عربي
Monday 11th of December 2017
code: 89371
التضحية وصناعة التاريخ .. ثورة الإمام الحسين شاهدا

 التضحية وصناعة التأريخ .. ثورة الإمام الحسين شاهداً

( اللَّهم تقبَّل منا هذا القربان )

د. وليد سعيد البيَّاتي

إشكالية المفاهيم :

تشكّل  القرابين جزءً من التراث النفسي والروحي للأُمَّة ؛ في محاولة لتوثيق تواصلها مع السماء . وهي ليست ظاهرة تنطلق من فراغ نفسي أو خواء اجتماعي ، كما تحاول الفلسفة المادية تفسيره . وهي ليست نتاجاً للإحباط  الروحي في تقويم العلاقة بين الإنسان والخالق ، ما يدفع الإنسان في حالة من الانفعال الإحباطي إلى تقديم نفسه أضحية أو قرباناً ، ليجد في موته الخلاص من إشكالية الحياة ، كما يتوهَّم بعض الفلاسفة المحدثين . كما أنَّه لا يمكن تفسير القرابين باعتبارها عوامل في فكرة التناقض بين المادي والإلهي ، أو استلاباً للعقل في بحثه المستمر عن مُثُل عُليا ، فتصبح القرابين أداة للتواصل بين الإنسان والخالق خارج حدود مشروع السنن الإلهية ، ما يمكن اعتباره توارثاً لا منطقياً ينتقل عبر الأجيال لترسيم ولترتيب علاقة الإنسان بالخالق ، ومن هنا لا يمكن فهم القيمة العُليا للقرابين خارج معايير السنن الإلهية ، بل إنّ القرابين هي من السنن الإلهية .

القربان و الإخلاص المطلق:

يقول الحق سبحانه: ( فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السّعْيَ قَالَ يَا بُنَيّ إِنّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ ) ( الصافات : 102 ) ، فيمكن اعتبار هذا النص مصداقاً لفهم القربان كسنّة إلهية ؛ تسعى إلى تحقيق مطلق الإخلاص لله تعالى عبر مطلق الخضوع للحكم الإلهي .

ولكنّ النص القرآني يُؤكِّد أنّه لن يتحقَّق هذا الإخلاص بدون الفعل ؛ ولهذا : (  فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) ( الصافات : 103 ـ 107 ) لتتحقَّق بذلك قيمة الإخلاص عبر الفعل ، عندما يصبح مطلق القول مساوياً لمطلق الفعل ، كما في حالة إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) ، لتتكشَّف لنا حكمة السنّة  الإلهية (القربان) باعتبارها تقييماً لإخلاص العبد في مسيرته نحو تحقيق إرادة الله وفْق السنن السماوية ، مع التأكيد  على أهمية العقل الإنساني في إدراك الغايات التي تهدف إليها السنّة السماوية من وراء القربان ؛ ولهذا قال إبراهيم (عليه السلام) : ( فَانظُرْ مَاذَا تَرَى) ( الصافات : 102 ) تحقيقاً لاستعمال العقل باعتباره أحد مصادر التشريع .

وبنفس المفاهيم ندرك فعل عبد المطلب ، جدّ الرسول الأعظم مع أصغر وأحب أولاده إليه ، عبد الله والد نبينا الكريم (صلوات الله عليه وآله) .

فالسُّنَن تستمر بأزلية الوجود ، والقرابين تُطرح على مسار حركة التاريخ ، موثِّقة إخلاص المخلصين للعقيدة السماوية في تحرُّكهم العبادي ، تحقيقاً لمُثُل عُليا دعت إليها الرسالات السماوية ، لتتكرَّس بعد ذلك عِبَرُ ثورةٍ كونيةٍ هدفت ، منذ البداية ، إلى إعادة الموقف إلى مساره الرسالي ، بعد الكمّ الهائل من الانحرافات التي أضرّت بالعقيدة والأُمَّة على السواء . فلم يكن البحث المستمر عن الفداء والشهادة التي رافقتا ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) إلاَّ منهجاً في تعليم الإنسانية معنى الإخلاص المطلق ، الذي لا يعني أبداً إلغاء حكم العقل ، ما دام ( كل ما يقبله العقل يقبله الشرع ) .

 وهنا فقط يمكن إدراك تضحية الإمام الحسين(ع) وأهله وأصحابه (عليهم السلام) ليكونوا قرابينَ على طريق العقيدة . من هنا تصبح القرابين تجسيداً حيَّاً للعقيدة في طريق الحفاظ على الخط الرسالي . وعليه لم تكن التضحية مجرد انفعالٍ آليٍّ ، ولا هوس ورغبة في الفناء بلا معنى ، بل كانت ترابطاً بين الإنسان في مستويات الإخلاص المطلق ، وبين الله الخالق ؛ لتتجلَّى في حركة السيدة الجليلة ، سليلة النبوة والولاية ، العظيمة زينب بنت الإمام علي (عليهما السلام) ، وهي تندفع نحو جسد أخيها وإمامها الإمام الحسين (عليه السلام) ، وهو المضرّج بدم الشهادة ، لتضع يديها الطاهرتين تحت جسده الشريف ، لترفعه بجهد الكبرياء والنبالة ، وهي تلقي بطرفها إلى السّماء مخاطبة الباري تعالى في قولها: (اللهم تقبّل منّا هذا القربان) . لتحقق تلك العلاقة العقائدية بين مطلق الإخلاص والولاء للعقيدة السماوية ، وبين تحقق مطلق الفعل بالاستشهاد .

تلك الصرخة استوعبت كل معاني الإيمان ومفردات العقيدة المتجسِّدة في شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) ، والتي أراد منها أن تكون توثيقاً مستقبلياً لتحرُّك الأُمَّة  في مسار العقيدة للانفلات من حالة التناقض ؛ عبْر التطلُّع لمستقبل تتحقَّق فيه الحضارة الكونية ، من خلال استلهام استمرارية السنن الإلهية .

تلك الصرخة الزينبية لم تكن مجرد انزعاجٍ عاطفي ، بل كانت تمثِّل إيمان الإنسان بقدرته على صنع التأريخ ، والتأثير  الإيجابي فيه . في الوقت نفسه تمثِّل هذه الصّرخة الإنسانية ، إدراكاً واعياً بكون هذا القربان يشكّل علاقة تعبُّدية مبنية على تحرُّك مسؤول نحو الله . فالحسين(ع) لم يكن قرباناً لفداء البشرية ، وفْق المفاهيم الكنسية للمسيحية عبْر محاولة تفسيرها لعملية الصلب المفترضة ، والتي أنكرها النص القرآني .

ولم تكن شهادة الحسين(ع) فكرة طوباوية ، أو مثالية مغرقة في مثاليتها حد التطرُّف ، بل إنّ الحسين (عليه السلام) قد جسَّد عمق العلاقة بين الشريعة وحركة التاريخ ، من خلال تأكيد الترابط بين الإنسان الفاعل والمحرِّك للتاريخ وبين الله كمصدر للتشريع ؛ ليُؤكِّد ـ مرة أخرى ـ مفهوما

user comment
 

آخر المقالات

  النحو من وحي الإمام عليه السلام والبلاغة من نهج البلاغة
  في رحاب نهج البلاغة (لماذا نهى أمير المؤمنين عن قتال ...
  في رحاب نهج البلاغة (الإمام علي عليه السلام وتصلّبه وتنمّره ...
  في رحاب نهج البلاغة (الإمام علي عليه السلام والسياسة ...
  في رحاب نهج البلاغة (إحتجاج الإمام عليه السلام على من غصب ...
  سر الإبداع اللغوي عند الإمام علي عليه السلام
  خلاصة تاريخ اليهود
  عصمة آدم عليه السلام
  خطبة الزهراءعليها السلام حول فدك
  مکاتبات علي عليه السلام ومعاوية