عربي
Friday 22nd of September 2017
code: 86548
معجزة القرآن والاستقامة في البيان

قد علم كل عاقل جرب الامور ، وعرف مجاريها أن الذي يبني أمره على الكذب والافتراء في تشريعه وأخباره ، لا بد من أن يقع منه التناقض والاختلاف ، ولا سيما إذا تعرض لكثير من الامور المهمة في التشريع والاجتماع والعقائد ، والنظم الاخلاقية المبتنية على أدق القواعد ، وأحكم الاسس ، ولا سيما إذا طالت على ذلك المفتري أيام ، ومرت عليه أعوام .

نعم لا بد من أن يقع في التناقض والتهافت من حيث يريد أو لا يريد ، لان ذلك مقتضى الطبع البشري الناقص إذا خلا من التسديد .

وقد قيل في المثل المعروف : لا حافظة لكذوب .

وقد تعرض القرآن الكريم لمختلف الشؤون ، وتوسع فيها أحسن التوسع

فبحث في الالهيات ومباحث النبوات ، ووضع الاصول في تعاليم الاحكام والسياسات المدنية ، والنظم الاجتماعية ، وقواعد الاخلاق .

 وتعرض لامور أخرى تتعلق بالفلكيات والتاريخ ، وقوانين السلم والحرب ، ووصف الموجودات السماوية والارضية من ملك وكواكب ورياح ، وبحار ونبات وحيوان وإنسان ، وتعرض لانواع الامثال ، ووصف أهوال القيامة ومشاهدها فلم توجد فيه أية مناقضة ولا أدنى اختلاف ولم يتباعد عن أصل مسلم عند العقل والعقلاء .

وربما يستعرض الحادثة الواحدة مرتين أو أكثر ، فلا تجد فيه أقل تهافت وتدافع . وإليك قصة موسى عليه السلام ، فقد تكررت في القرآن مرارا عديدة ، وفي كل مرة تجد لها مزية تمتازبها من غير اختلاف في جوهر المعنى .

وإذا عرفت أن الآيات نزلت نجوما متفرقة على الحوادث ، علمت أن القرآن روح من أمر الله ، لان هذا التفرق يقتضي بطبعه عدم الملاءمة والتناسب حين يجتمع .

ونحن نرى القرآن معجزا في كلتا الحالتين، نزل متفرقا فكان معجزا حال تفرقه ، فلما اجتمع حصل له إعجازآخر. وقد أشار إلى هذا النحو من الاعجاز قوله تعالى :
" أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا 4 : 82 ".

وهذه الآية تدل الناس على أمر يحسونه بفطرتهم ، ويدركونه بغريزتهم ، وهو أن من يعتمد في دعواه على الكذب والافتراء لا بد له من التهافت في القول ، والتناقض في البيان ، وهذا شئ لم يقع في الكتاب العزيز .

والقرآن يتبع هذه الخطة في كثير من استدلالاته واحتجاجاته ، فيرشد الناس إلى حكم الفطرة ، ويرجعهم إلى الغريزة ، وهي أنجح طريقة في الارشاد ، وأقربها إلى الهداية .

وقد أحست العرب بهذه الاستقامة في أساليب القرآن ، واستيقنت بذلك بلغاؤهم .

وإن كلمة الوليد بن المغيرة في صفة القرآن تفسر لنا ذلك ، حيث قال - حين سأله أبو جهل أن يقول في القرآن قولا : " فما أقول فيه ؟ فوالله ما منكم رجل أعلم في الاشعار مني ولا أعلم برجزه مني ، ولا بقصيده ، ولا بأشعار الجن . والله ما يشبه

الذي يقول شيئا من هذا ، ووالله إن لقوله لحلاوة ، وإنه ليحطم ما تحته ، وإنه ليعلو ولا يعلى . قال أبو جهل : والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه قال الوليد : فدعني حتى افكر فيه فلما فكر . قال : هذا سحر يأثره عن غيره " ( 1 ) .

وفي بعض الروايات قال الوليد : " والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الانس ومن كلام الجن ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وما يقول هذا بشر " ( 2 ) . . .

وإذا أردت أن تحس ذلك من نفسك فانظر إلى الكتب المنسوبة إلى الوحي ، فانك تجدها متناقضة المعاني ، مضطربة الاسلوب ، لا تنهض ولا تتماسك .

وإذا نظرت إلى كتب العهدين ، وما فيها من تضارب وتناقض تجلت لك حقيقة الامر ، وبان لك الحق من الباطل . وهنا نذكر أمثلة مما وقع في الاناجيل من هذا الاختلاف :

 1 - في الاصحاح الثاني عشر من إنجيل متى ، والحادي عشر من لوقا : إن المسيح قال : " من ليس معي فهو علي ، ومن لا يجمع معي فهو يفرق " . وقال في التاسع من مرقس ، والتاسع من لوقا : " من ليس علينا فهو معنا " .

 2 - وفي التاسع عشر من متى ، والعاشر من مرقس ، والثامن عشر من لوقا : إن بعض الناس قال للمسيح : " أيها المعلم الصالح . فقال : لماذا تدعوني صالحا ؟ ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله " . وفي العاشر من يوحناأنه قال : " أنا هو الراعي الصالح . . . أما أنا فإني الراعي الصالح " .

 3 - وفي السابع والعشرين من متى قال : " كان اللصان اللذان صلبامعه - المسيح - يعيرانه " ، وفي الثالث والعشرين من لوقا : " وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلا : إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا ، فأجاب الآخر وانتهره قائلا : أولا أنت تخاف الله ؟ إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه " .

 4 - وفي الاصحاح الخامس من انجيل يوحنا : " إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقا " . وفي الثامن من هذا الانجيل نفسه أنه قال : " وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق " . هذه نبذة مما في الاناجيل - على ما هي عليه من صغر الحجم - من التضارب والتناقض . وفيها كفاية لمن طلب الحق ، وجانب التعصب والعناد(3).

المصدر:

 ( 1 ) تفسير الطبري ج 29 ص 98 .

( 2 ) تفسير القرطبي ج 19 ص 72 . ( * )   

(3) البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي

user comment
 

آخر المقالات

  اخبار وروايات من كتب اهل السنة تتعلق بعاشوراء
  أنطوان بارا يروي قصته مع الإمام الحسين (عليه السّلام)
  أخلاق سيد الشهداء عليه السلام
  أحياء عاشوراء وإحياؤها ... إحياء للإنسان
  أبعاد ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)
  الأشعریة
  مکانة الرسول الأکرم عند الله
  اعرف مذهبک
  من هو الصحابي
  الوفاء بالشرُوط في صلح الحسن (ع)