عربي
Friday 19th of July 2019
  1279
  0
  0

نهضة الحسين (ع) وأهمية التبليغ

نهضة الحسين (ع) وأهمية التبليغ

مقتطفات من خطاب ألقاه سماحته في جمع من قوات التعبئة بتاريخ 13 / محرم الحرام / 1413هـ ، ومن خطاب له في جمع من العلماء والخطباء بتأريخ 28 / محرم الحرام / 1413هـ ، وخطاب آخر بتأريخ 23 / شعبان / 1415هـ .

فلسفة النهضة الحسينية
هناك نكات كثيرة في قضية ثورة عاشوراء لو بحثها العالم الاسلامي والمفكرون الاسلاميون من أبعادها المختلفة ودققوا النظر في ظروفها المختلفة ومقدماتها ولواحقها وما أحاط بهذه الحادثة فسيصبح بالامكان تحديد سبل الحياة الاسلامية ووظائف الاجيال المسلمة في جميع الازمنة.
وأحد هذه الدروس هي ان الحسين بن علي(عليهما السلام) قد شخّص في وقت حساس جداً من تأريخ الاسلام الوظيفة الرئيسية من بين الوظائف المتنوعة التي لها مراتب متفاوتة من الاهمية، وانجزها ولم يخطئ أو يشتبه في معرفة ما كان العالم الاسلامي في ذلك اليوم بحاجة إليه. لقد كان تشخيص الوظيفة الاصلية دائماً أحد نقاط الخلل والضعف في حياة المسلمين في العصور المختلفة. الخلل في تشخيص الوظيفة الاصلية يعني ان أفراد الامة والقيادة والرجال البارزين في العالم الاسلامي يخطئون في تشخيص الوظيفة الاصلية في مقطع من الزمن، بمعنى انهم لايعلمون ما هي الوظيفة الاصلية، وانه يجب الشروع بها، وحتى إذا لزم الامر يجب التضحية بسائر الامور في سبيلها. ولايعلمون ما هي الوظيفة الفرعية التي تأتي في الدرجة الثانية. يجب أن يُعطى كل عمل الاهمية التي يستحقها ويسعى في سبيل تحقيقها.
في نفس الوقت الذي تحرك به أبو عبداللّه(عليه السلام) كان هناك أشخاص إذا قيل لهم: هل ننتفض أو لا؟ فان جوابهم سيكون بالنفي، لعلمهم بأن وراء هذا العمل مشاكل ومتاعب كثيرة، ويذهبون وراء وظائف من الدرجة الثانية. كما رأينا ان البعض قد قام بهذا العمل فعلاً. لقد كان هناك أشخاص مؤمنون وملتزمون بين الذين لم ينهضوا مع الامام الحسين(عليه السلام). فليس من الصحيح ان يُعَدّوا جميعاً من أهل الدنيا، لقد كان بين رؤساء ورموز المسلمين في ذلك الوقت أشخاص مؤمنون وأشخاص يرغبون بالعمل وفقا للتكليف. لكنهم لم يدركوا التكليف الرئيسي، ولم يشخصوا اوضاع ذلك الزمان، ولم يعرفوا العدو الرئيسي، وكانوا يخلطون بين الوظيفة الرئيسية المحورية والوظائف التي هي من الدرجة الثانية أو الثالثة. ولقد كان هذا الامر أحد الابتلاءات العظيمة للعالم الاسلامي، ويمكن ان نبتلى نحن ـ اليوم ـ بذلك أيضاً. من الممكن ان نخطئ في تشخيص ما هو أهم فنعالج أشياءً أقل أهمية. يجب اكتشاف تلك الوظيفة الاساسية التي يعتمد عليها قوام وحياة المجتمع.
لقد أوضح الامام الحسين بن علي(عليهما السلام) في بيانه للجميع أن أهم وظائف العالم الاسلامي في تلك الظروف هو الصراع مع رأس القوة الطاغوتية، والاقدام على إنقاذ الناس من سلطتها الشيطانية.
فماذا كان ذلك التكليف؟ لقد كان ـ حسبما قال ذلك الانسان العظيم بنفسه ـ هو الصراع مع الجهاز الحاكم الذي هو منشأ الفساد:«أُريد ان آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي». هذا هو التكليف. أو كما قال في خطبة أُخرى: «أيها الناس إن رسول اللّه قال: من رأى سلطانا جائراً مستحلاً لحرم اللّه ناكثاً بعهد اللّه... فلم يغير عليه بقول ولا فعل كان حقا على اللّه ان يدخله مدخله».
التكليف عبارة عن تغيير سلطان الظلم والجور والقدرة التي تعيث في الارض فساداً وتجر البشرية باتجاه الهلاك والفناء المادي والمعنوي. هذه هي فلسفة نهضة الحسين بن علي(عليهما السلام) التي اعتبرت المصداق الحقيقي للامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب الانتباه الى هذه النقاط. لقد تحرك أبو عبداللّه(عليه السلام) على ضوء التكليف الاهم وضحى بالتكاليف الاخرى في سبيل التكليف الاهم. كان يشخص العمل الواجب في وقته. هناك حركة في كل زمان للمجتمع الاسلامي. في كل عصر هناك عدو وجبهة وخصم يهدد الاسلام والمسلمين ويجب أن يعرف ذلك العدو. فلو اشتبهنا في معرفة العدو والجهة التي يتعرض منها الاسلام للاذى والهجوم فسوف نخسر خسارة كبيرة لايمكن جبرها. ولو غفلنا عن ذلك فان فرصاً كثيراً ستضيع من ايدينا. نحن موظفون بأن نخلق حالة قصوى من الحذر والانتباه وتحديد الاعداء ومعرفة التكاليف لدى شعبنا والعالم الاسلامي. اليوم ونظراً لاقامة الحكومة الاسلامية وارتفاع راية الاسلام ـ الامر الذي لا سابقة له في طول التأريخ الاسلامي بعد الصدر الاول ـ فإن الامكانات متوفرة للمسلمين ولايحق لنا بعد الان أن نغفل عن معرفة العدو ونخطئ في تشخيص الجهة التي يهجم منها.
لقد كان جُلّ سعي إمامنا العزيز(رحمه الله) والاشخاص الذين كانوا يرافقونه في نهضته ـ على اختلاف مراتبهم وعلى حسب إمكانياتهم ومستوياتهم ـ هو أن يعلم العالم الاسلامي ومجتمع إيران الاسلام وقاعدة الحق والعدالة ما هو الخطر الاكبر الذي يحدق بهم وما هو العدو الاكثر تهديداً لهم. واليوم كسائر ما مضى فان الهجمة العظمى والخطر الجارف ينشأ من الهيمنة العالمية والقوى الكافرة والمستكبرة. هذا أكبر الاخطار التي تهدد وجود المسلمين. صحيح أن الضعف يمكن ان يفرضه العدو بإمكاناته الضخمة على ذلك المجتمع.

قوام المجتمع الاسلامي
إن حياة المجتمع وقوامه منوط بوجود الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقوام الحكومة الاسلامية وبقاء حاكمية الاخيار ولو لم ينجز هذا العمل «لَيُسَلّطنَّ اللّه عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم».
وليس الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو التلفظ بكلمتين أو أكثر لاجل إسقاط التكليف في مقابل المنكرات التي لايعلم كونها أخطر المنكرات. عندما يكلف جميع أفراد الامة بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما معنى ذلك؟ متى يمكن أن يكون كل افراد المجتمع آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر؟ الجواب هو عندما يحضر الجميع في خضم قضايا البلاد حضوراً حقيقياً جاداً، يجب ان يهتم الجميع بمسائل المجتمع ويعتنوا بها. يجب ان يصبح الجميع خبراء في هذا المجال.
لايجوز حصر هذا الواجب العظيم في دوائر ضيقة. هذا العمل وظيفة الجميع، ولايختص بفئة مثل القوات المسلحة أو السلطات المحلية، انه عمل الجميع. يجب أن تنهوا عن المنكر، وتقفوا في مقابل أي منكر هذا العمل وظيفة الاُمة، نعم على علماء الدين ان يوجهوا الناس، ويشرحوا لهم كيفية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواردهما.
يجب ان نحدد موارد الخطر جميعاً، المواضع التي منها يهدد الخطر مجتمعنا الاسلامي، يجب ان نحددها بدقة، ينبغي ان نحلل لانفسنا وللناس كل العبر التي استقيناها من الصدر الاول للاسلام.
هناك عاملان هما أساس للضلالة والانحراف العام، أحدهما الابتعاد عن ذكر اللّه الذي يعني الغفلة عن اللّه وفصل الحياة عن المعايير المعنوية، والعامل الاخر هو اتباع الشهوات والملذات والسعي وراء الدنيا والاشتغال بجمع الثروة والمال والوقوع فريسة للشهوات الدنيوية واعتبارها أساساً ومبدأً ونسيان الاهداف الحقيقية.
عندما يكون المعيار هو اللّه والتقوى والاعراض عن الدنيا والجهاد في سبيل اللّه، فان الذي يتواجد في الساحة حينئذ هم الافراد الواجدون لهذه المعايير. هؤلاء هم الذين يأخذون مقاليد الاُمور بأيديهم ويصبح المجتمع مجتمعاً إسلامياً. ولكن عندما تتبدل المعايير الالهية فسوف يستلم الاُمور كل من هو أحرص على الدنيا وأشد في اتباع الشهوة وتحصيل المنافع الشخصية وأبعد عن الصدق والحقيقة، حينذاك تكون النتيجة صيرورة أمثال عمر بن سعد والشمر وعبيد اللّه بن زياد اُمراء، وذهاب أمثال الحسين بن علي(عليهما السلام) الى المذبح واستشهاده في كربلاء وهذه قضية منطقية.
وعندما يحكم الامام فان الفضائل سوف تسود في المجتمع، والقيم هي التي سوف تطرح للناس. إذا حافظتم على هذه القيم فسوف يبقى نظام الامامة، وحينئذ لن يؤتى بامثال الحسين بن علي(عليهما السلام) الى المذبحة.
ولكن كيف إذا تخلينا عن هذه الاُمور؟ كيف إذا فقدنا الروحية؟ وكيف إذا انشغلنا باُمور الرفاهية الشخصية بدلاً من التوجه إلى الوظيفة والتكليف والهدف الالهي؟ كيف إذا اجبرنا الشاب (التعبوي) المؤمن والمخلص على الانزواء وهو لا يريد منّا سوى تهيئة ساحة يجاهد فيها في سبيل اللّه، وسلّطنا على الاُمور أفراداً ذوي وقاحة وجشع، وطمّاعين خبثاء؟ في هذه الحالة سيتبدل كل شيء.
فلو كانت الفترة الفاصلة بين رحلة النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله) وشهادة فلذة كبده في صدر الاسلام خمسين سنة فمن الممكن ان تكون هذه الفترة أقصر بكثير في زماننا هذا، وترتقي الفضائل وأصحاب الفضيلة على المقاصل بسرعة أكبر. يجب ان لانسمح بوقوع أمر كهذا. يجب ان نواجه الانحراف الذي يمكن ان يفرضه اعداؤنا علينا.
اليوم هناك من يعترض فيقول: لماذا يقف البعض من علماء الدّين على رأس السلطة؟ في حين أنّ الاغلبية الغالبة من علماء الدين وطلبة العلوم الدينية مشغولون بمزاولة أعمالهم الخاصّة بهم في المدارس والمساجد. يقول هؤلاء لماذا سيطر هذا النفر من علماء الدين على السلطة؟ فذلك يخرج الدّين من قلوب الناس. أقول: كلا، إذا كان هؤلاء العلماء من العناصر الخيّرة والتقية وإذا كانوا عادلين ونزيهين فإنّ الشعب سيتّجه نحو الدّين والعلماء أكثر فأكثر، على رغم انوف اُولئك الّذين لا يسعدهم أن يروا ذلك.
وإذا كان الانعزال عن السلطة ـ بالنسبة للحاكم الديني ـ يؤدّي إلى انتشار الدّين واتّساع رقعته، لكان أوّل من تنحّى عن السلطة هو الرسول(صلى الله عليه وآله)، لقد كان بوسعه(صلى الله عليه وآله) بعد أن هاجر إلى المدينة أن ينتخب واحداً من كبار الانصار، وليكن على سبيل المثال سعد بن عبادة أو غيره ويولّيه زمام السلطة، ويفرّغ نفسه ليكون عالم المدينة وإمام الجماعة فيها. يكون ذاك الشخص هو الحاكم. لماذا لم يخطُ الرسول هذه الخطوة؟ هل من الممكن أن ننشر الدّين من دون الامساك بزمام السلطة؟
إنّ وقوع السلطة بيد الظلمة والجبابرة في مدة زمنيّة طالت 1300 سنة وابتعاد أهل الدّين عن الحكم والسلطة طيلة هذه الفترة، أوجد هذا التفكير الخاطئ، وهو أننا إذا أردنا للدّين أن ينتشر فلابدّ لاهل الدّين ان يتنحّوا جانباً وأن يكونوا بمنأى عن السلطة.
لو صحّ هذا الكلام فلماذا لم ينتشر دين اللّه في زمن بني اُميّة وبني العبّاس؟ حيث كان الائمة موجودين وكانوا بمعزل عن السلطة. هذا الكلام الّذي يقوله البعض كلام فارغ.
كلاّ، إنّ دين اللّه إنّما يراد له أن يمسك بزمام السلطة، وهذا يعني أنّ على أهل الدّين أن يتصدّوا للسلطة، وإذا جاء أحد غيرهم للسلطة فسيحدث ما حدث طيلة هذه الالف والثلاثمائة سنة.


source : irib
  1279
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      الموت الكريم زينة للإنسان والحياة الرذيلة مرفوضة له
      أبو العباس الضبي
      المکونات التربویة للامام الحسین علیه السلام
      أقوال الإمام الجواد ( عليه السلام ) في الأخلاق والمواعظ
      خصائص النبیّ فی القرآن الکریم
      شجرة النبوة
      محاورات الإمام الهادي ( عليه السلام )
      ذكرى وفاة السيد محمد بن الإمام الهادي عليه السلام
      الوليد المبارك الإمام الباقر
      الامام الهادي عليه السلام وقضاة عصره

آخر المقالات

      الموت الكريم زينة للإنسان والحياة الرذيلة مرفوضة له
      أبو العباس الضبي
      المکونات التربویة للامام الحسین علیه السلام
      أقوال الإمام الجواد ( عليه السلام ) في الأخلاق والمواعظ
      خصائص النبیّ فی القرآن الکریم
      شجرة النبوة
      محاورات الإمام الهادي ( عليه السلام )
      ذكرى وفاة السيد محمد بن الإمام الهادي عليه السلام
      الوليد المبارك الإمام الباقر
      الامام الهادي عليه السلام وقضاة عصره

 
user comment