) [٣٦].

إنّ التوحيد والعدل (أي العدل الإلهي) اسمان من أسماء الصفة ولكن الحقيقة التي هي سرّ الوجود أوجوهره، هذه الحقيقة واحدة لا بمعنى العدد أو تأويله بل بمعان فوق النطق والمنطق البشري وفيما وراءه، ومع هذا نحن نضطر أن نتكلم ونحكي ونبحث بهذا الموضوع في الإلهيات لتطمئن قلوبنا، ولا بأس فيه لأنّ الأنبياء والرسل سألوا الله ذلك لاطمئنان قلوبهم: ( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) [٣٧].
--------------------------------------------------------------------
[١] . إيليا أبوماضي: شعر ودراسة / زهير ميرزا، دار اليقظة العربية ـ سورية، ص: ٣٨٥.
[٢] . الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، دار المعرفة ـ بيروت، لبنان، ج٤ / ص: ١٩.
[٣] . سورة آل عمران، الآيتان: ١٩٠ ـ ١٩١.
[٤] . سورة الشورى، الآية: ١١.
[٥] . نهج البلاغة، ج٤ / ص: ١٠٨، دار المعرفة، لبنان.
[٦] . المصدر السابق.
[٧] . المسعودي: مروج الذهب، ج١ / ص ٦٠، دار الأندلس ـ بيروت، لبنان. ط ٦، ١٩٨٤م.
[٨] . آية اللّه السيد محمّد هادي الميلاني: قادتنا كيف نعرفهم، ج٢ / الباب ١٦ (علي(عليه السلام) والقتال على تأويل القرآن)، ص: ٧٧ ـ ٧٨ / ط ١، مؤسسة الوفاء ـ بيروت، لبنان.
[٩] . نهج البلاغة، ج٢ / ص ٣٩ ـ ٤٠.
[١٠] . نهج البلاغة، ج٢، ص: ١١٥.
[١١] . سورة آل عمران، الآية: ١٨٢.
[١٢] . سورة آل عمران، الآية: ٣٠.
[١٣] . شرح ابن أبي الحديد، نهج البلاغة، ج١ / ص: ٢٣، دار الهدى ـ بيروت، لبنان.
[١٤] . الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، دار المعرفة ـ بيروت، لبنان، ج١ / ص: ١٥.
[١٥] . سورة البقرة، الآية: ١١٥.
[١٦] . سورة البقرة، الآية: ٣٤.
[١٧] . الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج٢ / ص: ١٣٨، خطبة له(عليه السلام) تُسمى القاصعة.
[١٨] . سورة الفرقان، الآية ٤٤.
[١٩] . ابن خلدون: المقدمة، الصفحات: ٢٤٤ ـ ٢٤٦، ٣٥٨ ـ ٣٨٦.
[٢٠] . ابن خلدون: المقدمة، ج١ / الفصل ٢٨، انقلاب الخلافة إلى الملك، ص: ٣٥٨.
[٢١] . الشيخ محمد عبده: شرح نهج البلاغة، ج٢ / ص: ١٤١.
[٢٢] . طه حسين: الفتنة الكبرى، عثمان، ص: ٣٥ ـ ٣٨.
[٢٣] . ابن خلدون: المقدمة، ج١ / الفصل ٢٨، انقلاب الخلافة إلى الملك، الباب٣، ص: ٣٦٠.
[٢٤] . محمّد بن علي بن طباطبا (المعروف بابن الطقطقي): كتاب الفخري، ص: ٥٧ ـ ٥٨، المطبعة الرحمانية ـ مصر ١٣٥٤ هـ / ٢٩٣٧م.
[٢٥] . المصدر السابق.
[٢٦] . ابن خلدون: المقدمة، ج١ / ف ٢٨، انقلاب الخلافة إلى الملك، باب ٣ / ص: ٣٦٨ ـ ٣٦٩.
[٢٧] . المصدر السابق، ص: ٢٤٤.
[٢٨] . ابن خلدون: المقدمة، ج١ / ف ٢٧، الباب الثاني، في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل، ص: ٢٤٤ ـ ٢٤٥.
[٢٩] . المصدر السابق، ص: ٢٤٤ ـ ٢٤٥.
[٣٠] . سورة آل عمران، الآية: ١٤٤.
[٣١] . الشيخ محمّد عبده: شرح نهج البلاغة، ج٤ / ص: ٤٣ ـ ٤٤.
[٣٢] . أبوالعلاء المعرّي: لزوم مالا يلزم، ج١ / ص: ٣٣٧.
[٣٣] . جورج سجعان جرداق: الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، ج٥، علي والقومية العربية، ص: ٢٢٢ ـ ٢٢٣. دار مكتبة الحياة ١٩٧٠م.
[٣٤] . ابن خلدون: المقدمة، ص: ٣٨٥.
[٣٥] . ابن خلدون: المقدمة، الباب الثالث / ف ٣٠، في ولاية العهد، مقتل الحسين، ص: ٣٨٤.
[٣٦] . سورة الشمس، الآيات: ٧ ـ ١٠.
[٣٧] . سورة البقرة، الآية: ٢٦٠.

يتبع ......

user comment
 

آخر المقالات

  مما یدعی فی ربیع الاول
  حرز النبي ص‏
  عطاء الامام العسکري العلمي
  المنزلة العالية
  نشأة القدر
  مصير الاسلام بعد الرسول
  رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَىٰ
  التصميم علی الزواج
  الأوقاف العامة عند الشيعة
  العلاقات الزوجیة