عربي
Monday 18th of December 2017
code: 87717
موسی والخضر علیهما السلام

حکایة نبی الله موسی مع الخضر علیهما السلام لها مدلولاتها ومعانیا الخاصة ولها حلاوتا وطعمها الخاص ولها دروسا المفیدة فی الحیاة العملیة و الاعتقادیة فی الجوانب المتعددة والمختلفة الاتجاهات وفی جمیع المجالات .
کان لقاء النبیّ موسى مع الخضرعلیهما السلام محاطاً بهالة من السرّیة والتعتیم والتکتّم الإلهی بعلامتین (مجمع البحرین) و(ضیاع الحوت) ضیاع السمک الذی لدیهم وانسیابه فی عمق البحر. علامتان خفیّتان جدَّاً لم یعلم بهما حتَّى صاحب موسى وفتاه ووصیّه یوشع بن نون، وإنَّما علم بهما النبیّ موسى ممَّا یدلُّ على أنَّ هذه المجموعة یحیطها الله بهالة من الخفاء والسرّیة وعدم الانکشاف من أیّ عنصر من عناصر الدلیل.
نعم دور الإمام والشبکة الخفیّة التی تحیط به متفاعل مع البشر من دون أن یشعر به کما مرَّ بنا فی قصَّة یوسف وفی قصَّة موسى وغیبتهم، هذان النبیّان حینما کانت لهما أدوار مهمّة مصیریة متفاعلة مع النظام البشری یتعاطون معهم من دون أن یشعر أحد منهم، فما نقوله بانقطاع الواسطة لا یعنی ذلک أنَّ هناک انقطاعاً فی التفاعل، لکن من طرف واحدٍ لا من طرفین، التفاعل من طرف الإمام المهدی ومجموعته مع البشر ونظامه الاجتماعی السیاسی من دون شعور الطرف الآخر به، فهذه محطّة بالغة الأهمیة لکی لا ینفتح باب النصب والاحتیال والدجل والافتراء والکذب. فمن الأدبیات الجلیّات فی علم الأمن البشری فضلاً عن علم الأمن الإلهی، إنَّ عناصر الخفاء یجب أن تبقى فی الخفاء، وما إن تظهر إلى منصّة الظهور فهذا هو موتها وزوالها.
فالبروز والظهور والانکشاف والانفضاح والاشتهار منافٍ لأوّلیات صرح وجودها وتأسسها من قبل البرنامج الإلهی، ومن ثَمَّ فإنّ هذه المجموعة - کما تحدّثنا الکثیر من الروایات الواردة عن بعض حالات أصحاب عناصر هذه المجموعة - ما أن یکتشف أحد عناصرها أنَّه من الأبدال وما شابه ذلک تعاجله رصاصة الموت، ویعاجله الأجل من الله عز وجل، لأنَّ المقدَّر لهذه المجموعة أن لا تکشف ولا تبدی ولا تبرز عناصرها، ومن ثَمَّ ما أن یحین انکشاف عنصر من عناصرها وواحد من أفرادها حیث یعرف بالتقى وبالصلاح وبأنَّ له نحو من الأدوار الغیبیة یعاجل بمجیء الأجل الإلهی، ومجیء الأجل نوع من التصفیة لوجوده العلنی، کی لا یصبح وجوده مخلاً ومربکاً لدور تلک المجموعة، وهذا شبیه ما یعتمد الآن فی المجموعات الأمنیة أنَّه إذا عُرف تورّط عنصر فی الدول العصریة مثلاً فی جهاز معیَّن أو ما شابه ذلک یصفّى من قبل نفس ذلک الجهاز کی لا یکون نافذاً لتسرّب واختراق العدوّ فی ذلک الجهاز، وإن کانت هذه تصفیة تنتهجها أجهزة الظالمین وأجهزة دول الطغیان، ولکن هذا النهج موجود أیضاً فی التقدیر والقضاء الإلهی ولیس من باب الغشومة والعدوان، ولکنَّ أصل برنامج ونظام الخفاء الأمنی یستدعی مثل هذه الإحاطة وهی عدم بروز العناصر وانکشافها، وإلاَّ لوافاها الأجل، فإذن ما یرى بین الفینة والأخرى من ظهور مدّعین أو متشدّقین بمثل هذه المقامات فی العلن والاشتهار، فهو فی الحقیقة نوع من النصب والدجل والحیلة والافتراء لأجل جذب ضعاف العقول أو قلیلی المعلومات أو الأمیّین ومن هم على شاکلتهم، لحرف مسیرة المؤمنین عمَّا هی علیه من الاستقامة، ولقد بات ضروریاً فی مذهب الإمامیّة حتَّى عرفته عنهم المذاهب الإسلامیّة کافّة، أنَّ الإمام المهدی (علیه السلام) فی غیبة وخفاء عن شعورنا به وبوجوده وخفاء إحساسنا به، لأنَّنا فی معرض التفاعل مع أدوارهم من حیث لا نشعر، وهو یقوم مع المجموعات الإلهیة بتلک الأدوار الحساسة الخطیرة من حیث لا نشعر ولا نعرف تلک الأدوار وطبیعتها وآثارها القریبة، وإن کنّا نشعر بالآثار العامّة التی یقومون بها، ومن ثَمَّ فقد اتَّفقت مدرسة أهل البیت وأتباعها أنَّ من ادّعى الرؤیة فهو کاذب، والمقصود من الرؤیة لیس أصل التشرّف بالإمام المهدی (علیه السلام)، وقد بیّنا أنَّه یمکن أن تصبح هناک حالات من التشرّفات، کما فی ظاهرة النبیّ یوسف وغیبته أو حتَّى ظاهرة الخضر، وإنَّما المقصود هو أن من یدّعی الرؤیة لا یدّعی بها إلاَّ لأجل غرض احتلال موقعیة الوساطة بین الإمام الغائب وبین البشریة، وهذه الدعوى وإن لم تُدَّعَ صریحاً من قِبَل أصحاب النصب والاحتیال والدجل والفریة، إلاَّ أنَّها ادُّعیَت على مستوى الوصول والالتقاء بالإمام الغائب أو برجال الغیب الذین هم من هذه المجموعة التی یستعرضها لنا القرآن الکریم.
فمثل هذه الدعاوى تغلّف الدعوة الأصلیة التی یرید صاحب النصب والاحتیال ادّعاءه، وهو أنَّه سفیر أو نائب خاصّ أو کونه واسطة أو کونه من موالی الإمام الغائب الحجّة مع بقیّة الدوائر البشریة، وللأسف فإنَّ هذا نوع من الافتراءات والأکاذیب تنطلی على ضعاف العقول وعلى قلیلی المعرفة، وإلاَّ فقد بات الأمر ضروریاً کما تؤکّد سورة الکهف لهذه المجموعة أن تکون فی الخفاء، ومن ثَمَّ نشاهد فی بدء لقاء النبیّ موسى مع الخضر أنَّ الله وضع لموسى من دون علم وصیّه یوشع بن نون _ الذی عبَّر عنه فی الآیة بفتاه _ علامتین هما: مجمع البحرین، وانسیاب السمکة أو الحوت إلى الماء، فتلک العلامتان رمزیتان خفیّتان وضع، إذا افترضنا أنَّه سوف یشاهد الخضر من تلک المجموعة، وحتَّى بعد اللقاء فإنَّ النبیّ موسى یطلب وبالتماس من الخضر أن یواصل لقاءه وبقاءه معه، (قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُکَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) (1)، یستجیز الخضر لیبقى معه، فأجابه الخضر: (قالَ إِنَّکَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِیَ صَبْراً * وَکَیْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً) (2)، إلاَّ أن الفترة کانت وجیزة، وکان اللقاء متواصلاً بین النبیّ موسى والخضر حتَّى وصل إلى ساعة الافتراق (قالَ هذا فِراقُ بَیْنِی وَبَیْنِکَ) (3).
فنبیّ الله موسى المرسل وهو من أولی العزم لم یدم وصاله واتّصاله بهذه المجموعة، فکیف بغیره؟! على أنَّ نفس الآیات تعطینا زوایا عدیدة وملامح کثیرة على سرّیة وخفاء هذه المجموعة وأنَّها لا تتَّصل فی المکشوف مع علم البشریة، وإن کانت تقوم بأدوار فی خضم المجموعة البشریة وفی خضم النظم البشریة، ولکن لیس هناک معرفة بهم وبهویتهم وبحقیقة ما یقومون به من أدوار، هذه التعبیرات لیست عبطاً وإنَّما هی تعبیرات لها مؤدّیات أمنیة إستراتیجیة فی الخطّة الإلهیة لإصلاح البشر، حیث إنَّ ظاهرة الخضر کما تعرَّضنا لها مراراً استعرضت لأجل طمأنة النبیّ (صلى الله علیه وآله وسلم) فی بدء سورة الکهف عن وجله حول بقاء الدین وتحقیق الوعد الإلهی بإظهار الدین على الدین کلّه ولو کره المشرکون کما فی الآیة: (هُوَ الَّذِی أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِینِ الْحَقِّ لِیُظْهِرَهُ عَلَى الدِّینِ کُلِّهِ وَلَوْ کَرِهَ الْمُشْرِکُونَ) (4)، حیث استعرضت المحور الأصلی فی هذه السورة: (فَلَعَلَّکَ باخِعٌ نَفْسَکَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ یُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِیثِ أَسَفاً) (5)، حینئذٍ تواصل السورة بیان ضمانات إلهیة لطمأنة النبیّ بإبقاء الدین من الحالة الفطریة للبشر کما فی مثال أصحاب الکهف والرقیم، ومنها استخلاف الخلیفة وهو الإمام الذی له ملک عظیم یعنی ملک التدبیر وملک القدرة، وطاعة کلّ ملائکة الله بکلّ طبقاتهم له، کما استعرض ذلک القرآن الکریم فی سور عدیدة، ومنها إحاطة هذا الخلیفة بضمانة ثالثة وهی المجموعة البشریة: (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَیْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) (6)، مجموعة عباد مزوَّدین بالعلم اللدنّی ومزوَّدین برحمة ولطف إلهی خاصّ یقومون بهذه الأدوار، فالسیرة التی شاهدها النبیّ موسى من الخضر هی أدوار مفصلیة مصیریة خطیرة عصیبة جدَّاً وحساسة فی النظام البشری مشحونة بالجوّ الرمزی وجوّ الخفاء الأمنی فی التعامل بین النبیّ موسى والخضر فی اللحظة الأولى: (قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِی فَلا تَسْئَلْنِی عَنْ شَیْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَکَ مِنْهُ ذِکْراً) (7)؛ لأنَّ عملیة الأخذ والعطاء الحواری والکلامی تسبّب کشف القناع عن تلک الأوامر والمسؤولیات والأدوار التی أوعزت إلى تلک المجموعة والتی تقتضی الخفاء فی کیفیة التنفیذ وفی کیفیة القیام بها وفی کیفیة مواصلتها، ومن ثَمَّ فالآیة الکریمة توحی بالأجواء الأمنیة بشکل واضح، وإنَّ من شرائط صحبة النبیّ موسى للخضر فیما یقوم به من أدوار أن یکون هناک نوع من الصرامة فی الإجراء وفی التنفیذ من دون أیّ عائق وأیّ تلجلج وأیّ تلکّؤ. وطبیعة الأدوار الخفیّة سواء أکانت بیئتها اقتصادیة أم أمنیة أم سیاسیة أم اجتماعیة خیریة محضة تتطلَّب أن تنجز فی ظلّ الأجواء السرّیة والحکومة الخفیّة، وطبیعتها تتطلَّب نوعاً من الصرامة والسرعة فی الإنجاز والإنفاذ، ومن دون أیّ معوّق واعتراض وما شابه ذلک، یعنی لیست طبیعة أداء تلک الأدوار أن تأخذ لوناً وطابعاً کما هی أدوار الحکومة فی العلن وعلى المکشوف من مداولة الأمور وبترسّل وأخذ ونقاش ومصادقة مجلس نیابة أو ما شابه ذلک من أمور معیّنة، بل تلک الأمور فی حالة الخفاء تتَّخذ جانب السرعة والإنفاذ والبتّ والصرامة وعدم المعوّقات، فهذه آیة أخرى من الآیات فی ظاهرة النبیّ موسى مع الخضر (علیهما السلام) ومجموعته وشبکته البشریة تدلّل على أنَّ الأدوار فی أیّ حقل من الحقول التی هی أدوار فی الخفاء تمتاز بهذا الطابع وبهذه المعالم.

الأدوار الثلاثة للخضر:
نعم بعد ذلک تواصل الآیات استعراض مثل هذه الأدوار التی یقوم بها الخضر (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَکِبا فِی السَّفِینَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَیْئاً إِمْراً * قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّکَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِیَ صَبْراً * قالَ لا تُؤاخِذْنِی بِما نَسِیتُ وَلا تُرْهِقْنِی مِنْ أَمْرِی عُسْراً * فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِیا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَکِیَّةً بِغَیْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَیْئاً نُکْراً * قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَکَ إِنَّکَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِیَ صَبْراً * قالَ إِنْ سَأَلْتُکَ عَنْ شَیْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِی قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّی عُذْراً * فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَیا أَهْلَ قَرْیَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ یُضَیِّفُوهُما فَوَجَدا فِیها جِداراً یُرِیدُ أَنْ یَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَیْهِ أَجْراً * قالَ هذا فِراقُ بَیْنِی وَبَیْنِکَ) (8)، فطبیعة هذه الأدوار الثلاثة التی هی نموذج لما شاهده النبیّ موسى مع الخضر غیر معلومة الوجه، یعنی حتَّى الدور ونفس الفعل الذی یقوم به الخضر ومجموعته هو غیر واضح بالنسبة للناظر من بعد أو من قرب، حیث لا یکون هو فی ضمن تلک الشبکة الإلهیة والمجموعة الإلهیة المسندة لها تلک الأدوار والبرامج، ویا له من خفاء، ویا له من غموض فی السرّیة وتوغّل فی الاستتار الشدید، حتَّى إنَّ أفعالهم وحرکاتهم غیر معلومة الوجهة وغیر معلومة الغایة والحکمة والهدف الظاهر، تلک الأفعال ربَّما لا یستطیع الناظر حتَّى من قرب أن یترجمها وإن کان نبیّاً من أنبیاء الله کموسى الذی هو من أولی العزم ومرسل، فکیف بغیره؟
بعد ذلک یقول له الخضر: (هذا فِراقُ بَیْنِی وَبَیْنِکَ)، الاعتراض أو التلکّؤ أو التلجلج أو البطء فی إنفاذ المأموریات ممَّا لا یتحمَّله مقام ووضعیة وبیئة هذه المجموعة التی اعتادت على الإنجاز والحتمیة مع صرامة الأمر الإلهی، فلا یقبل أیّ نوع من البطء والعوائق والتأخّر، مع أنَّ الخضر من أولیاء الله وأصفیاء الله، وأدبه مع النبیّ موسى أیضاً کان أدباً إلهیاً عالیاً، کما أنَّ النبیّ موسى کان فی تعامله مع الخضر یبدی ذلک الأدب الرائع الإلهی النبوی، ویتوضَّح أدب الخضر فی حدیثه مع النبیّ موسى، قال: (فَإِنِ اتَّبَعْتَنِی)، ولم یقل له: اتّبعنی، هذا نوع من الأدب، حیث جعل الخیار بید موسى، (فَإِنِ اتَّبَعْتَنِی فَلا تَسْئَلْنِی)، لکن هنا أتى نوع من الحسم؛ لأنَّ طبیعة هذه المجموعة لا تقبل البطء ولا التراخی ولا التلکّؤ ولا التلجلج، لأنَّه لا بدَّ من القیام بمسؤولیة عالیة.

طبیعة الأدوار فی ظاهرة الخضر ومجموعته الخفیّة:
وتتجلّى أهمّیة هذه الأدوار بما یوضّحه الخضر نفسه بقوله: (سَأُنَبِّئُکَ بِتَأْوِیلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَیْهِ صَبْراً * أَمَّا السَّفِینَةُ فَکانَتْ لِمَساکِینَ یَعْمَلُونَ فِی الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِیبَها وَکانَ وَراءَهُمْ مَلِکٌ یَأْخُذُ کُلَّ سَفِینَةٍ غَصْباً) (9)، فخرْقُ السفینة فی ظاهره تجاوز وعدوان على ملک أصحاب السفینة، ولذلک اعترض النبیّ موسى: (قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها) (10)، لأنَّ ذلک فی ظاهره أمر مشین، أو فعل فیه إفساد، ولکن هذا الفعل بلحاظ عاقبته فیه تمام المصلحة، وهذا الفعل یمثّل فی طبیعته أنَّ هذه المجموعة البشریة لها دور فی الوضع الاقتصادی والوضع التجاری والوضع المالی والوضع المعیشی للبشریة، یعنی تقوم بأدوار مهمّة لإنجاء البشریة فی وضعها المعاشی والغذائی والاقتصادی والمالی والتجاری عن فساد الاقطاعیین وإفساد الأغنیاء الذین یبطرون فی غناهم ویمتصّون ثروات الطبقات المحرومة، فلهم هذا الدور من إیجاد العدالة النسبیة المالیة فی المجتمعات البشریة، فی قبال وإزاء طبقة الإقطاع وطبقة المستشرین فی امتصاص ثروات وحقوق الطبقات المحرومة المسحوقة، فهذا الفعل له هذا الطابع، ویدلُّ على أنَّه من أدوار هذه المجموعة البشریة وهو إرساء العدالة ولو بدرجة نسبیة، لئلاَّ یعمَّ الفساد الاقتصادی والمالی والتجاری والفساد فی معاش البشر إلى ذروته، فهم یقفون حائلاً دون استشراء الفساد المالی، وإن کانت العدالة المطلقة المالیة هی عند ظهور الإمام المهدی (علیه السلام)، وهذا مثلٌ ضربه الله فی سورة الکهف لطمأنة النبیّ فی بقاء الدین، والنظام الاجتماعی وصلاحه، وعدالته فی بُعده المالی وبُعده المعاشی، وهذا دور مهمّ، وهذا النموذج الذی استعرضته لنا الآیة الشریفة من ظاهرة فعل النبیّ موسى مع الخضر أو ظاهرة الخضر مع الشبکة الخفیّة البشریة.
الحقل الثانی الذی تنبئنا به ظاهرة الخضر أیضاً وسورة الکهف عن أدوار مجموعة الخضر وشبکته الخفیّة قضیّة الغلام: (وَأَمَّا الْغُلامُ فَکانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَیْنِ فَخَشِینا أَنْ یُرْهِقَهُما طُغْیاناً وَکُفْراً * فَأَرَدْنا) (11)، فتعبیر (أردنا) بدلاً من (أردت) یدلُّ على أنَّه ضمن مجموعته، وتأکید على أنَّ هذه الأدوار تقوم بها هذه المجموعة والشبکة الخفیّة من أبدال وأوتاد وسیّاح والمعروفین أیضاً فی اصطلاح علماء المسلمین برجال الغیب، (فَأَرَدْنا أَنْ یُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَیْراً مِنْهُ زَکاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) (12)، ورد فی روایات أهل البیت (علیهم السلام) وربَّما أیضاً فی روایات مذاهب المسلمین الأخرى _ وأهل البیت أدرى بما فی البیت _ أنَّ هذا الابن الذی قضى علیه الخضر (قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَکِیَّةً بِغَیْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَیْئاً نُکْراً) (13)، لو قدّر بقاؤه لکان یحول دون تولّد سبعین نبیّاً.(14)
أنظر! ضخّ سبعین نبیّاً فی المجتمعات البشریة کم هو مؤثّر فی صلاح البشریة! وماذا یُحدث حذفُ هذا الرقم من المصلحین الإلهیین والحجج الإلهیین، وماذا ینجم عنه من انحطاط البشریة وانحدارها. فهذا الدور الثانی وله طابع آخر.

سؤال:
ربَّما یعنُّ سؤال وهو أنَّه إذا کانوا یحولون دون الفساد والظلم فی الأرض، إذن کیف أنبأتنا الروایات المتواترة عند الفریقین عن النبیّ (صلى الله علیه وآله وسلم) أنَّ المهدی (علیه السلام) بعد طول غیبته وقیامه بالأدوار الخفیّة یظهر بعد ما تملأ الأرض ظلماً وجوراً فیملأها قسطاً وعدلاً؟!
فکیف یکون الخلیفة وهذه المجموعات من رجال الغیب التی تنبئنا بحقیقتهم وظاهرتهم سورة الکهف یحولون دون استشراء الفساد والظلم والجور؟

الجواب:
إنَّ المقصود من هذا الشرط للظهور المذکور فی الأحادیث النبویّة شرط بیئی، وإلاَّ فمسؤولیة الإصلاح ملقاة على عاتق الجمیع، کلّهم مکلَّفون بالحیلولة دون الفساد والظلم والجور ومجابهته، والمقصود امتلاؤها ظلماً وجوراً بحیث لا یمکن حتَّى لهذه المجموعة البشریة والشبکة الإلهیة أن تقوم بأدوارها من الإصلاح فی ظلّ الخفاء مع قطب رحاهم وهو الإمام المهدی (علیه السلام)، فإذا کانت بیئة الخفاء لا تفسح المجال ولا تمکّن من الحیلولة دون الفساد فی الأرض وسفک الدماء، یأتی حینئذٍ موعد الظهور لیبرز رجال الغیب وأمامهم الإمام المهدی على منصّة ومسرح الظهور لینفذ حینئذٍ وعد الله عز وجل بنشر القسط والعدل فی الأرض، وإلاَّ فدائماً وجود الإمام ووجود الخلیفة مع هذه المجموعة التی تحیط به، هو للحیلولة دون استشراء وامتلاء الأرض بالفساد والظلم والطغیان والجور وسفک الدماء وقطع النسل البشری.
وهذه المجموعة التی تستعرضها لنا سورة الکهف هی الضمانة الثالثة لإبقاء وحمایة الدین، وتحوط خلیفة الله فی الأرض وتأزره فی القیام بأدواره، وکما مرَّ بنا أنَّ دور الإمام المهدی فی الغیبة لیس دوراً ذا طابع فردی، وإنَّما هو دور ذو طابع نظمی وحکومی فی ظلّ حکومة خفیّة وأعوان مسندون یخترقون النظم البشریة ویعیقون سیاسات الظلم والإجحاف والإفساد فی الأرض، ویصلحون ما قُدّر لهم وما خطّ وحدّد لهم من قِبَل السیاسة الإلهیة فی أوامر الله عز وجل التی تتنزَّل علیهم فی العلم اللدنّی، ویحولون دون استشراء الفساد والظلم والجور وسفک الدماء.
والملاحظة المهمّة الأخرى فی طبیعة هذه المجموعة أنَّها لا تقتصر فی سیاساتها وأدوارها المحسوبة على أفق قصیر المدى، أو على تداعیات مقطعیة، وکیف وهی سیاسات قد أرسیت من قِبَل الله تعالى، وهی أمور وبرامج قد خُطّط لها من قِبَل خالق البشر، فلا یقدّر لها أن تکون تداعیاتها مقطعیة حالیة تقتصر على أفق قصیر المدى کما هو الحال فی النظم البشریة ذات سیاسات الخمسین سنة أو العشرین سنة أو العشر سنین استراتیجیات یبنونها ویقدّر لها أن تصیب عقوداً من السنین، أمَّا فی السیاسات الإلهیة وفی البرامج الإلهیة فهناک تدبیرات وسیاسات یقدّر لها أن تتجاوز الحدود والآفاق القصیرة، بل إلى حدود وأمواج تبرز تداعیاتها فی البحر البشری إلى یوم القیامة، لو تصوَّرنا هذا الدور کحجر یلقى فی ذلک البحر فکیف أنَّ أمواجه تصل إلى نهایة ذلک البحر ونهایة ساحل ذلک البحر، هکذا یحسب فی التخطیط والبرنامج الإلهی الذی یعزى ویوکل لتلک المجموعة البشریة الخفیّة فیما تقوم به من أدوار، لأنَّ محاسبة أن التنسیل البشری تضخّ فیه سبعین نبیّاً أو لا یضخّ فیه، هذه محاسبات لیست بالسهلة، وإلى الآن فإنَّ أفق العلم البشری حتَّى فی علم الأحیاء وعلم التنسیل البشری وعلم الدین وعلم الوراثة والهندسة الوراثیة یریدون أن یتوصّلوا إلى کیفیة تخصیب وتحسین النسل البشری ضمن محاسبات حدسیة ولیست محاسبات قطعیة، ضمن محاسبات إعدادیة ولیست محاسبات باتّة، وإلى الآن لم یصلوا، بینما فی السیاسة الإلهیة والأدوار والبرامج الموکولة والمأمور بها تلک المجموعة قد حسب وحسم فیها مثل هذه المحاسبات.
فهذا الدور الثانی لهذه المجموعة ذو طابعین: طابع فی الحقل الاجتماعی والتنسیل البشری، ومسار صلاح وإصلاح النظام البشری وتنسیله وهدایته، وهو طابع اجتماعی وعقائدی محض. والطابع الثانی فی هذا الدور الثانی الذی یبرز أنَّ محاسبات هذه الأدوار لیست فی نطاق سیاسات قزمة وقتیة مقطعیة، بل هی فی سیاسات واسعة النطاق، فی سیاسات بعیدة المدى، آثارها ونتاجها یصل إلى آفاق لا یمکن حسبانها فی الذهن والعلم البشری الحالی، وهذا أمر مهمّ، ممَّا یدلّل على أنَّ خطورة دور هذه المجموعة البشریة حساس وخطیر وفی موقع عصیب یقع فی مفاصل خطیرة فی العمود الفقری للأجیال البشریة، ولیس للجیل الحاضر فقط، وهذا ما تعجز عنه نظم البشر الحالیة، إلاَّ من المحاسبات الحدسیة الیسیرة لم تحسم نتائجها ودرجة الإدراک العلمی فیها.
هذا الطابع الثانی فی الدور الثانی الذی قام به الخضر أمام مشهد النبیّ موسى کعیّنة یسیرة.
الدور الثالث الذی قام به الخضر (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَیا أَهْلَ قَرْیَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ یُضَیِّفُوهُما فَوَجَدا فِیها جِداراً یُرِیدُ أَنْ یَنْقَضَّ فَأَقامَهُ) (15)، هذه الآیات، هذه المقاطع، هذه الحالات التی تستعرضها لنا سورة الکهف ترکّز فی الفکر أنَّ الحکومة الخفیّة لرجال الغیب لا یقومون بالتفرّج فقط على الوضع الراهن وما سیأتی من مستقبل، بل تجری فی محاسبات أدوارهم وبرامجهم وخططهم آثار الماضی وترابطها مع الوضع الراهن، وارتباطهم مع حلقات المستقبل، ولربَّما هذا لا نجده فی سیاسات الدول، الربط بین تاریخ الماضی وحالات الوضع الراهن وبیئته الفعلیة وحلقات المستقبل.
وفی الحقیقة إنَّ هذا الدور الثالث معطوف على الدور الأوّل والدور الثانی من أنَّ السیاسات الإلهیة التی هی مبرمجة لأدوار هذه الشبکة الخفیّة البشریة تلاحظ وتراعی حلقات الماضی وحلقات الوضع الراهن، وحلقات المستقبل فی ضمن نظم نسیجی إعجازی باهر، وهذا ما لا تستطیع أن تؤمّنه النظم البشریة فی ذلک.
ومن نافلة القول أنَّ العنایة التامّة الکاملة ستکون عند الظهور، عندما یملأها الإمام المهدی مع هذه المجموعات من أعوانه ووزرائه قسطاً وعدل، ولکن قبل ذلک تکون بقدر نسبی کما قال الباری تعالى: (إِنِّی جاعِلٌ فِی الأْرْضِ خَلِیفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِیها مَنْ یُفْسِدُ فِیها وَیَسْفِکُ الدِّماءَ) (16)، یعنی إنَّ أبرز شیء فی الخلیفة أنَّه دارئ للفساد المطبق فی الأرض، هو دارئ وحائل دون سفک الدماء وقطع التنسیل البشری، لکن الإصلاح التّام (یملأها قسطاً وعدلاً) هذا یکون عند ساعة الظهور، ودولة الظهور، ومهما یکن فإنَّ الباری تعالى ینبئنا ویحدّثنا أنَّه لا یضیع أجر عامل، لیس فقط فی الجزاء الأخروی، ولیس فقط فی ضمن دائرة وسُنّة القضاء والقدر التکوینی الإلهی، بل ضمن النظام الإلهی السیاسی والنظام البشری، ولکن هو جهاز بتأسیس ربّانی وإلهی أعضاؤه وعناصره مزوَّدون بالعلم اللدنّی واللطف الخاصّ، والباری تعالى یجازی عبر الحکومة التی أسّست من قبله تعالى، هذه الحکومة التی من الظاهر أنَّها لیست مختصّة بحقبة النبیّ موسى ولا مختصّة أیضاً بحقبتنا نحن الأمّة الإسلامیّة، باعتبار أنّها ذُکرت نموذجاً کإجابة للوجل حول بقاء الدین الذی استعرض فی مطلع سورة الکهف، إنَّما ذکر هذا أنموذجاً إیجابیاً وضمانة ثالثة لبقاء الدین فی هذه الأمّة الإسلامیّة، وفی هذا العصر أیضاً هذه السُنّة الإلهیة لیست سُنّة خاصّة بحقبة النبیّ موسى إلى أمّتنا هذه، بل کانت من عهد آدم إلى یومنا هذا، لأنَّه کما مرَّ بنا أنَّ الله عز وجل جعل إبراهیم إماماً وجعل من ذرّیته أئمّة کیعقوب وإسحاق ونسل إسماعیل (آتَیْنا آلَ إِبْراهِیمَ الْکِتابَ وَالْحِکْمَةَ وَآتَیْناهُمْ مُلْکاً عَظِیماً) (17)، کما تحدّثنا بذلک سورة النساء، ولکن لم یکن له فی الظاهر مُلک مکشوف، أو ولایة مکشوفة، ولم یحدّثنا أیّ مصدر تاریخی عن ذلک، لکن مع ذلک فالنبیّ إبراهیم (علیه السلام) قد أنجز العجائب، حوَّل أکثر مجتمعات الشرق الأوسط من عبدة أوثان أو کواکب أو نیران وغیرها إلى الملّة الحنیفیة، فتغییر مجتمعات لاسیّما فی عقیدتهم أمر لیس یسیراً کما مرَّ، فلم یکن عمله عملاً فردیاً، وإنَّما هو عمل ضمن نظام وجهاز إلهی کما تحدّثنا بذلک روایات الفریقین من التقاء النبیّ إبراهیم بالأبدال وشبکة الأوتاد وما شابه ذلک کأعوان ووزراء له، وکذلک بنوه الذین وصفوا بأنَّهم أئمّة واُوتوا الملک العظیم، فهو جهاز بشری حکومی مؤسّس من قبل ربّ العالمین یقوم بنظم معیّنة وطبق خطط تتجاوز التخطیط البشری إلى آفاق بوسع حدود علم الله (أَلا یَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِیفُ الْخَبِیرُ) (18)، علم الله الذی لا تخفى علیه خافیة فی السماء ولا فی الأرض ولا أکبر من ذلک ولا أصغر، (ما فَرَّطْنا فِی الْکِتابِ مِنْ شَیْءٍ) (19)، (وَکُلَّ شَیْءٍ أَحْصَیْناهُ فِی إِمامٍ مُبِینٍ) (20)، وتداعیات کلّ دور وکلّ حدث وارتباطها بالبیئات المختلفة هذا ممَّا یعجز ویثقل بکاهله حتَّى أکثر التمدّنات البشریة، ولو فرضناها بعد قرون بمثل هذه الشبکة من المعلومات والعلوم، وهذا الجهاز الإلهی الذی یحدّثنا القرآن الکریم عنه موجود على قدم وساق باعتباره أنموذجاً ضُرب من عهد النبیّ موسى، بل ذکرنا بعض الشواهد التی تدلُّ على أنَّه من عهد آدم، إنَّه أیضاً کان یحول دون الفساد فی الأرض، ولا بدَّ أنَّه لم یکن بعمل فردی، وإنَّما بالأسباب الطبیعیة بنظام إلهی وأدوات وآلیات إلهیة، وکذلک فی عهد نوح، وکذلک فی عهد إبراهیم وموسى وعیسى، وکذلک فی عهد سیّد الأنبیاء وإمام الأئمّة خاتم النبیّین (صلى الله علیه وآله وسلم)، وکذلک فی عهد الأئمّة الاثنی عشر (علیهم السلام)، وکذلک فی عهد الإمام المهدی وفی ظلّ غیبته غیبة الخفاء والسرّیة والتستّر، فهذا مثل عظیم ضربه لنا القرآن الکریم أنَّ أدوار هذه الحکومة متنوّعة متعدّدة لإرساء العدالة فی الحقول المختلفة، نعم القرآن الکریم ینبئنا بهذا الجهاز البشری المزوّد بالعلم اللدنّی والذی یحوط الخلیفة المستخلف من قبل الله کجهاز وأذرع بعد أن ذکر استخلاف الخلیفة کسُنّة دائمة أیضاً فی سورة الکهف والتی هی مرصودة إلى الإجابة عن کیفیة بقاء الدین.
المصادر :
1- الکهف: 66
2- الکهف: 67 و68
3- الکهف: 78
4- التوبة: 33
5- الکهف: 6
6- الکهف: 65
7- الکهف: 70
8- الکهف: 71-78
9- الکهف: 78 و79
10- الکهف: 71
11- الکهف: 80 و81
12- الکهف: 81
13- الکهف: 74
14- الکافی 6: 6/ باب الدعاء فی طلب الولد/ ح 11؛ تفسیر القرطبی 11: 37.
15- الکهف: 77
16- البقرة: 30
17- النساء: 54
18- الملک: 14
19- الأنعام: 38
20- یس: 12

user comment
 

آخر المقالات

  آیات بیعة الغدیر
  صور التقية في كتب العامة
  استهتار الوليد
  خطّة معاوية لتثبيت حكمه
  إمامة أبو بكر
  النحو من وحي الإمام عليه السلام والبلاغة من نهج البلاغة
  في رحاب نهج البلاغة (لماذا نهى أمير المؤمنين عن قتال ...
  في رحاب نهج البلاغة (الإمام علي عليه السلام وتصلّبه وتنمّره ...
  في رحاب نهج البلاغة (الإمام علي عليه السلام والسياسة ...
  في رحاب نهج البلاغة (إحتجاج الإمام عليه السلام على من غصب ...