عربي
Saturday 20th of April 2019
  2092
  0
  0

النذر الشرعي

النذر الشرعي
النذر عبارة عن إلزام الاِنسان نفسه بالقيام بأداء عمل إذا قضيت حاجته كأن يقول: للّه عليَّ أن أختم القرآن إذا نجحت في الامتحان، هذا هو النذر الشرعي ويعتبر أن يكون النذر للّه سبحانه ولا يجوز لغيره .
وربما يلتزم في ضمن النذر إهداء ثواب عمله إلى المقربين له كالاَب والاَمّ أو الاَنبياء والاَولياء، فيقول: نذرت للّه أن أختم القرآن واهدي ثوابه لفلان. واللام الداخلة على لفظ الجلالة غير اللام الداخلة على لفظة «فلان»فاللام الاَولى للغاية أي لغاية التقرب إلى اللّه سبحانه، واللام الثانية لبيان موضع الانتفاع.
هذا هو المتعارف بين المسلمين ينذرون عملاً للّه ثمّ يلتزمون بإهداء ثوابه لاَحد أولياء اللّه وعباده الصالحين.
وربما يختصرون في العبارة ويقولون : هذه ـ الشاة ـ منذورة للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمراد هو جهة انتفاعه، والقرآن الكريم مشحون بكلا الاستعمالين .
قال سبحانه حاكياً عن امرأة عمران: (رَبِّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْني مُحَرَّرَاً) (1) فاللام في هذه الآية نظير قولنا: «صليت للّه ونذرت للّه»
وقال سبحانه: (إِنَّما الصَّدقاتُ لِلْفُقَراءِوَالْمَساكينِ) (2) واللام للفقراء بمعنى الانتفاع،نظير قولنا عند الاختصار: هذا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو للاِمام (عليه السلام) وقد مضى انّسعدَ بن عبادة لما حفر بئراً قال: هذه لاَمّ سعد.
وبذلك ظهر انّه لا مانع من النذر للاَولياء والصالحين، على ما عرفت من تفسيره.
ولاَجل إيضاح الحال نأتي بكلام بعض المفكرين وعلماء الاِسلام.
يقول الخالدي: إنّ المسألة تدور مدار نيّات الناذرين ، وإنّما الاَعمال بالنيّات فإن كان قصد الناذر الميت نفسه والتقرّب إليه بذلك لم يجز، قولاً واحداً، وإن كان قصده وجه اللّه تعالى وانتفاع الاَحياء ـ بوجه من الوجوه ـ به وثوابه لذلك المنذور له سواء عين وجهاً من
وجوه الانتفاع أو أطلق القول فيه، وكان هناك ما يطرد الصرف فيه في عرف الناس أو أقرباء الميت، أو نحو ذلك ـ ففي هذه الصورة يجب الوفاء بالنذور.(3)
وقال العزامي في كتاب «فرقان القرآن» :«... ومن استخبر حال من يفعل ذلك من المسلمين، وجدهم لا يقصدون بذبائحهم ونذورهم للاَموات ـ من الاَنبياء والاَولياء ـ إلاّالصدقة عنهم و جعل ثوابها إليهم، وقد علموا أنّ إجماع أهل السنّة منعقد على أنّ صدقة الاَحياء نافعة للاَموات واصلة إليهم، والاَحاديث في ذلك صحيحة مشهورة.(4)
أخرج أبو داود عن ميمونة انّأباها قال لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
يا رسول اللّه انّي نذرت إن وُلد لي ذكر أن أنحر على رأس «بُوانة» في عقبة من الثنايا ، عدّة من الغنم.
قال الراوي عنها: لا أعلم إلاّ أنّها قالت: خمسين.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : هل من الاَوثان شيء؟
قال: لا.
قال: أوف بما نذرت به للّه.(5)
تجد انّالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يوَكِّد السوَال عن وجود الاَصنام في المكان الذي تذبح فيه الذبائح انّهذا دليل على أنّ النذر الحرام هو النذر للاَصنام حيث جرت عادة أهل الجاهلية على ذلك كما قال تعالى : (...وَما ذبح عَلى النُّصُبِ... ذلِكُمْ فِسْق) .(6)
وكلّ من وقف على أحوال الزائرين للعتبات المقدسة ومراقد أولياء اللّه الصالحين يجد انّهم ينذرون للّه تعالى ولرضاه، ويذبحون الذبائح باسمه عزّ وجلّ بهدف انتفاع صاحب القبر بثوابها وانتفاع الفقراء بلحومها.

التبرك بآثار الاَنبياء والصالحين

جرت سنة اللّه الحكيمة على إجراء فيضه إلى الناس عن طريق الاَسباب العادية، كما هو المشاهد لكلّ واحد منّا إلاّ انّه سبحانه ربما يُجري فيضه عن طريق علل غير مألوفة أو خارقة للعادة لغايات مختلفة، فتارة تكون الغاية هي الاعجاز واثبات النبوة وأُخرى تكون هي اجلال الشخص وتكريمه.
أمّا الاَول، فكالمعاجز التي يأتي بها الاَنبياء بإذن اللّه سبحانه في مقام الدعوة والتحدّي، والقرآن يعجّ بهذا النوع من المعجزات.
وأمّا الثاني: فنذكر منه نموذجين:
قال سبحانه: (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرَيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِساب) .(7)
وقال سبحانه: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيكِ رُطَباً جَنِيّاً) .(8)
وما ورد في هذه الآيات من ظهور فيضه سبحانه على خاصة أوليائه إنّما هو من باب الكرامة لا الاِعجاز، فلم تكن مريم (عليها السلام) مدعية للنبوة حتى تتحدى بهذه الكرامة، بل كان تفضّلاً من اللّه سبحانه عليها في فترات متلاحقة.
ويقرب مما ذكرنا قوله سبحانه: (اذْهَبُوا بِقَمِيصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبي يَأَتِ بَصيراً... *فَلَمّا أَنْ جاءَ البَشيرُ أَلْقيهُ عَلى وَجْههِ فَارتَدَّ بَصيراً).(9)
وممّا لا شكّ فيه انّ يوسف لم يكن مدعياً للنبوة أمام إخوته حتى يتحدّى بهذه الكرامة، وإنّما كان تفضّلاً من اللّه عن هذا الطريق لاِعادة بصر أبيه يعقوب.
هذه الآيات توقفنا على أنّه سبحانه: يُجري فيضه على عباده عن طريقين فتارة عن طريق الاَسباب العادية، وأُخرى عن طريق أسباب غير عادية.
وأمّا تأثير تلكم الاَسباب غير العادية كالاَسباب العادية فكلّها بإذن اللّه سبحانه.
وعلى ضوء ذلك كان المسلمون يتبرّكون بآثار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يتبركون بشعره وبفضل وضوئه وثيابه وآنيته ومسِّ جسده الشريف، إلى غير ذلك من آثاره الشريفة التي رواها الاَخيار عن الاَخيار.
فصارالتبرك بها سنة الصحابة واقتدى آثارهم من نهج نهجهم من التابعين والصالحين.
قال ابن هشام في الفصل الذي عقده لصلح الحديبية: إنّ قريشاً بعثت عروة بن مسعود الثقفي إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فجلس بين يديه وبعد ما وقف على نية الرسول من خروجه إلى مكة رجع إلى قومه وأخبرهم بما دار بينه و بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ قال: إنّمحمّداً لا يتوضأ إلاّ وابتدر أصحابه بماء وضوئه، ولا يسقط من شعره شيء إلاّ أخذوه، ثمّ قال: يا معشر قريش لقد رأيت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وانّي واللّه ما رأيت ملكاً في قومه قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوماً لا يسلّمونه لشيء أبداً فَرَوْا رأيكم.(10)
وقد ألف غير واحد من علماء الاِسلام ما قام به الصحابة من التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نذكر عناوينها :
التبرك بتحنيك الاَطفال
التبرك بالمسح والمس
التبرك بفضل وضوئه وغسله
التبرك بسوَر شرابه وطعامه
إنّ تبرك الصحابة لم يقتصر على ذلك بل كانوا يتبركون بماء أدخل فيه يده المباركة، وبماء من الآنية التي شرب منها، وبشعره، وعرقه، وظفره، والقدح الذي شرب منه، وموضع فمه، ومنبره، والدنانير التي أعطاها، وقبره وجرت عادتهم على التبرك به، ووضع الخد عليه والبكاء عنده.
وقد ألف المحقّق العلاّمة محمد طاهر بن عبد القادر كتاباً باسم «تبرك الصحابة»، وهو من علماء مكة المكرمة قال فيه : أجمعت صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على التبرك بآثار رسول اللّه والاهتمام في جمعها وهم الهداة المهديون والقدوة الصالحون فيتبركون بشعره وبفضل وضوئه وعرقه وثيابه وآنيته وبمسِّ جسده الشريف، وبغير ذلك ممّا عرف من آثاره الشريفة التي صحت به الاَخبار عن الاَخيار.
وقد وقع التبرك ببعض آثاره في عهده وأقرّه ولم ينكر عليه،فدلَّ ذلك دلالة قاطعة على مشروعيته، ولو لم يكن مشروعاً لنهى عنه وحذّر منه.
وكما تدل الاَخبار الصحيحة وإجماع الصحابة على مشروعيته تدل على قوة إيمان المتبركين وشدّة محبتهم وموالاتهم ومتابعتهم للرسول الاَعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) كقول الشاعر:
أمرّ على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي ولكن حبّ من سكن الديارا(11)
المصادر :
1- آل عمران/35
2- التوبة/60
3- صلح الاخوان: للخالدي: 102 ومابعده
4- فرقان القرآن: 133
5- سنن أبي داود:2/81
6- المائدة/3
7- آل عمران/37
8- مريم/25
9- يوسف/93ـ96
10- السيرة النبوية: ابن هشام: 2/314، صلح الحديبية
11- تبرك الصحابة:50

source : rasekhoon
  2092
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      زيارة عاشُوراء غَير المشهُورة
      قضايا.. في الطبّ
      نوم القادة العرب في قمة تونس! + (صور)
      عصابة تسرق الملايين في بريطانيا لصالح "تنظيم ...
      انعقاد مؤتمر تحت شعار"من سيرة الإمام علي (ع) نستلهم ...
      الشهيد آية الله "محمد باقر الصدر" في كلام الامام ...
      إقامة مؤتمر علمي للسيد عبد الرزاق الموسوي المقرم
      العراق يبدأ العمل على دخول الإيرانيين دون رسوم ...
      80 مستوطنا وشرطيا صهيونيا يستبيحون "الأقصى ...
      الشيخ محمد علي الأُردوبادي

 
user comment