عربي
Friday 19th of April 2019
  2608
  0
  0

لوازم الاُنس الإلهي - الحبّ

لوازم الاُنس الإلهي - الحبّ

الحبّ :

الاُنس القلبي منشأه الحبّ ، وإنّما يستأنس بشيء من كان محبّاً له ، وهذا أمر بديهي ومن القضايا التي قياساتها معها ، ومن أحبّ الله " والذين آمنوا أشدّ حُبّاً لله "(1) لا شكّ يأنس بالله سبحانه ويذكره ، ويظهر آثار الحبّ على جوارحه وجوانحه ، كثمار الشجرة بعد انفلاقها من الحبّة ، والحُبّ ـ بضمّ الحاء المهملة ـ والحبّ ـ بفتحها ـ من مصدر واحد ، وينبئ عن حقيقة واحدة ، فالحبّةُ حينما تزرع بين التراب وفي باطن الأرض ، وتجود الشمس بأشعّتها عليها ، ويُسقيها الفلاّح الماء العذب ، ويُباريها ويراعيها ويراقبها ، فإنّ الحَبّةُ ستنفلق وتشقّ الأرض وتفلحها ـ ولهذا سُمّي الفلاّح فلاّحاً ـ فتخرج السنبلة التي تحمل سبعمائة حبّة ، والله سبحانه يضاعف لمن يشاء ، وتصبح الحبّةُ يوماً شجرة ذات أغصان بهيّة ، وأوراق طريّة ، وأثمار شهيّة ، فكذلك الحُبّ ـ سواء المجازي أو الحقيقي ـ فإنّه لو زرع في القلب وباطن الإنسان ، ونمت واشتدّت وربت بعناية الله ورعاية الإنسان نفسه ، ويصبح الحبّ يوماً أشجار الشوق في بساتين الصدور كما جاء ذلك في مناجاة العارفين : ( إلهي اجعلنا من الذين ترسّخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم وأخذت لوعة محبّتك بمجامع قلوبهم )(2) .

إنّما يحبّ الله المحسنين التوّابين المتطهّرين المتّقين الصابرين المتوكّلين المقسطين ، الذين يقاتلون في سبيله صفّاً كأ نّهم بنيان مرصوص .

ومن يصل إلى هذا المقام الشامخ مقام الحبّ والاُنس بالله فإنّه ينال آثاره ، كما يقوله زين العابدين (عليه السلام) : ( فهم إلى أوكار الأفكار يأوون ، وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون ، ومن حياض المحبّة بكأس الملاطفة ـ أي ربّنا حينما يسقيهم من الشراب الطهور من حياض المحبّة يلاطفهم وبكأس الملاطفة ـ يكرعون (يشربون) وشرايع المصافات يردون ، فشريعتهم شريعة المحبّة والصفاء والمودّة ـ وقد كشف الغطاء عن أبصارهم وانجلت ظلمة الريب عن عقائدهم وضمائرهم .. وطاب في مجلس الاُنس سرّهم . ومن أحبّ شيئاً لهج بذكره ، ودليل الحبّ إيثار المحبوب على من سواه . ولا يمحص رجل الإيمان بالله حتى يكون الله أحبّ إليه من نفسه وأبيه واُمّه وولده وأهله وماله ومن الناس كلّهم ) .

وفي الدعاء : إلهي أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبّائك حتّى لم يحبّوا سواك .. ماذا وجد من فقدك ؟ وما الذي فقد من وجدك ؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا .

ومن لم يحبّ الله ابتلاه الله بحبّ غيره ، كما سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن العشق ـ كحبّ قيس ليلى ـ فقال (عليه السلام) : قلوب خلت عن ذكر الله فأذاقها الله حبّ غيره .

فيما اُوحي إلى داود (عليه السلام) : يا داود ! ذكري للذاكرين وجنّتي للمطيعين وحُبّي للمشتاقين ، وأنا خاصّة للمحبّين . أحبّوا الله من كلّ قلوبكم .

ومن آثر محبّته على محبّة نفسه ، كفاه الله مؤونة الناس ، القلب حرم الله فلا تسكن حرم الله غير الله . اللّهم إنّي أسألك أن تملأ قلبي حبّاً لك ، وخشيةً منك ، وتصديقاً بك ، وإيماناً بك ، وفرقاً منك ، وشوقاً إليك .

وهل الدين إلاّ الحبّ ؟ الدين هو الحبّ والحبّ هو الدين ، طلبت حبّ الله عزّ وجلّ فوجدته في بغض أهل المعاصي ، وإذا تخلّى المؤمن من الدنيا سما ووجد حلاوة حبّ الله ، وكان عند أهل الدنيا كأنّه قد خولط ، وإنّما خالط القوم حلاوة حبّ الله ، فلم يشتغلوا بغيره .

إنّما يحبّ الله المحسنين التوّابين المتطهّرين المتّقين الصابرين المتوكّلين المقسطين ، الذين يقاتلون في سبيله صفّاً كأ نّهم بنيان مرصوص .

ثلاثة يحبّهم الله عزّ وجلّ : رجل قام من الليل يتلو كتاب الله ، ورجل تصدّق بيمينه يخفيها عن شماله ، ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه فأستقبل العدوّ .

وإنّ الله لا يحبّ المعتدين الظالمين المفسدين المسرفين الخائنين المستكبرين الفرحين الكافرين ، ومن كان مختالا فخوراً ، وخوّاناً أثيماً ، وكلّ كفّار أثيم .

ثلاثة يحبّهم الله عزّ وجلّ : رجل قام من الليل يتلو كتاب الله ، ورجل تصدّق بيمينه يخفيها عن شماله ، ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه فأستقبل العدوّ .

وأحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ رجل صدوق في حديثه ، محافظ على صلواته ، وما افترض الله عليه مع أدائه الأمانة .

الخلق عيال الله ، فأحبّ الخلق إلى الله من نفع عيال الله ، وأدخل على أهل بيت سروراً .

أحبّ المؤمنين إلى الله من نصب نفسه في طاعة الله ، ونصح لاُمّة نبيّه ، وتفكّر في عيوبه ، وأبصر وعقل وعمل .

ممّـا في صحيفة إدريس : طوبى لقوم عبدوني حبّاً ، واتخذوني إلهاً وربّاً ، وسهروا الليل ، ودأبوا النهار طلباً لوجهي ، من غير رهبة ولا رغبة ، ولا لنار ولا جنّة ، بل للمحبّة الصحيحة ، والإرادة الصريحة والانقطاع عن الكلّ إليّ ...

فيما أوحى الله تعالى إلى داود : يا داود ! أبلغ أهل أرضي أ نّي حبيب من أحبّني ، وجليس من جالسني ، ومؤنس لمن آنس بذكري ، وصاحب لمن صاحبني ، ومختار لمن اختارني ، ومطيع لمن أطاعني ، وما أحبّني أحدٌ أعلم ذلك يقيناً من قلبه ، إلاّ قبلته لنفسي ، وأحببته حبّاً لا يتقدّمه أحدٌ من خلقي ، من طلبني بالحقّ وجدني ، ومن طلب غيري لم يجدني .

فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها ، وهلمّوا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي ، وآنسوني أؤنسكم ، واُسارع إلى محبّتكم .

إذا أحبّ الله عبداً ألهمه الطاعة ، وألزمه القناعة ، وفقّهه في الدين ، وقوّاه باليقين ، فاكتفى بالكفاف ، واكتسى بالعفاف ، وإذا أبغض الله عبداً ، حبّب إليه المال وبسطه له ، وألهمه دنياه ، ووكّله إلى هواه .

عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال : يا ربّ ، وددت أن أعلم مَنْ تُحبّ من عبادك فاُحبّه ؟ فقال : إذا رأيت عبدي يكثر ذكري ، فأنا أذنت له في ذلك وأنا أحبّه ، وإذا رأيت عبدي لا يذكرني فأنا حجبتُه ، وأنا أبغضته .

فمن يتوفّق إلى الأعمال الصالحة متقرّباً بذلك إلى الله ، فإنّ هذا من علامة التوفيق الإلهي وحبّ الله لعبده .

فيما أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) : كذب من زعم أنّه يحبّني فإذا جنّه الليل نام عنّي ، أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه ؟ ! ها أنا ذا يا ابن عمران مطّلع على أحبّائي ، إذا جنّهم الليل حُوّلت أبصارهم من قلوبهم ، ومُثلت عقربتي بين أعينهم ، يخاطبوني عن المشاهدة ، ويكلّموني عن الحضور .

حبّ الله إذا أضاء على سرّ عبد أخلاه عن كلّ شاغل وكلّ ذكر سوى الله ( عند ) ظلمة ، والمحبّ أخلص الناس سرّاً لله ، وأصدقهم قولا ، وأوفاهم عهداً ...

حبّ الله نار لا يمرّ على شيء إلاّ احترق ، ونور الله لا يطلع على شيء إلاّ أضاء .

علامة حُبّ الله تعالى حُبّ ذكر الله ، وعلامة بغض الله تعالى بغض ذكر الله عزّ وجلّ .

والحبّ من المقول التشكيكي ، له مراتب طولية وعرضية .

       اللهمّ ارزقني حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ كلّ عمل يوصلني إلى قربك .

سأل أعرابي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن درجات المحبّين ما هي ؟ قال : أدنى درجاتهم من استصغر طاعته واستعظم ذنبه ، وهو يظنّ أن ليس في الدارين مأخوذ غيره ، فغشي على الأعرابي ، فلمّـا أفاق قال : هل درجة أعلى منها ؟ قال (عليه السلام) : نعم سبعون درجة .

إنّ اُولي الألباب الذين عملوا بالفكرة حتّى ورثوا منه حبّ الله ... فإذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته ومحبته في خالقه ، فإذا فعل ذلك نزل المنزلة الكبرى ، فعاين ربّه في قلبه ، وورث الحكمة بغير ما ورثه الحكماء ، وورث العلم بغير ما ورثه العلماء ، وورث الصدق بغير ما ورثه الصدّيقون ، وإنّ الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت ، وإنّ العلماء ورثوا العلم بالطلب ، وإنّ الصدّيقين ورثوا الصدق بالخشوع وطول العبادة .

في الأدعية : وأضئ وجهي بنورك وأحبّني بمحبّتك .. معرفتي يا مولاي دليلي عليك وحبّي لك شفيعي إليك .. عليك يا واجدي عكفت همّتي ، وفيما عندك انبسطت رغبتي ، ولك خالص رجائي وخوفي ، وبك أنست محبتي .. عميت عين لا تراك عليها رقيباً ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً ...

هذا وقد اشتهر على الألسن أنّ الطريق إلى الله سبحانه بعدد أنفاس الخلائق ، ولكن أهمّها عبارة عن طريقين : طريق لعامّة الناس ، وهو : امتثال أوامر الله والاجتناب عن نواهيه ، وطريق للخواصّ ، وهو : إتيان النوافل والمستحبّات وترك المكروهات ، فإنّ المستحبّ اشتقّ من الحبّ ، وطريق الحبّ ، وطريق الحبّ طريق الشوق والعشق والفناء في الله سبحانه .

ومن تقرّب إلى الله بالنوافل ، فإنّه يصل إلى مقام ينظر بعين الله سبحانه ، ويسمع بسمعه ، كما جاء في الخبر الشريف :

قال الله : ما تحبّبَ إليّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ ممّـا افترضته عليه ، وإنّه ليتحبّبُ إليّ بالنوافل حتّى اُحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، إذا دعاني أجبته ، وإذا سألني أعطيته(3) .

اللهمّ ارزقني حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ كلّ عمل يوصلني إلى قربك .

------------------------------------------------------------

الهوامش:

(1) البقرة : 165 .

(2) مفاتيح الجنان ، والصحيفة السجّادية .

(3) ذكرت مصادر الروايات وحديثاً مفصّلا عن الحبّ الإلهي في رسالة ( حبّ الله نماذج وصور ) ، فراجع .


source : tebyan
  2608
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      السيد محمد تقي الخونساري
      السيد محسن الأمين العاملي
      الشيخ عبد الحسين البغدادي
      الشيخ محمد جواد البلاغي
      السيد حسن الصدر
      المؤاخاة من السياسة الداخلية الحكيمة للرسول الأكرم ...
      كيف تكتب بحثا أو رسالة ماجستير أو دكتوراه
      الأدب النبوي
      ترتيلات عاشورائية.. وعطاءات المدرسة الحلِّية
      لغة القرآن إعراب سورة الكوثر

 
user comment