عربي
Saturday 18th of November 2017
code: 88721
التفريق بين الصحابة

روى ابن عرفة المعروف بنفطويه ، وهو من اكابر المحدثين واعلامهم كما جاء في شرح النهج للمعتزلي ( ان اكثر الاحاديث في فضائل الصحابة قد افتعلت في ايام بني امية تقرباً اليهم بما يظنون انهم يرغمون انوف بن هاشم .
وقد صيغت بأسلوب يجعل من كل صحابي قدوة صالحة لاهل الارض وتصب على كل من سب احداً منهم او اتهمه بسوء ، كما جاء فيما رووه عن انس بن مالك
( من سب احداً من اصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين ، ومن عابهم او انتقصهم فلا تؤاكلوه ولا تشاربوه ولا تصلوا عليه ) )وقد جاءت بهذا الاسلوب ولم تفرق بين صحابي وصحابي ) .
ولي الله بالنص ، واخو رسول الله بالنص ، وعميد آل البيت بالنص ، وباب مدينة العلم اللدني بالنص ، هو على الاقل صحابي يحمل هذا اللقب كما يحمله غيره .
فما حكم من يسبه ويفرض سبه والانتقاص منه في جميع المقاطعات التي كانت تخضع لحكم معاوية ؟
وما حكم الذين اطاعوا معاوية بسبه ؟
هل يشملهم هذا الحديث الآنف ؟
وعندما نصح معاوية بعض خلصائه للتوقف عن سب عليّ وشيعته قال :
والله لا ادع سبه وشتمه حتى يهرم عليه الكبير ويشب عليه الصغير .
وقد بذل للصحابي ابي سمرة بن جندب خمسمائة الف درهم ليروي له عن النبي ان الاية ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو الد الخصام واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ) نزلت في علي بن ابي طالب .
وان الاية ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) نزلت في عبد الرحمن بن ملجم لانه قتل علياً عليه السلام .
فما لهذه النظرية تفرق بين صحابي وصحابي وتطبق على اناس ولا تطبق على الآخرين ؟
ولا عاقل في الدنيا ينفي ان شتم عليّ وآله قد فرضته الدولة على كل رعاياها ، وانهم قد شاركوا الدولة هذا الاثم رهبة او رغبة .
دور الصحابة في السنن والتشريع
في عهد الصحابة والطبقة الاولى من التابعين كان دور الصحابة منحصراً على نقل اقوال الرسول وافعاله ، فبعد ان كانت السنة لا تتعدى اقوال الرسول وافعاله عند متقدمي الصحابة اصبحت في العصور التي تعددت فيها المذاهب تتسع لرأي الصحابي وفتواه .
فاذا لم يجدوا نصاً على حكم الواقعة في كتاب الله وسنة الرسول اصبحت آراء الصحابة في احكام الحوادث التي كانت تعرض عليهم المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد كتاب الله وسنة رسوله !
ولعل ائمة المذاهب الثلاثة وعلماءهم :
الاحناف والمالكية والحنابلة اكثر تعصبا من الشوافع كما يبدو ذلك من تصريحاتهم ومجاميعهم الفقهية .
ومع ان ابا حنيفة كان متحمساً للقياس ويراه من افضل المصادر بعد كتاب الله فقد كان يقدم رأي الصحابي اذا تعارض في مورد من الموارد .
وجاء عنه انه كان يقول :
اذا لم اجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله اخذت بقول اصحابه ، فاذا اختلفت آراؤهم في حكم الواقعة آخذ بقول من شئت وادع من شئت ، ولا اخرج من قولهم الى قول غيرهم من التابعين .
وان الاحناف والحنابلة قد ذهبوا الى تخصيص الكتاب بعمل الصحابي لان الصحابي العالم لا يترك العمل بعموم الكتاب الا لدليل ، فيكون عمله على خلاف عموم الكتاب دليلاً على التخصيص وقوله بمنزلة عمله (1) .
وما ابعد ما بين هؤلاء اهل السنة وبين اهل الشيعة القائلين بعدم جواز الاعتماد على السنة في مقام التشريع الا اذا تأيدت بآية من القرآن لان فيه تبيان لكل شيء .
وقد نزل بلغة العرب ، وبأسلوب يفهمه كل عربي ، وذلك لان السنة رواها عن الرسول جماعة يجوز عليهم الخطأ والكذب .
وكانوا لا يقبلون مرويات بعضهم احياناً ويعمل كل منهم بما يوحيه اليه اجتهاده ، وقد تراشقوا بأسوأ التهم واستحل بعضهم دم بعض (2) .
ومهما كان الحال فاقوال الصحابة وآراؤهم واجتهاداتهم من ابرز اصول التشريع عند الجمهور بعد كتاب الله .
وفي الوقت ذاته يخصصون بها عمومياته ويقيدون بها مطلقاته وكأنها وحي من السماء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
ومن المعلوم ان هذا الغلو في تقديس الصحابة لا يختلف عن العصمة في شيء ، ويتسع للمنافقين وللمشركين الذين ارغموا على التظاهر بالاسلام .
وهذا الغلو في تقديس الصحابة قد تحول في الفترة التي ظهرت فيها المذاهب الفقهية لمحاربة التشيع لائمة اهل البيت في فقههم واصولهم وجميع تعاليمهم التي تجسد الاسلام في جميع مراحله وفصوله كما ورثوه عن جدهم ( علي ) الذي وهو مدينة العلم .
وكان الائمة عليهم السلام يقولون
( اذا حدثنا لا نحدث الا بما يوافق كتاب الله وكل حديث ينسب الينا لا يوافق كتاب الله فاطرحوه )
كما كان الامام الصادق يقول
( حديثي حديث ابي ، وحديث ابي حديث جدي ، وحديث جدي حديث رسول الله ، وحديث رسول الله قول الله ) (3) .
الصحبة تشمل كل من صحب النبي او رآه او سمع منه ، فهي تشمل المؤمن والمنافق والعادل والفاسق والبر والفاجر ...
فالصحبة ليست بمجردها عاصمة تلبس صاحبها ايراد العدالة ، وانما تختلف منازلهم وتتفاوت درجاتهم بالاعمال . ولنا في كتاب الله واحاديث رسول الله كفاية عن التحمل في الاستدلال على ما نقول ، والآثار شاهدة على ما نذهب اليه من شمول الصحبة وان فيهم العدول من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، ورسخت اقدامهم في العقيدة ، وجرى الايمان في عروقهم ، واخلصوا لله فكانوا بأعلى درجة من الكمال .
وقد وصفهم الله عز وجل بقوله تعالى ( اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من اثر السجود ، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجراً عظيماً) .
وهم المؤمنون ( الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وانفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون ) ( سورة الحجرات ) . وقد أمر الله باتباعهم والاقتداء بهم بقوله ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) ( سورة التوبة ) .
هؤلاء هم اصحاب محمد العدول عند الشيعة .
الشيعة تناقش اعمال ذوي الشذوذ من الصحابة بحرية فكر وتزن كل واحد منهم بميزان عمله فلا يوادون من حاد الله ورسوله ويتبرأون ممن اتخذوا ايمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله .
وهم بهذا الاسلوب لا يخالفون كتاب الله وسنة رسوله وعمل السلف الصالح في تمييز الصحابة .
المصادر :
1- راجع ابا حنيفة لابي زهرة ص 304 وراجع آراء علماء المسلمين في التقية والصحابة وصيانة القرآن الكريم ص 87 وما فوق لقد لخصنا ما ذكره في هذا المجال الايماني لموافقته للصواب .
2- راجع المدخل الى علم اصول الفقه لمعروف الدواليبي ص 217 وراجع المرجع السابق .
3- لقد اقتطفنا هذا الموضوع من كتاب آراء علماء المسلمين للسيد مرتضى الرضوي ، فارجع اليه ص 87 وما فوق وغايتنا وضع الحقيقة الشرعية امام طلابها .

user comment
 

آخر المقالات

  سد الابواب الا باب ابو بکر
  التاريخ السياسي الاسلامي
  الدرس الحسيني ووظيفة الأجيال
  الثقافة الحسينية والشعر العاشورائي
  العمق العقائدي لعاشوراء
  نجاح الانقلاب وتقويض الشرعية
  موقع الامام علي عليه السلام وموقع معاوية
  رسالة الی ابي وامي
  أهل الذمة في عصر الأمويين
  خالد بن الوليد و الطوق في الجيد