عربي
Thursday 23rd of November 2017
code: 89596
الثقافة الحسينية والشعر العاشورائي

يقول الشيخ محمد عبدو الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء 1.

لقد أكدت الأحاديث المستفيضة، عن أهمية دور الإمام الحسين عليه السلام مطلق الثورة الكربلائية والواقعة العاشورائية، ويكفي في هذا المقام لتوضيح هذا الدور بأنه الامتداد والبقاء الفعلي للرسالة المحمدية ما قال في حق الإمام الحسين عليه السلام النبي صلى الله عليه و آله :"حسين مني وأنا من حسين"2.

وقد عبر الإمام الحسين عليه السلام نفسه عن هذه الثقافة بقوله:"من أتانا لم يعدم خصلة من أربع، آية محكمة وقضية عادلة، وأخا مستفاداً ومجالسة العلماء"3.

واعتبر عليه السلام أن خروجه لمواجهة طغيان يزيد بن معاوية واتباعِهِ إنما يصبُّ في عمله إصلاح أمة النبي صلى الله عليه و آله ، بقوله:"إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي".

وإذا كان خروجه سيؤدي إلى القتل، فما ذلك إلا لتقويم المجتمع الإسلامي الذي انحرف عن المسار الصحيح كما نسب إليه عليه السلام :
 
إن كان دين محمدٍ لم يستقم           إلا بقتلــي يــا ســـيوف خـــذيني

 

فالثقافة الحسينية هي ذات الثقافة الإسلامية الصرفة، إنما كانت بمرحلة حاول فيها البعض أن ينحرف بالمجتمع كله عن الخط الذي رسمه النبي صلى الله عليه و آله لثقافة المجتمع، انطلاقاً من رسالة القرآن، فعمل الإمام الحسين، على ترسيخ الخط المحمدي بافتعال صدمة في المجتمع تقوم على تنبيهه من الغفلة، وجعل الشهادة، وهي أسمى السبل، وسيلةً لتركيز المفهوم وتجسيد النتائج.


الشعر العاشورائي

نشأ الشعر العاشورائي في نفس اليوم الذي جسدت فيه عاشوراء الثقافة الحسينية، وقد نسب عددٌ من الرواة لمقتل الإمام الحسين عليه السلام أبياتاً عديدة إلى أصحابه، وأولاده وأخواته وأبنائهم، حين بروزهم إلى ساحة المعركة.

وإن صح التعبير يمكن اعتبار البيت الشعري المنسوب للإمام الحسين عليه السلام إن كان دين محمدٍ لم يستقم إلا بقتلي يا سيوف خذيني هو الانطلاقة لنشأة شعرحسيني عاشورائي، وقد نسب له عليه السلام أبياتاً أخرى في مجريات المعركة منها عندما نعى نفسه بقوله:
يـــا دهـــــر أفٍّ لـــــك مـــن خليــل           كـــم لـــك بالإشــــراق والأصيل
من صــــاحب أو طـــــالب قتيـل           والــدهـــــر لا يقنـــــع بــالبديــــــل
وإنمـــــــا الأمــــر إلـــــى الجليــــــــل           وكـل حــــي ســـــــالك ســــــبيلي 4

 

وقد حث الأئمة عليهم السلام على قول الشعر بالإمام الحسين عليه السلام ويمكن اعتبار نشأتِهِ عندما شارف الإمام علي بن الحسين على المدينة المنورة وهو راجع بالسبايا من الشام، وطلب من بشر بن حذلم أن ينعى الإمام الحسين عليه السلام لأهل المدينة فقرأ عليهم أبياته المشهورة التي مطلعها:
 

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها            قتل الحســين فـادمعي مــدرار

 

وفي الأخبار أن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام عندما طلب من الشاعر دعبل الخزاعي أن يقرأ عليه مرثيته بالإمام الحسين عليه السلام وكان قد ضرب حجاباً في الغرفة دعا إليه النساء ليستمعن إلى القصيدة وبكى كل من حضر ذلك المجلس فقال لدعبل "من قال فينا بيتاً من الشعر فبكى وأبكى ضمنت له الجنة".

وفي ذلك نص الإمام الصادق عليه السلام :"من قال فينا بيتَ شعرٍ بنى الله له بيتاً في الجنة"5.

وكان الأئمة عليهم السلام يجمعون الشعراء من أصحابهم في العاشر من محرم في كل عام، ويطلبون منهم قراءة أشعارهم بالحسين عليه السلام .


كما أن المصنفات الشعرية منذ العاشر من محرم في العام 16 للهجرة وهو تاريخ استشهاد الإمام الحسين عليه السلام وحتى يومنا الحاضر، ما وجد منها وما أتلفته العصور، في حملات من التوجيه العدائي الأموي والعباسي والعثماني، وما خربه التتار في المكتبة الإسلامية عامة، فإن المصنفات الشعرية العاشورائية، لا يمكن إحصاؤها إحصاءاً دقيقاً. بل حتى التعرض إليه في هذه الدراسة على نحو قراءة في النصوص خلاف

المقام، إنما ما يخلص إليه الباحث، إن الشعر العاشورائي القديم والحديث والمعاصر منه على مستوى المحتوى والنص، يمكن إبراز أهم خصائصه وميزاته:

 
على الشكل التالي

1-تتفاوت مستوياته الفنية بين القوة والضعف.
2-في الغالب تبرز الفنيات العالية لما في المحتوى من رقي الحسين، كربلاء، الشهادة .
3-لم يخرج عن أدوات الشعر العربي والإسلامي.
4-وإن كان في قالب الرثاء، لكنه حمل قيم ومفاهيم ثقافة الإسلام.
5-استخدم أغراضاً قديمة في الشعر العربي والإسلامي بصيغة جديدة النعي الندبـ النواح الحداء .
6-بمقتضى استخدامه في المجالس الحسينية، استخدم من أصوات التراجيع الصوتية والمقامات، قراءاتٍ عديدة حدّث في بعضها وهذا ما عُرِفَ مؤخراً بـ أطوار القراءة الحسينية .
7-تضمن التاريخ والسيرة التي تشمل سيرة الإمام الحسين ومن معه في كربلاء، مما أعطى لكثير من أعماله الشكل القصصي.
8-عمل على إبراز القيم الفكرية التي حملتها ثورة كربلاء من الولاء الديني والولاء السياسي، وأسباب الثورة، وأهدافها ونتائجها .
9-استخدم الأسلوب التعبيري العاطفي المؤثر، وكان له الدور الكبير في تربيةِ الارتباط بمفهوم الحسين وأهل البيت والثورة الحسينية عبر الأجيال.
10-يعتبر الشعر العاشوري ركيزة المجلس الحسيني والقراءات الواردة في ذلك.
 
الشعر العاشورائي عند الأطفال

حقيقة البحث في هذا المقام، إنني لم أعثر على دراسة أو تجربة في موضوع الشعر العاشورائي عند الأطفال، كما أن شعر الأطفال في العالمين العربي والإسلامي لم يدرج في ديوانه عنواناً لشعرٍ عاشورائي خاص بالأطفال.

وكي نكون أكثر دقةٍ، فأقول:إنني لم أجد في الوقت الذي حدد لإتمام هذه الدراسة ما يؤكد عكس ذلك وإن كان قد تناهى إلى مسامعي أن الشعر الشعبي العراقي سواء في النجف الأشرف أو كربلاء أو غيرهما من مدن العراق قد صدر عنه أبيات شعرية في هذا المجال، كان الأطفال يرددونها في مناسبة عاشوراء.

علماً بأن شعر الأطفال عموماً أخذ اتجاهه الفعلي نحو الوجود في العالم العربي والإسلامي في العقود الأخيرة من القرن العشرين أي من مدة لا تتجاوز الأربعين عاماً بكثير، ولعل ذلك أحد أهم أسباب تأخر الكتابة في جانب متخصص منه كالشعر العاشورائي، وهو فرع الأدب العربي الإسلامي العام.

لكننا لن نعدم الوسيلة بأن نلقي الضوء على علاقة الأطفال بالشعر العاشورائي، خاصة إذا تأملنا الدراسات الإحصائية التي تظهر أن عدد الأطفال الذين يحضرون في المجالس الحسينية كبيرٌ جداً وهو في تزايد مستمر من عام لآخر.. وإن كان يرجع السبب الفعلي في ذلك إلى التوجه الأسري والاجتماعي العام، إلا أن عاشوراء بما فيها من تأثير وجاذبية، تجعل هذا التوجه بالنسبة للطفل موضع اهتمام تبرز فيها قدرات مداركه في تصوره لما حدث في كربلاء، من خلال تعابيره البسيطة، كما أن كثيراً من الأطفال يحفظون الشعر العاشورائي بما هو، إن كان مما يقرأ في النعي أو النواح أو الندب خصوصاً ما يكون منه بصيغة الإنشاء وما يطلق عليه بالعامية الندابية وهي إما شعر فصيح أو شعر عامي.

يمكننا أن نستدل من ذلك على أهمية الاعتناء بهذا الجانب، وعلى أنه قد أتت اللحظة التي لا بد فيها من إنشاء المدرسة الأدبية التي تعنى بشعر الأطفال العربي والإسلامي ومنه العاشورائي .

إن أهمية هذه الدعوة تبرز في:أننا لو نظرنا في صحيفة الأعمال الأدبية والشعرية التي اعتنت بالأطفال في العالمين العربي والإسلامي لوجدنا:

أولاً:إن أدب الأطفال العربي والإسلامي وإن اعتمد في نشأته الشعر ثم الأدوات الأخرى، إلا أنه بقي مبادراتٍ فردية وشخصية وليظهر كحركة أدبية، رغم تكرار الدعوات إلى ذلك.

ثانياً:إن أغلب الأعمال في هذا المجال جاءت بطرق الاقتباس والترجمة مما فتح المجال أمام الغزو الثقافي السلبي، للنفاذ داخل مجتمعنا، مما يساهم في نشر البديلات الثقافية التي لا تحمد عقباها.

المدرسة الأدبية الإسلامية المقترحة

بعد التوصل إلى هذه النتيجة يمكننا أن نضع تصوراً أولياً لمهام هذه المدرسة على الشكل التالي:

1-تقديم منهجية حديثة مبنية على أسس علمية في قالب ومحتوى إسلامي، على أن تحيط بأكبر نسبة من احتياج الطفل في الجانب الأدبي.

2-توفير الأدوات التعليمية طبقاً لاحتياجات هذه المنهجية.

3-إعداد المدرسين ذوي التخصصات العالية وتدريبهم على هذه المنهجية.

4-توفير مكتبة تعتبر نواة لمركز دراسات يعنى بشخصية الطفل.

5-تحديد الضوابط والشروط التي تقوم عليها هذه المنهجية وتحدد من خلالها خصائص أدب الطفل الإسلامي والنتاج الأدبي التي تقوم على الأسس التالية:

1-إن العمل الأدبي الشعري وغيره يُستَمَدُّ من المصدر الثقافي الأول الرسالة السماوية، أي القرآن والسنة .
2-إن يعبّر عن آمال الأطفال ويسد حاجاتهم النفسية ويعمل على حل المشاكل التي يواجهونها.
3-أن يتوافق مع الفطرة الإنسانية بما يحرك الوجدان وينشط الفكر ويربط الطفل بثقافته العقائدية.
4-أن ينظم سلوك الطفل على مستوى سماته النفسية وسماته الفكرية والأخلاقية.
5-لا يخرج عن كونه أدباً تعليمياً قصة أو نثر أو شعر أو غيره . فيندرج في إطار الأسلوب الجمالي والفني الذي يتلاءم مع إدراك الطفل وينظم مدركاته.

أخيراً:يمكننا القول بالطموح أن نصل على الأقل أننا نحاول أن تكون عاشوراء فكراً عملياً لا عاداتٍ مكتسبة بالنسبة للطفل أولاً، وبالتالي له كإنسان مستقبلاً.

________________________

1-شواهد المبلغين، ص521.
2-الأئمة الاثنى عشر، ج2، ص9، السيد الحسني.
3-دور الكلام، ص611، الشيخ محمد حسن الثائيني.
4-الأئمة الاثنى عشر، ج2، ص27، السيد الحسني.
5-بحار الأنوار، ج97، ص

user comment
 

آخر المقالات

  عصمة آدم عليه السلام
  خطبة الزهراءعليها السلام حول فدك
  مکاتبات علي عليه السلام ومعاوية
  سد الابواب الا باب ابو بکر
  التاريخ السياسي الاسلامي
  الدرس الحسيني ووظيفة الأجيال
  الثقافة الحسينية والشعر العاشورائي
  العمق العقائدي لعاشوراء
  نجاح الانقلاب وتقويض الشرعية
  موقع الامام علي عليه السلام وموقع معاوية