عربي
Sunday 15th of September 2019
  608
  0
  0

الولاية عند الامام الحسين عليه السلام

الولاية عند الامام الحسين عليه السلام

حديث الولاء عند الإمام الحسين عليه‌السلام طويل وجميل ؛ فإنّه يروي الكثير من الأحاديث والأحداث التي تبحث في هذا الموضوع النوراني ، كحديث الكساء وأصحاب الكساء ونزول آية التطهير ، وحديث الثقلين الذي سيأتي تفصيله في القسم الثاني من هذا الكتاب وتفسيره عند أمير المؤمنين عليه‌السلام الذي يقول فيه :
سُئل أمير المؤمنين عليه‌السلام عن معنى قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :
«إنّي مخلّف فيكم الثقلين ؛ كتاب الله وعترتي». مَن العترة؟
فقال عليه‌السلام : «أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ولْد الحسين ، تاسعهم مهديهم وقائمهم ، لا يُفارقون كتاب الله ولا يُفارقهم حتّى يردوا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حوضه» (1).
وهذا الحديث ـ حديث الثقلين ـ من الأحاديث المتواترة لدى الأُمّة الإسلاميّة جمعاء ، وكم من كتب كُتبت عن شرح وتوضيح وإثبات وتنقيح هذا الحديث الشريف ، وهو من الأحاديث الواضحة والصريحة ، إلاّ أنّ الأيادي الآثمة التي تترصّد لفضائل أهل البيت عليهم‌السلام ، وتريد أن تبترها أو تنكرها حاولت جاهدة أن تحرف الحديث عن مساره أو معناه.
إنّ حديث أهل البيت عليهم‌السلام هو حديث الحقّ الخالص ، وإنّ حديثهم سنَّة رحمانيّة ؛ لأنّهم القرآن الناطق ، وكتاب الله هو القرآن الصامت ، فهم يفسّرون الكتاب والكتاب يؤيّدهم وينطق بفضلهم ووجوب اتّباعهم ، ولكنّ الحقّ مُرٌّ ، وهو صعب ومستصعب.
ذات يوم أتى الإمام الحسين عليه‌السلام أناس ، فقالوا له : يا أبا عبد الله ، حدّثنا بفضلكم الذي جعل الله لكم.
فقال عليه‌السلام : «إنّكم لا تحتملونه ولا تُطيقونه».
قالوا : بلى نحتمل.
قال عليه‌السلام : «إن كنتم صادقين ، فليتنحّ اثنان وأحدّث واحداً ، فإن احتمله حدّثتكم».
فتنحّى اثنان وحدَّث واحداً ، فقام طائر العقل ، ومرَّ على وجهه وذهب ، فكلّمه صاحباه فلم يردَّ عليهما شيئاً ، فقاموا وانصرفوا (2).
سبحان الله! الإنسان يبقى مغروراً بنفسه وهو من أضعف المخلوقات ، ولقد وصفه تعالى بذلك فقال : (وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (3) ، فالإمام الحسين عليه‌السلام يقول لهم لا تطيقون ، ولا يريد أن يحمّلهم أكبر من طاقاتهم ، عطفاً عليهم ورحمة لهم ، وهم يصرّون على أنّهم يطيقون ويحتملون ، وما واحدهم إلاّ كأس صغير ويطمح لكي يتّسع لمياه البحر العظيم ، وإذا قال لهم البحر لن تتّسعوا اتهموه ووصفوه بالبخل أو القصور والتقصير وغير ذلك ـ والعياذ بالله ـ ، وليس عليهم إلاّ أن يلتفتوا إلى قدرهم وصغر حجمهم.
الحب في الله لأبي عبد الله عليه‌السلام
من الواجب علينا أن نتعبأ من المودّة والحبّ لأهل البيت عليهم‌السلام ليس أكثر ، فأحبَّ اُولئك الأنوار لله تعالى ولوجه الله الحقّ ، ولذواتهم المقدّسة ؛ لأنّك مفطور على هذا الحبّ ، ومأمور بتلك المودّة.
يروى أنّه وفد إلى الإمام الحسين عليه‌السلام وفد فقالوا : يابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إنّ أصحابنا وفدوا إلى معاوية ووفدنا نحن إليك.
فقال عليه‌السلام : «إذن أُجيزكم بأكثر ممّا يُجيزهم».
فقالوا : جُعلنا فداك! إنّما جئنا مرتادين لديننا.
قال : فطأطأ رأسه الشريف ونكت في الأرض وأطرق طويلاً ، ثم رفع رأسه فقال : «قصيرةٌ من طويلة ، مَنْ أحبّنا لم يُحبّنا لقرابةٍ بيننا وبينه ، ولا لمعروفٍ أسديناه إليه ، إنّما أحبّنا لله ورسوله ، فمَنْ أحبّنا جاء معنا يوم القيامة كهاتين ـ وقرن بين سبابتيه ـ» (4).
تأمّل ، إنّها لا تحتاج إلى طويل الشرح وكثير التفريع والتفصيل رغم أنّها تستوعب ذلك ؛ فإنّ الحبّ والوِدّ يجب أن يكون خالصاً مخلصاً لوجه الله وليس لأيّ قرابة نسبيّة أو خدمة دنيويّة ، والفاعل لها فإنّه سيُحشر معهم في يوم القيامة ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «المرءُ يُحشر مع مَنْ أحب» (5).
وفي حديث آخر عن المعصوم : «أليس الدين كُله الحبَّ في اللهِ ، والبغض في الله؟» (6).
وذلك لأنّ الحبّ في الله ولله يأتي نقيّاً دون شوائب ، أمّا حبّ الدنيا فإنّه كالدنيا فيه من القاذورات والأوساخ المعنوية الشيء الكثير ، وفي رواية للإمام الحسين عليه‌السلام : «مَنْ أحبّنا لله وردنا نحن وهو على نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله هكذا ـ وضمّ إصبعيه ـ ، ومَنْ أحبّنا للدنيا فإنّ الدنيا لتسع البرّ والفاجر ، فإنّه إذا قام قائم العدل وسع عدله البرّ والفاجر» (7).
عليك يا عزيزي ليس بالحبّ فقط ، بل بالطاعة والاقتداء بأئمّتك من أهل البيت عليهم‌السلام ، والإمام الحسين عليه‌السلام عليك أن تعرفه وتعشقه وتطيعه في كلّ ما أمركَ به الشرع المقدّس ، وإلاّ كنت مدّعياً للحبّ والولاء ولست صادقاً في قولك إذا لم يقترن بالأفعال.
وللإمام الحسين عليه‌السلام الكثير من الخطب التي تُعلن عن هذا المنهج النوراني الصريح ، أعلنها الإمام عليه‌السلام على رؤوس الأشهاد ، وأمام الجيش الأموي كلّه ، وقبل ذلك أمام الملك الأوّل للدولة الأمويّة معاوية بن أبي سفيان ، وكم هي قصص الإمام مع ذلك الرجل الحاكم لأكبر دولة في العالم لذلك العصر.
طاعة الحسين عليه‌السلام مفروضة
عن موسى بن عقبة أنّه قال : لقد قيل لمعاوية أنّ الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين عليه‌السلام ، فلو قد أمرته أن يصعد المنبر فيخطب ؛ فإنّ فيه حصراً وفي لسانه كلالة.
فقال لهم معاوية : قد ظنّنا ذلك بالحسن ، فلم يزل حتّى عظم في أعين الناس وفضحنا.
فلم يزالوا به حتّى قال للحسين عليه‌السلام : يا أبا عبد الله ، لو صعدت المنبر فخطبت. فصعد الحسين عليه‌السلام على المنبر فَحَمَدَ اللهَ وأثنى عليه ، وصلّى على النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسمع رجلاً يقول : مَنْ هذا الذي يخطب؟
فقال الحسين عليه‌السلام :
«نحنُ حزبُ الله الغالبون ، وعترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الأقربون ، وأهل بيته الطيّبون ، وأحد الثقلين الذين جعلنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى الذي فيه تفصيل كلُّ شيء ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والمعوّل علينا في تفسيره ، ولا يُبطئنا تأويله ، بل نتّبع حقائقه ، فأطيعونا ؛ فإنّ طاعتنا مفروضةٌ ، إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة ، قال الله عزّ وجلّ : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (8)
وقال : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاّ قَلِيلاً) (9).
وأحذركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم ؛ فإنّه لكم عدوّ مبين ، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم : (لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ منكم) (10)
فتلقون للسيوف ضرباً ، وللرماح ورداً ، وللعمد حطماً ، وللسهام غرضاً ، ثمّ لا يُقبل من نفسٍ إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً».
قال معاوية : حسبك يا أبا عبد الله فقد أبلغت (11).
هل سمعت مثل هذا البيان الواضح إلاّ من جدّه وأبويه (صلوات الله عليهم جميعاً) ، إنّهم من أهل البيت الذين زقّوا العلم زقّاً ، وآتاهم الله الحكم صغاراً وكباراً.
فطاعة أهل البيت عليهم‌السلام هي طاعة للرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبالتالي هي طاعة لله بالطول وليس بالعرض ، وآية الولاية والتصدق بالخاتم تؤكّد ذلك مع كثير من الآيات القرآنية الشريفة.
وعلينا أن نبحث عن الحقيقة ونتمسّك بها ونحافظ عليها ، لا أن نكون كمعاوية الذي لم يحفظ رسوله الكريم المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله في أهل بيته ، بل طغى وبغى حتّى قاتل الإمام علياً عليه‌السلام ، رأس العترة وسيّدهم في صفين ، ثمّ دسَّ السمّ إلى الإمام الحسن السبط عليه‌السلام ، وأراد الوقيعة بالإمام الحسين عليه‌السلام فلم يستطع.
وإليك أخي الكريم بعض أحوال الإمام الحسين عليه‌السلام مع ذاك الطاغيّة الباغيّة ، وأهل بيته الشجرة الملعونة في القرآن كما في سورة الإسراء المباركة ، والشجرة الخبيثة كما في سورة إبراهيم المباركة ، وأقربائهم صبية النار ، والأوزاغ الملعونين إلى يوم القيامة على لسان الحبيب المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الأطهار عليهم‌السلام.

 
المصادر :
1- معاني الأخبار ص 90 ح4.
2- الكلمة ص 51 ، عن الخرائج والجرائح 2 ص 795 ب16 ح4.
3- سورة النساء : الآية 28.
4- أعلام الدين ص 460.
5- بحار الأنوار 66 ص 80.
6- مستدرك الوسائل 15 ص 128.
7- أمالي الشيخ الطوسي 1 ص 259.
8- سورة النساء : الآية 59.
9- سورة النساء : الآية 83.
10- سورة الأنفال : الآية 48.
11- الاحتجاج 2 ص 22 ـ 23 ، مناقب ابن شهر آشوب 4 ص 67.

  608
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      الولاية عند الامام الحسين عليه السلام
      ثورة الإمام الحسين عليه السلام تسبيح الملائكة
      كيف يبدو الإمام الحسين في عدسة الآخر؟
      الشعائر الحسينية... الجذور والمعطيات
      أحفاد الامام الحسين (ع) والسادة الخدم يشاركون في إحياء ...
      مشاركة طلبة الجامعات العراقية في موكب عزاء موحد ...
      کم هم اصحاب الحسین؟
      الأخلاق الحسينية وتقدير أهل العلم والأدب
      مناقب الحسنين(عليهما السلام) في الصحيحين
      المقبولة الحسينيّة

 
user comment