عربي
Tuesday 24th of September 2019
  496
  0
  0

عظمة سفير الله من عظمة الله

عظمة سفير الله من عظمة الله

من أراد أن يتكلم عن عظمة أولياء الله و أصفيائه - من أنبياء و أوصياء - يحتاج الي لغة تفوق لغتنا سعة ودقة تعبير، و تحتوي علي مفردات لائقة بأن تنهض بوصف عظمتهم التي تقصر لغتنا عن وصفها رغم سعتها و دقة تعبيرها و غزارة مادتها؛ أو أنه - علي الأقل - يحتاج الي قدرة لغوية لا تتوافر الا للجهابذة و الفصحاء.
و يحتاج الی فكر مبتدع خلاق يستطيع أن يعطي الصور المعبرة عن عظمة الخلاق الذي ابتدعهم - سبحانه - و سواهم علی غير نسق الآخرين.. و الا فانه يبقی مقصرا عن نعتهم بما يليق، و وصفهم بما يدل علی معانيهم و سمو أقدارهم!. فما علی الكاتب عنهم - اذن - الا أن ينظر اليهم بعين الاكبار، و يعترف بالمعجز عن تبيان ما هم عليه من الشأو و علو الشأن، فيقول كما قالت الملائكة لرب العالمين حين (قالوا سبحانك لا علم لنا الا ماعلمتنا) (1) و لا قدرة لنا علي أكثر من ذلك.. و أين نحن عن ادراك عظمة سربلهم بها الله العظيم؟!. لقد قال أبوهاشم الجعفري: «سألت الحسن العسكري عليه‌السلام عن قوله تعالی: (ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، و منهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله)(2).
قال - عليه‌السلام -: كلهم من آل محمد. فالظالم لنفسه - الذي لا يقر بالامام، و المقتصد العارف بالامام، و السابق بالخيرات الامام. فدمعت عيني، و جعلت أفكر في نفسي، في عظم ما أعطي الله آل محمد صلي الله عليه و آله و سلم، و بكيت!. فنظر الي أبومحمد و قال: الأمر أعظم مما حدثت به نفسك من عظيم شأن آل محمد صلي الله عليه و آله و سلم! فاحمد الله أن جعلك متمسكا بحبلهم، تدعي يوم القيامة بهم اذا دعي كل أناس بامامهم!. فأبشر يا أباهاشم، انك علي خير» (3) .
الأمر أعظم مما تحدث به النفس!. عبارة قالها الامام عليه‌السلام دون تفصيل يوضح ذلك الأمر، و اكتفي ببيان أهمية التمسك بحبل ولائهم. و معني ذلك أن تحديد عظمتهم لا تتحمله عقولنا و لاتستوعبه أفهامنا ولو تحدثت به نفوسنا و حاولت وصفها ألسنتنا و أقلامنا.. و لذا فاننا سنورد بعض مظاهر عظمة امامنا العسكري صلوات الله عليه، و نعلق علي ما نورده بما نقدر عليه.
لا بما ينبغي أن يقال، ثم نترك ما نعجز عنه لتعليق القادرين، و تأمل المتأملين.. قد قيل للامام الصادق عليه‌السلام: «يابن رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، ما منزلتكم من ربكم؟. قال: حجته علي خلقه، و بابه الذي يؤتي منه، و أمناؤه علي سره، و تراجمة وحيه». و قال عليه‌السلام في حديث آخر: نحن حجج الله علي عباده، و شهداؤه في خلقه، و أمناؤه، و خزانه علي علمه، و الداعون الي سبيله، و القائمون بذلك. فمن أطاعنا فقد أطاع الله» (4).
ففي ما بين أطراف هذه التحديدات الدقيقة، التي تحمل معاني تنوء بها الجبال، ينبغي أن يدور كلام من تجرأ علي الخوض في بيان أسرار عظمتهم المستمدة من عظمة الله عزوعلا!. فجرب أن تطير بخيالك ملايين السنين النورية لتصل الي حدود الكون (اللامحدود).. فاذا وصلت الي أحد حدوده، تصل الي تحديد عظمة جعلها الخالق سبحانه غير محدودة!. قال محمد بن مسلم - في حديث طويل -: «سمعت أباجعفر عليه‌السلام يقول: ... فلم يعلم والله رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم حرفا مما علمه الله، الا علمه عليا عليه‌السلام، ثم انتهي ذلك العلم الينا. ثم وضع يده علي صدره» (5) .
فاليهم - صلوات الله و تحياته و بركاته عليهم - ينتهي علم العالمين، ما عرف منه العالمون و ما جهلوه، بل عندهم من العلم ما لا يتحمله أحد غيرهم و لا بدع في أن يعلم السفير عن ملكوت دولته، ما لا يعلمه غيره من الغرباء عن ملكوتها!. فقد روي علي بن حمزة عن أبي‌الحسن موسي بن جعفر عليه‌السلام، قائلا: «سمعته يقول: ما من ملك يهبطه الله في أمره، الا بدأ بالامام فعرض ذلك عليه. و ان مختلف الملائكة من عند الله تبارك وتعالی الي صاحب هذا الأمر» (6) .
ذلك أنه جلت قدرته، يطلع أمينه في أرضه، علي ما يقضي فيها، اذ لا يجوز أن يغيب عن السفير علم شي‌ء من ذلك، و الا فما معني سفارته عن السماء؟!. ان الدولة التي تعين سفيرا لها في دولة أخري، لا تمضي أمرا مع تلك الدولة دون علم سفيرها، بل و لا تعرض معها لدرس مشكلة مشتركة الا بمعرفته؛ و اذا أرسلت اليها مندوبا بمهمة ما، فانما يبدأ المندوب بسفير دولته ليطلعه علي رأي دولته، ثم يمضي معه، الي انجاز عمله. فالله تبارك و تعالی حين قضي باهلاك قوم لوط، بعث ملائكة مكرمين، علي رأسهم جبرائيل الأمين عليه و عليهم‌السلام، فنزل الملائكة - أولا و بالذات - علي النبي ابراهيم عليه‌السلام فأخبروه بأمر ربهم، ثم مضوا الي لوط عليه‌السلام فبلغوه المهمة، و أنقذوه - كما أمرهم ربهم - ثم نفذوا ما جاؤوا بصدده. هذا هو العرف الرباني.. و علي نسقه - أيضا - يجري العرف الانساني.. فلا تتعجب من أمر نحن نمارسه علي كوكبنا الأرضي.. و قد قال سورة بن كليب: «قال لي أبوجعفر - الامام الباقر - عليه‌السلام: «والله انا لخزان الله في سمائه و أرضه، لا علي ذهب، و لا علي فضة، الا علي علمه!» (7) .
و قال عبدالرحمان بن كثير: «سمعت أباعبدالله - الامام الصادق - عليه‌السلام يقول: نحن ولاة أمر الله، و خزنة علم الله، و عيبة وحي الله...» (8) . فسبحان من له الأمر و النهي، الذي اختص أهل بيت نبيه بأمانة سره في أرضه، و كان من جملة أمره أن جعل لهم هذا الأمر اختصاصا لهم منه دون غيرهم!. و نحن لا نستكثر عطاء ربنا سبحانه. و من استكثر عليهم مواهب ربهم، فقد استكثر ذلك علي العزيز الوهاب. و بخل عليهم بما وهبه لهم!. فعن بريد العجلي قال: «قال الامام الباقر عليه‌السلام في قوله تبارك و تعالی: (فقد ءاتينا ءال ابراهيم الكتاب و الحكمة و ءاتيناهم ملكا عظيما) (9).
جعلنا منهم الرسل، و الأنبياء، و الأئمة. فكيف يقرون في آل ابراهيم، وينكرون في آل محمد صلي الله عليه و آله و سلم؟!! مع أن في تأويل هذه الآية الكريمة أن آل ابراهيم هم نبينا صلي الله عليه و آله و سلم و أهل بيته عليهم‌السلام. قلت: فما معني: (و ءاتيناهم ملكا عظيما)؟!. قال: الملك العظيم أن جعل فيهم أئمة، و من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصي الله؛ فهو الملك العظيم!». فأرجو لي و لاخواني القراء أن تأتي البيوت من أبوابها، و أن لا نصدم رؤوسنا بالجدران اذا حاولنا دخول البيوت من الحيطان.. و آن لنا أن نختم هذا التمهيد للاطلالة المتواضعة علي مظاهر عظمة امامنا الكريم عليه‌السلام،يقول رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: «انا، أهل‌البيت، أهل بيت الرحمة، و شجرة النبوة، و موضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعدن العلم» (10) .
و كفی بذلك تحديدا لفظه نبينا الذي هو أفصح من نطق بالضاد، و الذي لا يتكلم عن عصبية و هوي، بل عن وحي يوحي. روي اسحاق بن يعقوب، عن «بذل» مولاة أبي‌محمد عليه‌السلام، التي قالت: «رأيت عند رأس أبي‌محمد عليه‌السلام، نورا ساطعا الي السماء و هو نائم» (11).
فما هذا النور الساطع من جبين الامام عند النوم؟!. و هل كانت لوجهه هالة كالهالة المشعة التي كانت تعلو وجه جده رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم؟!. نعم، هي هي مع فارق هام يتخلص في أن هالة النبوة كانت ظاهرة للعيان، في حين أن هالة الوصية لا تبدو لسائر الناس اذ ليس من طبيعة أبصارهم أن تري النور الرباني، الذي جعله هيبة و وقارا علي وجه الامام!. و انما بدا ذلك النور لتلك الخادمة البريئة «بذل» - في لحظات ما - لتتحدث للأجيال عن مواهب الرب الجليل، لأهل بيت الوحي و التنزيل، و لتنقل لنا آية من آياتهم و ليس عجيبا أن تصدر عن أمين الله و صفيه و حامل عزائم أمره!. و لا غرو أن يكون ذلك النور نور الايمان الراسخ، ينبعث من وجه العبد الصالح!.
أو أنه الخط الأبيض الذي يربطه بالسماء، ويصله بحضرة القدس و البهاء!. أو هو السناء الالهي الذي يتدفق من منابع رحمة الله ليغمر وجه وليه و ينبعث منه ليلا، كما ينبعث نور الشمس من الكوة الي الغرف المظلمة.. و علي أي حال، انها آية خارقة، مستهجنة اذا صدرت عن شخص عادي.. و لكنها، من آل الله، آية من آيات الله لا يعجزه شي‌ء في الأرض ولا في السماء!. فهو سبحانه نور السماوات و الأرض، و لا جرم أن يفيض دفقا من نوره علي جبين من جعله في الأرض عنوانا لقدرته و عظمته. قال أبوهاشم الجعفري: كنت عند أبي‌محمد، فسأله محمد بن صالح الأرميني - الأرمني - عن قول الله عزوجل: (و اذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي شهدنا..) (12).
فقال أبومحمد: ثبتت المعرفة، و نسوا الموقف، و سيذكرونه. و لولا ذلك لم يدر أحد من خالقه، و لا من رازقه!. فجعلت أتعجب في نفسي من عظيم ما أعطي الله وليه، و جزيل ما حمله!. فأقبل أبومحمد عليه‌السلام علي، فقال: الأمر أعجب مما عجبت منه، و أعظم!. ما ظنك بقوم من عرفهم عرف الله، و من أنكرهم أنكر الله؟!. و لا مؤمن الا و هو لهم مصدق، و بمعرفتهم موقن» (13) .
وقد قال في (كشف الغمة) تعليقا علي شرح الامام للآية الكريمة بهذا الايجاز البليغ: «كأن المراد أنه لو لم يعرف الله نفسه لعباده، لكانت معرفته مستحيلة للعباد. و ذلك لضعفهم ونقصانهم عن معرفة خالقهم و رازقهم، لضعف الصور الخيالية من الأشياء المتصورة في الذهن، عن أن يعرف صاحبه، يعني المصور في خياله. مثاله: أنك لو صورت في ذهنك صورة من البستان في صورة خاصة، فهذا البستان يستحيل عليه أن يعرفك، و ليس له ذلك الادراك.. فالمخلوق أيضا أنقص و أضعف من أن يعرف خالقه، الا اذا أوجد الخالق هذه المعرفة فيه، و عرف نفسه به.
و لذلك ورد في الحديث، في جواب من سئل أن المعرفة صنع من؟. فقال الامام عليه‌السلام: من صنع الله، ليس للعباد فيه صنع.. و ورد في الدعاء أيضا: اللهم عرفني نفسك.. الخ». و التعليق حسن، ولكن لا يضاهي قول الامام عليه‌السلام قول، و لا يفسر بلاغته تعليق، لأنه السهل الممتنع البليغ غاية البلاغة.. فلما اعترف بنوآدم - في عالم الذر - بربوبية الخالق اذ سألهم - سبحانه - عن نفسه مستفهما - و هو أعلم منهم بما في نفوسهم - و أجابوا ببلي ثبتت معرفتهم به خالقا رازقا. و لكنهم بعد انتقالهم من خلق الي خلق، غاب عن وعيهم ذلك الموقف ونسوا اعترافهم و جوابهم.. بيد أنهم سيذكرونه حين يقفون بين يديه تعالی للحساب، فيثاب المعترف السامع المطيع، و يجازي المنكر الأصم العاصي: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، و ما عملت من سوء تود لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا!) (14) . قال محمد بن الحسن بن ميمون (15) .
«كتبت اليه أشكو الفقر؛ ثم قلت في نفسي: قد قال أبوعبدالله - الصادق عليه‌السلام -: الفقر معنا خير من الغني مع غيرنا. و القتل معنا خير من الحياة مع عدونا. فرجع الجواب: ان الله عزوجل يخص أولياءنا اذا تكاثفت ذنوبهم بالفقر، و قد يعفو عن كثير منهم. كما حدثتك نفسك: الفقر معنا خير من الغني مع غيرنا، و القتل معنا خير من الحياة مع عدونا، و نحن كهف لمن التجأ الينا، و نور لمن استبصر بنا، و عصمة لمن اعتصم بنا. من أحبنا كان معنا في السنام الأعلي، و من انحراف عنا فالي النار!» (16) .
فليس للانسان - اذن - أفضل من أن يلتجي‌ء الي وارف ظلهم، و يستبصر بنور هدايتهم، و... بهم، فانهم لا يخرجون أحدا من حق، و لا يدخلون أحدا في ضلالة، بل هم سفينة النجاة يوم يغرق الخلق الي شحوم آذانهم بالعرق من مخاوف يوم القيامة و أهواله!. فلا جرم أن يتمسك العاقل بحبل ولائهم، ليكون معهم و في زمرتهم في الجنان و دار الرضوان. و يكفيهم شرفا أن طاعتهم فريضة من فرائض الله عز اسمه، و أن معصيتهم كمعصيته سواء بسواء، لأنهم لا ينطقون الا بأمره، و لا يصدرون الا عن وحيه.. فهم من الناس، و لكنهم ليسوا منهم في ميزان العظمة ومقاييس عطايا الله تعالی!. ولدا فان أي وصف لذاتهم و سماتهم يبدو ركيكا هزيلا مهما بالغ الوصافون بذلك.. و عن الفضل بن الحارث (17)
أنه قال: كنت بسر من رأي وقت خروج أبي‌الحسن - أي وقت اخراج جنازة الامام الهادي عليه‌السلام - فرأيت أبامحمد عليه‌السلام ماشيا قد شق ثوبه. فجعلت أتعجب من جلالته، و هو له أهل، و من شدة اللون و الأدمة، و أشفق عليه من التعب. فلما كان من الليل، رأيته عليه‌السلام في منامي، فقال: اللون الذي تعجبت منه اختبار من الله لخلقه، يجريه كيف شاء - يختبر فيه كيف يشاء -. و انها لعبرة لأولي الأبصار، لا يقع فيه علي المختبر ذم. و لسنا كالناس نتعب مما يتعبون. نسأل الله الثبات و التفكر في خلق الله، فان فيه متسعا!. ان كلامنا في النوم، مثل كلامنا في اليقظة»(18) . و (انما يتذكر أولوا الألباب) (19) اذا طالعتهم هذه العجائب.
فقد تعجب ابن‌الحارث من جلالة الامام عليه‌السلام، و من شدة سمرته، و أشفق عليه من التعب،فيما بينه و بين نفسه و لم يفه بكلمة، و لا نبس ببنت شفقة!. فمن أطلع الامام علي أحاسيسه و همسات صدره حرفا حرفا، و كيف أحس بمشاعره معني معني؟!. لقد جاءه في المنام، و أخبره عن جميع الأفكار التي دارت في خلده واحدا وحدا، و بين له أن أوصياء الله علي عباده لا يتعبون مما يتعب منه الناس، و فذلك له ظهور ذلك اللون علي وجهه ساعة اخراج جنازة أبيه، و أوضح له بعض مظاهر عظمته التي يمتاز بها علي المخلوقين، و أعلمه أن حاله واحدة في المنام و في اليقظة، لأن من رآهم - في المنام - فقد رآهم حقا، كما ورد في الخبر عنهم عليهم‌السلام. فكيف كان ذلك ان لم يكن الامام يؤتي بالكلام، و بالأفكار، و بوساوس الصدور؟!. كان ذلك كذلك قطعا.. و لا داعي للتفكير فيما وراءه، فان سرهم من سر الله، و أمرهم من أمره، و هو العالم بالخفيات، القادر علي اطلاع من يشاء علي ما يشاء..
فبقدرته عزوجل أقدر نوحا علي صنع سفينة النجاة من الغرق، و جعل نار النمرود بردا و سلاما علي ابراهيم، و أعطي موسي عصا لقفت ما أفكوا من السحر، وأنطق عيسي في المهد، و جعل لمحمد صلي الله عليه و عليهم جميعا معجزة القرآن الخالدة علي الدهر، و منح عباده المطيعين أن يقولوا - باذنه - للشي‌ء: كن.. فيكون!. و قال أبوالحسن الايادي: حدثني أبوجعفر العمري رضي الله عنه أن أباطاهر بن بلبل حج فنظر الي علي بن جعفر الهمداني و هو ينفق النفقات العظيمة. فلما انصرف كتب بذلك الي أبي‌محمد عليه‌السلام. فوقع - الامام - في رقعته: قد أمرنا له بمائة ألف دينار؛ ثم أمرنا له بمثلها، فأبي قبولها ابقاء علينا. ما للناس و الدخول في أمرنا فيما لم ندخلهم فيه؟!» (20) .
فقد أسقط في يدك يا ايادي!. و مباركة عليك الفروة التي ألبستها فكانت علي طولك، و غمرت أخمص قدميك!. و من تدخل فيما لايعنيه، أصيب بما لا يرضيه. ان كنوز الأرض تحت أيدي الأئمة عليهم‌السلام، و هم لا يعطون الا فيما يرضي الله عزوجل. أماالناس فهذا كنزة للمال و حفظة له، يدخرونه طول العمر.. ثم يتركونه لغيرهم!. في حين أن الامام عليه‌السلام يعطي عمه المائة ألف دينار ليفرقها علي المحتاجين في الحج، ثم يأمر له بمائة ألف أخري، و هو لا يبالي بتلك العطية الكبري اذ يريد أن يكون المال دولة بين الناس، لا مخزونا في صناديق الادخار من أصحاب الغني و ذوي اليسار. هذا هو العطاء البار.. لا عطاء الملوك لمداحيهم و مشبعي غرورهم.. و لغير وجه الله!.
دنيانا هذه - يا أيادي - تساوي عفطة عنز عند مولانا أميرالمؤمنين عليه‌السلام ان لم يقم حقا و يبطل باطلا.. و هي كذلك بنظر أبنائه البررة الميامين، لأنهم من طينه وعجينه! لقد أعطي الامام من مال الله، لعباد الله.. لا من مال الأئمة الذي كان يبذره السلاطين علي شهواتهم و ملذاتهم، و علي أهل الفسق و اللهو من مهرجيهم ومغنياتهم.. و علي قدر أهل العزم تأتي العزائم.. يا ايادي. ومن ايادي.. الي نعماني.. فقد روي أن أباالحسين بن علي بن بلال، و أبايحيي لنعماني، قالا: «ورد كتاب من أبي‌محمد ونحن حضور عند أبي‌طاهر بن بلال. فنظرنا فيه، فقال النعماني: فيه لحن، أو يكون النحو باطلا!. و كان هذا بسر من رأي. فنحن في ذلك اذا جاء توقيعه - أي كتاب الامام عليه‌السلام - ما بال قوم يلحنوننا؟!. و ان الكلمة نتكلم بها تنصرف علي سبعين وجها، فيها كلها المخرج و المحجة!. (21) .
فنعيما لك يا نعماني بهذا التوبيخ القاسي الذي صفع الامام به وجهك، و سفه به عقلك، وجهل به علمك بالنحو، وأثبت تقصيرك عن معرفة وجه من سبعين وجها ينصرف عليه كلامه الشريف!. قد غاب من ذهنك البليد أنك ترمي باللحن قوما هم أفصح من نطق بالضاد، وكلامهم دون كلام الخالق، و فوق كلام كل مخلوق. و دللتنا - عبر التاريخ - أنك لم تقدر علي اعراب لفظة وردت في جملة قد تشبه قولهم: أكل الكوسي موسي!. فما أنت و هذا المأزق الذي رميت بنفسك فيه، في ميدان امام يري و يعلم ما أنت عليه من وراء الحجب الكثيفة و المسافات البعيدة، و يطلع علي قولك و فعلك و يعلم ما في نفسك، و لا يغيب عنه شي‌ء من صغائرك وكبائرك؟!. لو كنت ذا عقل تنبه بعد هذه الزلة الكبري، لفكرت فيما بينك و بين نفسك: كيف عرف الامام نقدك بهذه السرعة؟. وكيف حرر الرد عليك فألقمك حجرا، ثم بغتك بجوابه و أنت في مجلسك ذاته، و بين أصحابك أنفسهم، ليكون فشلك أشد، و لتكون الصفعة أوجع حين يشمتون بك اذ تسورت محراب قدس امام الدين و الدنيا، و امام الفقه و اللغة و الفتوي!. فابق يا نعماني مثلا مجسدا لكل جاهل حق أئمة: علماء، فصحاء،حكماء، خلقوا معلمين، مفهمين من لدن رب العالمين!. و قال ادريس بن زياد الكفرتوثائي: «كنت أقول فيهم قولا عظيما. - أي أنه كان يغلو في الأئمة عليهم‌السلام -.
فخرجت الي العسكر للقاء أبي‌محمد عليه‌السلام. فقدمت و علي أثر السفر ووعثاؤه. فألقيت نفسي علي دكان حمام - مصطبة - فذهب بي النوم. فما انتبهت الا بمقرعة أبي‌محمد عليه‌السلام قدقرعني بها حتي استيقظت!. فعرفته صلي الله عليه فقمت قائما أقبل قدمه وفخذه و هو راكب و الغلمان حوله. فكان أول ما تلقاني به أن قال: يا ادريس!. (بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون) (22). فقلت: حسبي يا مولاي!. و انما جئت أسألك عن هذا. فتركني، و مضي» (23) .
لا لوم عليك يا كفرتوثائي.. فمن يفكر في أمورهم الخارقة للطبيعة و العرف، اما أن يهتدي عن طريقهم الي طريقهم السوي.. و اما أن يضل و يقول فيهم قولا عظيما، و العياذ بالله من ذلك!. و لكن قل لي يا كفرتوثائي، و قل لقرائي الكرام: من أخبر الامام عليه‌السلام بما أنت عليه من الغلو؟. و من أنبأه بمجيئك الي سامراء تلك الليلة؟. وكيف علم أنك نائم علي دكان ذلك الحمام بالذات؟!. و ما الذي دله علي ما تكنه في نفسك، و تتصوره في فكرك من الشبهة الضالة التي لم يخاطبك بسواها؟. و كيف اتفق له المرور بك في تلك اللحظة، فألقي اليك بكون الامام «عبدا مكرما» من ربه، لا يسبقه بالقول، بل يعمل بأمره؟!! أجل أيها القاري‌ء الكريم، لا عجب أن يقول ادريس الكفرتوثائي في الأئمة قولا عظيما. فقد عاصرهم، و عاشرهم، و حادثهم فرأي الآيات و المعجزات، و الأعاجيب المدهشات!. و لم يكن مثلنا بعيدا عنهم بعدا زمنيا يتنسم أخبارهم، و يستطلع آثارهم بعين عقله حتي يصل الي شي‌ء مما هم عليه من العظمة و القدرة و العلم باذن ربهم، من غير أن يبالغ في القول و يضل في الرأي.
و أنا أقول لمن يحبهم حبا عاطفيا لكونهم أهل بيت النبي صلي الله عليه و آله و سلم، لا رابطة ايمان و ولاء في العقيدة و العمل، أقول له: اياك و الحب العاطفي فانه لايغني من الحق شيئا.. و اياك و الغلو فيهم - أيضا - أو رفعهم الي مرتبة لا يدعونها لأنفسهم.. فانك في كلا الحالين تهلك!. بل اعتقد أنهم أولياء الله تعالی علی عباده، وأمناؤه علی دينه، وشهداؤه علی خلقه، و سفراؤه الذين لا يخفي عنهم خافية في الكون، سوي ما حجبه عن ملائكته، و رسله، و حملة أوامره و نواهيه، و احتفظ به لنفسه عز و علا.. و حينئذ تكون من مواليهم و أشياعهم و أتباعهم العارفين بهم، و من الفائزين برضي الله تعالی، و رضي رسوله الكريم، و رضاهم. و كذلك قال محمد بن هارون: «أنفذني والدي مع بعض أصحاب أبي‌العلا، صاعد النصراني، لأسمع منه ما روي عن أبيه من حديث مولانا أبي‌محمد، الحسن العسكري عليه‌السلام، فأوصلني اليه، فرأيت رجلا معظما، و أعلمته السبب في قصدي، فأدناني و قال: حدثني أبي أنه خرج و اخوته و جماعة من أهله في البصرة الي سر من رأي للظلامة من العامل - أي للشكوي من ظلم الوالي -.
فبينما أن بسر من رأي في بعض الأيام، اذ بمولانا أبي‌محمد عليه‌السلام علی بغلة، و علی رأسه شاشة - أي عمامة - و علی كتفه طيلسان. فقلت في نفسي: هذا الرجل يدعي بعض المسلمين أنه يعلم الغيب!. و قلت: ان كان هذا الأمر علی هذا فيحول مقدمة الشاشة الي مؤخرها. ففعل ذلك. فقلت: هذا اتفاق - أي مصادفة -. و لكنه سيحول طيلسانه الأيمن الي الأيسر، و الأيسر الي الأيمن. ففعل ذلك و هو يسير!. و قد وصل الي، فقال: يا صاعد، لم لا تشغل بأكل حيتانك عما لا أنت منه و لا اليه؟!. و كنا نأكل سمكا . فأسلم صاعد بن مخلد بعد أن رأي هذه المعجزة الباهرة، و صار فيما بعد وزيرا للمعتمد» (24) .
و لقد أنصف ابن‌مخلد و انتصف لنفسه.. ف (ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي) (25)و قد شملته رحمة ربه و تولاه بهداه، فاقتنع بأن للامام ميزة عن سائر البشر، وآمن بسره الالهي غير المألوف، و تهضم المعجزة بروح رياضية طيبة تذعن للبرهان، و تصفع الشرك بالايمان. و جدير بالعاقل أن لاتضله العصبية و العناد اذا وضح الحق أمام عينيه، و ظهر الباطل الذي هو عليه، و أن لا يطغي عليه شيطان الهوي و يصرفه عن الهدي و تولي حجج الله في أرضه الذين اختارهم سبحانه لسياسة عباده في بلاده، و حينئذ يكون عقله قد تحكم بالقرار و أورده موارد الاستقرار النفسي. و اذا فكرنا قليلا، رأينا أنه ليس من السهل أن يعرف الامام ما خطر ببال صاعد بن مخلد بالنسبة لتحريك العمامة أولا، أو ما خطر له من رد الطيلسان علی عكس ما كان ثانيا!. فهذا علم من علم الله تعالی، و لا يتسني لغير أوليائه.. و لاينكره عليهم الا أعداء الرحمان، و أسراء الهوي و العصبية..
و روي أن أباجعفر، أحمد القصير البصري، قال: «حضرنا عند سيدنا أبي‌محمد عليه‌السلام بالعسكر، فدخل عليه خادم من دار السلطان جليل، فقال له: أميرالمؤمنين يقرأ عليك السلام و يقول لك: كاتبنا أنوش النصراني يريد أن يطهر ابنين له، و قد سألنا مساءلتك أن تركب الي داره، و تدعو لابنيه بالسلامة و البقاء، فأحب أن تركب، و أن تفعل ذلك، فانا لم نجشمك هذا العناء الا لأنه قال: نحن نتبرك بدعاء بقايا النبوة و الرسالة. فقال مولانا: الحمد لله الذي جعل النصاري أعرف بحقنا من المسلمين!. ثم قال: أسرجوا لنا. فركب حتي وردنا أنوش. فخرج اليه مكشوف الرأس، حافي القدمين، و حوله القسيسون و الشمامسة و الرهبان، و علی صدره الانجيل؛ فتلقاه علی باب داره، و قال له: يا سيدنا، أتوسل اليك بهذا الكتاب الذي أنت أعرف به منا، الا غفرت لي ذنبي في عناك - أي تعبك -. و حق المسيح ابن‌مريم، و ما جاء به من الانجيل من عند الله، ما سألت أميرالمؤمنين مسألتك هذه، الا لأنا وجدناكم في هذا الانجيل مثل المسيح عيسي ابن‌مريم عند الله!. فقال مولانا: الحمد لله. و دخل علی فرسه و الغلامان علی منصة، و قد قام الناس علي أقدامهم!. فقال: أما ابنك هذا فباق عليك. و أما الآخر فمأخوذ عنك بعد ثلاثة أيام، و هذا الباقي يسلم و يحسن اسلامه، و يتولانا أهل البيت. فقال أنوش: و الله يا سيدي ان قولك الحق، و لقد سهل علي موت ابني هذا لما عرفتني أن الآخر يسلم ويتولاكم أهل‌البيت.
فقال له بعض القسيسين: مالك لاتسلم؟!. فقال أنوش: أنا مسلم، و مولانا يعلم ذلك. فقال مولانا: صدق. و لولا أن يقول الناس أنا أخبرناك بوفاة ابنك و لم يكن كما أخبرناك، لسألنا الله بقاءه عليك. فقال أنوش: لا أريد يا سيدي الا ما تريد. قال أبوجعفر، أحمد القصير: مات والله ذلك الابن بعد ثلاثة أيام، و أسلم الآخر بعد سنة، و لزم الباب معنا - أي بقي في خدمة الامام - الي وفاة سيدنا أبي‌محمد عليه‌السلام» (26) . أجل، ان كثيرين من النصاري أعرف بحق الأئمة عليهم‌السلام من كثيرين من المسلمين!.
و هذا من المفارقات العجيبة التي لا ينبغي أن تكون، باعتبار أن الأئمة أبناء نبي الاسلام علی الأقل، و أن الحياء من الله و من رسوله يقضي علی المسلم بمعرفتهم، خصوصا و ان أمورهم ما كانت خافية علی أحد بالأمس، و لا اليوم.. و لكن هذا أمر درج عليه جماعة من المسلمين، هدانا الله و اياهم للحق المبين. و حدث فطرس، و هو رجل متطبب، و قد أتي عليه مائة سنة و نيف، فقال: «كنت تلميذ بختيشوع - طبيب المتوكل - و كان يصطفيني. فبعث اليه الحسن العسكري عليه‌السلام أن يبعث اليه بأخص أصحابه عنده لتفصيده. فاختارني - بختيشوع - و قال: طلب مني الحسن العسكري عليه‌السلام من يفصده، فصر اليه و هو أعلم في يومنا هذا ممن تحت السماء!. فاحذر أن تعترض عليه فيما يأمرك به. فمضيت اليه.
فأمر بي الي حجرة و قال: كن هاهنا حتي أطلبك. و كان الوقت الذي أتيت اليه فيه، عندي جيدا محمودا للفصد. فدعاني في وقت غير محمود له، و أحضر طستا كبيرا عظيما. ففصدت الأكحل - أي العرق الأكحل - فلم يزل الدم يخرج حتي امتلأ الطست!. ثم قال لي: اقطع الدم. فقطعته، و غسل يده و شدها، و ردني الي الحجرة؛ و قدم من الطعام الحار و البارد الشي‌ء الكثير، و بقيت الي العصر. ثم دعاني فقال: سرح. و دعا بذلك الطست. فسرحت، و خرج الدم الي أن امتلأ الطست!. فقال: اقطع. فقطعت، و شده، و ردني الي الحجرة فبت فيها. و لما أصبحت، و ظهرت الشمس، دعاني و أحضر ذلك الطست، و قال: سرح. فسرحت، فخرج من يده مثل اللبن الحليب الي أن امتلأ الطست!. ثم قال لي: اقطع. فقطعت، و شد يده. و تقدم لي بتخت ثياب - أي صرة - و خسمين دينارا و قال: خذ هذا، و اعذر، و انصرف. و أخذت ذلك و قلت: يأمرني السيد بخدمة؟.
قال: نعم، بحسن صحبة من يصحبك من دير العاقول. فصرت الي بختيشوع فقلت له القصة. فقال: اجتمعت الحكماء علی أن أكثر ما يكون في بدن الانسان سبعة أمنان من الدم. و هذا الذي حكيت لو خرج من عين ماء لكان عجيبا!!! و أعجب ما فيه اللبن!!! ففكر ساعة.. ثم مكث ثلاثة أيام بلياليها يقرأ الكتب علی أن يجد في هذه القصة ذكرا في العالم، فلم يجد!. ثم قال لي: لم يبق اليوم في النصرانية أعظم في الطب من راهب بدير العاقول. فكتب اليه كتابا يذكر فيه ما جري. فخرجت، فناديته.. و أشرف علی و قال: من أنت؟ قلت: صاحب بختيشوع. قال: معك كتابه؟ قلت: نعم. فأرخي الي زنبلا - أي سلة - فجعلت الكتاب فيه. فرفعه. فقرأ الكتاب، و نزل من ساعته فقال: أنت الرجل الذي فصدت؟!. قلت: نعم. قال: طوبي لأمك!. و ركب بغلا، و مر، فوافينا سر من رأي و قد بقي من الليل ثلثه. قلت: أين تحب: دار أستاذنا، أو دار الرجل؟. فقال: دار الرجل - أي الامام عليه‌السلام -. فصرنا الي داره قبل الأذان. ففتح الباب، و خرج الينا غلام أسود، و قال: أيكما صاحب دير العاقول؟.
فقال الراهب: أنا، جعلت فداك. فقال: انزل. و قال لي الخادم: احفظ البغلين. و أخذ بيده، فدخلا. فأقمت الي أن أصبحت و ارتفع النهار. ثم خرج الراهب و قد رمي ثياب الرهبانيين و لبس ثياب بياض، و قد أسلم. قال: خذني الآن الي دار أستاذك. فصرنا الي باب بختيشوع. فلما رآه بادر يعدو اليه، ثم قال: ما الذي أزالك عن دينك؟!. قال: وجدت المسيح، و أسلمت علي يده!. قال: وجدت المسيح؟!! قال: نعم، أو نظيره، فان هذا الفصد لم يفعله في العالم الا المسيح، و هذا نظيره في آياته و براهينه!. ثم عاد الي الامام، و لزم خدمته الي أن مات» (27) .
و ما أغني هذه القصة المدهشة عن التعليق، لأن سمات عظمة الامام تتجلي فيها مرحلة مرحلة بوضوح، و لا تخفي علی من كان ذا لب، و ذا انصاف!. و لكننا سنعود اليها لالفات النظر الي بعض خفاياها، بعد ايراد القصة التالية. فقد حدث بمثل القصة السابقة محمد بن الحسن المكفوف، فقال: «حدثني بعض أصحابنا عن بعض فصادي العسكر من النصاري، أن أبامحمد عليه‌السلام بعث اليه يوما في وقت صلاة الظهر فقال لي: افصد هذا العرق، وناولني عرقا لم أفهمه من العروق التي تفصد!. فقلت في نفسي: ما رأيت أعجب من هذا!. يأمرني أن أفصد وقت الظهر و ليس بوقت فصد!. و الثانية عرق لا أفهمه. ثم قال لي: انتظر، و كن في الدار. فلما أمسي دعاني و قال: سرح الدم.فسرحت. ثم قال لي: أمسك، فأمسكت. ثم قال لي: كن في الدار. فلما كان نصف الليل، أرسل الي و قال: سرح الدم. فتعجبت أكثر من عجبي الأول، و كرهت أن أسأله!. فسرحت الدم، فخرج دم أبيض كأنه الملح!.
ثم قال لي: احبس. فحبست. ثم قال: كن في الدار. فلما أصبحت، أمر قهرمانه أن يعطيني ثلاثة دنانير، فأخذتها. و خرجت حتي أتيت بختيشوع النصراني - الطبيب - فقصصت عليه القصة. فقال لي: و الله ما أفهم ما تقول، و لا أعرفه في شي‌ء من الطب، و لا قرأته في كتاب!. و لا أعلم في دهرنا أعلم بكتب النصرانية من فلان الفارسي. فاخرج اليه. فاكتريت زورقا الي البصرة، و أتيت الأهواز. ثم صرت الي فارس الي صاحبي فأخبرته الخبر. فقال لي: أنظرني أياما. فأنظرته، لم أتيته متقاضيا، فقال لي: ان هذا الذي تحكيه عن هذا الرجل، فعله المسيح في دهره مرة» (28) .
ان القصتين قصة واحدة، و أن الثانية جاءت اختصارا للأولي كحكاية حال و دون تفصيل. فهل كان الامام عليه‌السلام يرمي من وراء هذا الفصد الي اظهار كونه أمهر من أطباء عصره؟. أم كان يريد أن يعرف الناس بعرق يفصد و هم لا يفصدونه، و بوقت يصلح للفصد و هم لا يفصدون أثناءه، و في تكرار الفصد ليل نهار و هم لا يفعلونه؟!! لا هذا، و لا ذاك أراده الامام صلوات الله و سلامه عليه.. بل كل ما رمي اليه هو أن يدل الناس علی أن علم الامام فوق علمهم لأنه من علم ربه عزوجل، و أن عظمته سربال من عظمة خالقه جل و علا حيث اصطفاه حافظا لشرعه، و موضحا لمعالم دينه.
لقد عمد الامام الي أشهر طبيب في عصره، و الي أمهر فصاد يصطفيه ذلك الطبيب، ثم الي أكبر عالم رباني نصراني في زمنه ففجأهم بحادثة لفتت أنظارهم الي أن الله تبارك و تعالی قال: (نرفع درجات من نشآء و فوق كل ذي علم عليم) (29)فأذعنوا لعلمه، و أيقنوا أن ما عنده فهو من عندالله، و لا يوجد في كراريس الطب و لا في كتب العلوم.. و ستبقي هذه الآية ما بقيت السماوات و الأرض، و مادامت الشمس تطلع و تغرب، لترشد الناس الي أن الامام غير بقية الأنام!. و روي عن أبي‌الحسين، محمد بن هارون بن موسي أنه قال: «حدثني أبي رحمه الله، قال: كنت في دهليز لأبي‌علي، محمد بن همام، علی دكة - وصفها - اذ مر بنا شيخ كبير عليه دراعة، فسلم علي أبي علي، محمد بن همام، فرد عليه‌السلام. فمضي، فقال لي: أتدري من هو هذا؟. فقلت: له. فقال لي: هذا شاكري - أي أجير - لمولانا أبي‌محمد، الحسن بن علي عليه‌السلام. أفتشتهي أن تسمع من أحاديثه عنه شيئا؟. قلت: نعم.
فقال لي: أمعك شي‌ء تعطيه؟. فقلت: معي درهمان. فقال: هما يكفيانه، فادعه. فمضيت خلفه، فلحقته بموضع كذا، فقلت: أبوعلي يقول لك: تنشط للمصير الينا؟. فقال: نعم. فجئت به الي أبي علي - ابن‌همام - فجلس اليه. فغمزني أبوعلي أن أسلم اليه الدرهمين. فسلمتهما اليه، فقال لي: ما يحتاج الي هذا.. ثم أخذهما. فقال: يا أباعبدالله، حدثنا عن أبي‌محمد عليه‌السلام بما رأيت. قال: كان أستاذي صالحا من بين العلويين، لم أر مثله قط!. و كان يركب بسرج صفته بزيون - أي غشاؤه سندس - مسكي و أزرق. و كان يركب الي دار الخلافة بسر من رأي في كل اثنين، و خميس.
و كان يوم النوبة يحضر من الناس شي‌ء عظيم، و يغص الشارع بالدواب و البغال و الحمير و الضجة، فلايكون لأحد موضع يمشي فيه، و لا يدخل أحد بينهم!. قال: فاذا جاء أستاذي سكنت الضجة، و هدأ صهيل الخيل، ونشيج البغال، و نهاق الحمير، و تفرقت البهائم حتي يصير الطريق واسعا لايحتاج أن يتوقي من الدواب تحفه ليزحمها!. ثم يدخل هناك، فيجلس في مرتبته التي جعلت له. فاذا أراد الخروج، قام البوابون و قالوا: هاتوا دابة أبي‌محمد عليه‌السلام.. فسكن صياح الناس و صهيل الخيل، و تفرقت الدواب حتي يركب و يمضي!. و قال الشاكري: و استدعاه يوما الخليفة، فشق ذلك عليه، و خاف أن يكون قد سعي به اليه بعض من يحسده من العلويين و الهاشميين علي مرتبته. فركب و مضي اليه. فلما حصل في الدار قيل له: ان الخليفة قد قام - أي ترك المجلس العام - ولكن اجلس في مرتبتك أو انصرف. فانصرف، وجاء الي سوق الدواب، و فيها من الضجة، و المصادمة، و اختلاف الناس شي‌ء كثير.. فلما دخل اليها سكنت الضجة و هدأت الدواب؟.
و جلس الي نخاس كان يشتري له الدواب، فجي‌ء له بفرس كبوس - أي شديد القوة في شراسة - لا يقدر أحد أن يدنو منه. فباعوه اياه بوكس - أي بنقصان في ثمنه -. فقال لي: يا محمد، قم فاطرح السرج عليه. فقمت، و علمت أنه لا يفعل بي ما يؤذيني. فحللت الحزام، و طرحت السرج عليه، فهدأ و لم يتحرك!. وجئت لأمضي به، فجاء النخاس فقال لي: ليس يباع. - أي أنه رفض بيعه للامام عليه‌السلام، لأنه شموس مؤذ شرس -. فقال لي - أبومحمد عليه‌السلام -: سلمه اليه. فجاء النخاس ليأخذه، فالتفت اليه الفرس التفاتة ذهب منها منهزما!. قال: و ركب و مضينا. فلحقنا النخاس فقال: ان صاحبه يقول له: أشفقت أن يرده. فان كان قد علم ما فيه من الكبس فليشتره. فقال أستاذي: قد علمت. فقال: قد بعتك. فقال لي: خذه. فأخذته، فجئت به الي الاسطبل فما تحرك، و ما آذاني ببركة أستاذي. فلما نزل، جاء اليه و أخذه بأذنه اليمني فرقاه، ثم أخذ بأذنه اليسري فرقاه.
قال: فوالله لقد كنت أطرح الشعير له، فأفرقه بين يديه، و لا يتحرك!. هذا ببركة أستاذي. قال أبومحمد: قال أبوعلي بن همام: هذا الفرس يقال له: الصؤول، يزحم بصاحبه حتي يزحم به الحيطان، و يقوم علي رجليه و يلطم صاحبه!. و قال محمد الشاكري: كان أستاذي أصلح من رأيت من العلويين و الهاشميين!. كان يجلس في المحراب فيسجد، فأنام و أنتبه و هو ساجد!. و كان قليل الأكل، كان يحضره التين و العنب و الخوخ وما يشاكله، فيأكل منه الواحدة و الثنتين و يقول: شل هذا الي صبيانكم. فأقول: هذا كله؟! فيقول: خذه، ما رأيت قط أشهي منه!» (30) .
فلن يرضي عاقل أن تكون الحيوانات أشد التزاما منه بالآداب و... في حضور سفير الله؟!. بل سيقف من حوادث الضجة في السوق، و من حادثة هذا الحصان الشموس الكبوس الصؤول، موقفا لايدع فيه غريزة الحصان تغلب عقل الانسان، و لا يرتضي لنفسه أن يكون دون الحصان أدبا و تهذيبا بين يدي أحد سادة الخلق و دعاة الحق.. و لا بد له من التفكر و التخير ببصيرة و رشد!. و أخيرا نكتفي بالحادثة التالية التي تدل علي عظمة الله سبحانه في عظمة مخلوقه، لنختتم بها ما هو تحت هذا العنوان، فان جميع ما أتاه امامنا عليه‌السلام في حياته العامة و الخاصة يشير الي تلك العظمة التي لم تكن خافية علی ولي حميم، و لا علي عدو زنيم.. فقد روي أن علي بن الحسن بن سابور قال: «قحط الناس بسر من رأي في زمن الحسن الأخير عليه‌السلام، فأمر الخليفة الحاجب و أهل المملكة أن يخرجوا الي الاستسقاء.
فخرجوا ثلاثة أيام متوالية الي المصلي يستسقون و يدعون، فما سقوا!. فخرج الجاثليق في اليوم الرابع الي الصحراء، و معه النصاري و الرهبان. و كان فيهم راهب، فلما مد يده هطلت السماء بالمطر!. و خرجوا في اليوم الثاني، فهطلت السماء!. فشك الناس و تعجبوا، و صبوا الي دين النصرانية. - أي مالوا اليه -. فأنفذ الخليفة الي الحسن عليه‌السلام، وكان محبوسا، فاستخرجه و قال: الحق أمة جدك، فقد هلكت!. فقال له: اني خارج في ذلك - من الغد - و مزيل الشك ان شاء الله. فخرج الجاثليق في اليوم الثالث و الرهبان معه. و خرج الحسن عليه‌السلام في نفر من أصحابه. فلما بصر بالراهب و قد مد يده، أمر بعض مماليكه أن يقبض علي يده اليمني، و يأخذ ما بين اصبعيه. ففعل.. و أخذ من بين سبابته و الوسطي عظما أسود. فأخذه الحسن عليه‌السلام بيده ثم قال: استسق الآن!. فاستسقي، و كانت السماء مغيمة فتقشعت، و طلعت الشمس بيضاء!. فقال الخليفة: ما هذا العظم يا أبامحمد؟! قال عليه‌السلام: هذا الرجل عبر بقبر نبي من أنبياء الله، فوقع في يده هذا العظم. و ما كشف عن عظم نبي الا هطلت السماء بالمطر» (31).
و من البديهي أن قصة اكتشاف سر هذا العظم علی يد الامام عليه‌السلام، ليست بأعظم من غيرها من القصص التي جرت علي يديه صلوات الله عليه؛ فان آيات عظمته، و جلالة قدره بالنسبة اليه أمور طبيعية أجراها الباري‌ء سبحانه فيه، و في سلفه و خلفه باعتبار انتجابهم عظماء لأمره العظيم. و لكنها بالنسبة الينا تنبه الغافلين، و تهدي الضالين، و تثبت المؤمنين. و لكن قل لي: كيف لا يحبس الله تعالی المطر عن أمة ضلت عن طريق دينها، و حادت عن سنة نبيها، و حكم فيها الظلمة و العتاة، ثم أودع ابن بنت نبيها في بطن السجن ظلما و عدوانا، و لم يعرف بذلك أحد فاستنكر، و لا دري به فاستكبر، حتی ألجأ الله تعالی ظالمه الي الاستنجاد به ليدرك أمة جده التي كاد يجرفها الضلال!. الجواب علي هذا السؤال، عند خليفة الزمان الضال المضل.. مع السلاطين.... و الظالمين
المصادر:
1- سورة البقرة: 32.
2- سورة فاطر: 32.
3- كشف‌الغمة ج 3 ص 209 - 208 /مختار الخرائج و الجرائح ص 239 و اثبات الهداة ج 6 ص 327 - 326 .
4- بصائرالدرجات ج 2 ص 61.ص62
5- بصائرالدرجات ج 6 ص 295.
6- بصائرالدرجات ج 2 ص 95.
7- المصدر السابق ج 1 ص 104.
8- المصدر السابق ج 2 ص 105.
9- سورة النساء: 54.
10- بصائرالدرجات ج 1 ص 36.و56
11- كشف‌الغمة ج 3 ص 276 و مختار الخرائج و الجرايح ص 215 و هو في اثبات الهداة ج 6 ص 337.
12- سورة الأعراف: 172.
13- كشف‌الغمة ج 3 ص 210 - 209 /مدينة المعاجز ص 578 و اثبات الهداة ج 6 ص 333.
14- سورة آل عمران: 30.
15- ورد: ابن‌شمون خطأ، فهو ابن‌ميمون، أنظر رجال الكشي ص 448.
16- كشف‌الغمة ج 3 ص 211 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 435 و اثبات الهداة ج 6 ص 328 و مدينة المعاجز ص 572.
17- و ورد: الفضل بن الحرث، و ما ذكرناه هو الصحيح و كلاهما واحد.
18- رجال الكشي ص 481 و هو في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 434 و مدينة المعاجز ص 578.
19- سورة الرعد: 19.
20- الغيبة للطوسي ص 141 و ص 226 / مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 425 - 424.
21- اثبات الوصية ص 214 و اثبات الهداة ج 6 ص 347.
22- سورة الأنبياء: 27 - 26.
23- مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 429 و بحارالأنوار ج 50 ص 284 - 283 ومدينة المعاجز ص 578.
24- بحارالأنوار ج 50 ص 281.
25- سوره يوسف: 53.
26- حليةالأبرار ج 2 ص 498 ومدينة المعاجز ص 584 - 583 و اثبات الهداة ج 6 ص 343.
27- الخرائج ص 213 / وفاة العسكري من ص 10 الي ص 13 و الأنوارالبهية من ص 255 الي ص 257 .
28- حلية الأبرار ج 2 ص 497 و الكافي ج 1 ص 513 - 512 و في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 389 ذكره في معاجز جده الامام محمد الجواد عليه‌السلام، و في ص 437 .
29- سورة يوسف: 76.
30- حليةالأبرار ج 2 ص 502 / أبي‌طالب ج 4 ص 434 / اثبات الهداة ج 6 من ص 307 الي ص 309 .
31- كشف‌الغمة ج 3 ص 219 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 425 / الخرائج ص 214 / مدينة المعاجز ص 575.

source : rasekhoon
  496
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      السيرة المباركة للإمام جواد الأئمة (عليه السلام)
      الحياة العلمية والسياسية في زمن الإمام الباقر عليه ...
      الإمام الباقر وتحرير النقد الإسلامي
      حقوق أهل البیت (علیهم السلام) فی القرآن الکریم
      الزهراء سلام الله عليها والتاريخ
      عظمة سفير الله من عظمة الله
      حديث الخزانة
      جموع المؤمنين تقيم مراسم عزاء استشهاد امير المؤمنين ...
      تحديد المشكلة الحقيقية للامة
      مناظرات الإمام الكاظم عليه السلام

 
user comment