عربي
Monday 22nd of April 2019
  2527
  0
  0

من اهل البیت نتعلم

من اهل البیت نتعلم

أهل البيت وما أدراك ما أهل البيت! هم الصفوة المختارة التي اختارها الله جل وعلا أعلاماً منيرة على دروب الحياة لعباده، واجتباهم هداة لخلقه وحكاماً عليهم، وورثة لنبيه (صلّى الله عليه وآله) وسدنة الرسالة الإسلامية الدائمة. فقهوا الأحكام فعنهم أخذت، وعرفوا الحلال من الحرام فكانوا الأدلاء على الله، والمبشرين لدينه، والموضحين لمنهجه، عنهم أخذ علم الكتاب المجيد وما جاءت به السور.
والرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أمر الأمة باتباعهم وطاعتهم والامتثال لأمرهم، لكن حب الجاه والسلطان حدا بالمسلمين إلى التزاحم على الخلافة بعد وفاة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، والنبي لم يدفن بعد، فزعموا هذا الأمر خوف الفتنة التي سقطوا فيها وعانوا من ويلاتها.
علم المسلمون أن الخلافة لهل البيت (عليهم السلام) لكنها تقلبت في أيدي غيرهم حتى وصلت إلى معاوية بن أبي سفيان الذي شقّ عصا الإسلام، وأحدث الفتن بين المسلمين، ولم يكتفِ القدر بهذا حتى أورثها إلى ابنه يزيد الفجور والخمور والرذيلة. واستمرت فيهم ما يقارب السبعين عاماً. قام بعد الأمويين العباسيون، فاستبدل الناس ظلماً بظلم، وجوراً بجور، هذا والأئمة الأعلام الأطهار ليس لهم أمر ولا نهي ولم يكتف الحكام الأمويون والعباسيون بتقمّصهم الخلافة بالقوّة، مستأثرين بها على أهل البيت (عليهم السلام) حتى أخذوا يتبعونهم قتلاً وسجناً وتشريداً؛ لكن الأئمة تحمّلوا مسؤولياتهم وتكاليفهم ولم يعبأوا بهذه الشدة والظلم، بل استمروا على تبليغ رسالتهم في صدّ التيارات الفكرية الفاسدة، ونشر التعاليم الإسلامية الصحيحة، وإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى. فملأوا الدنيا وشغلوا الناس بعلومهم الغزيرة ومعارفهم الرشيدة من أجل رفع راية الإسلام خفّاقة في العالم بأسره.
ولا غرو إن كانوا كذلك، فهم أحق من غيرهم في تسلّم الخلافة، لا بل المكلّفون بعد الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بنشر الإسلام والمحافظة على السنن الإلهية، والشرائع الإسلامية.
والإمام موسى الكاظم (عليه السلام) هو سابع الأئمة المعصومين الذين عانى الأمرّين، وقاوم الظلم، وحافظ على رسالة جده (صلّى الله عليه وآله) ولم يدار ولم يداهن بل تحمّل المسؤولية الشرعية بكل جرأة وصبر، وقام بالتكاليف الملقاة على عاتقه من الإصلاح في أمة جده (صلّى الله عليه وآله) على حد قول جده سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) (لم أخرج أشراً ولا بطراً، وإنما خرجت طلباً للإصلاح في أمة جدي رسول الله صلّى الله عليه وآله).

الإمام الكاظم (عليه السلام) في حصار التكاليف
من الحاجات الفطرية للإنسان حياته الاجتماعية الشريفة مع سائر أبناء وأمته، هذه من الميول الطبيعية فيه التي تقوده إلى تحقيق ذاته.
وكل فرد في المجتمع يلتزم بمسؤولية خاصة وتكاليف خاصة عليه أن يقوم بأدائها على أكمل وجه. فإذا آمن كل واحد من أفراده بمسؤلياته التي قبلها في دائرة أعماله، ولم تتجاوز نشاطاته حدود ما رسم لنفسه منها يدار المجتمع عند ذلك بصورة صحيحة وسليمة.
والإنسان العاقل الناطق قد أحاطت به قيود وقواعد وأصول قد شملت كل شؤون حياته، وهذه الحدود والقيود هي التي تميزه عن الحيوان الأعجم على صعيد الحياة.
في حركة وسكون يجد كل منّا تكليفاً عليه، والتكاليف تبدأ من أبسط مراحل الحياة وتمتد حتى آخر حياته، وهذا هو النظام الذي تدار عليه حياة الإنسان. ولا يمكننا في أي حال أن نفصل بين الإنسان وبين تكاليفه، مهما كانت قدراته، فهناك تكليف عليه. اللهم إلا الموت، الذي يأخذ بتلابيب الإنسان ويطوي صحيفة أعماله.
والإنسان يلتزم بفطرته بمسؤوليات وقرارات، مع قطع النظر عن أحكام الأديان وأوامرها، والتكليف هذا ينشأ من علاقته بأوصافه وخصائصه وعواطفه المغروسة في نظام كيانه ووجوده، وإن كانت دوافعه إلى أداء تكاليفه مختلفة أو صعبة. وبإمكاننا القول:
إن القواعد العقلية العامة هي محور التكاليف، أما إطاعة الأحكام الدينية فإنها ترجع إلى اتباع القواعد والقرارات العقلية أيضاً، لأن أحكام الأديان وأوامرها في مراحل الحياة والمسائل الاجتماعية هي تفصيلات لإجمال المدركات العقلية ومعرفتها في الأمور الضرورية.
وليست المشكلة في معرفة التكاليف، بل المشكلة الكبرى هي العمل بالتكاليف الشاقة. وهنا يتميز كل إنسان من الاقتراب إلى مرحلة الكمال في إيمانه الراسخ والثابت والقوي، ومراقبة نفسه مراقبة دقيقة أمام الله عزّ وجلّ وتوطينها وتعويدها على التضحية والعطاء.
والمجتمع البشري وإن كان مرتعاً صالحاً لنمو الفضائل الإنسانية وظهورها وتكاملها، لكنه صالح أيضاً لظهور كثير من الرذائل والآفات.
والتكامل الاجتماعي يصاب بالركود والتوقف فيما إذا تجاوز كل فرد من الأفراد عن حدود وظائفه وتكاليفه، أو تناسى أو تنكر لمسؤولياته الكبرى الملقاة على عاتقه. فالنبتة المزروعة حديثاً بحاجة إلى عناية خاصة ومجهود خاص حتى تتطور فتصل في مراحل نموها إلى كمالها اللائق بها. والمجتمع قد يثمر ويتكامل ليس بموقعه الجغرافي وأوضاعه المادية، بل بأوضاعه التربوية الخاصة وإمكاناته المعنوية التي يقوم على أساسها المجتمع الفاضل الراقي. وفي هذا المجتمع الذي تسود فيه روح المعرفة بالتكاليف، ستكون الطهارة والصدق في ضمائر القلوب، وفي إدراكات العقول، وفي جميع شؤون الحياة الظاهرة للعيان.
إن مجتمعاً كهذا وضعه لا تنمو فيه الخيانة، ولا يظهر فيه العدوان على حقوق الآخرين، بل لا يسمح لها المجال للنمو والظهور، فيقف كل فرد فيه عند حدوده وأمام مفاسد أعماله فيحاسب نفسه ويمنعها من التجاوز عملاً بقول الرسول الأعظم: (رحم الله إمرءاً عرف حدّه فوقف عنده) ولا نضلّ الطريق إلا إذا تقاعسنا عن القيام بتكاليفنا وخفقنا تجاه واجبنا ومسؤولياتنا. فهناك كثير من الناس، مع ما لهم من إمكانات من مختلف الجهات يحاولون الاقتصاد في الإفادة من وجودهم ومن طاقاتهم، ولهذا نراهم يتهربون من المسؤوليات والأعمال التي تسلبهم بعض راحتهم وملذاتهم كما يزعمون، فهم يعيشون لأنفسهم ولا يخصصون قسماً من أوقاتهم يعود نفعها للآخرين.
هؤلاء هم أصحاب الفكر الضيّق والنشاط المحدود، تدور أمورهم على محاور شخصيّة محدودة، فيعتادون على هذه الخصائص الروحية، ولهذا فلا يتمكنون من القيام بالأعمال الكبيرة، والقضايا الاجتماعية العظيمة فنراهم قد اختفوا في مجتمعهم ولم يبرزوا طاقاتهم الشخصية.
لكن هناك فئة أخرى من الناس لا تتسامح أبداً بالنسبة إلى مسؤولياتهم باي حال من الأحوال، ولا يصابون بأي اضطراب أو قلق نفسي على أثر التطورات والتغييرات؛ بل نراهم مستعدين دائماً للمبادرة بتكاليفهم الواجبة، ومسؤولياتهم النافعة، فيستقبلونها بكل رحابة صدر ويقومون بكل جهودهم فيها. إنهم يتصوّرون أن خير إفادة من وجودهم القيام بمهام مثمرة ومفيدة لأمتهم مهما كانت شاقة، وعلى هذا فكلما كان الإنسان أكثر رشداً، وأكمل عقلاً، وأبعد رؤية، كان اشتياقه إلى القيام بمسؤولياته أكثر، وإلى أداء تكاليفه أشد وأكبر.

تحقيق الأهداف السامية
قالوا: لولا الأمل لبطل العمل. إن الذي يملأ حياة الإنسان أملاً هو السعي لتحقيق الآمال العالية والمثمرة، وعلى كل إنسان أن يصمم على أن يبلغ مقاماً سامياً يليق بإنسانيته، فيعمل بكل ما أعطي من قوى وإمكانات ليقوم بتكاليفه ومهامه وخدمة أبناء مجتمعه.

وما نراه ونسمعه في مجتمعنا من بعض أفواه الناس يقولون:
نريد أن نقوم بعمل خير في حياتنا، لكن مسؤولياتنا وأعمالنا قد منعتنا من التوفيق في هذا الطريق، فقد غرقنا إلى حد بعيد في مهام الحياة ومشاغلها ولم تسمح لنا الفرص المناسبة لنتمكن فيها من تحقيق ما نصبوا إليه في حياتنا.
ولا ريب أن هذه من الأخطاء الشائعة والخطيرة في مجتمعنا، ذلك أن كلاً منا لديه الفرص الكثيرة التي تحيط به والتي يستطيع بكل سهولة من القيام بمهامه لو صمم وأراد؛ فيحصل على رضى ضميره ورضى مجتمعه ورضى ربه جلّ وعلا. من هنا كان قول الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله):
(الخلق كلهم عيال الله وأقربهم إليه أنفعهم لعياله) إلى جانب ذلك عليه أن لا يغفل عن تكاليفه العادية، وإن يقوم بأعمال جليلة فيها كل الخير له ولمجتمعه.
فالتكليف الواجب علينا جميعاً أن نفيد من الفرص الكثيرة التي تسمح لنا لنقوم بهذا التكليف؛ وسوف تتاح لنا فرص كثيرة في هذا السبيل. ونحصل على نجاح باهر وتوفيق هام، لأن جميع القوى الكامنة فينا تكفي للقيام بتكاليفها. والذي يحتاج إليه العالم اليوم ويفتقده هو أن يكون له جماعة يفكّرون في تلبية نداء الآخرين وقضاء حاجاتهم، وعند القيام بمهام جليلة من أجل الآخرين ستنزل رحمة الله الواسعة على المعين والمستعين كليهما. أما ما نراه من ضغوط المجتمع الحاضر الذي سموّه (المجتمع الحديث) كما هو عليه اليوم ستفقدنا شخصيتنا شيئاً فشيئاً، وبالتالي سوف نفتقد آمالنا في الإبداع والظهور.
ولهذا فإن وصول هذا المجتمع إلى الحضارة الحقّة سوف يتأخّر ما دام الوضع كما هو عليه. وما هو السبب في ذلك؟
الحقيقة أن الخطأ الكبير لكل واحد منا هو أننا نعيش بأعين ليست بصيرة، فلا نلتفت إلى الفرص الجيدة التي تواجهنا، نعم علينا أن نفتح أعيننا جيداً ونتفحّص ما حولنا بدقة ومهارة لنقدم إلى كل الناس الخير العميم. فأسمى ما لدينا وافضل أمنياتنا أن نرهن وجودنا، ونمد أيدينا لعون الآخرين إلى حد التضحية والفداء. ومثلنا الأعلى في هذا المضمار الشريف الأئمة (عليهم السلام)، كل واحد منهم قام بتكاليفه كاملة، وضحّى بأغلى ما يملك في الوجود، فبذل النفس في سبيل الآخرين. والجود بالنفس أسمى غاية الجود!
إنّ أصغر شيء ينفقه رجل فقير الحال هو أفضل بكثير من الذي ينفق كبار الأغنياء، وكثيراً ما نسمع من البعض من يقول: لو كنت ثرياً لكنت أقدّم للناس الكثير الكثير من الأعمال والخدمات ولكن؟!
نقول لهؤلاء الذين يتمنون ولا يفعلون: إننا بإمكاننا أن نكون جميعاً أثرياء من حيث الحب والعطف والحنان لهم، فلو اكتشفنا الحاجة الحقيقية للمحتاجين، وحاولنا تلبيتها، نكون بذلنا في ذلك أفضل وأعز شيء لدينا لا وهو الحب لهم، والعطف عليهم، ممّا لا يقابله كل أموال الدنيا بأجمعها!
ولا يفوتنا أن نعلم أن بإمكاننا إذا حملنا أنفسنا على البحث والتنقيب بما يمكننا القيام به لاستطعنا تقديم الكثير الكثير من أعمال الخير والمساعدة للآخرين. وهذا العمل الروحي بحاجة إلى جرأة وتضحية ورحابة صدر وقوة إرادة، وتصميم أكيد على إسداء الفائدة المرجوّة والمحبة الخالصة لجميع الناس، وهذا بنظري أكبر اختيار وامتحان لكل إنسان في هذه الدنيا على الأرض.
ولكن علينا أن نعلم أيضاً أننا في هذا التكليف الشاق، وتحمّل المسؤولية بإمكاننا أن نجد السعادة الحقيقية. وهذا واقعاً ما قدّمه الأئمة، وقدّموا في سبيل الله، وعطفوا على عباد الله، فكسبوا بذلك رضى الناس ورضى الله سبحانه وتعالى.

بإرادة الإنسان تعمر الأوطان
خلق الإنسان حرّاً في أن يطيع أوامر ضميره الحيّ أو يعصيها، فكل واحد منّا يملك نفسه وإرادته فبإمكانه أن يختار الفضائل مثل:
الصدق، والشجاعة، والإيثار، والإحسان، والقول الحسن، والإخلاص، والوفاء، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتواضع، ومقاومة الهوى، والمحبّة، والصفاء، وكظم الغيظ.
أو أن يختار طريق الشهوات والرغبات والرذائل مثل: الكبرياء، والنميمة، والانقياد لهوى النفس، والغضب، والظلم، والحسد... فكل هذه الصفات من فضائل ورذائل هي تحت إرادته واختياره، وبإمكانه أن يحلّي نفسه بها بالسعي الدائم المشكور، والمحاولات المتواصلة، أو أن يختار عكس ذلك فينغمس في محيط متخلّف من الشهوات الرذيلة والميول الهوجاء، كما فعل الحكام الأمويون والعباسيون الذين غرقوا في مستنقع شهواتهم، وفجّروا في ظلمهم وجورهم من أجل حب التملّك وشهوة السلطان.
إن قوة الإرادة موهبة إلهية خيّرة لا ينبغي أن نتركها دون الإفادة منها، أو أن نصرفها في الأعمال البربرية والمنحطّة، بدلاً من أن نوظفها في تكاليفنا الشرعية. إن افتقاد الإرادة هو ضعف في اتخاذ التصميم والقرار، وهو سدّ مانع للقيام بتكاليفنا.
لكن الإفادة من الإرادة لهداية الضمير والوجدان من أجل الكفاح ضد الشهوات، وأهواء النفس، والانتصار على عبادة النفس صعب في بداية الأمر وهو بحاجة أكيدة إلى روح التضحية، ولابد من مواصلة السعي الدائم لتتقوّى روحية الإنسان تدريجياً، وتنمو أخلاقياته الفاضلة، وعندئذٍ يصبح العمل بالتكليف له أمراً عادياً جداً يتحمله المكلف بيسر وسهولة.
فلو كان الشعور بالمسؤولية قوياً في كيان الإنسان لم تعد الموانع التي تعترضه سبباً في ضعفه وانهزامه أمامها، أما إذا فشلت مساعيه ولم تثمر في مواجهة العوامل السلبية فلا أقل بأضعف الإيمان من أن يحصل على رضا ضميره وراحة نفسه، وسيكون مرفوع الرأس أمام نفسه وأمام مجتمعه وذلك أنه قدر على تحمّل خيبة الأمل والهزيمة من أجل أداء وظيفته، والقيام بدوره الإنساني ورسالته في الحياة.

وهنا أتذكّر وصية هامة نصح بها أب ابنه فقال له:
يا بني: كن أنت فقيراً لا مال في يديك، ودع الآخرين يثرون أمام عينيك بالخداع والتزوير والخيانة. عش أنت بلا جاه ولا مقام، ودع الآخرين يتسلّمون المناصب العالية بالخضوع السمج والإلحاح الملحّ. عانِ أنت الآلام والخيبة، ودع الآخرين يبلغون أمانيهم بالخضوع والتملّق. أعرض أنت عن طلب الجاه والسعي وراء الزعامة، ودع الآخرين يبلغون أمانيهم بالخضوع والتملق. أعرض أنت عن معاشرة كبار الرجال ممن يتفانى الآخرون للاقتراب منهم. من الأفضل لك أن تتقمّص لباس الفضيلة والتقوى. فإذا ابيضّ شعر رأسك ولم تلوث قطرة من سواد الفساد حسن صيتك وعلى شرفك فأدّ حقّ شكر الله، واستسلم بقلب مبتهج مسرور.
يتبين لنا من خلال هذه الوصية القيمة باختصار وكأن الأب يوصي ابنه بالبعد عن حكام بني مروان وبني العباس والاقتراب من أهل البيت (عليهم السلام) وبعدئذٍ يستسلم للموت بقلب مبتهج مسرور.
وما نراه أن الثواب والعقاب أمر ضروري في أداء التكاليف. فكما يفيد التنبيه والتوبيخ واللوم في التقليل من المفاسد، كذلك لا مجال للجدال في اثر التقدير والترغيب في زيادة الرغبة في العمل والنشاط في أداء التكاليف وتحمل المسؤولية. وقال أحد المفكرين الاجتماعيين:
ويل لأمة يشوّق فيها الخونة ويهان فيها الخدمة ذوو الشعور بالمسؤولية ويبعدون عن المناصب الحساسة في المجتمع. أمة يبلغ فيها مقاصده من يجعل همه الخداع والمراوغة، ويصل إلى مراده من لا يتمتع بأية قيمة من قيم الإنسانية. أمة يكون على من يريد أن يؤدي رسالة الإنسانية فيها أن يبقى محروماً مكظوماً من كل شيء. إن مثل هذا المجتمع لا يبقى فيه مال لنمو الأخلاق وظهور الفضيلة.
والعصر العباسي شاهد على ذلك فالإمام الكاظم (عليه السلام) العالم الفقيه، والتقي الورع، الذي أراد أن يؤدّي رسالة الإسلام الإنسانية الحقّة سائراً على خطى جده سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي قال: (ما خرجت أشراً ولا بطراً وإنما خرجت طلباً للإصلاح في أمة جدي) وهكذا فعل الإمام الكاظم (عليه السلام) فعندما أراد أداء التكاليف والقيام بالرسالة الإنسانية أبعد عن منصب الخلافة وسجن وقيّد بالحديد، ودسّ إليه السمّ حتى خسر بموته الإسلام عالماً مجاهداً كبيراً، ومصلحاً اجتماعياً عظيماً.
وبديهي أن في مثل هذه البيئة التي تشبه البيئة العباسية ستتفشّى الأمراض إلى أعماق النفوس، كالغش والفساد والتزوير والرياء؛ فالأخلاق السيئة تتصدر المجتمع بدلاً من النزاهة والأخلاق الفاضلة، فقليل جداً من الأشخاص الطاهرين الأتقياء يستطيعون العيش في مثل هذه البيئات الملوّثة، وأقل منهم الذين يستطيعون استمرار بطهارتهم وتقواهم، ويعيشون حياتهم الروحية بروح عالية وكريمة بين أناس طغاة أذلاء أنانيين سفهاء في هذه البيئة الملوّثة بالضغائن والأحقاد، استمر الإمام الكاظم (عليه السلام) مجاهداً لم يداهن ولم يساير ولم يلين، بل قاوم الطغاة وألف الجماهير، وقام بتكاليفه مع ما لاقى من الاضطهاد والآلام والعذاب.
وهنا يتجلى معنى الصبر الجميل على النوائب والدواهي وهنا تبرز البطولات الخالدة على صفحات التاريخ. فأين مزار هارون الرشيد والمنصور والهادي؟؟ لقد اندثرت معالمهم، ومات ذكرهم معهم وبقي ذكر الإمام الكاظم كأبيه وأجداده حيّاً نضراً فوّاحاً، كلما ذكر محمد وآل محمد (عليهم السلام). إن الشفاه التي ترتل اسمه (عليه السلام) كما ترتل آيات التنزيل، والقلوب التي تلهج بحبه، والعقول تتحرك بالإعجاب به، ليست وقفاً على المسلمين، ولا على الفئة الأولى من تاريخ الإسلام. فهذا أمر ينطبق على الذي يتفوّق بحال من الأحوال، أما أهل البيت فهم لكل حال ولكل الأجيال، والإمام الكاظم والأئمة جميعاً باقين في الوجود منذ أن أبدع الله الخير والمجد والكمال.
لقد ذهب الأمويون والعباسيون، وانطفأت قناديل حياتهم لأنهم كانوا محكومين بغرائز الإمرة والاستبداد وحب المال والضياع، أما الأئمة المعصومون فقد تمسّكوا بشريعة الإسلام وأحكامه، ومبادئ الرسول الأعظم وأخلاقه، فكان لهم مواقف ثابتة حافظوا عليها، وحقوق معلنة ماتوا دونها. قالوا كلمة الحق فلهج بها التاريخ، ووقفوا المواقف الحقّة فنسخت عن صحفهم البطولات، وبقيت مشاعل صدقهم وشهادتهم كواكب مشرقة قبالة الشمس، لأنها تستوحي من نهج رسول الله، وتتوهج من نور الله.
الحقيقة أن الكل هباء، فوات، تراب، فناء، ما لم يتطلع إلى سمو الحقيقة العليا، إلى الله جل جلاله. فهو وحده الذي يبقى، أما الذي لا يحب البقاء في رحاب رضوان الله فهو ميّت جسداً وذكراً، وله جهنم وبئس المصير. فالموقف الموقف، والصدق الصدق، والعدل العدل،والحق الحق، والصبر وكظم الغيظ، وهذه كلها من شمائل أئمتنا التي بها فُضِّلوا على الناس، ومن أجلها استشهد الشرفاء الأتقياء. والإمام الكاظم ذلك العظيم، هزئ بالموت فإذا به ذو عرش على قلوب الملايين، يحتل قلوبهم، ويتملّك مشاعرهم ومحبّتهم وحسب أنه قال للموت هازئاً به: قد تجيء أيها الموت في كل لحظة، وترمي بالأحياء في غيابات المجهول، ولكني لا أخافك ولا أهابك، أريد أن تموت أنت وإن أحيا أنا إلى الأبد أبقى قطرة في محيط التاريخ، وأتجاوز السنين والعصور وأبقى مع الخالدين.
سجلت أسمي في قلب كل مؤمن، وعلقت ذكري على صدور أصحاب المواقف الحقة، وبقيت حياً في خواطر الأبطال الذين أحبوا الحياة الحرة الكريمة.
وبعد أربعة عشر قرناً ونيف نجد أنصار أهل البيت يسطع من نفوسهم ضوء يهدي، وعطر يفوح، وصوت يهب سامعه إلى نجدة الحق، الحق المسلوب في فلسطين وفي جنوب لبنان والبقاع الغربي من الدولة المعتدية الغاشمة دولة الصهاينة. لكن المقاومة كانت لهم بالمرصاد حيث تلقنهم الدرس تلو الدرس كل يوم فهنيئاً لكل الشهداء الشرفاء الذين ضحّوا بدمائهم الطاهرة من أجل تحرير الأرض. لقد ساروا على الخط الحسيني وقاموا بتكاليفهم الشرعية بإرادة صامدة قويّة، وقلب عامر بالإيمان، ونفس مطمئنة.
كل ذلك في سبيل الإنسانية والحضارة الهادفة إلى الطمأنينة العامة والسعادة لجميع الناس، وكلتاهما جناحان نحو الصراط المستقيم.
إن الإنسان العادي في أي مجتمع يحتاج إلى تربية فردية صالحة في مجتمع إسلامي صالح يستند إليه، وهو بحاجة بلا ريب إلى نماذج بشرية صالحة تعرفه بأمثولة السلوك الصالح في حياته وتكون له قدرة تنير له الطريق إلى المثل العليا.
وهنا لابدّ لنا من التحدث عن دور الإيمان في الشعور بالمسؤولية.

دور الإيمان في التعهد بالتكاليف
إن التعهد بالتكاليف والشعور بالمسؤولية التي تحيط بالشؤون الاجتماعية من كل جهة، ومن أهم الأسس لسعادة الفرد والمجتمع على حد سواء، والتربية الإسلامية العريقة تبنى على أساس الشعور بالمسؤولية، فعلى كل مسلم أن يستند إلى إيمانه أولاً ثم إلى العمل الصالح ثانياً ليضمن سعادته في حياته، ولا يجعل شيئاً آخر سواهما مستنداً لسعادته الواقعية.
والإمام زين العابدين (عليه السلام) يصف تكاليف الإنسان في مختلف الشؤون فيقول: (إعلم يرحمك الله: إن لله عليك حقوقاً محيطة بك في كل حركة تحركتها أو سكنة سكنتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلبتها، أو آلة تصرفت بها بعضها أكبر من بعض).
والإسلام يرى أن كل أحد مسؤول عن أعماله، ولا يتحمل أي فرد مسؤولية الآخرين، قال تعالى: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(1).
إن في أعماق الإنسان قوة تدعوه إلى أداء تكاليفها ومسؤولياته، وحينما يتقبل الإنسان دعوة ضميره ويبادر إلى أداء تكاليفه فإن تلك القوة الباطنية ستؤيده، وبعد فراغه من تكليفه تملأ نفسه سروراً وارتياحاً هذه القوة هي الضمير أو الوجدان الناشئ من أعماق فطرة الإنسان وهو الذي يحملنا على ترك الرذائل، والتمسّك بالأعمال الصالحات ولكن هل الضمير وحده يضمن تنفيذ الخير على يد الإنسان فيبعثنا على اتباع التعاليم الدينية ويكون مستنداً لأداء مختلف التكاليف؟؟ الحقيقة أن الضمير الأخلاقي بما له من أهمية في ضمان سعادة الإنسان فهو لا يتمكن في جميع الأوضاع والظروف أن يمنع سقوط الإنسان وانحرافه وعلينا بعد هذا أن نلتفت إلى دائرة عمل الضمير، حيث أن أحكامه تختلف باختلاف الظروف الزمانية، والعادات القومية، اختلافاً بيناً؛ فنشاط الضمير إنما هو في الدعوة إلى أمور قد أقر بحسنها وفضلها من قبل ذلك العرف والعادة والسنن الاجتماعية. فالمرفوض في أمة من الأمم قد يكون مفضّلاً ومحبّباً عند أمة أخرى على أساس سننها وأعرافها. ويدلنا التاريخ أن الشيطان قد زين في بعض أدوار الحياة البشرية أعمالاً هي من أقبح ما يكون في الواقع، ولكن تحت ستار الأعمال الصالحة، وتلقّاها الناس حينئذٍ بصفتها أعمالاً مقبولة لديهم.
قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)(2).
أضف إلى ذلك كله أن الضمير من دون أن يستند إلى مستند خاص لا يقدر على المقاومة في مواجهة كثير من أهواء النفس وحب المال والسلطان وطغيان الشهوات، وهو في ساحة كفاحه مع الغرائز يفتقد شيئاً من قوة مقاومته، وربما سقط أمام أول مجاهدة لميول النفس الأمارة بالسوء، فبإمكانها أن تقلب الحقائق وتخدع الضمير وتخمد من نور المصباح المضيء الذي ينور باطن الإنسان.
وهنا يأتي دور الإيمان، الإيمان الذي يهدي الضمير ويرشد الوجدان، ويكون مستنداً صحيحاً له، وحاكماً أميناً على العادات والتقاليد والأعراف، ولا يتكلف بتنفيذ أوامر العرف والسنن الاجتماعية.
إن الذين تيقظت في ذواتهم فطرة التوحيد وآمنوا بالله إيماناً صادقاً قد استجابوا لنداء ضمائرهم استجابة تامة ويرون اتباعها إطاعة للهداية التكوينية الإلهية، فلا يثقل على كواهلهم حمل التكاليف، بل يمنحهم قوة فاعلة ونشاطاً مباركاً فيبادرون إلى أداء تكاليفهم بكل محبّة ونشاط.
المصادر :
1- سورة الإسراء: الآية 15.
2- سورة الكهف: الآيتان 103-104


source : rasekhoon
  2527
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخرین مطالب

      رحم خدا در برزخ و قيامت‏
      روزگار امام دوازدهم
      امام زمان (عج) فريادرس انسان‏‌ها
      سیمای حضرت علی اکبر (ع)
      ياد پدر و مادر در نمازهاى يوميه‏
      تربيت در آخر الزمان
      حق خداوند متعال بر بنده
      آیه وفا
      توسّل اميرمؤمنان(ع) به سيّدالشهداء(ع)
      مقام شكر از منظر امام حسین(ع)

بیشترین بازدید این مجموعه

      مبعث پیامبر اکرم (ص)
      ازدواج غير دائم‏
      میلاد امام حسین (علیه السلام)
      آیه وفا
      اسم اعظمی که خضر نبی به علی(ع) آموخت
      یک آیه و این همه معجزه !!
      شاه کلید آیت الله نخودکی برای یک جوان!
      حاجت خود را جز نزد سه نفر نگو!
      فضيلت ماه شعبان از نگاه استاد انصاريان
      افزایش رزق و روزی با نسخه‌ امام جواد (ع)

 
user comment