عربي
Monday 25th of September 2017
code: 89112
عصا موسى

شبهة لمسیحی : ورد فی القرآن فی سورة الأعراف وفی سورة الشعراء عن موسى: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِیَ ثُعْبَانٌ مُبِین)(1) مع انَّه ورد فی سورة النمل: (وَأَلْقِ عَصَاکَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ کَأَنَّهَا جَانٌّ)(2) وکذلک ورد مثلها فی سورة القصص. ففی الأولى أصبحت العصا ثعباناً، وفی الثانیة هی مجرد عصا تهتزُّ کأنَّها جان.. والعصا المهتزة بالطبع لیست ثعباناً ألیس کذلک..؟
الجواب:
یتبیَّن الوهن فی هذه الشبهة بمجرد الإلتفات إلى انَّ مورد الآیتین من سورة الأعراف والشعراء مختلفٌ عن مورد الآیتین من سورة النمل والقصص.
فمورد الآیة من سورة الأعراف هو حین طالب فرعون موسى (علیه السلام) ببرهانٍ على دعواه النبوة، فحینذاک ألقى موسى عصاه فإذا هی ثعبانٌ مبین، قال تعالى: (وَقَالَ مُوسَى یَا فِرْعَوْنُ إِنِّی رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِینَ / حَقِیقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُکُمْ بِبَیِّنَةٍ مِنْ رَبِّکُمْ فَأَرْسِلْ مَعِیَ بَنِی إِسْرَائِیلَ / قَالَ إِنْ کُنْتَ جِئْتَ بِآَیَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ کُنْتَ مِنَ الصَّادِقِینَ / فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِیَ ثُعْبَانٌ مُبِینٌ)(3).
وکذلک هو مورد الآیة من سورة الشعراء، قال تعالى: (فَأْتِیَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِینَ)(4) إلى ان قال: (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَیْنَهُمَا إِنْ کُنْتُمْ تَعْقِلُونَ / قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَیْرِی لَأَجْعَلَنَّکَ مِنَ الْمَسْجُونِینَ / قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُکَ بِشَیْءٍ مُبِینٍ / قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ کُنْتَ مِنَ الصَّادِقِینَ / فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِیَ ثُعْبَانٌ مُبِینٌ)(5).
وأما المورد الذی وُصفت فیه الحیَّة المنقلبة عن العصا بأنَّها تهتزُّ کأنها جانٌّ فهو حین کان موسى فی طریقه إلى مصر مع أهله فوجد ناراً فقال لأهله إنی آنست ناراً، وکان ذلک فی جانب الطور الأیمن قُبیل تکلیفه بالرسالة، قال تعالى: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّی آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِیکُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِیکُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّکُمْ تَصْطَلُونَ / فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِیَ أَنْ بُورِکَ مَنْ فِی النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ / یَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ / وَأَلْقِ عَصَاکَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ کَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ یُعَقِّبْ یَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّی لَا یَخَافُ لَدَیَّ الْمُرْسَلُون)(6).
وکذلک هو مورد الآیة من سورة القصص، قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْکُثُوا إِنِّی آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّی آَتِیکُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّکُمْ تَصْطَلُونَ / فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِیَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَیْمَنِ فِی الْبُقْعَةِ الْمُبَارَکَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ یَا مُوسَى إِنِّی أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِینَ / وَأَنْ أَلْقِ عَصَاکَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ کَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ یُعَقِّبْ یَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّکَ مِنَ الْآَمِنِینَ)(7).
فإذا کان مورد الآیتین الأولیین مختلفاً عن مورد الآیتین الأُخریین من سورتی النمل والقصص فأىُّ محذورٍ فی إختلاف الحال الذی صارت إلیه عصا موسى (علیه السلام)، نعم لو کانت الآیات تُنبأ عن حدثٍ واحد ورغم ذلک اختلفت الحال الذی صارت إلیه عصا موسى (علیه السلام) لکان الإشکال متجهاً إلا انَّ الأمر لم یکن کذلک، فالآیتان من سورتی الأعراف والشعراء تتحدثان عمَّا وقع للعصا فی محضر فرعون حینما کان موسى (علیه السلام) بصدد البرهنة على صدق دعواه.
ففی تلک الواقعة أخبر القرآن عن صیرورة العصا ثعباناً مبیناً، وأما وصف القرآن للحیَّة المنقلبة عن العصا بأنَّها تهتزُّ کأنَّها جانٌّ کان فی ظرفٍ آخر وواقعةٍ أُخرى حینما کان موسى فی جانب الطور الأیمن وقد آنس ثمةَ ناراً فقال لأهله امکثوا إنِّی آنست ناراً، فی ذلک الموضع نادى الجلیل جلَّ وعلا موسى بقوله: (یَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ / وَأَلْقِ عَصَاکَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ کَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ یُعَقِّبْ یَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّی لَا یَخَافُ لَدَیَّ الْمُرْسَلُون)(8).
ولیس بمستغربٍ على الله تعالى أنْ یجعل من العصا فی ظرفٍ ثعباناً مبیناً عظیماً وأنْ یجعل منها فی ظرفٍ آخر حیَّةً تهتزُّ کأنَّها جان.
بل إنَّ القرآن قد أخبر عن الله تعالى أنَّه جعل للعصا أکثر من أثرٍ إعجازی، فبها قد إنفلق البحرُ فکان کل فرق کالطود العظیم کما ورد ذلک فی قوله تعالى: (فَأَوْحَیْنَا إلى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاکَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَکَانَ کُلُّ فِرْقٍ کَالطَّوْدِ الْعَظِیمِ)(9).
وکذلک فإنَّ الله تعالى قد أمر موسى (علیه السلام) حین إستسقاه قومه أنْ یضرب بعصاه الحجر فإنفجرت منه إثنتى عشرة عیناً، قال تعالى: (وَأَوْحَیْنَا إلى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاکَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَیْنًا قَدْ عَلِمَ کُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ)(10) فأیُّ محذورٍ فی انْ تکون لعصا موسى (علیه السلام) آثارٌ وحالاتٌ إعجازیة مختلفة. هذا أولاً.
وثانیاً: إنَّ قول مُورِد الشبهة أنَّ العصا التی تهتز لیست ثعباناً فیه تشویشٌ على ما هو المراد من الآیة المبارکة، فالموصوف بالإهتزاز لیس هو العصا وإنَّما هی الحیَّة المنقلبة عن العصا بقرینة ماورد فی آیات أُخرى تصف ذات الواقعة قال تعالى: (وَهَلْ أَتَاکَ حَدِیثُ مُوسَى / إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْکُثُوا إِنِّی آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّی آَتِیکُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى / فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِیَ یَا مُوسَى / إِنِّی أَنَا رَبُّکَ فَاخْلَعْ نَعْلَیْکَ إِنَّکَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى / وَأَنَا اخْتَرْتُکَ فَاسْتَمِعْ لِمَا یُوحَى)(11) إلى انْ قال تعالى: (وَمَا تِلْکَ بِیَمِینِکَ یَا مُوسَى / قَالَ هِیَ عَصَایَ أَتَوَکَّأُ عَلَیْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِی وَلِیَ فِیهَا مَآَرِبُ أُخْرَى / قَالَ أَلْقِهَا یَا مُوسَى / فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِیَ حَیَّةٌ تَسْعَى / قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِیدُهَا سِیرَتَهَا الْأُولَى)(12).
فقوله تعالى: (وَأَلْقِ عَصَاکَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ کَأَنَّهَا جَانٌّ)(13) فیه إیجاز وحذف یقتضیه الحال وتقدیره - کما أفاد الطبرسی مجمع البیان - "وألقِ عصاک فألقاها فصارت حیىَّة تهتز کأنها جان" و الحذف و الإیجاز إذا کان مناسباً لمقتضى الحال بأنْ کان معلوماً لمتلقِّی الخطاب أو أقام المتکلم قرینة على إرادته کان ذلک منأوجُه البلاغة التی قد لا یُدرکها مُورِد الشبهة لقصوره عن إدراک تصاریف الکلام العربی.
هذا وقد إستعمل القرآن الکریم إسلوب الحذف والإیجاز فی موارد کثیرة لا تخفى على مَن له حظٌ من فهمٍ للأُسلوب القرآنی، ولنذکر مثالاً على ذلک، وهو قوله تعالى مخاطباً موسى وهارون: (فَأْتِیَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِینَ / أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِی إِسْرَائِیلَ)(14) ثم قال تعالى مباشرة: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّکَ فِینَا وَلِیدًا وَلَبِثْتَ فِینَا مِنْ عُمُرِکَ سِنِینَ)(15) أی قال فرعون لموسى ألم نربک فینا ولیداً، فهنا القرآن لم یذکر لنا أنَّ موسى (علیه السلام) بعد التکلیف الإلهی ذهب إلى فرعون وکلَّمه وأخبره بأنَّه رسولٌ من ربِّ العالمین بل تصدَّى مباشرةً لبیان جواب فرعون لموسى، وما ذلک إلا لکون الکلام المحذوف مفهوماً بمقتضى السیاق، فکان الحذف والإیجاز فی مثل المقام هو الأنسب بأوجُه البلاغة من الإطناب.
وهکذا هو الحال بالنسبة لقوله تعالى: (وَأَلْقِ عَصَاکَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ کَأَنَّهَا جَانٌّ).
على انَّ الآیة المبارکة إشتملت على قرینةٍ یُعرف منها قصد صیرورة العصا حیَّةً تسعى، وذلک لأنه تعالى قد شبهها بالجان، والجانُّ هی الحیَّة السریعة فی حرکتها، فکانت الحیَّة المنقلبة عن العصا کبیرةً فی حجمها إلا انَّها مثل الجان فی سرعة حرکتها.
فطبیعة الحیَّة ذات الحجم الکبیر هو البطئ فی الحرکة إلا انَّ الحیَّة المنقلبة عن عصا موسى (علیه السلام) کانت بقدرة الله تعالى سریعة الحرکة لذلک تمَّ تشبیهها بالجان للتعبیر عن سرعة إهتزازها وحرکتها ولتکون أکثر ظهوراً فی انَّ ذلک شأنُ إعجازیٌّ مدبَّرٌ مباشرةً عن الله تعالى، ولأنها کانت کذلک فأنَّ موسى لما رآها ولَّى تلقائیاً مدبْراً ولم یعقِّب.
 
المصادر : الشیخ محمد صنقور
1- سورة الأعراف آیة رقم 107.
2- سورة النمل آیة رقم 10.
3- سورة الأعراف آیات رقم 104-107.
4- سورة الشعراء آیة رقم 16.
5- سورة الشعراء آیات رقم 28 -32.
6- سورة النمل آیات رقم 7 -10.
7- سورة القصص آیات رقم 29 -31.
8- سورة النمل آیتان رقم 9 -10.
9- سورة الشعراء آیة رقم 63.
10- سورة الأعراف آیة رقم 160.
11- سورة طه آیات رقم 9 -13.
12- سورة طه آیات رقم 17 -21.
13- سورة النمل آیة رقم 10.
14- سورة الشعراء آیتان رقم 16 -17.
15- سورة الشعراء آیة رقم 18.

user comment
 

آخر المقالات

  حبيب بن مظاهر الاسدي ومكانته عند الحسين (ع)
  خروج الحسين: سؤال الحرية؟
  يوم عاشوراء في اللغة والتاريخ والحديث
  أربعينية الإمام الحسين ( عليه السلام )
  تکريم اصحاب الکهف
  الاحداث السخيفة بدأت من السقيفة
  في ذكرى يوم المباهلة
  قصة المباهلة
  يوم المباهلة 24 ذو الحجّة
  يوم المباهلة تسمى الآية ( 61 ) من سورة آل عمران