عربي
Monday 18th of December 2017
code: 88674
ما هي العصمة

تعريف العصمة الاصل في معنى هذه الكلمة هو المعنى اللغوي، فإنك إذا راجعت لسان العرب وتاج العروس والصحاح للجوهري(1) ، وجدتهم يفسّرون كلمة العصمة بالمنع أو كلمة عَصَمَ بمَنَعَ.
وهذه المادة استعملت في القرآن الكريم أيضاً في قوله تعالى عن لسان ابن نوح: (قَالَ سَآوِي إلَى جَبَل يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أمْرِ اللهِ)(2) ، وأيضاً في قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا)(3) ، وفي غير هذه الموارد.
وإذا راجعتم كتب التفسير في ذيل هذه الايات المباركات،لوجدتم المفسّرين يفسّرون كلمة العصمة أو مادة العصمة مثل هذه الايات بالتمسّك.
ويقول الراغب: العصم هو الامساك، الاعتصام الاستمساك(4) .
والذي يظهر لي أن بين المسك والتمسك والاستمساك، وبين المنع، فرقاً دقيقاً ربما لا يلتفت إليه، وهكذا توجد الفروق الدقيقة بين ألفاظ اللغة العربية، فإن بين «الحفظ» و«المنع» و«الحجر» و«العصم» وأمثال هذه الالفاظ المتقاربة في المعنى، توجد فوارق، تلك الفوارق لها تأثير في فهم المطلب في كل مورد تستعمل فيه لفظة من هذه الالفاظ.
فالمعصوم، الله سبحانه وتعالى قد جعل فيه قوةً، تلك القوة تمنعه كما يقول أولئك، وتمسكه كما يقول الراغب.
(قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنَ أَمْرِ اللهِ) أي لا مانع من أمر الله، أو لا ماسك من أمر الله، والفرق بينهما دقيق.
تلاحظون، لو أن أحداً أراد أن يسقط من مكان عال ومنعه أحد من الوقوع يقولون: منعه من الوقوع، لكنْ إذا مدّ يده ومسكه كان هذا المنع أخص من ذلك المنع الذي ليس فيه مسك.
لا نطيل عليكم، فلتكنْ العصمة بمعنى المنع.
العصمة شرط في النبي بلا خلاف بين المسلمين في الجملة، وإنما قلت: في الجملة، لان غير الامامية يخالفون الامامية في بعض الخصوصيات التي اشترطها واعتبرها الامامية في العصمة، كما أن غير الامامية أيضاً قد اختلفوا فيما بينهم في بعض الخصوصيّات، إلاّ أن الاجماع قائم على اعتبار العصمة بنحو الاجمال بين جميع الفرق من الامامية والمعتزلة والاشاعرة.
يشير العلامة الحلي رحمة الله عليه إلى رأي الامامية بالاجمال وإلى بعض الاقوال الاُخرى يقول:
ذهبت الامامية كافّة: إلى أن الانبياء معصومون عن الصغائر والكبائر، منزّهون عن المعاصي، قبل النبوّة وبعدها، على سبيل العمد والنسيان، وعن كلّ رذيلة ومنقصة وما يدل على الخسة والضعة، وخالفت أهل السنة كافّةً في ذلك، وجوّزوا عليهم المعاصي، وبعضهم جوّزوا الكفر عليهم قبل النبوّة وبعدها، وجوّزوا عليهم السهو والغلط، ونسبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السهو في القرآن بما يوجب الكفر... ونسبوا إلى النبي كثيراً من النقص(5) .
ثم ذكر موارد من ذلك نقلها عن الصحاح وغيرها.
وإذا شئتم الوقوف على تفاصيل هذه الاقوال فعليكم بمراجعة كتاب دلائل الصدق(6) للشيخ المظفر حيث ذكر تلك الاقوال بشرح هذه العبارة من العلامة الحلي، ناقلاً عن المواقف وشرحها وعن المنخول الغزّالي وعن الفصل لابن حزم الاندلسي، وغير هذه الكتب. ونحن الان لا نريد الدخول في هذه التفاصيل.
عرفنا إلى الان معنى العصمة لغة، وأن العصمة بنحو الاجمال مورد قبول واتفاق بين المسلمين بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو مطلق الانبياء.
العصمة في الاصطلاح
قال الشيخ المفيد رحمه الله في النكت الاعتقادية: العصمة لطف يفعله الله بالمكلف بحيث يمتنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما(7) .
ويقول المحقق الشيخ نصير الدين الطوسي في كتاب التجريد: ولا تنافي العصمة القدرة(8) .
فذكر العلامة الحلي في شرح التجريد معنى هذه الجملة، وذكر أقوال الاخرين(9) .
ثم ذكر العلامة الحلي رحمه الله في الباب الحادي عشر ما نصه: العصمة لطف بالمكلف بحيث لا يكون له داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك(10) .
ويضيف بعض علمائنا كالشيخ المظفر في كتاب العقائد: بل يجب أن يكون منزّهاً عما ينافي المروة، كالتبذّل بين الناس من أكل في الطريق أو ضحك عال، وكل عمل يستهجن فعله عند العرف العام(11) .
فهذا تعريف العصمة عند أصحابنا.
إنهم يجعلون العصمة من باب اللطف، ويقولون بأن العصمة حالة معنوية موجودة عند المعصوم بلطف من الله سبحانه وتعالى، هذا اللطف الذي عبّر عنه سبحانه وتعالى بقوله: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلّوكَ)(12) .
هذا اللطف والفضل والرحمة من الله سبحانه وتعالى يُمسك المعصوم عن الاقدام على المعصية، وعلى كل ما لا يجوز شرعاً أو عقلاً، مع قدرته على ذلك، وكذا عن الاقدام على كل ما يتنافى مع النبوة والرسالة، ويكون منفراً عنه عقلاً كما أضاف الشيخ المظفر.
وإذا كان هذا تعريف العصمة، وأنها من اللطف والفضل والرحمة الالهية بحقّ النبي، فنفس هذه العصمة يقول بها الامامية للائمة الاثني عشر ولفاطمة الزهراء سلام الله عليها بعد رسول الله، فيكون المعصومون عندنا أربعة عشر، وقد رأيت في بعض الكتب أن سلمان الفارسي أيضاً معصوم، ولا يهمّنا البحث الان عن ذلك القول.
وإذا كانت العصمة حالة معنوية باطنة، وهي فضل من الله سبحانه وتعالى، فلابد وأن يكون الكاشف عن هذه الحالة من قبله
سبحانه وتعالى، والكاشف إمّا آية في القرآن، والقرآن مقطوع الصدور، وإما أن يكون رواية ونصّاً متواتراً أو مقطوع الصدور ومفيداً لليقين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومع وجود هذه الحالة عند الشخص، وامكان وجوده بين الناس، يقبح عقلاً تقدّم من ليست فيه هذه الحالة عليه.
إذن، لابد من كاشف عن وجود هذه الحالة أينما كانت موجودة، وقد أوضحنا بالتفصيل في بحوثنا السابقة على أساس بعض الايات المباركات والاحاديث المتواترات، وجود العصمة في رسول الله وفي فاطمة الزهراء سلام الله عليهما، وفي أمير المؤمنين وفي الحسنين (عليهم السلام)، فآية التطهير دلّت على عصمة هؤلاء، وآية المباهلة دلّت على عصمة أمير المؤمنين، وحديث المنزلة دلّ على عصمة أمير المؤمنين، وحديث الثقلين دلّ على عصمة الائمة.
فظهر أن العصمة:
أولاً: حالة معنوية توجد في الانسان بفضل الله سبحانه وتعالى، فلا تكون كسبيّة ولا تحصل بالاكتساب.
ثانيا: لما كانت هذه الحالة بفضل الله سبحانه وتعالى وبرحمة منه، وبفضل ولطف، وبفعل منه كما عبّر علماؤنا، فلابد من مجيء
دليل من قِبَله يكشف عن وجودها في المعصوم، ولذا لا تقبل دعوى العصمة من أي أحد إلاّ وأن يكون يدعمها نص أو معجزة يجريها الله سبحانه وتعالى على يد هذا المدّعي للعصمة، كما أن أصل النبوة والامامة أيضاً كذلك، فلا تسمع دعوى النبوة ولا تسمع دعوى الامامة من أحد ولاحد إلاّ إذا كان معه دليل قطعي يثبت إمامته أو نبوّته ورسالته.
وعمدة البحث في العصمة أمران:
الامر الاول:
كيف تجتمع العصمة أو هذه الحالة المعنوية الخاصّة مع القدرة على إتيان المنافي.
الامر الثاني:
ما الدليل على العصمة المطلقة التي يدّعيها الامامية، أي إنهم يدّعون العصمة حتى عن السهو والخطأ والنسيان.
هذان الامران عمدة البحث في العصمة.
العصمة ومسألة الجبر أوضح علماؤنا أن هذه الحالة تجتمع تماماً مع ما ذهبت إليه الطائفة من أنْ لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الامرين، وذلك بأن العصمة تمسك المعصوم وتمنعه عن أي مناف، ولكن لا تلجؤه إلى الطاعة، ولا تلجؤه إلى ترك المعصية أو المنافي.
وهذا المعنى قد أشار إليه العلامة رحمه الله في تعريفه من جهتين:
الاُولى:
قوله «بالمكلف» حيث قال: العصمة لطف يفعله الله بالمكلف. فإنه يريد أن يفهمنا بأن المعصوم مكلَّف، أي إنه مأمور بالطاعة وترك المعصية، وأنه إذا أطاع يثاب، وإذا عصى يعاقب، ولذا جاء في القرآن الكريم: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)(13) ، يعني: إن المرسلين كسائر أفراد أُممهم مكلَّفون بالتكاليف، فلا يكون من هذه الناحية فرق بين الرسول وبين أفراد أُمته، وعلى الرسول أنْ يعمل بالتكاليف، كما أن على كل فرد من أفراد أُمّته أن يكون مطيعاً وممتثلاً للتكاليف، فلو كان المعصوم مسلوب القدرة عن المعصية، مسلوب القدرة على ترك الاطاعة، فلا معنى حينئذ للثواب والعقاب، ولا معنى للسؤال.
وقد بيّنا بالاجمال هذا المطلب في بحثنا عن آية التطهير.
والجهة الثانية
الموجودة في كلام العلامة رحمه الله قوله: بحيث لا يكون له داع إلى ترك الطاعة وفعل المعصية.
ففي هذه العبارة إشارة إلى أن ترك الطاعة وفعل المعصية إنما يكون بداع نفساني يحمل الانسان على الاطاعة، أو يحمل الانسان على إتيان المعصية وارتكابها، وهذا الانسان قد أودع الله فيه سبحانه وتعالى مختلف القوى التي يستخدمها لاغراضه الصحيحة وغير الصحيحة، إلا أن العصمة تمسك المعصوم، بحيث لا يبقى له داع إلى ارتكاب المعصية أو ترك الطاعة والتكليف الشرعي.
ثم إن السيد الطباطبائي صاحب الميزان (رحمه الله)، عبّر عن هذا اللطف الالهي بالموهبة، فالعصمة عبّر عنها بالموهبة الالهيّة، وأرجع العصمة إلى العلم، وذكر أنها ـ أي العصمة ـ نوع من العلم والشعور يغاير سائر أنواع العلم، في أنه غير مغلوب لشيء من القوى الشعورية البتة، بل هي الغالبة القاهرة عليها المستخدمة إيّاها، ولذلك كانت تصون صاحبها من الضلال والخطيئة مطلقاً.
وإذا كانت العصمة راجعة إلى العلم، فيكون الامر أوضح، لان الانسان إذا علم بقبح شيء فلا يريده، وإذا علم بالاثار المترتبة على الفعل الذي يريد أنْ يقدم عليه، تلك الاثار إنْ كانت حسنةً فإنه يقدم، وإنْ كانت سيّئة فإنه يحجم، فتكون العصمة حينئذ منبعثة عن العلم ؟
ويكون الفارق بين المعصوم وغير المعصوم: أن غير المعصوم لم يحصل له ذلك العلم الذي حصل عليه المعصوم، ولذا لا يبلغ غير المعصوم مرتبة العصمة، لعدم وجود العلم اللازم فيه، وعدم حصول ذلك العلم الخاص له، وكثير من الاشياء يعجز الانسان عن درك حقائقها من محاسن ومساوي، أما إذا كان الانسان عالماً وبتلك المرحلة من العلم، وكان عنده تلك الموهبة الالهية ـ كما عبّر السيد الطباطبائي رحمه الله ـ فإنه يعلم بحقائق الاشياء ويمتنع صدور مالا يجوز عنه.
ولابد من التحقيق الاكثر في نظرية السيد الطباطبائي رحمه الله، وأنه هل يريد أن العصمة منبعثة من العلم، وأنه هو المنشأ لهذه الحالة المعنوية الموجودة عند المعصوم، كما قرأنا في هذه العبارة، أو أنه يريد أنّ العصمة نفس العلم.
وعلى كل حال، فإن الانسان إذا كان عالماً بحقائق الاشياء وما يترتب على كل فعل يريد أن يفعله، أو حتّى على كل نية ينويها فقط، عندما يكون عالماً ومطّلعاً على ما يترتب على ذلك، فسيكون عنده رادع على أثر علمه عن أنْ يقدم على ذلك العمل إذا كانت آثاره سيّئة، أو أنه سيقدم على العمل إذا كانت آثاره مطلوبة وحسنة.
العصمة عن السهو والخطأ والنسيان أننا نشترط في العصمة أنْ يكون المعصوم منزّهاً عن السهو والخطأ والنسيان أيضاً، ولا منزهاً عن المعاصي والذنوب فقط.
كانت آية التطهير تدلّنا على عصمة الائمة أو على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) من الرجس، وكلمة الرجس نستبعد أنْ تطلق وتستعمل ويراد منها الخطأ والنسيان والسهو، إذن، لابد من دليل آخر، فما ذلك الدليل على أن الامام والنبي معصومان ومنزّهان حتى عن السهو والخطأ والنسيان وما شابه ذلك ؟
الدليل على ذلك: كل ما دلّ من الكتاب والسنّة والعقل والاجماع على وجوب الانقياد للامام أو النبي، على وجوب إطاعته إطاعةً مطلقة غير مقيدة.
تارةً نقول لاحد: عليك بإطاعة زيد في الفعل الكذائي، عليك بإطاعة زيد في الوقت الكذائي، عليك بإطاعة زيد إنْ قال لك كذا.
أما إذا قيل للشخص: يجب عليك إطاعة زيد إطاعةً مطلقة غير مقيدة بقيد، غير مقيدة بحالة، غير مقيدة بوقت، فالامر يختلف.
وبعبارة أُخرى: الامام حجةٌ لله سبحانه وتعالى على خلقه، والخلق أيضاً إنْ انقادوا لهذا الامام، وامتثلوا أوامره، وطبّقوا أحكامه وأخذوا بهديه وسيرته، سوف يحتجّون على الله سبحانه وتعالى بهذا الامام.
إذن، الامام يكون حجة الله على الخلائق، وحجة للخلائق إذا كانوا مطيعين له عند لله سبحانه وتعالى، ولذا يكون قول المعصوم حجة، فعل المعصوم حجة، وتقرير المعصوم حجة.
عندما يعرّفون السُنّة يقولون: السنّة قول المعصوم أو فعله أو تقريره، والسنّة حجة.
ولماذا ؟ لانّ جميع حركات المعصوم وأفعاله وتروكه وحالاته يجب أن تكون بحيث لو أنّ أحداً اقتدى به في تلك الحالات، في تلك الاقوال، وفي تلك الافعال، يمكنه أنْ يحتجّ عند الله سبحانه وتعالى عندما يُسأل لماذا فعلت ؟ لماذا تركت ؟ عندما يسأل لماذا كنت كذا ؟ لماذا لم تكن كذا ؟ فالملاك نفس الملاك بالنسبة إلى المعصية.
ولو أنك راجعت كتب الكلام من السنّة والشيعة، عندما ينزّهون النبي عن المعصية وعن ارتكاب الخطأ يقولون: بأن ذلك منفّر، ويجب أنْ يكون النبي منزّهاً عن المنفّر، لان الله سبحانه وتعالى قد نصب هذا الشخص لان تكون جميع أعماله حجة، ولان يكون أُسوة وقدوة في جميع أعماله وحالاته وسيرته وهديه، فإذا جاء الامر بالانقياد مطلقاً، جاء الامر بالطاعة المطلقة، لابد وأنْ يكون المطاع والمنقاد له معصوماً حتى من الخطأ والنسيان.
لو أنك طلبت من أُستاذ أنْ يدرّس ولدك درساً معيّناً، فجاء في يوم من الايام وقال: بأني نسيت درس اليوم، أو درّس هذا التلميذ درساً غير ما كان يجب عليه أنْ يدرّس، أو أخطأ في التدريس، لربما في اليوم الاول تسامحه ويكون معذوراً عندك، ولو جاء في اليوم الثاني، وأيضاً أخطأ في التدريس أو نسي الدرس، ثم جاء في اليوم الثالث وكرّر تلك القضية أيضاً، لاشك أنك ستعترض عليه، وستعوّضه بأُستاذ آخر.
وهكذا لو أن إماماً نُصب في مسجد، لانْ يأتمّ به الناس في الصلاة، فسهى في صلاة، وفي اليوم الثاني أيضا سهى، وهكذا تكرّر منه السهو أياماً، لا ريب أن القوم سيجتمعون عليه، وسيطلبون منه مغادرة هذا المسجد، وسيتوجهون إلى شخص آخر وينصبونه إماماً لهم، وهذا شيء طبيعي.
ولو أنك راجعت طبيباً، وأخطأ في تشخيص مرضك، وراجعه مريض آخر وأخطأ أيضاً في تشخيص مرضه، وراجعه مريض ثالث وأخطأ أيضاً في تشخيص مرضه، لاجتمع الناس وأهل البلد كلهم على هذا الطبيب، ولاغلقوا عليه بابه، ولغادر البلد بكل احترام !! وهذا شيء واضح.
الله سبحانه وتعالى يريد أنْ ينصب أحداً بين المجتمع لانْ تكون جميع أعمال هذا الشخص، وجميع أفعاله، وجميع حالاته حجة، يحتج بها على العباد، يكون قدوة للناس فيها ويكون أُسوة، يتبعونه ويسلكون مسلكه ثم يعتذرون إلى الله ويحتجون عليه بهذا الشخص.
لاحظوا كلام بعض علماء السنّة، أقرأ لكم عبارةً واحدةً فقط تشتمل على بعض الاراء والكلمات:
يقول الزرقاني المالكي في شرح المواهب اللدنيّة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنه معصوم من الذنوب، بعد النبوة وقبلها، كبيرها وصغيرها، وعمدها وسهوها على الاصح [ كلمة على الاصح إشارة إلى وجود الخلاف بينهم ] في ظاهره وباطنه، سرّه وجهره، جدّه ومزحه، رضاه وغضبه، كيف ؟ وقد أجمع الصحب على اتّباعه [ هذه هي النقطة ] والتأسي به في كل ما يفعله، وكذلك الانبياء
[ أي: لا يختص هذا بنبيّنا، كل الانبياء هكذا ].
قال السبكي: أجمعت الاُمة على عصمة الانبياء فيما يتعلق بالتبليغ وغيره، من الكبائر والصغائر، الخسّة أو الخسيسة، والمداومة على الصغائر، وفي صغائر لا تحط من رتبتهم خلاف: ذهب المعتزلة وكثير من غيرهم إلى جوازها، والمختار المنع [ لماذا ؟ هذه هي العلة: ] لانا أُمرنا بالاقتداء بهم في ما يصدر عنهم، فكيف يقع منهم ما لا ينبغي ؟ ومن جوّزه لم يجوّز بنص ولا دليل(14) .
إن قضية شهادة خزيمة بن ثابت الانصاري، وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقّبه في تلك الواقعة بلقب ذي الشهادتين هي من أحسن الشواهد.
وقضية شهادة خزيمة هي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اشترى من أعرابي فرساً، ثم إن الاعرابي أنكر البيع، وليس هناك من شاهد، فأقبل خزيمة بن ثابت ففرّج الناس بيده حتى انتهى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: أشهد يا رسول الله لقد اشتريته، فقال الاعرابي: أتشهد ولم تحضرنا ؟ [ سؤال وجيه، لان الشهادة تجب أن تكون عن علم ]
وقال النبي: «أشهدتنا ؟» قال: لا يا رسول الله، عندما تبايعتم واشتريت الفرس من الاعرابي لم أكن حاضراً، ولكني علمت أنك قد اشتريت، وإذنْ أشهد عن علم، والشهادة يجب أن تكون عن علم، قال خزيمة: أفنصدّقك بما جئت به من عند الله، ولا أُصدّقك على هذا الاعرابي الخبيث ؟، قال: فعجب رسول الله وقال: «يا خزيمة شهادتك شهادة رجلين»(15) .
من هذه القضية نفهم أن الصحابة عرفوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنه لا يكذب، ولا يدّعي مال الغير بلا دليل، هذا صحيح، ولا خلاف في هذا، لكنّ المدّعى أن النبي معصوم عن الخطأ والنسيان، وعن السهو، وعلى ذلك شهد خزيمة بالامر، أما كان خزيمة يحتمل أن رسول الله مشتبه ؟ ألم يكن هذا الاحتمال ولو واحد بالمائة احتمالاً وارداً ليمنع خزيمة من القيام بهذه الشهادة ؟ لا ريب أنه كان عالما بانّ رسول الله لا يكذب، لا يدّعي مال الناس، هذا واضح، لكنْ أليس كان من المناسب أن يتأمّل ويسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله لعلّك سهوت ! لعلّك مشتبه ! لعلّك نسيت ! لعلّ هذا الاعرابي ليس ذلك الاعرابي الذي تعاملت معه، أو لعلّ هذا الفرس غيرالفرس الذي اشتريته من الاعرابي. لكنّ كلّ هذه الاحتمالات منتفية عند خزيمة، ويأتي، ويفرّج الناس، ويشهد بأن الحق مع رسول الله، بلا تريّث ولا تأمل أبداً، وهكذا عرفوا رسول الله، ولابد وأنْ يكون كذلك.
قال السبكي: لانا أُمرنا بالاقتداء بهم فيما يصدر عنهم مطلقاً، فكيف يقع منهم ما لا ينبغي، ومن جوّزه لم يجوّز بنص ولا دليل.
أضف إلى ذلك، هل الخطأ والنسيان والسهو فوق النوم ؟ والحال أن نوم النبي ويقظته واحد، نوم الامام ويقظته واحد.
إتفق الفريقان على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت تنام عينه ولا ينام قلبه، هذا الحديث في سنن الدارمي وفي صحيح الترمذي على ما رأيت في معجم ألفاظ الحديث النبوي(16) ، وهذا المعنى أيضاً وارد في حق أئمّتنا سلام الله عليهم بلا فرق، ففي عدّة من الكتب للشيخ الصدوق في علامات الامام (عليه السلام)، قال (عليه السلام): «تنام عينه ولا ينام قلبه»(17) .
وهل السهو والخطأ فوق النوم، الذي في نومه أيضاً يقظان، الذي في حال نومه قلبه غير نائم، كيف يحتمل في حقه أن يكون في يقظته ساهياً خطئان مشتبهاً أحياناً ؟
أضف إلى ذلك، ألم نقرأ عن أمير المؤمنين سلام الله عليه في الخطبة القاصعة: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان معه ملك أوكله الله سبحانه وتعالى في جميع أدوار حياة رسول الله يسدّده (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ ونفس هذا المعنى موجود في حق أمير المؤمنين سلام الله عليه، قال رسول الله ـ وقد ضرب بيده على صدر علي ـ: «اللهم اهدِ قلبه وسدّد لسانه». رواه صاحب الاستيعاب وغيره(18) .

بل العجيب، أن أهل السنة أنفسهم يروون عن أبي هريرة أنه قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني سمعت منك حديثاً كثيراً فأنساه [ فإذا كان الحديث كثيراً، الانسان ينسى ] فقال رسول الله: «ابسط رداءك» فبسطته، فغرف بيديه فيه، ثم قال: «اضممه» فضممته، فما نسيت حديثاً بعده.
فكل ما يروى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بواسطة أبي هريرة يكون حقاً عن رسول الله !! وهذا ما يرويه محمد بن سعد في الطبقات(19) ويرويه أيضاً الذهبي في سير أعلام النبلاء(20) ويرويه الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري(21) ويوجد في غير هذه الكتب، فهل من عاقل مسلم يشك في ثبوت هذه الحالة لرسول الله ولعلي وللائمة الاطهار ؟!.
ثم إن عليّاً (عليه السلام) يقول: «وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم، سيماهم سيما الصدّيقين، وكلامهم كلام الابرار، عمّار الليل ومنار النهار، مستمسكون بحبل الله، يحيون سنن الله وسنن رسوله، لا يستكبرون ولا يغلون ولا يفسدون، قلوبهم [ لاحظوا هذه الكلمة بعد الكلمات السابقة، وكل كلمة تدل على مقام ] في الجنان وأجسادهم في العمل»(22) .
وإني لمن قوم [ فمن قومه ؟ لابدْ الائمة الاطهار من ذريته ]قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل، ومن كان قلبه في الجنة وهو في هذا العالم، أتراه يشك، أتراه يسهو، أتراه يلهو، أتراه ينسى.

المصادر :
1- لسان العرب 12/403 1405، تاج العروس 8/398 ، الصحاح 5/1986 عصم
2- سورة هود: 43.
3- سورة آل عمران: 103.
4- مفردات ألفاظ القرآن: 569. دار القلم ـ دمشق ـ 1412 هـ.
5- نهج الحق وكشف الصدق: 142. دار الهجرة ـ قم ـ 1414 هـ.
6- دلائل الصدق 1/604. دار المعلّم للطباعة ـ القاهرة ـ 1396 هـ.
7- النكت الاعتقادية: 37 (ضمن مصنفات المفيد ج10). المؤتمر العالمي للمفيد ـ قم ـ 1413 هـ.
8- تجريد الاعتقاد: 222. مكتب الاعلام الاسلامي ـ قم ـ 1407 هـ ـ.
9- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 365. جماعة المدرسين ـ قم ـ 1407 هـ.
10- الباب الحادي عشر: 37. دانشكاه طهران ـ طهران ـ 1365 ش.
11- عقائد الامامية: 287 ـ 288. مؤسسة الامام علي (عليه السلام) ـ قم ـ 1417 هـ.
12- سورة النساء: 113.
13- سورة الاعراف: 6.
14- شرح المواهب اللدنية بالمنح المحمديّة 5 / 314.
15- الكافي 7/400 رقم 1 باب النوادر.
16- وهو في سنن الترمذي 2/302 رقم 439.
17- رواه الشيخ الصدوق القمي في الخصال: 527 رقم 1 و428 رقم 5، ومعاني الاخبار: 102 رقم 4، وعيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1/212 رقم 1.
18- الاستيعاب 3/1100. دار الجيل ـ بيروت ـ 1412 هـ.
19- طبقات ابن سعد 2/362. دار صادر ـ بيروت ـ 1405 هـ.
20- سير أعلام النبلاء 2/595. مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 1405.
21- فتح الباري 1/174. دار احياء التراث ـ بيروت ـ 1402 هـ.
22- نهج البلاغة 2/184 شرح محمد عبده. مطبعة الاستقامة ـ القاهرة.

 


source : راسخون
user comment
 

آخر المقالات

  الثقافة واللغة
  العلم والدین
  التوحيد ونفي التشبيه
  زيد بن علي بن الحسين
  أنس بن الحارث الكاهلي
  شبهات حول الرجعة
  الاشاعـرة
  الانسان والاديان
  للرجعة احکام
  مواعظ وحكم لعلي عليه السلام