عربي
Monday 20th of November 2017
code: 89536
نجاح الانقلاب وتقويض الشرعية

تتكون قريش من خمسة وعشرون بطنا واشرف هذه البطون على الاطلاق وافضلها بالنص الشرعي ( بنو هاشم بن عبد مناف ) (1) ويليهم بالشرف بنو عبد المطلب بن عبد مناف ، وبنو الحارث بن عبد مناف . وبنو امية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وبنو نوفل بن عبد مناف ... وهم سادة قريش ، فقد ساروا بعد ابيهم ويقال لهم المجبرون ، وهم اول من اخذ العصم لقريش فانتشروا من الحرم ، فقد اخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشام ، وأخذ عبد شمس حبلا من النجاشي ، وأخذ نوفل حبلاً من الاكاسرة ، واخذ المطلب حبلاً من حمير ، فاختلف قريش بهذه الاسباب الى بلاد العالم ، وكان يقال لهم : اقداح النضار لفخرهم وسيادتهم على العرب (2) .
الصيغة السياسية
وصلت بطون قريش الى صيغة سياسية قائمة على اقتسام مناصب الشرف في ما بينها ( المناصب السياسية ) من قيادة ولواء وندوة وسقاية ورفادة وسفارة لاسهم السياسية المحددة في هذه الصيغة اقصى ما استطاعت البطون ان تنتزعه ، ولاح لهذه البطون انها افضل صيغة سياسية على الاطلاق ، اذ ليس فيها غالب ولا مغلوب ، فالمناصب السياسية قدر مشترك بين البطون ولا مصلحة لاي بطن بتغيير هذه الصيغة ، لانه لو حاول التغيير فلا يعرف على وجه الجزم واليقين عواقب محاولته فقد يفقد حقه ، ثم ان الامور قد استقامت ونظمت امور ولاية البيت الحرام ، فارتاحت كل البطون لهذه الصيغة ، ومع الايام اصبحت عنوان عقيدة سياسية واثرا مأثورا مما تركه الاولون ومن غير الجائز الخروج عليه من قبل اي كان .
محاولات لزعزعة الصيغة
في السنين العجاف لم يكن لمكة غير هاشم ، يطعم الناس ويساعدهم ، وقيل له ابو البطحاء وسيد البطحاء ، ولم تزل مائدته منصوبة في السراء والضراء ، وكان يحمل ابن السبيل ويؤمن الخائف (3) فخشي امية بن عبد شمس وحسده ، فتكلف ان يصنع ما يصنع هاشم فعجز عن ذلك ، فعيرته قريش ، فدعا هاشما للمنافرة فأبى ، ثم تنافرا على خمسين ناقة وعلى الجلاء عن مكة عشر سنين ، فقضى الحكم بأن هاشما اشرف من امية ، فنحرت النوق وجلى امية الى الشام ، فكانت هذه بذرة العداء الاولى بين البيتين الهاشمي والاموي ، ولعل الذي دفع امية هو الحسد لهاشم ، والخشية من ان يشكل هاشم خطراً على هذه الصيغة ، لان القيادة بيد بني عبد شمس ، وبروز نجم مثل هاشم قد يزعزع الصيغة كلها ، ويستخف الناس (4) .
اشاعة النبوة
اشيع في مكة نبيا سيبعث ، وانه سيكون من سلالة عبد مناف . وممن استقرت في اذهانهم هذه الاشاعة ابو سفيان ، فقد كان على علاقة وطيدة بأمية بن ابي الصلت ، وابو سفيان موقن ان هذا النبي سينسف الصيغة السياسية ، وسيأخذ منه القيادة ، وطالما ان القيادة لبني امية فان هذه النبوة من اكبر الاخطار ، ولكنه اطمأن بعد عذاب ومعاناة ، فالشائعة تقول ( ان النبي من بني عبد مناف ولا يوجد حسب رأيه من هو جدير بالنبوة سواه فمن المؤكد انه سيكون النبي المرتقب . (5)
اعلان النبوة
اعلن محمد الهاشمي انه النبي المرتقب الذي اختاره الله لهداية العرب خاصة ، والجنس البشري عامة ، وان برهانه على هذه النبوة هو كلام الله ، واتبعه نفر قليل ممن عرفوا بالحصافة وبعد النظر او من اولئك الذين مستهم البشرية مساً اليماً .
احتضان الهاشميين للنبي
احتضن الهاشميون محمداً بكل قوة ، وهددت زعامة قريش بفشل محمد ، واشيع انه قد قتل ، فجمع ابو طالب بني هاشم واعطى كل واحد منهم حديدة صارمة ، وسار مع الهاشميين والمطلبيين ، ونادى ( يا معشر قريش هل تدرون ما هممت به ؟ ) قالوا ( لا ) فأخبر الخبر وقال للفتيان ( اكشفوا عما في ايديكم ) فكشفوا ، فاذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة ، فقال ابو طالب ( والله لو قتلتموه ما ابقيت منكم احداً حتى نتفانى واياكم ) فانكسر القوم ، وكان اشدهم انكساراً ابو جهل (6) .
حفاظاً على الصيغة السياسية وحسداً لا حباً بالاصنام
قاومت بطون قريش بقيادة ابي سفيان محمداً وبكل اساليب المقاومة ، ولم ينثن وامام اصرار ورفض بني هاشم لفكرة تسليمه ، اتفقت بطون قريش بدون استثناء وعلى ما يلي :
1 ـ مقاطعة بني هاشم مقاطعة تامة ، فقاطعتهم قريش كلها بما فيهم بني عدي وبني تيم ، وحصروهم في شعاب ابي طالب ثلاث سنين ، واضطروهم ان يأكلوا ورق الشجر من الجوع ، واضطر اطفالهم ان يمصوا الرمال من العطش . تلك حقيقة كالشمس لا يجادل بها احد ، ولم يركع محمد ولم يركع الهاشميون ، وابطل الله كيد بطون قريش وزعامتهم ، وفشل الحصار بعد مقاطعة استمرت ثلاث سنين .
2 ـ عندما سمعت قريش ان محمداً سيهاجر الى يثرب بعد ان تمكن من ايجاد قاعدة له ، قررت بطون مكة بالاجماع ان تقتل محمداً ، فاختاروا من كل قبيلة رجلا حتى يضربه هؤلاء الرجال دفعة واحدة ، فيضيع دمه بين القبائل ، ولا يقوى الهاشميون على المطالبة بدمه ، لانه ان ذهب الى يثرب نجح ، وسلبهم القيادة والشرف ، وباللحظة التي اجمعوا امرهم دخلوا فوجدوا علياً ابن ابي طالب نائماً في فراشه ، وجن جنون القيادة المكية وخصصت الجوائز لمن يقبض على محمد حياً او ميتاً .
وفي الطرف الآخر كان محمد وصاحبه ودليلهما المشرك يشقون طريقهم سالمين باذن الله ، وتلك حقيقة ساطعة كالشمس لا تحتاج الى دليل (7) .
حروب من اجل الصيغة السياسية وحسداً لا حباً بالاصنام
لم تيأس بطون قريش وقيادتها من هزيمة محمد وبني هاشم ودينهم ، ولم ييأس محمد والهاشميون واصحابه من هزيمة الشرك وقيادته ، وانقسم العرب اثلاثا ، قسم مع قريش وقيادتها المشركة ، وقسم قليل مع محمد ، والقسم الثالث تربص يتبع الغالب ، واشتعلت الحروب في بدر واُحد ، وجيشت زعامة قريش بالتحالف مع اليهود جيش الاحزاب ، وزحفت الى المدينة المنورة ، فاعتصم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة وفشلت الاحزاب وفوجئت قريش وقيادة الشرك بجند الله يدخل مكة عاصمة الشرك ، وركعت زعامة مكة واضطرت للدخول في الاسلام ، وبركوعها ركع كل العرب ، ودانت الجزيرة لدولة النبي ، واخذ العرب يدخلون في دين الله افواجاً .
النبوة الهاشمية قدر لا مفر منه
رفضت بطون قريش بزعامتها الاموية الدين المحمدي ، ونبوة محمد الهاشمي بكل اصناف الرفض والوانه ، وقاومت بكل فنون المقاومة لا وفاء للاصنام ، ولكنها تكره ان يأتي الدين عن طريق هاشمي وتكره ان تكون للهاشميين القيادة ، وان تهز الصيغة السياسية ، واخيراً فوجىء ابو سفيان بجند الله قرب مكة ، ويوقفه العباس فيرى جند الله ، فيدخل الرعب في قلبه ، وينتزع منه فتيل المقاومة ويفصح قائد الحزب عن حقيقة تصوراته لدعوة محمد فيقول ( ما رأيت ملكا مثل هذا لا ملك كسرى ولا ملك قيصر ولا ملك بني الاصفر ) (8) ويجره العباس الى محمد فيقول صلى الله عليه وآله وسلم ( ويحك يا ابا سفيان الم يأن لك ان تعلم انه لا اله الا الله ) فيقول ابو سفيان ( لقد ظننت انه لو كان مع الله اله غيره لما اغنى عني شيئاً ) قال صلى الله عليه وآله وسلم ( يا ابا سفيان الم يأن لك ان تعلم اني رسول الله ؟ ) قال ابو سفيان ( أما والله فان في النفس حتى الان منها شيء ) .
صاح العباس ( ويحك يا ابا سفيان اسلم واشهد ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله قبل ان تضرب عنقك ) هنا فقط بعد ذكر ضرب العنق ، وبعد الاحاطة ، وضعف الحيلة اسلم ، لينجو بنفسه ، ودهش ابو سفيان وهو ينظر للنبي فقال في نفسه ( ليت شعري بأي شيء غلبني ) فأوحى الله الى نبيه بما في صدر ابي سفيان فقال له الرسول ( غلبتك بالله ) .
وادركت بطون قريش ان النبوة الهاشمية قدر لا مفر منه ولا محيد عنه ، ولا علاقة لها باختيارها ، ولو كان لها اي دور بهذا الاختيار لما قبلت ابداً ان يكون النبي من بني هاشم ، والنبوة الطاهرة لن تتكرر ، وانه لن يلحق اي بطن من بطون قريش ببني هاشم ، فقد سبقوا تماماً وادركت بطون قريش ان صيغتها السياسية قد اهتزت ونسفت تماما ، واضمرت العمل على وقف ما تعتبره زحفا هاشميا للجميع بين النبوة والملك وحيازة الشرف كله .
اكثر البطون اندفاعاً لوقف ما يسمى بالزحف الهاشمي
كل بطون قريش مجمعة على ان النبوة الهاشمية قد هزت هزاً عنيفاً الصيغة السياسية التي كانت قائمة على اقتسام مناصب الشرف بين القبائل المكية . وكل البطون رفضت هذه النبوة الهاشمية باستثناء بني المطلب بن عبد مناف حيث وقفوا مع الهاشميين ، لكن اكثر البطون رفضا واندفاعا لوقف الزحف الهاشمي ، والحيلولة بين جمع الهاشميين الملك والنبوة ، هم بنو امية ، وذلك لعدة اسباب منها :
1 ـ ماض طويل من الشحناء والعداوة والحسد لبني هاشم حتى قبل الاسلام .
2 ـ بسبب النبوة الهاشمية فقد الامويون القيادة .
3 ـ الهاشميون قتلوا سادات بن امية فهم لا يكرهونهم فحسب ، بل يحقدون عليهم ، وهند ام معاوية وزوجة ابي سفيان عكست مقدار هذا الحقد ، فهي لم تكتف بقتل حمزة انما مثلت بجثمانه الطاهر ، ولكن مع انتصار النبوة وشمول نور الاسلام ، وتأخر الامويين عن دخوله ، وذكريات مساعيهم الطويلة في محاربته ، يتعذر عليهم الجهر والمناداة علناً بمنع الهاشميين من ان يجمعوا مع النبوة الملك .
التيار الغلاب
لقد تحولت مقولة لا ينبغي ان يجمع الهاشميون النبوة مع الملك الى تيار غلاب ولكنه ساكن ومستقر في النفوس ، وملجوم بوجوده صلى الله عليه وآله وسلم وبالشرعية وبوحدة الصحابة الصادقين تحت قيادته ، فلو فقد عنصر من هذه العناصر الثلاثة فستهتز الشرعية ، وسيتحول الصحابة الصادقون الى شعرة بيضاء في جلد ثور أسود ، على حد تعبير معاوية وسيأخذ الامر من يغلب .
القرابة الطاهرة الاساس الشرعي للخلافة الراشدة
عندما دخل المهاجرون الثلاثة الى سقيفة بني ساعدة احتجوا بما يلي : فقال ابو بكر ( نحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وانتم وزراؤنا في الدين ووزراء رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ... ) .
قال عمر ( لا يجتمع سيفان في غمد واحد ، والله لا ترضى العرب ان تؤمركم ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا ينبغي ان تولي هذا الامر الا من كانت النبوة فيهم ... لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين ، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه نحن اولياؤه وعشيرته الا مدل بباطل او متجانف لاثم او متورط في هلكة ) (9) قالت الانصار كلها ( لا نبايع الا علياً ) وعلي غائب . قال بعض الانصار ( لا نبايع الا علياً ) (10) .
وسريعاً ابرم الامر للصديق ، ودعي علي لمبايعة ابي بكر ، فقال علي ( انا احق بهذا الامر منكم ، لا ابايعكم وانتم اولى بالبيعة لي ، اخذتم هذا الامر من الانصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتأخذونه منا غصباً اهل البيت . الستم زعمتم للانصار انكم اولى بهذا الامر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة وسلموا اليكم الامارة ، وانا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار ، نحن اولى برسول الله حياً وميتاً ... ) الخ .
الانقلاب وانفلات التيار الغلاب
وعمر على فراش الموت يتفكر بمستقبل امة محمد ، ويقلب الامر على وجوهه المختلفة قال ( لو ادركت ابا عبيدة باقياً استخلفته ووليته ، ولو ادركت معاذ بن جبل استخلفته ... ولو ادركت خالد بن الوليد لوليته ، ولو ادركت سالما مولى ابي حذيفة وليته ... ) الخ .
وسالم من الموالي ، ولا يعرف له نسب في العرب ، ومعاذ من الانصار ويوم السقيفة لم يكن جائزاً تولية الانصار ، وخالد من بني مخزوم ، ومن الطبقة العاشرة من طبقات الصحابة ، حيث هاجر في الفترة الواقعة بين صلح الحديبية وفتح مكة .
قال عمر لابن عباس اثناء خلافته (يا ابن عباس اتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد صلى الله عليه وآله ؟ ) قال ابن عباس ( فكرهت ان اجيبه ، فقلت : ان لم اكن ادري فان امير المؤمنين يدري ) فقال عمر ( كرهوا ان يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتجحفوا على قومكم ، فاختارت قريش لانفسها فأصابت ووفقت ) قال ( فقلت : يا امير المؤمنين ان تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت ) قال ( تكلم ) قال ابن عباس فقلت ( اما قولك يا امير المؤمنين اختارت قريش لانفسها فأصابت ووفقت فلو ان قريشاً اختارت لانفسها من حيث اختيار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ، واما قولك : انهم ابوا ان تكون لنا النبوة والخلافة ، فان الله عز وجل وصف قوماً بالكراهية فقال ( ذلك بأنهم كرهوا ما انزل الله فأحبط اعمالهم ) فقال عمر ( هيهات يا ابن العباس قد كانت تبلغني عنك اشياء اكره ان اقرك عليها فتنزل منزلتك مني . فقلت : يا امير المؤمنين فان كان حقاً فما ينبغي ان تنزل منزلتي منك ، وان كان باطلاً فمثلي اماط الباطل عن نفسه ) فقال عمر ( بلغني انك تقول صرفوها عنا حسداً وبغياً وظلماً ) قال ابن عباس ( فقلت : اما قولك يا امير المؤمنين ظلما فقد تبين للجاهل والحليم واما قولك حسدا فان آدم حسد ونحن ولده المحسودون ) فقال عمر ( هيهات هيهات ، ابت والله قلوبكم يا بني هاشم الا حسدا لا يزول ) . قال ( فقلت : يا امير المؤمنين مهلاً لا تصف بهذا قلوب قوم اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ... (11) .
والواقعة التي يرويها المسعودي في كتابه مروج الذهب ، والتي جرت بين ابن عباس وبين الفاروق رضي الله عنهما تؤكد حدوث الانقلاب الفكري وانفلات التيار المغلوب الذي كان ساكناً في النفوس ، وملجوماً اثناء حياته صلى الله عليه وآله وسلم ، وقبل ان تتأسس دولة الخلافة الراشدة ، وسأورد النص الحرفي لهذه الواقعة .
النص الحرفي للقصة
ذكر عبد الله بن عباس ان عمر ارسل اليه فقال ( يا ابن عباس ، ان عامل حمص قد هلك وكان من اهل الخير ، واهل الخير قليل ، وقد رجوت ان تكون منهم ، وفي نفسي منك شيء ، واعياني ذلك فما رأيك في العمل ؟ ) قال ابن عباس ( لن اعمل حتى تخبرني بالذي في نفسك ) . قال عمر ( ما تريد الى ذلك ؟ ) قال ابن عباس ( اريده ، فان كان شيء اخاف منه على نفسي خشيت منه عليها الذي خشيت ، وان كنت بريئاً من مثله علمت اني لست من اهله ، فقبلت عملك هنالك ، فاني قلما رأيتك طلبت شيئا الا عالجته ) .
فقال ( يا ابن عباس اني خشيت ان يأتي علي الذي هو آت ( يعني موت عمر ) وانت في عملك فنقول : هلم الينا ، ولا هلم اليكم دون غيركم اني رأيت رسول الله استعمل الناس وترككم ) .
قال ( والله قد رأيت من ذلك فلم تراه فعل ذلك ؟ ) .
قال عمر ( والله ما ادري اضن بكم عن العمل فأهل ذلك انتم ، ام خشي ان تبايعوا بمنزلتكم منه فيصبح العتاب ولا بد من عتاب ، وقد فرغت لك من ذلك فما رأيك ) .
قال ابن عباس ( قلت : ارى الا اعمل لك ) قال ( ولم ؟ ) قلت ( ان عملت لك وفي نفسك ما فيها لم ابرح قذى في عينك ؟ ) قال ( فأشر علي ؟ ) قلت ( اني ارى ان تستعمل صحيحاً منك صحيحاً عليك ) (12) .
من فرط حرصه على مصلحة المسلمين يريد حتى بعد موته ان يتأكد بأن الهاشميين لن يسلطوا على رقاب الناس ، ولن يحكموا امة محمد.
وبالاجمال تحولت هذه المقولة الى تيار غلاب افصح عن ذاته ، وفرض نفسه كقناعة عامة تؤمن بها السلطة ، وآمنت بها الاكثرية الساحقة ، على اعتبار ان هذه المقولة هي الوسيلة المثلى لمنع الاجحاف الهاشمي ، وانصاف البطون القريشية لتتداول الخلافة في ما بينها ، كرد على النبوة الهاشمية ، او كتعويض لها عن الاختصاص الهاشمي بالنبوة ، واخيرا على اعتبار ان هذه المقولة مظهر من مظاهر هداية قريش وتوفيقها على حد تفسير الفاروق .
وباستمالة ابي سفيان الى جانب السلطة ، وترك ما بيده من الصدقات التي جمعها ، وتولية ابنه يزيد قائدا على جيش الشام ، وتعيين ابنه الثاني قائدا من قواد يزيد ، ثم خلافته لاخيه يزيد كوال على الشام بعد وفاته ، كل هذا كون حلفا حقيقيا بين السلطة وبين الطلقاء ، لهم قناعة سياسية مشتركة تقوم على عدم تمكين الهاشميين من ان يجمعوا مع النبوة الخلافة ، وبهذا التحالف قطع دابر المعارضة وحجمت . وتم تكريس مبدأ عدم جواز جمع الهاشميين للنبوة والخلافة معا .
وهكذا فقدت العترة الطاهرة حتى نصيبها من امتيازات الشرف التي كانت مخصصة بموجب الصيغة السياسية التي سادت قبل الاسلام وعزلت تماما وحجمت ، انظر الى قول الفاروق مخاطبا العباس وبني هاشم ( اي والله واخرى انا لم نأتكم حاجة منا اليكم ، ولكن كرهنا ان يكون الطعن منكم فيما اجتمع عليه العامة فيتفاقم الخطب بكم وبها ) (13)
وبلغت الاستهانة بها حداً انه حتى عبد الله بن الزبير هم بأن يحرق بيوت الهاشميين على من فيها لولا ان تدخل اهل الخير .
ومعنى ذلك ان اي قبيلة من القبائل التي حاصرت الهاشميين في شعاب ابي طالب ثلاث سنين ، وارسلت مندوبها للاشتراك بقتل النبي ، هي اسعد حظاً من الهاشميين ، والفرد منها اولى واحق برئاسة الدولة من اي هاشمي ، فالرئاسة والولاية حلال لكل الناس ، وحرام على اي هاشمي من الناحية العملية ، كل ذلك من اجل عدم تمكين الهاشميين من الجمع بين النبوة والخلافة ، وهل جزاء الاحسان الا الاحسان ؟
التكييف الشرعي لمقولة : لا ينبغي ان يجمع الهاشميون الخلافة مع النبوة
هذه مقولة جاهلية من كل الوجود ، وتتعارض معارضة تامة مع النصوص الشرعية ، ومع النظم السياسية المشتقة من العقائد الالهية ، فداود نبي وورثه ابنه سليمان ، فجمع كل واحد منهم النبوة والخلافة معا ، واوتي الانبياء وذرياتهم الحكم والنبوة والكتاب ، ولم يعترض عليهم احد لان الفضل بيد الله والخلافة منصب ديني وبالدرجة الاولى ودنيوي ، والخليفة قائم مقام النبي ، ومن مهام النبوة البيان والحكم ، وعملية البيان والحكم عملية فنية تماما واختصاص .
ومن هو على علم بالتقاطيع الاساسية الاسلامي تبين له بأقل جهد ممكن ان هذه المقولة نسفت نسفاً تاماً النظام السياسي الاسلامي كنظام الهي ، وفرغته تماما من مضمونه ، وحولته من الناحية العملية الى نظام وضعي لا يختلف عن الانظمه الوضعية الا بالشكل سياسياً بل والاهم من ذلك ان رئاسة الدولة صارت غنيمة ، وطعمة يأكلها الغالب والغالب وحده ، وبعد ان يغلب يجلس على كرسي النبي او حصيرته ويلبس جبة الاسلام فاذا هو خليفة ، فان غلب الطليق الذي قاتل الاسلام بكل فنون القتال حتى احيط به فأسلم رغبة او رهبة فانه يتآمر على المهاجر الذي قاتل مع الاسلام كل معاركه ، ويصبح ولي الله المخصص شرعا لرئاسة الدولة الاسلامية مجرد مواطن عادي من رعاياه ، يتكلم الجاهل ، ويسكت العالم ، يتقدم المحاصر بالكسر ويتأخر المحاصر بالفتح . كل هذا من اجل انصاف القبائل الآخرى ومنع الهاشميين من ان يجمعوا مع النبوة الخلافة ، او بتعبير ادق من اجل العودة عمليا الى الصيغة السياسية التي كانت سائدة قبل الاسلام ، ولكن بثوبها الجديد ، فالصيغة السياسية الجاهلية كان تقوم على اقتسام مناصب الشرف ، بحيث تأخذ كل قبيلة نصيبها من هذه المناصب ، وبتطبيق المقولة اصبحت القبائل تتداول رئاسة الدولة ، وبنفس الوقت تتشارك بالشرف والمناصب اثناء عملية التداول ، اما الاحكام الالهية المتعلقة بالنظام السياسي الاسلامي فهي موضوع اخر ، فهي لا تستجيب للصيغة السياسية التي وجدت قبل الاسلام في مكة .
النتائج التي ترتبت على تكريس مبدأ عدم جواز جمع الهاشميين للنبوة والخلافة
1 ـ النتيجة الاولى
زوال الفوارق نهائيا بين الذين قاتلوا الاسلام بكل فنون القتال حتى احيط بهم فأسلموا ، وبين اولئك الذين قاتلوا مع الاسلام كل معاركه حتى اعز الله دينه ونصر نبيه واقام دولة الايمان ، فالكل مسلم لا فرق من الناحية السياسية بين هذا وذاك ، فكلهم مسلم وكلهم في الجنة ، فالهاشمي الذي حاصرته قريش ثلاث سنين هو تماماً مثل اي شخص كان على الشرك واشترك بالحصار ، الم يسلم ذلك الشخص ؟ اليس الاسلام يجب ما قبله ؟ فلو ان حمزة سيد الشهداء رجع الى الدنيا فهو تماما كوحشي من الناحية العملية السياسية ، فالقاتل كالمقتول تماما ، والمهاجر كالطليق ، والجاهل كالعالم ، ولو غلب الجاهل لكانت لزاما على العالم ان يطيعه سياسيا وان يتبعه وينقاد اليه ، بل على العكس ، فلو كان هنالك هاشمي عالم كعلي بن ابي طالب وكان هنالك انصاري بدرجته او اقل علما منه ، فالانصاري العالم مقدم على الهاشمي . انظر الى قول الفاروق بوجود علي بن ابي طالب وهو يقول ( لو ادركت معاذ بن جبل لوليته ، ولو ادركت خالد بن الوليد ) .
خالد قاتل الاسلام في احد وفي اكثر من وقعة ، وعلي قاتل مع الاسلام في كل مواقعه ، مع هذا فالاولى هو خالد ، حتى ان الفاروق لو ادرك سالما مولى ابي حذيفة وهو من الموالي ، ولا يعرف له نسب في العرب ، لولاه الخلافة وامره على علي بن ابي طالب ، مع ان علي بن ابي طالب وهو ولي سالم وعمر ومولى ابي عبيدة ومولى كل مؤمن ومؤمنة باعتراف الفاروق وباقراره ....
النتيجة الثانية : زرع بذرة الخلاف ونموها
طالما ان لا فرق بين المهاجر والطليق ، ولا بين القاتل والمقتول ، ولا بين المحاصر بالفتح والمحاصر بالكسر ومن حق كل واحد ان يفهم الاسلام وان يستقطب حول هذا الفهم ، فمعنى ذلك وجود مرجعيات متعددة ، ووجود مفاهيم متعددة ، وقناعات متعددة ، وكل فريق يزعم انه على الحق ، ففريق يذهب الى الشمال واخر الى اليمين وثالث الى الشرق ورابع الى الغرب وخامس الى الشمال بزواية كذا .... الخ ، ولا يوجد مرجع يعتبر كلامه حجة يقينية شرعية يقر بها الجميع ، بهذا الجور زرعت بذرة الخلاف ونمت بأرض خصبة ، فلو قال علي عليه السلام كلاماً وقال واحد من الطلقاء كلاما آخر ، فالذي يزن القولين هو السامع ، لانه عمليا لا فرق بين علي واي طليق ، فكلاهما في الجنة وكلاهما مسلم ، فهم صحابة ، اي لا يقرون عمليا بأي ترجيح شرعي لقول علي ، فكيف يرجح بين المتساويين وكيف يفرق بين المتعادلين تماماً ؟ فهذه قطعة ذهبية تتساوى حجما وشكلا ومقدارا وقيمة مع قطعة اخرى ، فخذ ما شئت واياك والتمييز ، فالوفاق الحاصل وفاق ظاهري ، وتحت هذا الظاهر ينمو الخلاف ويشب ، ثم يتحول الى سرطان عاجلا ام آجلا ، يمزق وحدة الامة ويخرجها من اطار الشرعية الى الغامض والمجهول .
النتيجة الثالثة : رئاسة الدولة حق للجميع الا لهاشمي
بمعنى انه لا شيء على الاطلاق يمنع اي مسلم من ان يتولى رئاسة الدولة الاسلامية ، شريطة ان يتمكن من الوصول اليها ، والاستحواذ عليها ، وانقياد الجميع له وتسليمهم له بالغلبة والسلطان ، شريطة ان لا يكون من بني هاشم ، لانهم اختصوا بالنبوة والنبوة تكفيهم .
هذا الحق حول الطمع برئاسة الدولة الى كابوس بغيض والى آلية مزعجة سلبت الامة قرارها واستقرارها ، وحولتها الى حقل تجارب لكل الطامعين بالرئاسة ، وعطلت نظامها السياسي والشرعي .
اما من اي قبيلة هذا الرئيس ؟ ما هو علمه ؟ ما هو دينه ؟ ما هي سابقته ؟ من الذين سيحكمهم ؟ تلك امور ثانوية لا قيمة لها من الناحية العملية ، ولا يعول عليها ، لان الغالب غالب ، والحصول على رضوان المغلوب فن قائم بذاته .
ما الذي يمنع يزيد بن معاوية ، وهو المشهور بعهره وفجوره ، من ان يكون رئيسا للدول الاسلامية ، لانه ابن معاوية الرئيس ، ومن الذي يمنع الحسين بن علي بن ابي طالب سيد شباب اهل الجنة في الجنة بالنص ، وريحانة النبي من هذه الامة بالنص ، والامام الشرعي لهذه الامة بالنص ، فما الذي يمنعه من ان يكون احد رعايا يزيد ، وأحد الذين يتأمر عليهم ، فكلاهما مسلم ، وكلاهما في الجنة ، يزيد القاتل المجرم في الجنة والحسين الامام المقتول في الجنة ، فكلاهما صحابي ! ومن ينقد هذا الرأي فهو زنديق لا يؤاكل ولا يشارب ولا يصلى عليه .
النتيجة الرابعة : اختلاط الاوراق
اختلط الحابل بالنابل ، والحق بالباطل ، والخير بالشر ، والعلقم بالشهد ، واصبح المتأخر كالمتقدم ، واللاحق كالسابق ، والمجاهد كالقاعد ، والقاتل كالمقتول ، والمحاصر كالمحاصر بالفتح والكسر ومن وقف مع الاسلام تماما مثل من وقف ضده ، ومن قاتل الاسلام تماما كمن قاتل معه . لقد دخل الجميع بدين الله ، وشاهد النبي او شاهدوه ، فكلهم صحابة ، وكلهم في الجنة .
وضاع الصادقون ، وتفرقوا في الامصار واصبحوا على حد تفسير معاوية كالشعرة البيضاء في جلد ثور اسود وانهار النظام السياسي الإسلامي وتأخر المتقدمون وتقدم المتأخرون ، ولله عاقبة الامور .
المصادر :
1- راجع مروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 291 .(2) راجع السيرة الحلبية ج 1 ص 3 ـ 4 لعلي برهان الدين الحلبي ، وراجع الجامع للاصول في احاديث الرسول لعلي ناصيف مجلد 3 ص 419 وما فوق وراجع السيرة الدحلانية بهامش السيرة الحلبية ج 1 ص 4 ـ 11 وراجع الطبقات لابن سعد ، وراجع الخطية 185 ص 156 ج 2 من شرح النهج لابن ابي الحديد .
2- راجع الطبقات ج 1 ص 75 وتاريخ الطبري ج 2 ص 180 وراجع كتابنا النظام السياسي في الاسلام ص 93 .
3- راجع تاريخ الطبري ج 3 ص 180 والسيرة الحلبية ج 1 ص 5 والطبقات لابن سعد ج 1 ص 76 ، وج 2 ص 279 من تاريخ الطبري .
4- راجع السيرة الحلبية ج 1 ص 15 وكتابنا النظام السياسي في الاسلام ص 170 ـ 172 .
5- السيرة الحلبية ج 1 ص 80 .
6- راجع الطبقات لابن سعد ج 1 ص 202 ـ 203 .
7- السيرة الحلبية ج 1 ص 80 والطبقات لابن سعد ج 1 ص 208 ـ 209 والسيرة الحلبية ج 1 ص 332 .
8- السيرة الحلبية ج 3 ص 79 وما فوق ، وراجع كتابنا النظام السياسي في الاسلام .
9- الامامة والسياسة ص 6 ـ 8 .
10- تاريخ الطبري ج 3 ص 198 وراجع شرح النهج لابن ابي الحديد ج 2 ص 266 .
11- الكامل في التاريخ لابن الاثير ج 3 ص 24 وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن ابي الحديد ج 3 ص 107 اخرجه الامام احمد ابو الفضل بن ابي الطاهر في تاريخ بغداد ، مجلد 2 ص 97 من شرح النهج وراجع كتابنا النظام السياسي في الاسلام .
12- راجع المجلد الثاني ص 253 ـ 254 من مروج الذهب للمسعودي .
13- راجع الامامة والسياسة ص 15 .

user comment
 

آخر المقالات

  سد الابواب الا باب ابو بکر
  التاريخ السياسي الاسلامي
  الدرس الحسيني ووظيفة الأجيال
  الثقافة الحسينية والشعر العاشورائي
  العمق العقائدي لعاشوراء
  نجاح الانقلاب وتقويض الشرعية
  موقع الامام علي عليه السلام وموقع معاوية
  رسالة الی ابي وامي
  أهل الذمة في عصر الأمويين
  خالد بن الوليد و الطوق في الجيد