عربي
Saturday 20th of April 2019
  1878
  0
  0

تدرأ الحدود بالشبهات

تدرأ الحدود بالشبهات

من المعلوم بنص الکتاب والسنة، وبالاجماع، وضرورة العقل، وباتفاق الشرائع قدیمها وحدیثها ان کلاً من الجهل والخطأ والنیسان والاکراه عذر تحقن معه الدماء ، وتحفظ الأرواح، وان من خالف بسبب من هذه الأسباب لا یکون کافراً ولا مرتداً، حتى ولو حصل منه ذلک عن تفریط وتقصیر فیما یعود الى الفروع، وإن کان آثماً، لترک التحفظ، وما وجب علیه من البحث والاحتراز، بل حتى لو ثبت الحکم الفرعی بدلیل قاطع وإجماع جامع، وعلم بضرورة الدین والمذهب، اذا کان الجهل والالتباس ممکناً فی حقه، وجائزاً على مثله، ومن هنا کان علماء المسلمین، وما زالوا یختلفون، ویخطیء بعضهم بعضاً بدون تفکیر، وإن منهم من خالف المذاهب الأربعة مجتمعة، ومع ذلک لم یکفره احد.
بل کل فرقة من فرق المسلمین التی بلغت ثلاثة وسبعین، کما جاء فی الحدیث، ان کل واحدة من هذه الفرق تدعی انها هی الناجیة دون غیرها، وان الاثنتین والسبعین هالکة غداً قضها وقضیضها الا هی، ومع ذلک لم تحکم علیها بالکفر، ولم تبح قطرة واحدة من دمائها، او تستحل عقالاً من مالها، ما دامت تقول: لا اله الا الله محمد سول الله غیر معاندة، ولا جاحدة لما ثبت عندها، ولم تقم لدیها الحجة بصدوده عن الرسول الأعظم، وبهذا یتبین ان امة محمد مجمعة على ان الارتداد لا یتحقق، ولن یتحقق الا ممن ایقن وتیقن بصدور الحکم عن صاحب الشرع، ثم جحده عناداً او وتعصباً.
اما من رأی المحرم مباحاً لشبهة، ولو ضعیفة، دخلت علیه، لعدم وصول النص الیه، او لإجماله، او معارضته بغیره، او لاشتباه الموضوع فی الخارج، او لمرض فی فهمه، أما هذا فمعذور بالجهل، کما أن المخطیء معذور بالخطأ، والمکره بالاکراه، بل ومأجور ایضاً اذا بحث واجتهد.
ومعلوم ان الذین اباحوا البناء على القبور، وزیارتها، والصلاة لله عندها لم یثبت التحریم عندهم، بل ثبت الجواز بل الرجحان، وعلیه یکون الحکم علیهم بالکفر هو الکفر بعینه، فلقد جاء فی البخاری ومسلم ان النبی صلى الله علیه وآله وسلم قال: لا یرمی رجل رجلا بالفسوق، ولا یرمیه بالکفر الا ارتدت علیه، ان لم یکن صاحبها، وان من قذف مؤمناً بالکفر فهو کمن قتله.
صفات الله:
یحمد الوهابیون على ظاهر نصوص الکتاب والسنة فی صفات الله سبحانه، ولم یجیزوا تفسیر الظواهر وتأویلها بغیر ما دلت علیه الصورة الحرفیة، بل یعتبرون التأویل کفر، لأنه کذب على الله والرسول، ویرون تنزیه الله باثبات الید له والرجل، والکف والاصابع، والنفس والوجه، والعین والسمع، والجلوس والوقوف، والضحک والتکلم، والوجود فی السماء، وما إلى هذه من الصفات التی وصف الله بها نفسه، او جاءت على لسان نبیه من غیر زیادة ولا نقصان، ولا تأویل بما یخالف ظاهرها، ولا تشبیه بصفات المخلوقین.
واستدلوا على الیدین بقوله تعالى: (بل یداه مبسوطتان) وعلى العینین او العیون: (واصنع الفلک بأعیننا) . وعلى الجلوس: (ثم استوى على العرش) . وعلى الوجود فی السماء: (أءمنتم من فی السماء) . وعلى الوجه: (فثم وجه الله) . وعلى السمع والعین: (هو السمیع البصیر) . وعلى النظر الیه: (وجوه یومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) . وعلى السیر والمجیء: (وجاء ربک والملک صفاً صفا) . وعلى النفس (تعلم ما فی نفسی ولا أعلم ما فی نفسک) . وعلى الضحک بما رواه ابن تیمیة فی کتاب الایمان ص230: «ان الله ضحک الى رجلین، یقتل أحدهما الآخر، کلاهما یدخل الجنة.. وایضاً قد ضحک حین دخل آخر رجل الى الجنة، فقال له الرجل: أتسخر بی، وأنت رب العالمین؟.»
واستدلوا على الرجل بما رواه ابن تیمیة ایضاً فی الرسالة الواسطیة: «لا تزال جهنم یلقى فیها، وهی تقول: هل من مزید؟. حتى یضع رب العزة فیها رجله، فینزوی بعضها الى بعض، وتقول: قط قط»(1).
 
واستدلوا على وجود الاصابع بما رواه محمد عبدالوهاب: «ان الله جعل السموات على اصبع من اصابعه، والأرض على اصبع، والشجر على اصبع، والثرى على اصبع، وسائر الخلق على اصبع.. ثم اعتز الله وفتخر، وقال: انا الملک، انا لله. این الجبارون؟ این المتکبرون؟. فالله یحمل السموات السبع والأرضین السبع فی یده، وهی فیها کحبة خردل فی ید احدنا، وهذا معنى قوله تعالى: (والأرض جمیعاً فی قبضته یوم القیامة) (2).
ویلاحظ ان الوهابیة ومن الیهم وقعوا فی أشد مما فروا منه، لقد فروا من التأویل، فوقعوا فی الاسراف والتعسف، وهربوا من القول بالرأی إلى القول بالجهل، والرجم بالغیب.. ذلک انهم زعموا ان ید الله وکفه، وعینه واذنه الخ لا تشبه أعضاءنا هذه فی شیء فراراً من مشکلة التشبیه، وبدیهة ان الید ظاهرة فی هذا العضو المعروف، وهو لا ینفک عن المادة بحال، وکذلک العین والسمع، وما الیهما، فان ابقینا اللفظ على ظاهره یلزم ان یکون الله جسماً، کسائر الأجسام، وهم لا یلتزمنون به، وإن صرفناه الى غیر هذه الید والعین والسمع یلزم التأویل، وقد فروا منه، وإن حملناه على معنى مجهول عند السامع والمخاطب، وذلک بأن تکون له ید لا کالایدی، وعین لا کالأعین على حد تعبیرهم وقعوا فی التعسف، وهو أشد سوء من التأویل، وبکلمة ان ابقوا اللفظ على ظاهره جاءت مشکلة التجسیم، وان حملوه على معنة مجهول جاء التعسف..
فتعین تأویل اللفظ تأویلاً معقولاً بحمله على معنى یتلاءم مع جلال الله وعظمته على ان تتحمله الصورة اللفظیة، ولا یأباه الذوق السلیم، کحمل الید على القدرة، لانها مظهر لها، والسمع والبصر على العلم، لانهما سبیلان الیه، وحمل الوجه على الظهور، لانه المعنى البارز، والاستواء على الاستیلاء، ورؤیة الله على رؤیته بالبصیرة لا بالبصر، لأن کلا منهما طریق إلى المعرفة، الى آخر ما ذکره المفسرون وعلماء المعانی والبیان.
تذکرت الآن ما نقل عن بعض المستشرقین من انه ترجم اللباس «بالبنطلون» فی قوله تعالى: (هن لباس لکم وأنتم لباس لهن) .
ومهما یکن، فاذا خالفنا الوهابیة فی عدم جواز التأویل من حیث هو، وقلنا به حیث تدعو الحاجة الیه فإنا نتفق معهم کل الاتفاق فی السکوت والاعراض عن النزاع القائم بین الاشاعرة والمعتزلة من ان صفات الباری: هل هی عین ذاته او غیرها، لأن هذا النزاع یرجع فی حقیقته الى النزاع فی ذات الباری جل وعلا، وهذا موضوع شائک جداً احجم عنه الانبیاء والمرسلون، قال علی امیر المؤمنین: «تفکروا فی خلق الله، ولا تفکروا فی ذات الله» نقول هذا مع العلم بأن قول الوهابیة ومن الیهم یلتقی مع قول الاشاعرة بأن الصفات غیر الذات، الا انهم قد احسنوا بالسکوت عن ذلک.
المصادر :
1- کتاب الرسائل التسع ص136
2- کتاب التوحید


source : rasekhoon
  1878
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      السنّة والبدعة
      لماذا تُنسَب الشيعة لابن سبأ ؟
      هل الدعوة لإزالة ذهب القباب عُمَرِيَةُ المنشأ فعلاً ؟
      القدرة المطلقة وإحياء الموتى
      ما هو الفرق بين بيعة الناس لعلي و بيعة الناس للخلفاء ؟
      ضرورة وحدة الأمة الإسلامیة
      علاقة الشیعة الامامیة بالغلاة
      لماذا ولد علي عليه السلام في الكعبة ؟!
      ما حكم الأكل من العقيقة لمن يعق عن نفسه؟
      ما حكم التوضؤ للصلاة قبل دخول الوقت؟ و هل تصح الصلاة ...

 
user comment