عربي
Monday 26th of August 2019
  860
  0
  0

مدرستان في التعامل مع عاشوراء

مدرستان في التعامل مع عاشوراء

لا أحد من المسلمين يجهل قدر الإمام الحسين(عليه السلام)، أو لا يحزنه قتله، أو يرضى عمّا حصل له ، فهذا أمر نقطع به، ولكن درجة الاهتمام تتفاوت، و هذا التفاوت في التعامل مع هذه الحادثة ولّد وجود مدرستين:


المدرسة الأولى:
تقوم على أساس التغاضي عن هذه الحادثة، فنجدها عند البحث التاريخي تدين قتل الحسين (عليه السلام)، و تبدي التأسف لمقتله، ولا تقبل بذلك، ولكنّ أتباع هذه المدرسة يرون أنه لا داعي للوقوف عند هذه الحادثة طويلاً، و أحيانًا يحاولون تعويم المسؤول عنها، فيبرئون يزيد بن معاوية من تحمّل المسۆولية، كقول ابن تيمية: «يزيد لم يأمر بقتل الحسين(عليه السلام) باتفاق أهل النقل»، أو يشيعون أن ذلك تصرّفٌ فردي من ابن زياد، والبعض يبرئ ساحة عبيدالله بن زياد، و يلقي باللائمة على عمر بن سعد، و أخيرًا نجد من يبرئ عمر بن سعد، و منهم من يتّهم أهل الكوفة و أهل العراق، الذين هم من الشيعة، فيروّجون بأن الشيعة يبكون على الحسين (عليه السلام) تكفيرًا عن ذنبهم بقتله و خذلانه.
هذه المدرسة يمكن عَدُّها امتدادًا لما كانت تشيعه السلطات الأموية و بعد ذلك العبّاسية.
حيث كانت هذه السلطات تريد التغطية على هذه الجريمة النكراء والتعتيم عليها، لأنه ليس في مصلحتهم إثارة حادثة استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) و إشهارها، بل حولوا هذا اليوم كما ينقل التاريخ إلى يوم عيد و فرح، و خاصّة في زمن عبد الملك بن مروان.
وفي الزيارة الواردة عن الإمام الباقر(عليه السلام) ما يشير إلى هذا المعنى: «اللهمّ إن هذا يوم تبرّكت به بنو أمية و ابن آكلة الأكباد».
يقول الشيخ القرضاوي: «رأينا أكثر بلاد المسلمين يحتفلون بيوم عاشوراء يذبحون الذبائح و يعتبرونه عيدًا أو موسمًا يوسعون فيه على الأهل والعيال اعتمادًا على حديث ضعيف، بل موضوع في رأي ابن تيمية و غيره، و هو الحديث المشهور على الألسنة: «من أوسع على عياله و أهله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر سنته».
ثم يقول القرضاوي: «والذي يترجح لي أن الحديث مما وضعه بعض الجهال من أهل السنة في الرد على مبالغات الشيعة في جعل يوم عاشوراء يوم حزن وحداد فجعله هؤلاء يوم اكتحال و اغتسال و توسعة على العيال».
هذه الحالة الاحتفالية بيوم عاشوراء كعيد انتهت ولكن آثارها بقيت، فهناك بعض المسلمين في بلدان مختلفة لديهم عادات يوم عاشوراء، واهتمامات معيّنة، فيولمون في هذا اليوم و يصنعون بعض الحلويات الخاصّة به ولا يعلمون الخلفية التاريخية لذلك.


المدرسة الثانية:
في مقابل هذه المدرسة هناك مدرسة أخرى تعطي هذه الحادثة حقّها من الاهتمام، وتصرّ على إحيائها، والاهتمام والاحتفاء بها، و ترفض هذه المدرسة أن يكون هناك تناسٍ لقضية الإمام الحسين(عليه السلام)، وهي مدرسة أهل البيت .
فأئمة أهل البيت(عليهم السلام) بعد استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) بدءًا من الإمام زين العابدين كانوا يحرصون و يؤكدون على إحياء هذه المناسبة و هذه الذكرى.
فعن الإمام الرضا عليه السلام: «من كان يوم عاشوراء يوم مصيبته و حزنه جعل الله يوم القيامة يوم فرحه و سروره و قرت بنا في الجنة عينه».
وجاء عنه : «كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكًا، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى تمضي عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته و حزنه و بكائه»، ويقول: «هو اليوم الذي قتل فيه الحسين(عليه السلام) ».
و هذا ما تشهده المجتمعات الموالية لأهل البيت (عليهم السلام)، حيث يهتمّون بهذه الذكرى و يعظّمونها، و ذلك التزامًا منهم بتوجيهات أهل البيت .
فبالنسبة لنا هذه سنّة حسنة وليست بدعة، لأنّنا نعدها تجسيدًا لعناوين إسلامية، و تجسيدُ العنوان الإسلامي ليس بدعة، فنحن نعد ذلك تجسيدًا لأمر الله تعالى في تعظيم الشعائر: ذَلِكَ وَ مَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ، كما أننا نجد ذلك تجسيدًا للتذكير بأيّام الله: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ، و نجده مصداقًا لإظهار المودّة لقربى رسول الله: قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
كما أنّنا نعد كلام أئمة أهل البيت(عليهم السلام) شرعًا متبعًا، لأنهم ينقلون عن جدّهم رسول الله .
و إذا كان هناك من له رأي آخر فهو حرّ في رأيه،ولا يصح أن يصادر طرفٌ رأي و حرّية الطرف الآخر، ولا داعي للإنكار عند اختلاف الاجتهاد.


الشيخ حسن الصفار


source : sibtayn
  860
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      السيرة المباركة للإمام جواد الأئمة (عليه السلام)
      الحياة العلمية والسياسية في زمن الإمام الباقر عليه ...
      الإمام الباقر وتحرير النقد الإسلامي
      حقوق أهل البیت (علیهم السلام) فی القرآن الکریم
      الزهراء سلام الله عليها والتاريخ
      عظمة سفير الله من عظمة الله
      حديث الخزانة
      جموع المؤمنين تقيم مراسم عزاء استشهاد امير المؤمنين ...
      تحديد المشكلة الحقيقية للامة
      مناظرات الإمام الكاظم عليه السلام

 
user comment