عربي
Friday 6th of December 2019
  668
  0
  0

الحسين(ع) إماماً و مصباح الهداية

الحسين(ع) إماماً و مصباح الهداية

"ان الحسين مصباح هدى و سفينة نجاة"
لقد اصطفى الله من عباده الصالحين أئمة هداة، و جعلهم حججاً بالغة على جميع خلقه، وقال:
(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: 24)
 وقال سبحانه: (أولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: 90).
 وقد يتساءَل البعض: لماذا الأئمة الهداة؟
أوَلم يكفِ البشرية رسولٌ واحد يستضيء بنوره الناس على مرّ العصور؟


الخسران المبين
أو تدري متى تتوقف عقارب الزمن، ويتكلّس العصر، و يتجمَّد الإنسان و يسوده التخلف، و يحكم الإرهاب، ويتسلط الظالمون؟
 تماماً عندما ترين على الأفئدة طبقة سوداء من الأفكار التبريرية والمعاذير الخادعة، فيتحلل كل الناس عن مسؤولياتهم، كلٌ باسم عذر مخادع، و بتبرير كاذب.
فيقول البسطاء والمستضعفون: إننا لا نعرف طريقاً لمقاومة الظالمين، إنما نحن بؤساء محرومون نتّبع كبراءنا وساداتنا أو السابقين الأولين من آبائنا، كما يصف القرآن الكريم ذلك بقوله: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ) (الاعراف: 173)
أما الأثرياء فهم يخافون الفقر و يخشون المساواة مع المحرومين، ويقولون: (إِن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أرْضِنَآ) (القصص: 57)، ويقولون: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاَرْذَلُونَ) (الشعراء: 111)
بينما تجد أنصاف المثقفين و أدعياء الدين، يسكتون عن الباطل، و يداهنون الظالمين، و يرضون ببقايا موائد السلطان، فهم كما يصفهم القرآن: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) (البقرة: 79)، ويقول عز من قائل: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ)(المائدة:13)
 و إنّ هؤلاء هم أخطر الفئات على المجتمع، لأنهم يسرقون سلاح العلم والدين من أيدي المحرومين، و يضعونه بأيدي المستكبرين والطغاة لقاء دراهم معدودة.
وليس لا يقاومون الظلم والاستكبار فقط، و إنما يحذِّرون الناس من ذلك، و يشيعون بينهم أفكاراً سلبية وانهزامية، و ما الأمثلة الجاهلية الشائعة حتى اليوم بين الطبقات المحرومة إلا من بقايا ثقافة وعاظ السلاطين وعبيد الطغاة من المتثقفين المنهزمين، و أدعياء الدين الذيليين.
إنهم أشاعوا بين الناس بأن: (السلطان ظل الله)، و: (إنّ من تسلط على الرقاب بالسيف فهو أحق الناس بالطاعة)، و إنّ: (حشر مع الناس عيد) و إن كان إلى سعير جهنم، و إن: (معنى التقيّة هو السكوت عن الطغاة)، و إنّ: (اليد التي لا تقدر على قطعها استسلم لها وقبّلها)، و إنّ: (من تزوج أمي فقد أصبح أبي وعمي).. و عشرات من الأفكار الشيطانية الزائفة.
 إنّ هذه الطبقة من زيف المعاذير الشيطانية، والأفكار الانهزامية والسلبية التي غلّفت أفئدة الناس بمختلف فئاتهم، كانت وراء فساد السلطة، و زيغ الثقافة، و سوء التربية، وانحطاط الأخلاق، والفقر، والظلم، والحرمان، وما يستتبع ذلك من العصيان والشرك والكفر.


 ضرورة القادة الهداة
لقد أودع الله في ضمير البشر فطرة طاهرة، و عقلاً نيّراً، ونفساً لوامة، و هو القائل: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا) (الشمس: 7-8) وأيّد ذلك الضمير برسالاته التي تواترت، وكتبه التي تواصلت.. وكلما امتدت يد التحريف إلى رسالة، وفسَّرها خدم السلاطين المترفين تفسيرات خاطئة، إبتعث الله رسولاً قائماً برسالات الله، ليكون حجة عليهم.
 ثم أكمل حجته بأوصياء هداة وصديقين شهداء، تصدوا للتأويلات الباطلة والتفسيرات التحريفية، حتى أبانوا الحق و أظهروه، و دحضوا الباطل و أسقطوه.
 إن أعظم محاور الرسالات و أعظم أهداف الرسل و خلفائهم، كان تبديد زيف التأويل الباطل عن الدين، ونفي الأعذار الشيطانية التي تخلّف الناس عن الدين بسببها.
 وقد خاض أنبياء الله و أولياؤه المؤمنون صراعاً مريراً من أجل نسف الأعذار والتأويلات الزائفة التي نشرها أدعياء الدين بين الناس، وسعوا جاهدين لكي يبقى مشعل الرسالة زكياً نقياً وضّاءً بعيداً عن زيف التبرير و زيغ التأويل، لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
لقد رسموا بجهادهم وجهدهم، وكذلك بدمائهم الزكية خط الرسالة التي تتحدى الطغاة المستكبرين في الأرض، المتسلطين على الناس زوراً و عدواناً، والمترفين المستغلين لجهود المستضعفين، والعلماء الفاسدين الخانعين اليائسين.
 من هنا جاءت ضرورة القادة الهداة الذين جعلهم الله أئمة يهدون بأمره، والذين هداهم ربهم لنقتدي بهداهم.
لما قدم معاوية بن أبي سفيان إلى المدينة حاجّاً ، و فيها مهّد لاستخلاف ولده يزيد ، ولكنّ الإمام الحسين ( عليه السلام ) رفض وقام ، فخطب فيهم، ثمّ قال :
«تُريدُ أن تَلبِسَ النّاسَ شُبهَةً يَسعَدُ بِهَا الباقى فى دُنياهُ وتَشقى بِها فى آخِرَتِكَ» ثم يقول: «إنَّ هذا لَهُوَ الخُسرانُ المُبينُ.» [1] وکلام الامام مقتبس من الاية
« وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‌ حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى‌ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبينُ»(الحج11)
والاية «قُلْ إِنَّ الْخاسِرينَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْليهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبين‌»(زمر-15)
وكانت نهضة أبي عبدالله الحسين عليه السلام علماً بارزاً في طريق النجاة من "الخسران المبين" حيث كانت رسالة جده المصطفى عليه و على آله صلوات الله، أعظم انتفاضة للضمير، و توهّج العقل، و أسمى إبتعاث لدين الله الخالص من زيغ التأويل و زيف التبرير.
لقد كانت المشكاة الصافية التي أضاء عبرها مصباح الوحي كل الآفاق، ولكن الشجرة الأموية الملعونة في القرآن، التي جسّدت في الجزيرة العربية دور فراعنة السلطة والثروة، ودهاة المكر والتضليل، والتي صدت عن سبيل الله والرسالة في بدر وأحد والأحزاب، لقد كانت هذه الشجرة لا تزال قائمة؛ وقد أوكلت مهمة إجتثاثها وتصفية الرواسب الجاهلية التي تغذيها إلى أوصياء الرسول صلى الله عليه وآله.
 وها هم ـ أغصان الشجرة الملعونة ـ طفقوا يتسللون إلى المجتمع الاسلامي الناشئ ليزرعوا فيه بذور النفاق والشقاق، إنهم كما الخلايا السرطانية إمتدوا إلى كل نفس طامعة، وقلب حاقد، و مستكبر يتوثّب للسلطة، و مترف يبحث عن مصالحه.
وفي غفلة من الزمن تحققت رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أخبر أصحابه عنها ذات يوم أنه رأى قردة ينزون على منبره.. فإذا بالحزب الأموي الاستكباري يستغل الأوضاع المتوترة في عهد عثمان، و يقوم بما يشبه إنقلاباً عسكرياً يقوده معاوية ابن أبي سفيان، و يخوض أصحاب النبي الميامين بقيادة أميرهم المقدام و إمامهم الهمام سيد الأوصياء علي بن أبي طالب عليه السلام يخوضون ضدهم حرباً ضروساً في صفين لا تختلف عن حروب رسول الله ضد سلطة قريش.
و إذا سقط الإمام علي عليه السلام شهيداً في محراب الكوفة بسيف غادر شحذه بنو أمية، و إذا مضى نجله الإمام الحسن عليه السلام مسموماً ضمن مؤامرة أموية، فإنّ للإمام الحسين عليه السلام دوراً متميزاً في كربلاء، لكي يقتلع جذور هذه الشجرة الخبيثة بإذن الله، و يهزم سيف البغي والعدوان بالدم المظلوم، ولا يكون هنا غدر ابن ملجم، و سمّ جعدة.
 كلا؛ لقد جاء دور المواجهة السافرة.


 كربلاء مشعل كشف الزيف
و هكذا أصبحت ملحمة كربلاء رمز المواجهة بين الحنيفية البيضاء والشرك المتلصص، بين الحق الخالص الصريح والباطل المدّنس المزخرف، بين الشجاعة والبطولة والتحدي و بين التذبذب والانطواء والتبرير.
 وأصبح الإمام الحسين لواءً منشوراً لكل من يريد مقاومة الحكام المتسترين بالدين، و تحريف أنصاف العلماء ـ و عاظ السلاطين ـ الخونة للدين، و سكوت المتثقفين المتظاهرين الذين أضحوا سلاحاً فتاكاً على الدين الحق، و ضد الخط الإيماني الصادق.
 و هكذا أضاء أبو عبدالله الحسين عليه السلام على امتداد التاريخ درب المؤمنين المستضعفين الذي تآمر ضدهم ثالوث النفاق والدجل والجبن، هؤلاء المحرومين الذي تظاهر ضدهم المهووسون بالسلطة، و وعاظ السلاطين، والمترفون مصاصو دماء الفقراء.
وأية راية حق حاربت من أجل الله حملت شعار (يا لثارات الحسين)، وأي تجمع صالح قرر التحدي وَضَعَ نصب عينيه دروس كربلاء، وأي رجل عقد العزم على أن يكون فداء لدينه كان مثاله الأسمى السبط الشهيد.
 وتبقى حاجتنا إلى مشعل سيد الشهداء ما دمنا نواجه نفاقاً أموياً، ودجلاً شريحياً، و خيانة كالتي كانت عند أهل الكوفة.. و أنّى يكون لنا اليوم الذي نتخلص فيه من هذا الثالوث الخبيث؟
 كلا؛ ما دامت الدنيا باقية فإن فتن الشيطان و وساوسه قائمة، وليس بالضرورة أن يكون المنافق أموياً سافراً، أو شريحاً قاضياً عنده كما وعاظ السلاطين، أو جبناء متظاهرين بالخيانة.
 كلا؛ ليس بالضرورة أن يكون كذلك، فقد يكون المنافق متظاهراً بحب السبط الشهيد، والدجال متحدثاً باسمه، والجبان ينضوي تحت لوائه.. أو لم يرق أحدهم منبر الحسين فقال: مالنا والدخول بين السلاطين، محرِّماً تعاطي السياسة؟ ولم يفكر أن المنبر الذي إرتقاه لم يقم إلا على دماء السبط الشهيد عليه السلام، و أن الإمام الحسين أعلن بكل صراحة أن مثله لا يبايع مثل يزيد؟
إن الشيطان الذي حرّف كتاب الله المبين، و فسّر سيرة سيد المرسلين، و حكم باسم كتاب الله و تحت شعار خليفة رسول الله بالجور والعدوان، إنه قادر أيضاً على تحريف نهج الحسين، و تفسير واقعة كربلاء بما يخدم مصالحه و يتماشى و أهواءَه النفسانية.
من هنا كان على الذين وعوا حكمة النهضة الحسينية، و عقدوا العزم على أن يعيشوا نهج سيد الشهداء رغم الصعاب، والذين تساموا إلى حيث جوهر الإسلام و روح الإيمان و عصارة تاريخ الأنبياء.. إلى حيث الصراع ضد الجبت والطاغوت، على هؤلاء أن لا يدعوا راية السبط الشهيد تُسرق من قبل الدجالين والمنافقين والمترفين، فإذا بهم يحاربون نهج الحسين باسم الحسين، كما حارب بنو أمية نهج رسول الله باسم رسول الله، و نهج كتاب الله باسم كتاب الله.
فليس مقبولاً أن نعيش دهراً على شاطئ الحسين عليه السلام محرومين من ماء الحياة، من العزم الحسيني، من الشجاعة الحسينية، من العطاء الحسيني، من الكرم والإيثار، من المواجهة والتحدي.. من كل تلك المعطيات التي زخرت بها ملحمة كربلاء الثائرة.
إن الحسين كما جاء في حديث جده المصطفى صلى الله عليه وآله: "مصباح هدى و سفينة نجاة"[2]، و أنه من الرسول والرسول منه[3]، إنه إمام المسلمين و حجة الله، و هو أعظم من مجرد تراجيديا. كما إنّ كربلاء أسمى من مجرد فلكلور، إنه وريث الأنبياء وترجمان الأوصياء وقدوة الأتقياء، إنه مدرسة التوحيد.
و من هنا يجدر بنا أن نتخذه إماماً في كل مناهجه و شرائعه[4].
المصادر:
 [1] الإمامة و السياسة : ج 1 ص 2ظ 4 ـ 212 ، تاريخ الطبرى : ج 5 ص 3ظ 3 . نيز ، ر . ك : المعجم الكبير : ج 19 ص 356 ح 833
[2] - عيون أخبار الرضا للصدوق، ج2، ص62.
[3] - قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "حسين مني وأنا من حسين" كامل الزيارات لابن قولويه، ص116.
[4] – مقتبس من محاضرات اية الله محمد تقي المدرسي .


source : sibtayn
  668
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

    الدول المسلمة تستعد لاستقبال شهر رمضان
    الشيخ محمد حسن نجف
    السيد محسن الأعرجي الكاظمي المعروف بالمحقق البغدادي
    الشهيد السيد محمد مهدي الخراساني المعروف بالشهيد ...
    حركة الإمام المهدي (عج) في سياق حركة التاريخ
    الأحاديث الشريفة عند المسلمين في الإمام المهدي (عج)
    ولادته (ع)
    فيما على الزّائر مراعاته
    في فضلِ زيارَته (عليه السلام)
    زيارة عاشوراء

 
user comment