عربي
Monday 30th of March 2020
  733
  0
  0

الحج والخمس

الحج والخمس


مخارج مصارف الحجّ من مؤنة عام الاستطاعة فإذا استطاع في أثناء حول حصول الربح وتمكّن من المسير ـ بأن صادف سير الرفقة في ذلك العام ـ احتسب مخارجه من ربحه، وأمّا إذا لم يتمكّن حتّى انقضى العام وجب عليه خمس ذلك الربح، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة الآتية وجب وإلاّ فلا، و لو تمكّن و عصى حتّى انقضى الحول فكذلك على الأحوط و لو حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعدّدة وجب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة ، وأمّا المقدار المتمّم لها في تلك السنة فلا يجب خمسه إذا تمكّن من المسير وإذا لم يتمكّن ـ فكما سبق ـ يجب إخراج خمسه.
قد عرفت أنّ مدار صدق المؤنة هو الصرف والإنفاق، وعلى ذلك فمصارف الحجّ من مؤنة عام الإتيان به فلو لم يأت به قصوراً أو تقصيراً يتعلّق به الخمس، ويعلم من التفصيل الذي ذكره المصنف في المسألة أنّ الميزان عام الإتيان لا عام الاستطاعة.
ثمّ إنّ الصور المستخرجة من المتن أربع:
الأُولى: إذا ربح واستطاع أثناء السنة وتمكّن من العمل وحجّ، يعدّ ما صرفه في ذلك العام من المؤنة بل هو من أوضح مصاديقها مع الإيجاب الشرعي.
الثانية: إذا ربح واستطاع ولم يتمكن من السير عن عذر حتى انقضى العام، وجب عليه خمس ذلك الربح، لأنّ عدم التمكّن كاشف عن عدم الوجوب عليه وأنّه لم يكن هناك موضوع للمؤنة، فحينئذ إن بقيت الاستطاعة إلى السنة التالية وجب وإلاّ سقط.
هذا ممّا لا غبار عليه إنّما الكلام فيما إذا سجّل اسمه في إدارة الحجّ ودفع الثمن، ولكنّها تقوم بحمل الحجاج، بالتدريج، فخرج اسمه في غير سنة الربح، فهل يجب عليه خمس ذلك الثمن أو لا؟ الظاهر، لا، ـ خلافاً للمشايخ ـ للفرق بينه و بين الصورة الثانية، إذ المفروض أنّه صرفه وليس بيده شيء حتى يخمس، والتخميس متفرع على فسخ ما عقده مع إدارة شؤون الحجّاج واسترجاع الثمن ولا دليل على لزومه، والحكم ـ لزوم التخميس ـ لا يثبت موضوعه أي استرجاع ما دفعه، وتملّكه، و المقام نظير ما يشتري الإنسان أشياء لتجهيز بنته، والجامع هو أنّ الصرف يجعله من المؤنة.
الثالثة: تلك الصورة ولكنّه تمكّن وعصى وانقضى الحول، فيجب أداء خمسه، لعدم صرفه في أداء الواجب، فلا يكون مصداقاً للمؤنة، وهذا نظير ما إذا قتّر على نفسه ولم ينفق، فقد مضى تعلّقه به وأنّه لا يحسب له كما بيّنه في المسألة الخامسة والستين ـ و مع ذلك ـ فقد أفتى بعدم الاحتساب فيها، ولكنّه احتاط هنا، وذلك لتصوّر أنّ الأمر الشرعي بالإنفاق في المقام وإن لم ينفق ربّما يدخله تحت المؤنة، بخلاف ما إذا قتّر إذ ليس هناك أمر به، ولكنّه ضعيف، لما عرفت من أنّ المدار في صدقها هو الصرف والإنفاق والمفروض عدمه فيهما.
وأمّا وجوب الحجّ في العام القابل فلا شكّ في وجوبه إذا بقي على الاستطاعة مع أداء الخمس، وأمّا إذا خرج عنها بأداء الخمس فيجب عليه الحجّ متسكّعاً لسقوط شرطية القدرة الشرعية لأجل العصيان وكفاية القدرة العقلية.
أداء الدين من المؤنة إذا كان في عام حصول الربح أو كان سابقاً و لكن لم يتمكّن من أدائه إلى عام حصول الربح، وإذا لم يؤدّ دينه حتّى انقضى العام فالأحوط إخراج الخمس أوّلاً، و أداء الدين ممّا بقي و كذا الكلام في النذور و الكفّارات. حاصل ما أفاده أنّ الدَيْن إذا كان دين عام الربح فهو من المؤنة وإذا كان للعام السابق على عام الربح فليس منها إلاّ إذا كان غير متمكن من أدائه إلى عام الربح.
الرابعة: لو حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعددة وجب الخمس فيما سبق عام الاستطاعة لعدم صدقها عليه، وإنّما الكلام في المقدار المتمم لها في تلك السنة فيجري فيه أحكام الصور الثلاث أيضاً.
ألف. إذا تمكّن من المسير وسار فلا يتعلّق به لكونه من أظهر مصاديق المؤنة.
ب. إذا تمكّن ولم يسر عصياناً وجب إخراج الخمس في المقدار المتمم حسب ما مرّ فيما إذا استطاع في عام واحد ويجب الحجّ متسكعاً لوخرج عن الاستطاعة بأدائه.
ج. إذا لم يتمكّن وجب إخراج الخمس دون الحجّ لكشف عدم التمكن، عن عدم وجوبه.
وبما أنّ الخارج من تحت العموم هو المؤنة، فالبحث مركّز على أنّ الدين هل هو من المؤنة أو لا؟ مع العلم بأنّه لا خصوصية للدين والملاك صدقها، وعلى ضوء ذلك فنقول: الدين إمّا أن يكون لعام الربح، أو للعام السابق عليه، أو للعام اللاحق ولا شق رابع له، فيبحث عن أحكام الشقوق الثلاثة.
ألف. دين عام الربح . إنّ لدين عام الربح صوراً:
1. إذا استدان لمؤنة سنة الربح من المأكل والملبس والمسكن لتأمين مصارف الكسب من أُجرة العمّـال والدلال فالكلّ من المؤنة، وسيوافيك عند البحث عن قول الماتن في تلك المسألة«وإذا لم يؤد دينه حتى انقضى العام...» أنّ مقدار الدين هنا مؤنة سواء وفى تلك السنة أم لم يف، لانطباق الضابطة، أعني: الحاجة والصرف حيث صرفه مشروطاً بردّ العوض، فصرف الدين كصرف عوضه، وعلى هذا فالمؤنة هنا هو مقدار الدين لا وفاؤه وأداؤه، مضافاً إلى أنّ الرائج هو تأمين المؤنة بوجوه مختلفة، تارة برأس المال، وأُخرى بالأرباح وثالثة بسائر الأموال ورابعة بالاستدانة حسَب الظروف المختلفة للمكتسب.
2. إذا حصل الدين بإتلاف أو جناية، فلا شكّ أنّه من مؤنة سنة الربح إذا أدّاه، وأمّا إذا لم يؤدِّه فالظاهر أنّه من مؤنة سنة الأداء، والفرق بين القسمين أنّ العرف لا يصف ما استحصله بالغُنْم ما لم يضع مؤنة الحياة ومؤنة نفس الكسب عنه، ولأجل ذلك كان مقدار الدين هنا من المؤنة بخلاف ما إذا جنى أو أتلف، فبما أنّه أمر منفصل عن نفس الكسب فلو أدّاه يحسب من المؤنة ويوضع من الربح بخلاف ما إذا لم يؤده.
3. إذا استدان لشراء ضيعة أو مسكن أو فرش من دون حاجة إليها مع بقاء عينها إلى آخر السنة فلا يحسب من المؤنة لعدم الحاجة إليها، فهو من قبيل تكثير المال ورفع الثروة ولو وضعه من الربح ينتقل الخمس إلى بدله، أعني: الأعيان المشتراة، فليس مثل ذلك الدين من مؤنة سنة الربح ولا من مؤنة سنة الأداء.
نعم إنّ أداء الدين من الأغراض العقلائية لكنّه لا يوجب إلاّ جواز صرف الربح في أدائه لا وضع ما صرف فيه، خصوصاً بعد صدق الغنيمة على الأعيان المشتراة من غير فرق بين وجود مال آخر وراء الربح يصلح لأداء الدين منه أولا.
4. تلك الصورة، لكن مع تلف الأعيان المشتراة في أثناء السنة وكان الاشتراء للاقتناء لا للتجارة وإلاّ فلها أحكام خاصّة، فلا شكّ أنّ أداء الدين من الأغراض العقلائية ويحسب من المؤنة بشرطين:. أن لا يكون له مال آخر،. أن يصرف الربح في أداء الدين فليس نفس الدين في المقام من المؤنة بل أداؤه مع الشرط.( ولا ينافي ذلك ما يأتي في المسألة الثالثة والسبعين من أنّ تلف غير رأس المال لا يجبر بالربح، للفرق الواضح بينه و بين المقام، لأنّ التالف في المقام دين مطالب وليس له مال آخر بخلاف تلف متاع البيت الذي لا يعدّ من رأس المال.)
وهذا نظير أرش الجناية وقيمة الإتلاف فإنّما يحسب من المؤنة إذا قام بالأداء وإلاّ فلا يعدّ من المؤنة وقد عرفت حكم العرف بالفرق بين الاستدانة للملبس والمأكل وبين سائر الموارد، ففي الأوّل لا تصدق الغنيمة إلاّ بوضع ما استدان في ذلك السبيل بخلاف ما إذا صار مديوناً بأسباب اختيارية كشراء أعيان ـ وإن تلفت لا باختيار ـ أو أسباب قهرية فالمؤنة هناك هو الأداء لا التقدير.
والحاصل ، أنّه فرق بين الاستدانة للمؤنة في عام الربح وبين صيرورته مديوناً ، للجناية والإتلاف في ذاك العام، ففي الأوّل نفس الدين من المؤنة بخلاف القسم الآخر، فالمؤنة فيه هو الأداء والوفاء ولو لم يتحقق لا يكون مؤنة.
نعم أقصى ما يمكن أن يقال في القسم الأوّل، إنّ الدين من المؤنة ولكن مشروطاً بعدم الإبراء فلو أبرأ كشف عن عدم كونه مؤنة.
ب. الدين السابق على عام الربح
أمّا الدين السابق على عام الربح فله صور:
1. إذا استدان في عام سابق عليه وكانت الغاية صرفه في مؤنة عام الربح وصرفه فيه فيكون من مؤنته .
2. إذا استدان لابتياع مسكن أو ملبس يسكنه أو يلبسه في كلا العامين فهو من مؤنة عام الربح، لأنّه محتاج إليه في كلّ عام من غير فرق بين قدرته على أدائه أم لا.
3. إذا استدان لابتياع بضاعة وبقيت إلى العام اللاحق ولم يكن مورد الحاجة وبما أنّ الغاية هو الاقتناء وتكثير الثروة فلا يعدّ من المؤنة مطلقاً أدّاه من ربح العام اللاحق أم لم يؤدّه، ولو أدّاه من الربح ينتقل الخمس إلى مقابله كما هو الحال في تصرّف التاجر في الأرباح فيتصرّف فيها بالبيع والشراء طول السنة مرّات فيستقرّ الخمس في البدل المقابل.
4. هذه الصورة مع عدم بقاء العين، فهل يعدُّ الأداء من المؤنة، أو يفصّل بين كونه متمكّناً منه في السابق وعدمه، أو بين تمكّنه من مال آخر يمكن أداء الدين به وعدمه، الحقّ هو الأخير، وأمّا التفصيل بين تمكّنه حين الاشتراء وعدمه فليس له أيّ دخل في عدّه من مؤنة عام الربح، لأنّ العام الذي اشترى فيه مضى وانتهى وقد تلفت العين فتمكّنه منه في ذاك الوقت لا يؤثر في عدّه من المؤنة في العام اللاحق وإنّما المؤثّر تمكّنه في العام اللاحق من أدائه من مال آخر أو لا، فعلى الأوّل ، فالأداء وإن كان من الأغراض العقلائيّة لكنّه ليس متعيّناً أداؤه من الربح، إذ نسبة الدين إلى الربح والأموال الأُخر سواسية والمفروض أنّ الدين سبق على عام الربح فلا يتبادر من قوله ـ عليه السَّلام ـ : «الخمس بعد المؤنة» كون أداء الدين منها مطلقاً إلاّ إذا كان غير متمكن من الأداء فيعدّ حفظ العِرْض من المؤنة، ولو كان السبب سابقاً.
5. إذا استدان للصرف في مؤنة السنة السابقة ولم يربح فيها إلاّ أنّه ربح في السنة اللاحقة فنفس الدين وإن لم يكن مؤنة لذاك العام إلاّ أنّ أداءه من المؤنة لأنّه من أعلى الأغراض العقلائية.
والكلام فيه كالكلام في الشق الرابع، وحاصله أنّ نفس دين العام السابق
متى حصل الربح و كان زائداً على مؤنة السنة تعلّق به الخمس، وإن جاز له التأخير في الأداء إلى آخر السنة فليس تمام الحول شرطاً في وجوبه، وإنّما هو إرفاق بالمالك لاحتمال تجدّد مؤنة أُخرى زائداً على ما ظنّه فلو أسرف أو أتلف ماله في أثناء الحول لم يسقط الخمس، وكذا لو وهبه أو اشترى بغبن حيلة في أثنائه.
لا يعدّ مؤنة بالنسبة إلى عام الربح بخلاف دين نفس عام الربح فإنّ نفسه تعدّ مؤنة لما عرفت من جريان السيرة على رفع الحاجة من الربح ورأس المال والدين ثمّ الحكم بأنّه مغتنم أو لا، ولأجل ذلك لا يعدّ من المؤنة إلاّ إذا أدّاه.
وبذلك يعلم حال قول الماتن:«وإذا لم يؤدّ فيه حتى انقضى العام فالأحوط إخراج الخمس أوّلاً وأداء الدين ممّا بقي» فإنّ ذلك إنّما يصحّ في غير ما يعدّنفس الدين مؤنة وأمّا فيه فنفس الدين مؤنة أدّى أو لا، غاية الأمر مشروط بعدم الإبراء.
وأمّا قوله:«وكذا الكلام في النذور والكفّارات».
فما يبرّ به نذره ويقوم بواجب الكفارة إنّما يعدّمؤنة إذا قام بصرفه وأدّى لا في غيره فهو من مؤنة سنة الوفاء بالنذر وإنجاز الكفّارات لا سنة الربح.
ج: الدين اللاحق لعام الربح
إذا استدان، لمؤنة العام اللاحق فلا يوضع من ربح العام السابق لتعلّق الخمس بالربح كلّه ولا صلة للاستدانة للعام اللاحق بهذا الربح.

مبدأ تعلّق الخمس (الحكم الوضعي)
هل الخمس يتعلّق بظهور الربح ولا يشترط بانقضاء الحول كما عليه المشهور من عصر المحقّق إلى زماننا هذا، أو يتوقّف وجوبه على انقضاء الحول فلا وجوب قبله؟
قال في الحدائق:واعتبار الحول هنا ليس في الوجوب بمعنى توقّف الوجوب عليه، خلافاً لابن إدريس كما نقله عنه في الدروس، بل بمعنى تقدير الاكتفاء، فلو علم الاكتفاء في أوّل الحول، وجب الخمس ولكنّه يجوز تأخيره احتياطاً له وللمستحق، لجواز زيادة النفقة بسبب عارض أونقصها، كما صرّح به شيخنا الشهيد في البيان.(1)
وقال في الجواهر: وكذا لا اعتبار للحول في الأرباح أيضاً على المشهور بين الأصحاب نقلاً وتحصيلاً، بل لا أجد فيه خلافاً، إلاّ ما يحكى عن السرائر اعتباره مع أنّ عبارتها ليست بتلك الصراحة، بل ولا ذلك الظهور كما اعترف به بعضهم، بل قد وقع لمثل العلاّمة في المنتهى ـ ممّن علم أنّ مذهبه عدم اعتبار ذلك ـ بعض العبارات الظاهرة في بادئ النظر في عدم الوجوب إلاّ بعد الحول المراد منها بعد التروّي، التضييق كعبارة السرائر.(2)
وعلى أيّ حال فقد اتّفقت كلمتهم على عدم اعتبار الحول، ولكن يؤخر احتياطاً للمكتسب وإرفاقاً به.
وفي الروايات إشعارات بذلك وربّما تصل إلى حدّ الدلالة.
1. ما في رواية حكيم مؤذن بني عيس في تفسير الآية: «هي واللّه الإفادة يوماً فيوم إلاّ أنّ أبي جعل شيعتنا من ذلك في حلّ ليزكُوا».(3) فالإفادة فيها تفسير للغنيمة الواجب فيها الخمس و«يوماً» ظرف للإفادة.
2. ما في رواية عبد اللّه بن سنان: «حتى الخيّاط يخيط قميصاً بخمسة دوانيق فلنا منه دانق».فالمتبادر منه وجوبه يوم الحصول غير أنّه تخرج منه المؤنة فقط، وهو ليس موقوفاً على مضي السنة.
3. قوله ـ عليه السَّلام ـ في رواية علي بن مهزيار: «ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤنته و من كانت ضيعته لا تقوم بمؤنته». فجعل الملاك كفاية الضيعة المؤنة وعدم كفايتها لا مضيّ الحول، لأنّ الكفاية لا تتوقف على الحول.
ومثله قوله ـ عليه السَّلام ـ في رواية شجاع النيشابوري:«الخمس ممّا يفضل من مؤنته».(4) فالملاك فضل الربح من المؤنة.
4. وفي الروايات ما يشمل على لفظ«بعد المؤنة» و هو يحتمل وجهين الأوّل: المراد منه، «البعد» الرُتبيّ والمراد من «المؤنة» المؤنة التقديرية لا الخارجية ونظير قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَين) .
إذ المراد أنّ الورّاث يرثون السهام بعد وضع الوصية والدين، فالوراثة محققة وإن لم يفرز في الخارج، ويحتمل أن يكون المراد هو «البعد» الزماني و المؤنة الخارجية، وإن كان الأوّل أظهر، ولأجل ذلك تعدّ دلالة هذا الصنف أضعف من السابق.

الاستدلال على القول الآخر
يمكن الاستدلال على القول الآخر وهو أنّ ظرف التعلّق هو نهاية العام بوجهين:
1. قوله ـ عليه السَّلام ـ في صحيحة علي بن مهزيار :«فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام».(5)
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من العبارة هو وجوب الخمس فيهما في كلّ عام بخلاف غيرهما فإنّه إنّما يجب في سنة خاصّة أو لا يجب أبداً حيث قال: «ولم أوجب عليهم ذلك في كلّ عام، ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها اللّه عليهم وإنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي حال عليهما الحول ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلاّ في ضيعة سأفسر لك تخفيفاً منّي عن موالي ومنّاً منّي عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم فأمّا الغنائم والفوائد، الخ»، ترى أنّ العناية في العبارة على أُمور ثلاثة:
ألف. ما لا يجب مطلقاً كما في الأمتعة ونحوها.
ب. أو يجب مرّة واحدة في السنة كما في الذهب والفضّة.
ج. أو يجب في كلّ عام كما في الغنائم. فالحديث في بيان الإيجاب مرّة واحدة طول إمامته أو في كلّ عام وليس بصدد بيان شرطية انقضاء الحول في تعلّق الوجوب.
2. التمسك بأصل البراءة من الوجوب قبل انقضاء الحول أو عدم إمكان العلم بمقدار المؤنة.
يلاحظ عليه : أنّ الأصل مندفع بالأدلّة الاجتهادية وعدم العلم بمقدار المؤنة لا يوجب الضرر على واحد منها لجواز تأخير إخراج مقدار من الخمس للمؤن المحتملة كما سيوافيك.
هذا كلّه في تعيين زمان التعلّق وبيان زمان الحكم الوضعي، وإليك الكلام في مبدأ التكليف بالأداء.
مبدأ التكليف بالأداء
إنّ في المقام احتمالات ووجوهاً نشير إليها:
الأوّل: أن يكون واجباً في زمان ظهور الربح لكن موسعاً إلى انقضاء السنة فيكون مضيّقاً بمعنى وجوبه فوراً ففوراً.
الثاني: أن يكون مشروطاً بحلول الحول، وعلى ذلك فلو افترضنا القطع بعدم الصرف في المؤنة إلى نهاية السنة لم يجب الأداء فعلاً فيجوز التأخير لعدم تحقّق الشرط.
الثالث: أن يكون مشروطاً بعدم الصرف في المؤنة بنحو الشرط المتأخّر استظهاراً من قوله ـ عليه السَّلام ـ : «الخمس بعد المؤنة».
والمراد من الشرط المتأخّر كفاية العلم بالزيادة على المؤنة، فتكون النتيجة هو الوجوب عند حصول العلم وإن لم يحلّ الحول ويتردّد بين الوجوب الموسَّع فيتّحد مع القول الأوّل، أو المضيق.
والظاهر هو القول الأوّل ويدلّ عليه:
1. السيرة المستمرّة ، ولزوم الحرج في إخراج خمس كلّ ربح برأسه دون الصبر إلى انقضاء السنة، خصوصاً في المكاسب التي لا تنفك عن الربح التدريجي.
لو تلف بعض أمواله ـ ممّا ليس من مال التجارة ـ أو سرق أو نحو ذلك لم يجبر بالربح و إن كان في عامه إذ ليس محسوباً من المؤنة. بين هذه المسألة وما يأتي بعدها صلة واضحة، وذلك لأنّ الخسارة تارة تكون متوجهة إلى الأمر الخارج عن دائرة التجارة كما إذا كانت له أنعام فتلفت بالسيل، أو بيت فانهدم بالزلزلة، وأُخرى إلى الأمر الداخل في دائرتها، والبحث في هذه المسألة مختص بتلف ما هو خارج عن دائرة التجارة كالأشياء المقتنية، والثانية مختصة بتلف ما هو داخل فيها.
2. قوله ـ عليه السَّلام ـ في صحيحة علي بن مهزيار: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام » فإنّها ظاهرة في وجوب الخمس فيها في كلّ عام مرّة واحدة لا مرّات ولا في كلّ يوم.
ويترتّب على ذلك جواز التصرّف في الأرباح والمعاملة عليها لما عرفت من أنّ التفكيك مستلزم للحرج وموجب لاختلال نظام المعاملات كما لا يخفى.
كما يترتّب عليه ما ذكره الماتن، من أنّه: لو أسرف أو أتلف ماله في أثناء الحول لم يسقط الخمس وكذا لو وهبه أو اشترى بغبن حيلة في أثنائه.
أمّا الأقوال في المسألة: فهي بين القول بعدم الجبر مطلقاً، أو الجبر كذلك، أو التفريق بين القول باختصاص الخمس بأرباح المكاسب، أو التعميم لمطلق الفائدة من وصية أو لقطة أو هبة أو وقف، ونحو ذلك ممّا هو خارج عن الكسب فلا يجبر بربح الاكتساب، الخسران الواقع في غيره على الأوّل ويجبر بربح الاكتساب مطلق الخسران سواء كان في الاكتساب أو في غيره، على الثاني.
أمّا الأوّل: فهو خيرة الشيخ الأنصاري في كتاب الخمس، قال:وأمّا التالف من المال فلا يجبر بالربح قطعاً، لأنّ التلف لا يمنع صدق الاستفادة على الربح، وجبر التالف ليس من المؤنة.(6) وتبعه المصنف حيث علّل الحكم بأنّه ليس محسوباً من المؤنة.
أقول: إنّ للتالف حالات ثلاث:
1. أن يكون التالف ممّا يعدّ من المؤنة كالمسكن إذا خرب أو الملبس إذا سرق وكان الإنسان في حاجة إليهما فلا شكّ أنّه يجبر إذا صرف الربح فيهما في أثناء السنة، لكنّه خارج عن محطّ البحث واستثناؤه عنه أشبه بالاستثناء المنقطع.
2. تلك الصورة لكنّه لم يصرف فيكون حاله حال المقتر على نفسه، وقد عرفت أنّه يشترط في صدق المؤنة الحاجة والصرف، والأوّل موجود والثاني ليس بموجود، ولا يقاس بالدين الحاصل في عام الربح لأجل المؤنة، فانّ نفس الدين قائم مقام صرف العوض فكأنّ العوض أيضاً قد صرف.
3. إذا كان التالف ممّا لا يحتاج إليه في المعيشة، فلا شكّ أنّ موضوع الخمس وهي الغنيمة حاصل غير أنّ الصرف في المؤنة موجب لانعدامه وهو مفروض الارتفاع فلا معنى لعدم تعلّقه.
وأمّا القول الثاني: فهو مبنيّ على المنع من صدق الاستفادة عرفاً مع تلفه.
يلاحظ عليه: أنّه كيف لا تصدق الاستفادة، مع أنّه ربح في التجارة؟ وتوجّه الخسران إليه من جانب آخر لا صلة له بالتجارة لا يوجب سلبه، نعم لو لوحظ التالف مع الربح ووضع عنه لما يصدق عليه أنّه ربح وهو أوّل الكلام.
وأمّا الثالث: أعني: التفصيل ، فمبني على القول بعموم وجوب الخمس لكلّ الفوائد، فإذن يكون الجميع ملحوظاً بلحاظ واحد ويكون موضوعاً فالجبر يكون في محلّه، وهذا بخلاف ما إذا قلنا باختصاصه بالاكتساب، فلا يجبر بربحه الخسران الواقع في غير الاكتساب.
وربّما يقال: إنّ كلامنا في الجبر لا فيما يجب فيه الخمس، فمتعلّق الوجوب أيّاً ما كان حتى العنوان الخاص أو العام لا تنجبر به الخسارة الخارجية إذ لا علاقة بينهما ولا ارتباط حسبما عرفت، وتلك الخسارة كما لا توجب زوال الربح لا توجب زوال الفائدة بمناط واحد.(7)
يلاحظ عليه: أنّ الاختلاف في متعلّق وجوب الخمس مؤثر في المقام، لأنّ القول بالاختصاص يقطع الصلة بين التالف ومورد الخمس فلا يبقى وجه للجبر، والقول بالعموم يدخل التالف تحت الفوائد، فيكون الجميع محكوماً بحكم واحد، فيجبر التالف بربح الآخر.
وهناك تفصيل رابع، يظهر من كثير من المعلّقين، من الفرق بين ما يحتاج إليه في المعيشة وما لا يحتاج.
يلاحظ عليه: أنّه خارج عن محطّ البحث وكون التالف من لوازم المعيشة إنّما يستلزم القول بجواز الجبر إذا صرف الربح في أثناء السنة في تهيئته،وأمّا إذا لم يصرف فلا، وعلى ذلك فالأحوط لو لم يكن الأقوى هو عدم الجبر.
المصادر :
1- الحدائق: 12/353.
2- الجواهر:16/79.
3- الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 8.
4- الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8و5و2.
5- الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
6- كتاب الخمس: 213.
7- مستند العروة:276، كتاب الخمس.

  733
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

    الإجماع على ضوء المذاهب المختلفة
    مناظرة الشيخ المفيد « ره » مع بعضهم
    اعلام الدين
    الحج والخمس
    ما هی الروایات المشیرة إلى ثواب طول الرکوع و السجود؟
    ما الفرق بين الرشوة والهدية؟
    العدل الالهي
    هل الله خيّر؟
    أدلة الوحدانية
    حجزة الله

 
user comment