عربي
Saturday 20th of April 2019
  1299
  0
  0

موقف الامام علي علیه السلام بعد السقيفة

موقف الامام علي علیه السلام بعد السقيفة

هل کان علی الامام علي عليه السلام أن يعتزل، ويبتعد عن الأمة، فلا يسمع لها صوت ولا يجيب لها نداء، أن يتنكر للأمة كما تنكّرت له ونست وصية رسول الله فيه. ويتركها غارقة في الجهل، والاختلاف، والحاجة.
كما اعتزل سعد بن عبادة، يوم رفض أن يبايع وأصرَّ على الرفض مؤثراً اعتزاله.
لكن ماذا يحقق هذا الموقف للرسالة؟
ماذا يحقق للإسلام عموماً، وللخطّ الشيعي بالخصوص؟
انّ الأهداف الرسالية هي التي تسيّر علياً، وتملي عليه مواقفه، فهو حارس تلك الأهداف، وحامي حماها، فماذا تُحقق العزلة من تلك الأهداف؟
الحقيقة انّ الاعتزال يعني هنا التخلي عن المسؤولية، والتنكر للرسالة نفسها، والانسحاب عن موقع الأمانة والقيادة الذي أُريد لعلي.
انّ علياً ليس واحداً من الناس! بمستوى الناس، ووعي الناس، ودرجة اخلاص الناس يومذاك للرسالة.
ماذا علي؟
علي جيش في سبيل الله;
علي الإيمان كله;
علي باب مدينة علم الرسول، وأمين سرّه;
علي من لا يؤدي عن الرسول الاّ هو ،
علي من لا ينبغي أن يذهب الرسول الاّ وهو خليفته،
وعلي مفزع الأمة، ومرجعها عند الإختلاف،
علي من النبي بمنزلة هارون من موسى،
وعلي نفس الرسول، دماً ولحماً، كل ذلك على لسان النبي نفسه.
ثم بعد رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) ماذا حقّق للرسالة رغم اقصاءه عن الحكم؟
أنقذ الأمّة من صدمة الانحراف، أعاد لها الثقة برسالتها، حصَّنها من التميع والتحلّل، رسم لها طريق الرسالة الصحيح.
هذا هو علي.
وهكذا كان أبوذر وهكذا كان عمار.
أبوذر أمّة وحده، يمشي وحده، يموت وحده، يبعث وحده، كما قال الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم). أبوذر أصدق الصادقين، ما أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر، كما قال رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) فيه. وأبوذر كان عظيماً بعد النبي (صلی الله عليه وآله وسلم)، عظيماً في دوره وعطائه للرسالة، ويداً من أيادي علي (عليه السلام) في تحقيق أهداف الرسالة.
وعمار..
ما سلك وادياً الاّ سلك الحقّ معه.
وإذا حدثت الفتن فالزموا عمّار. هكذا قال الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) فيه.
وكان مثل ذاك سلمان، والمقداد، و حذيفة.
فهل يعتزل كل هؤلاء؟
إذن من يغيث الأمة عندما تستغيث؟! ومن للرسالة يعزّر مفاهيمها، ويبني رجالها، ويدفع عنها الضياع والتمويه والتحريف.
ليس هنا الاّ علي، والاّ الطليعة الواعية التي دارت في فلك علي.
على انّ الاعتزال يقطع على هؤلاء طريق الوصول إلى الحكم.
وبدون التعامل الايجابي مع الأمة، ووضع الأرقام بيدها، ستضمحل صورةعلي، ولا تعرف الأمة فيه رجلا رسالياً قيادياً تستطيع أن تسلّم إليه الزمام.
وحينما تعيش الأمة نظام الشورى يكون الطريق الطبيعي للوصول إلى الحكم هو تحصيل قناعة الأمة وثقتها من خلال الحضور عندها باستمرار، والوقوع في نظرها بمستوى المسؤولية.
وعلي (عليه السلام) يطلب الحكم، ويطلبه له كلّ أنصاره والسائرين في خطّه.
لأنّ موقع القيادة هو أفضل أداة لتحقيق الأهداف، والتوفّر لإنجازها، ولأنّ موقع القيادة هو أخطر موقع في مصير الأمة ومصير رسالتها.والرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) حينما استخلف علياً كان يقصد أن يضع بيده هذه الأداة، والاّ فإنّ علياً موجود، وهو سيبذل طاقاته وامكانياته، ويقدّمها للأمة وللرسالة، بلا حاجة إلى استخلاف! بينما كان الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) حريصاً، بل كان الوحي حريصاً على أن توضع القيادة بيد الإمام، وعلى أن يكون هو المشرف والموجّه والمخطط للتجربة الإسلامية بعد النبي (صلی الله عليه وآله وسلم).
وكان الامام يحسب لهذا الهدف حسابه، ومن هنا فلا يجوز له أن يعتزل، وينقطع عن الأمة، لأن ذاك سيذهب بالحكم إلى غيره، ويخسر الإمام أفضل أداة لتطبيق الإسلام، وتنجيز طموحاته وأهدافه، في تربية الانسانية الخيّرة.
ومن هنا فهذا الطريق هو طريق مسدود أيضاً، بحساب الأهداف ومصالح الرسالة التي يفكّر فيها الخطّ الشيعي، ويحمل همومها.
كما انّ القوى الحاكمة سوف لا ترتاح لهذا الموقف، وهي ترى فيه تحدياً لسلطانها، ومحفزاً للخروج عليها باستمرار. وبالتالي فهي لا تترك الإمام، وانّها لتأخذ منه البيعة كيفما كان.
ولقد رأينا كيف اضطربت القوى الحاكمة من الإعتزال المؤقت للإمام، وما استقرّ لها قرار حتّى أخذت منه البيعة مرغماً، وحتّى اضطرته لأن يشارك جماعتها.
انّ اغتيال سعد بن عبادة شاهد على ما قلناه... رغم انّ سعد ليس له من الخطر على الحكم القائم مثل ما للإمام وللخطّ الشيعي عموماً.
فالإمام إذن يعرّض نفسه للموت لو أراد أن يعتزل، لأن الشكوك ستحوط موقفه لا محاله، ويكون من الأفضل تصفية هذا الوجود الغامض الخطر. والجن الذي قتلوا سعد بن عبادة سيقتلون علياً بالطبع!!، لأنّه أخطر من سعد على النظام الحاكم.
وهل کان علی الامام علي عليه السلام ان يجامل وهو أن لا ينهض ولا يعتزل، ثم هو في هذا الطريق يتجرّد من تصوّرات الخطّ الشيعي.
تصوّر انّ علياً هو وحده القيّم على الرسالة بعد الرسول، هو المؤدي عن الرسول، وهو المبين للأمة ما تختلف فيه، وكلمته هي كلمة القرآن، والسنّة لا يعدل بها ما سواها.وتصور انّ الحكم القائم لا يملك سنداً شرعياً، كما لا يملك الحقّ في التعبير عن الإسلام طالما لم يكن مستوعباً لكل حقائق وتفاصيل الشريعة، ولا مستوحياً كلّ مفاهيمها وقيمها.
علي في هذا الطرق يتجرّد عن هذه التصوّرات، ويعبر كلّ الحدود الفاصلة بينه وبين الخلافة الحاكمة.
ثمَّ يعيش في الأمة كما يعيش أي واحد من الصحابة.
فلا هو يطمح في الحكم ويعمل له معارضاً حكومة الخلفاء.
ولا هو يبني القواعد الشيعية، يعزز خطّها وطريقتها في فهم الإسلام. وهذا الطريق هو الذي سلكه معظم الصحابة المؤمنين بالنصّ على الامام.
فقد تعاملوا مع الحكم القائم، متجاوزين قضية النص، ومعتبرين الحكم القائم
كما لو كان حكماً شرعياً جاء بنص الرسول، أو اجماع الأمة ان كان الأمر للأمة الأنصار الذين قالوا: " لا نبايع الاّ علياً " ماذا صنعوا؟
وخالد بن سعيد الأموي الذي دعا لعلي، واستنهضه أوّل الأمر، ورفض العمل لأبي بكر، ماذا صنع؟
بل وحتّى بعض رجالات البيت الهاشمي ماذا صنعوا؟
هؤلاء جميعاً حينما وجدوا علياً قد خسر المعركة، واستقرَّ الحكم لغيره، تركوا العمل في داخل الخط، وتركوا علياً بالذات، وتعاملوا مع الحكم كما يتعامل غيرهم ممن لم يؤمن بعلي، ولم يدع له أولا.
وعلي أمامه هذا الطريق.
يتعامل مع الحكم القائم، ثم لا يحدّث نفسه بحديث النص عليه، وقيمومته الشرعيّة على الرسالة.
يندك مع حكومة الخلفاء، وينصهر فيها.
يتنازل عن حقّه عملياً ونظرياً.
يعيش في الأمة كما يعيش أي واحد من الصحابة.
وفي هذا الطريق لا تضيع قابليات علي، ولا تحرم الأمة وجوده.
لكنّه في هذا الطريق لا يدعو لنفسه، كما لا يسعى في بناء قواعد الخط الشيعي الذي أُعطيَ حقّ التعبير عن الإسلام. لأنه قد تنازل عن هذه التصوّرات.
ولقد كان عمر يريد من علي هذا الموقف.
كان يقول لابن عباس:
" يا عبد الله عليك دماء البُدن إن كتمتنيها، هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟
قال: قلت: نعم "(1).
لكن علياً لم يسلك هذا الطريق، ولم يسلكه أحد من شيعته.
لماذا؟ لأنّ تنازله عن تصوّراته خيانة وتهرّب، ولجوء إلى العافية.
انّه مسؤول عن تعريف الأمة بحقيقة الحكم القائم، وموقعه من الرسالة، من أجل أن لا تضيع الرسالة، ولا تتلاعب بها الأيدي والأهواء.
وانّه مسؤول عن تحصين الخطّ الذي يملك هذا الوعي، ويعرف هذه الحقيقة، ثمّ انّ السعي من أجل الحكم ضرورة، وهو دليل صدقه مع رأيه.
والأطروحة الشيعية للإسلام لابدّ أن تكون هي الحاكمة، لأنّها هي الأطروحة الصحيحة، النقيّة، الشاملة.
ومن هنا فلم يبق مفتوحاً الاّ طريق التعايش السياسي هذا الطريق.
اذ هو لا يستطيع أن ينهض، أو يعتزل، أو يتنازل، لأن أهدافه لا تقبل ذلك، إذن ماذا عليه؟
عليه أن يستجيب لنداء الأمة، ويتوفر لحاجاتها.
وعليه أن يبايع ويتصادق مع الحكم القائم، لأنّه لا يستطيع أن يخدم الرسالة الاّ عن هذا الطريق.
لكن على أن لا يتنازل، ولا يبيع تصوّراته ولا يتنكّر لها عملياً.
انّه يجب أن يوضح للناس انّه وحده القيّم على الرسالة، ويؤكد لهم هذا المفهوم. ويجب أن يتّخذ طريقه إلى الحكم، مادام يرى انّه وحده الذي يملك مؤهلات الحكم، كما أراده الرسول والقرآن، لا كما يريده الحاكمون. وفي فصل سابق درسنا نشاطات علي في بناء القاعدة الشيعية.
أمّا الجانب السياسي من نشاطه في هذه المرحلة فهو ما نتوفّر له الآن.
على العموم كان الإمام مؤمناً بضرورة تسلّم الحكم، واقصاء القيادات غير الكفوءة، ولقد سعى في هذا السبيل حتّى قيل:
" إنّك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص ".
فأجاب: " بل أنتم والله لأحرص، وإنّما طلبت حقّاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه "(2).
ولقد كان واضحاً لعموم المسلمين، وللخلفاء أنفسهم، انّ علياً غير متنازل عن حقّه، ولا ساكن عن بيانه.وعلى العموم كان الخطّ الشيعي يطمح إلى الحكم، ويستفيد من الفرص.
في البداية كانت هناك محاولة لتقويض نظام الحكم، اشترك فيها بشكل وآخر كل من علي والزهراء والمخلصين للخطّ الشيعي.
ولا تتّخذ هذه المحاولة أسلوب العمل المسلّح، فقد كان واضحاً لقوى التشيّع انّها غير قادرة على التدخل بهذه الطريقة، غير انّ ذلك لم يمنع من محاولة جريئة بصيغة قلب القواعد الشعبيّة نفسها على الحكم القائم، واقناعها بضرورة نفض اليد من الاعتراف به.
ولقد كان ذلك هو الطريق الوحيد الذي تستطيع قوى التشيع أن تسلكه.
فعبر دراسة تحليلة للوضع القائم يومذاك، يتّضح انّ الرصيد الشعبي الذي ظفرت به خلافة السقيفة لم يكن معتمداً على أسس رصينة، ووضوح تام للموقف،انّما القصور في الوعي السياسي، والوعي الديني، لدى المسلمين، وروح المبادرة، وطريقة الضغط والإرهاب من جانب القوى الحاكمة، كان هو المساعد جداً على نجاح محاولة استلاب الحكم من علي.
والمسلمون جميعاً مهاجرون وأنصار وأعراب وقريش سمعوا مقالة رسول الله في علي ووعوها، وانّهم ليعلمون حقّ العلم انّ الأمر إليه وحده. لا لوصية الرسول فحسب، وانّما لموقع علي من الرسالة، ماضيه المجيد، استيعابه التام، اخلاصه الفذ، تفانيه المنقطع النظير، تجسيده لمفاهيم وقيم الرسالة. حتّى لقد كانوا ينظرون إليه على عهد رسول الله كما ينظر إلى النجم، وحتّى كانوا يقولون إذا جاء علي جاء خير البريّة.
لكنّهم في ذات الوقت لا يدركون البُعد الحقيقي لاقصاء علي عن الحكم، وبدت لهم القضية كما لو كانت تبديل أشخاص.
وحينما تبدو القضية بهذا المستوى فلا داعي للحرص والتكلّف والحديّة، ومن الأفضل اقرار الحكم البديل من أجل الحفاظ على وحدة الصفّ الإسلامي.ولا حراجة في طرح وصية الرسول والخروج عليها، طالما لم يكن في الخروج عليها مفسدة للرسالة.
كما انّ العمل السريع الذكي، وحسم الأمور بسرعة ولباقة، والتحدّث من منطق القوّة، وأسلوب الضغط والتهديد والتخويف، زائداً على التشكل بصيغ شرعية، واتّهام أية حركة مضادّة بالإساءة للأمّة والرسالة، كل ذلك مما اتخذته القوى الحاكمة ساعد على تحصيل قناعة اكثر المسلمين بالحكم القائم تسليماً للأمر الواقع، وتذويب حماسهم لقضية علي.
اُنظروا...
ما وجدوا شخصاً الاّ خطبوه، خطبة أبي بكر في الجامع، تهديده علياً والأنصار واتّهامه لعلي بالفتنة.
وحينما تصاب العقول بالشك، وتموت الإرادة، ويذوب الحماس، لا ينفع العمل المسلح، بل لا يمكن. لأن أحداً سوف لا يتحرّك للتأييد فضلا عن الاشتراك والجماهير التي اندفعت لبيعة أبي بكر كانت مصابة بالشك، والإنهيار، والقلق.
وهنا سوف لا تنجح أية صيغة للعمل إن لم تعالج هذه الإصابة، وتمسح الأفكار، والتصوّرات، والنفسيّات المريضة، مستبد له بوضوح تام، وتصور عميق، وارادة حيّة صلبة غير متخاذلة.
ولابدّ من تحقيق كلّ هذا بسرعة، وحرارة، وتكثيف الجهود والطاقات والمساعي قبل أن تستحكم الإصابة، وينقطع النفس الأخير للإرادة وللوعي معاً.
ولأن القوى الحاكمة تتحرك بسرعة، وتبادر لخنق أية محاولة وهي في المهد، وهنا جاء دور علي والزهراء والمخلصون للخط.
جاء دورهم بغاية تعرية الحكم القائم، وتحذير الأمة من مخاطره على التجربة وعلى الرسالة.
وبغاية تحريك عزمهم، وتثوير ارادتهم، وشحنهم بالحرارة والحماس للقضية، بعد توعيتهم وتعريفهم بأبعادها الرساليّة.
وبغاية فصل هؤلاء عن الحكم القائم، وسلب تأييدهم له، ومن ثمّ الإنخراط في سلك علي.تحركت الزهراء، ومعها لفيف من نساء قومها، لا تخرم مشيتها مشية رسول الله. ذكّرتهم بأبيها، وموقعها من أبيها، وأنَّت أنَّة أجهش لها القوم بالبكاء، ملكت العواطف والأسماع والعقول، بكلّ قوّة وكلّ حرارة، وكل حماس.
وبكل دقة، وتركيز، واستهداف. ذكّرتهم بماضيهم البطولي المجيد، بتضحياتهم العميقة العريقة.
ذكّرتهم بالشهامة والاباء والإخلاص للرسالة.
وأعادت لصفحة فكرهم علياً، موقعه من الرسالة، وموقعه من الرسول، وموقعه من الأمة كلها.
وانحدرت تشرح لهم واقع ما جرى الآن، خطره على الرسالة، وبُعدُه عن الرسالة.
حذّرتهم عن السكوت، والإقرار، والتخاذل.
صوّرت لهم مستقبل التجربة في ظلّ هذا الواقع.
" أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبلغاءه إلى الأمم، زعيم حقّ فيكم، وعهد قدّمه اليكم، وبقية استخلفها عليكم... ".
" أيّها الناس اعلموا..
انّي فاطمة، وأبي محمد، أقول عوداً وبدواً، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم... ".
" يا معشر النقيبة، وأعضاد الله، وحضنة الإسلام، ما هذه الغميزة في حقّي، والسنة عن ظلامتي، أما كان رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) أبي يقول: " المرء يحفظ في ولده " سرعان ما أحدثتم.. ".
" هذا والعهد قريب، والكلم رهيب، والجرح لمّا يندمل، والرسول لمّا يُقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا، وانّ جهنّم لمحيطة بالكافرين ".
" فهيهات منكم، وكيف بكم، وانّى تؤفكون، وكتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، واحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة، وأوامره واضحة، وقد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون؟ أم بغيره تحكمون؟ بئس للظالمين بدلا... ".ثم تخاطب المشاعر والعواطف والقلوب، تحيي جذوة الحماس، وتثير بقية البطولة،
" إيه بني قيله... ءأهضم تراث أبي؟
وأنتم بمرئىً مني ومسمع، ومنتدى ومجمع؟
تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذو العدد والعدّة، والأداة والقوة، وعندكم السلاح والجُنَّة، توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون؟
وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت... ".
خطبة كأنها النار، أو كأنّها العاصفة;
كلّ كلمة فيها ثورة، وكل حرف فيها رصاصة.
عصفت بهؤلاء فكأنما أيقظتهم من غفلة، ودقت في أسماعهم وعقولهم الطبول.
" أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع، أَمَّن لا يهدي الاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون "؟ واهتزّ لها الحاضرون، فكأنّما فكَّتهم من عقال، وأزاحت من فوق صدورهم صخور الجبال، وكاد أن يحدث كل شيء.
كاد أن تكون ثورة، ترفع وتضع، وتقلب التاريخ.
وشعرت بهذا قوى الحكم، فاستدرك (أبوبكر)، واستعمل كثيراً من الحذق والسياسة، فجاء يصب الماء على النيران الهائجة، ويهدء هذا الزلزال العنيف.
ثم جاء علي.. وانّ السيف يعلوه وهو مكبّل.
ولو كان يريد الموت ساعته لقال كل شيء، لكنه سيقتل ثم تضيع الحقيقة،
وتضيع الرسالة.
أمّا هو فيريد أن يبقى، لأن الرسالة تريد منه البقاء، مهما كلّف الأمر، ومهما أعطى من التنازلات.
وكان رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) يحدّثه بما يجري عليه، ويأمره بالصبر.
" يا علي انّ الأمة ستغدر بك ولكن علياً لابدّ أن يقول الكلمة.
والكلمة هنا أقسى من السيف، لأنها ستبقى للتاريخ، وستغيّر مجرى التاريخ. وانّ عليه أن يحاول ثم لا يهمّه أن تحبط مساعيه.
لقد خطب المهاجرين:فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم، ما كان منّا القارئ لكتاب الله، الفقيه لدين الله، العالم بالسنّة، المضطلع بأمر الرعيّة، والله انّه لفينا فلا تتّبعوا الهوى فتزدادوا من الحقّ بُعداً ".
لكن هذا الخطاب الاستنهاضي من الإمام علي (عليه السلام) لم يترك بدون تصد وتحد من الحزب الحاكم.
فقد قال له أبو عبيدة:
" يا أبا الحسن، انّك حدث السن، وهؤلاء مشيخة قريش قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبابكر الاّ أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالا له واضطلاعاً به، فسلّم له الأمر، وأرض به فانك أن تعش ويطل عمرك، فأنت لهذا الأمر لخليق، وعليه حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك ".
قول يهدئ فيه مشاعر الناس، ويمسكها من الإنفلات. أمّا أبوبكر فقد بدأ شديداً، لأنه لابدّ من شدّة كما لابدّ من لين.
قال: " أيّها الناس ما هذه الرعة إلى كلّ قالة؟ لئن كانت هذه الأماني في عهد رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) الا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلم ".
لكنه استرسل في القول:
إنّما هو ثعالة شهيدهُ ذنبه ـ يعرّض بعلي ـ مربّ لكل فتنة، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي.
ألا انّي لو أشاء أن أقول لقلت، ولو قلت لبحت، انّي ساكت ما تركت.
ثم التفت إلى الأنصار، وهم ذوو ميل في علي، فقال:
" قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم، وأحقّ من لزم عهد رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) أنتم فقد جاءكم فآويتم ونصرتم.
ألا انّي لست باسطاً يداً ولا لساناً على من لم يستحقّ ".
وأخمدت النار مرّة أخرى.
أمّا المخلصون لعلي، والمؤمنون بخطّه، فنستمع للبراء بن عازب يحدّثنا عنهم، حيث يقول في رواية ابن أبي الحديد:
" لم أزل لبني هاشم محباً فلما قبض رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) تخوّفت أن يتمالا قريش على اخراج هذا الأمر عن بني هاشم، فأخذني ما يأخذ الواله العجول.. ".
إلى أن يقول:
" فلمّا كان بليل خرجت إلى المسجد...
" يا معشر المهاجرين: الله، الله، لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه.
ألم يكن محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) على الحقّ؟ وألم يكن صادقاً مع مبدئه ورسالته؟ ومع ذلك فقد قبل صلح الحديبية، ولم يصغ لمن قال له:
فخرجت إلى الفضاء، فضاء بني بياضة، وأجد نفراً يتناجون فلما دنوت منهم سكتوا فانصرفت عنهم فعرفوني وما أعرفهم فدعوني اليهم فأتيتهم فأجد المقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وسلمان الفارسي، وأباذر، وحذيفة، وأبا الهيثم بن التيهان.
وإذا القوم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين ".
قوى الحكم تعزل التشيّع:
كان من نتيجة المحاولات السابقة أن شعرت قوى الحكم بخطر الوجود الشيعي الموالي لعلي.
ورغم انّ تلك المحاولات لم تنجح في استرداد السلطة، الاّ أنّها وضعت القوى الحاكمة موضع التحسب لها باستمرار، ونبّهتها على خطر الوجود الشيعي، وضرورة الإحتياط منه.
انّ هذا الشعور هو الذي دعا القيادة الحاكمة إلى عزل الوجود الشيعي عن الأمة قدر الإمكان، ومحاولة تفتيته وحلّه باستمرار.
وفي هذا الصدد يذكر المؤرخون انّ الخليفة ومعه جماعة ذهب إلى العباس ـ بعد أن أشير عليه بذلك ـ فقال بعد حديث له:
" ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً، يكون لك ويكون لمن بعدك من عقبك، إذ كنت عمّ رسول الله "(3).
وكانت هذه محاولة لفصل العباس عن الخط الشيعي، والحجز بينه وبين علي.
وقد لاحظ ذلك الأستاذ العقاد فقال في كتابه "عبقرية الصديق".
وفي البداية كان أبو سفيان قد دعا لعلي وعرض عليه البيعة.
ورغم انّ أكثر الباحثين يشكّون في نوايا أبي سفيان في هذا الاقتراح.ألا انّ بعض الكتّاب فهم موقف أبي سفيان باعتباره عصبية لبيت (عبد مناف) الذي يلتقي عنده بنو هاشم وبنو أمية.
ومهما يكن في شأن هذا الموقف، فانّ القوى الحاكمة بادرت للتغلّب عليه، وجرّ أبي سفيان إلى صفوفها.
ولقد أشار عمر على الخليفة الأول أن يعفي أبا سفيان من كان بيده من الصدقة، ففعل، فرضي أبو سفيان، وانحاز إلى الحزب الحاكم.وواصلت قوى الحكم عزلها للوجود الشيعي، وتقليص نفوذه في الأمة، لأنّ هذا الوجود ليس هيناً، صغيراً، حقيراً.
انّه يملك أفضل موقع، وأنصع صورة، في نظر الناس.
كما انّه يملك الحقّ، والصدق، والشرعيّة.
وممثلوه يملكون الإخلاص، والبطولة، والصلابة.
وانّ أي تحرّك من هؤلاء قد يؤدّي بالحكم القائم.
ومن هنا لابدّ من عزل هذا الوجود، وتصغيره للناس، وسلب امكانياته على التحرك، ولقد نجحت الخلافة الحاكمة في عزل الخط الشيعي عن مواقع المسؤولية.
فلقد سمعنا عن قيادات أبي عبيدة الجراح، وخالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، وتولّيهم لمواقع عسكريّة وسياسيّة ولكننا لم نسمع عن قيادة لعلي بن أبي طالب أيام الخلافة الحاكمة في جيش أو ولاية.
ولقد كان من السهل تفسير هذا لو انّ علياً لم يكن محارباً من الطراز الأول...
كان هناك إذن تجنب لعلي وحزب علي في ميادين القتال.
كما كان هناك أيضاً تجنب لهم في تولية المناصب "(4).
حتّى انّ معاوية سجّل هذه الحقيقة في كتابه لـ (محمد بن أبي بكر)، فقد قال فيه: " ثم انّه ـ علياً ـ بايع لهما وسلّم لهما، وأقاما لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرّهما، حتّى قبضهما الله... "(5).
وفي رواية الطبري وابن عساكر:
انّ أبابكر بعث الجنود إلى الشام، واستعمل فيها خالد بن سعيد، فأخذ عمر يقول: أتؤمره وقد صنع ما صنع، وقال ما قال:
فلم يزل بأبي بكر حتّى عزله، وأمر يزيد ابن ابي سفيان "(6).
وخالد بن سعيد هو الذي دعا لعلي، واستنهضه، ورفض العمل لأبي بكر وانّ عمراً يذكر له تلك المواقف، ويحسب لها كلّ حساب، فلم يزل بأبي بكر حتّى عزله!
رغم انّ خالداً كان أموياً، وانسحب عن علي فيما بعد.
لكن حيطة القوى الحاكمة كانت كبيرة.
حتّى انّ أدنى الاحتمالات يكفي لاتّخاذ موقف صارم، كالذي وقفه عمر من خالد بن سعيد.ولقد مضى منّا القول انّ قوى الحكم رفضت حتّى قرآن علي يوم جمعه وقدّمه فقالوا: " لا حاجة لنا في قرآنك ".
والرواية السنيّة وإن لم تذكر هذا النصّ، الاّ انّ قضية جمع علي للقرآن مرويّة في المصادر السنيّة ولا يوجد أي شك في أنّ الخلافة الحاكمة لم تعتمد هذا الجمع.
بل انّ قوى الحكم لم ترفض جمع علي للقرآن، وانّما لم تشركه في مهمة الجمع التي تصدّت لها هي، ولو لم يكن علياً أعلم الناس بالقرآن، أو من أعلمهم ـ لا أقل ـ لأمكن تفسير هذا الموقف بسهولة.
أمّا وهو يعلم كل آية متى نزلت، وأين نزلت، وفيم نزلت، فإن عدم اعتماده في العمليّة لا يمكن تفسيره الاّ ببعض الأبعاد السياسيّة.
وزيادة على ذلك فإنّ أبابكر أسقط سهم ذوي القربى من الخمس، وهو ثابت لهم بنصّ القرآن، كما منع فاطمة الزهراء فدكاً، وقد كان غلتها من أبيها.
وليس لهذين الموقفين أي تفسير سوى البُعد السياسي.
فليس من صالح الحكم من وجهة نظر سياسية أن توضع ثروات طائلة بيد علي، وتحت سلطانه، مادام علي (عليه السلام) يقود أكبر حركة مضادّة.
إنّ سهم ذوي القربى سيكون من نصيب علي، كما انّ فدكاً ستصبح بيد علي (عليه السلام).
ولو كان لهذين الموقفين تحليلا دينياً، لما وجدنا الخليفة الثاني، يرجع فدكاً للزهراء، ولعلي سهم ذوي القربى لأهله، وهو الذي كان يقول: " انّي لأستحي الله أن أخالف أبابكر ".
غير انّ استقرار الحكم للخليفة الثاني، واستتباب الأمن له، زائداً على العلاقة الايجابية بينه وبين علي بالذات، دعته لإرجاع تلك الحقوق دون قلق.
المصادر :
1- المراجعات: 292
2- نهج البلاغة، 2 / 103، الخطبة 167
3- ابن سبأ: 63 ـ 64
4- اليمين واليسار: 75 ـ 76
5- ابن سبأ: 85، نقلا عن المسعودي، مروج الذهب، 2 / 60
6- ابن سبأ: 86 عن الطبري وابن عساك


source : rasekhoon
  1299
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      ولادته (ع)
      فيما على الزّائر مراعاته
      في فضلِ زيارَته (عليه السلام)
      زيارة عاشوراء
      البعثة النبوية في كلمات أمير المؤمنين علي عليه السلام
      كيف تتحقق الوحدة بين المسلمين؟
      حروب الرسول (ص) كما يشهد بها التاريخ
      عرض تاريخي لعمارة المسجد النبوي
      مسجد قباء
      الإمام موسى الكاظم عليه السلام والثورات العلوية

 
user comment