عربي
Friday 19th of April 2019
  2289
  0
  0

فاطمة الزهراء (عليها السلام)سرّ السرّ

فاطمة الزهراء (عليها السلام)سرّ السرّ

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد البسملة والحمد والصلاة:
لا زلنا وإيّاكم في رحاب سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) لنتمّ الحديث عن كونها سرّ الوجود، بل هي سرّ السرّ، وإنّها جمال الله وعصمته الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الاُولى.
لقد مرّ علينا في الأبحاث السابقة أنّ فلسفة الحياة وسرّ الخلقة والوجود سيّما خلقة الإنسان هو التكامل ونيل الرتبة التي وضعت لهذا الموجود الأشرف، كما ذكرنا أنّ الكمال كلّ الكمال هو التفقّه في الدين، وعبّرنا عن ذلك بالحركة العلمية ثمّ يتلوه الكمال الآخر وهو الصبر على النائبة وعبّرنا عنه بالحركة الأخلاقية، باعتبار أنّ الصبر أساس الأخلاق، وآخره الاقتصاد في المعيشة، وعبّرنا عن الأخير بالحركة الاقتصادية.
ولو أردنا تسليط الضوء على الحركة الثانية التي هي الحركة الأخلاقية فلا بدّ من القول بأنّ الصبر أساس الأخلاق وبه يتمّ طيّ المراحل الأخلاقية الثلاثة التي هي التخلية والتحلية والتجلية ـ كما عند علماء الأخلاق والسير والسلوك ـ، ليصل المرء إلى تهذيب النفس وكمالها، فلا بدّ من تخلية الروح والقلب من
الصفات الذميمة كالرياء مثلا وتحليتهما بالصفات الحميدة كالإخلاص في مقابل الرياء، ثمّ تجلية هذه الصفة حتّى يصل الإنسان إلى درجة المخلَصين ليكون بعيداً عن وسوسة وتزيين الشيطان الذي تعهّد بإغواء جميع البشر، إلاّ العباد المخلَصين حسب تعبير الآية القرآنية الكريمة:
{وَلاَُغْوِيَنَّهُمْ أجْمَعِينَ * إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ}(1).
فإذن أبدى الشيطان استعداده لإغواء الجميع حتّى طبقة المخلِصين، ولكنّه عبّر عن عجزه من أن ينال الطبقة الرفيعة التي هي طبقة المخلَصين(2).
فلا بدّ من الوصول إلى تلك الرتبة الأخلاقية العالية وذلك بطوي مراحل الإخلاص التي لا تتمّ إلاّ باجتياز المراحل الأخلاقية الثلاثة التي أساسها الصبر، الذي يتجلّى في النوائب والمصائب، وإنّه من أكمل مصاديق الصبر.
ثمّ لو أردنا التحرّك في الحركة الثالثة التي هي الحركة الاقتصادية والتي عبّر عنها في الحديث الشريف «والتقدير في المعيشة» لا بدّ لنا من اتخاذ الحدّ الوسط في طريقة العيش لكي نبتعد عن الإفراط والتفريط، وهذا معنى الاقتصاد فإنّه لغة من القصد بمعنى الحدّ الوسط.
فهذه هي الحركات الثلاثة التي يحتاجها الإنسان للوصول إلى كماله الذي هو هدف وجوده وسرّ خلقته.
وأرجأنا الكلام عن الحركة العلمية التي هي الحركة الاُولى في سلّم الكمال لكي يكون البحث عنها بشيء من التفصيل، فنقول:
إنّ كمال الإنسان في الرتبة الاُولى هو تحصيل العلم، ومحور هذا العلم هو التفقّه في الدين الذي يبتني على اُصول خمسة كما هو معتقد الشيعة وفروع عشرة(3)، ومن هذه الاُصول الخمسة التي يجب الاهتمام بمعرفتها أصل الإمامة، وممّا يبحث في هذا الأصل هو الاعتقاد بأنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) سرّ الوجود.
والذي نبغيه من هذا البحث الولائي هو إثبات العقيدة الصحيحة بالبرهان العقلي والدليل النقلي ثمّ العمل على ضوء هذه العقيدة الصحيحة لأنّ الحياة عقيدة وجهاد، ولا يصحّ الجهاد من أجل عقيدة فاسدة، فلا بدّ من إثبات صحّة هذه العقيدة وتثبيتها، فما ذكرناه كان من المقدّمة للحديث عن فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين (عليها السلام).
فالحديث عن الخبر الشريف: «لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما»، يحتاج إلى مقدّمة، فنقول:
إنّ الوجود أمر بديهي لا يحتاج إلى تعريف، وما ذكر له من تعاريف بأنّه
الثابت العين أو الذي يمكن أن يخبر عنه أو ما ينقسم إلى علّة ومعلول أو قديم وحادث وغير ذلك فهو من باب شرح الاسم(4)، فهو بديهي ولشدّة بداهته تجده في غاية الخفاء كما في منظومة السبزواري(5).
فعندنا الموجود هو ذات، أو قل: ماهيّة ثبت لها الوجود، كالإنسان فإنّه ذات ثبت لها الوجود فيسمّى موجوداً.
فإذن هناك فرق بين الوجود وبين الموجود، ثمّ إنّ الله تعالى علّة العلل والعلّة الاُولى للكون، فهو الأوّل وهو الآخر، وهو الظاهر وهو الباطن، أزلي سرمدي. وساُوضح هذا لأنّ فيه شيئاً من الصعوبة لوجود هذه المصطلحات الغريبة على البعض، ولكن لا بدّ من الثقافة لأنّ المجتمع الشيعي هو الأجدر بمثل هذه الثقافة، فأقول: إنّ العلل على أربعة أقسام(6)، وقبل معرفة هذه الأقسام لا بدّ من معرفة العلّة، فالعلّة هي الشيء الذي يؤثّر في شيء آخر وهذا الشيء الآخر المتأثّر يسمّى المعلول، مثلا (النار والحرارة)، ولا ينفكّ المعلول عن علّته إلاّ
بمعجزة فيما إذا كانت العلّة ناقصة(7) وليست تامّة كما ينفك في النار التي أشعلها النمرود لنبيّ الله إبراهيم (عليه السلام)، فإنّها صارت عليه برداً وسلاماً بالمعجزة، والآن نقول: إنّ العلل أربعة: علّة فاعليّة، وعلّة مادّية، وعلّة صورية، وعلّة غائية(8)، واُقرّب لكم هذا بالمثال: (إنّ هذا الكرسي الذي نجلس عليه يحتاج إلى أربع علل: الاُولى تسمّى العلّة الفاعلية أي التي فعلت الكرسي وصنعته وذلك هو النجّار، والعلّة الثانية هي العلّة المادّية أي المادّة التي صنع منها الكرسي، والعلّة الثالثة هي العلّة الصورية أي الصورة التي يكون عليها الكرسي لكي يمتاز عن غيره، والعلّة الرابعة هي الغائية أي التي من أجلها صار الكرسي). وهكذا الكون الرحب الوسيع الذي يقع الإنسان ضمن مجموعته، فإنّ العلّة الفاعلية له هو الله تعالى، وإنّه تعالى الخالق لهذا الخلق، وإنّ أوّل ما خلق نور النبيّ (صلى الله عليه وآله) ثمّ اشتقّ منه نور عليّ (عليه السلام) واشتقّ منهما نور فاطمة ثمّ الأئمة (عليهم السلام) فشيعتهم من الأنبياء والأوصياء والأولياء والمؤمنين، وهذا الحديث ثابت عندنا كما في كتاب (بحار الأنوار)، وهو مذكور في كتابنا (هذه هي الولاية)(9).
والعلّة هي عبارة عن وجود المقتضي وعدم المانع واُضيف إليهما تحقّق الشرائط ووجود المعدّ.
فالصادر الأوّل لله تعالى هو نور النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وببركته خلق هذا الكون، وهذا المعنى موجود في الفلسفة المشائية والإشراقية معاً، فإنّ المشّائين يقولون بالعقول العشرة أي أنّ العقل الأوّل باعتبار وجوده وماهيّته خلق العقل الثاني والفلك الأوّل، وهكذا حتّى يصلوا إلى العقل العاشر، وهو العقل الفعّال المدبّر لهذا الكون الطبيعي، كما أنّ الإشراقيين يقولون إنّ الله تعالى صدر منه العقل الأوّل ثمّ أرباب العقول لهذا الكون(10)، إذن هم يعتقدون بالعلّة والمعلول، ولا بدّ منهما في هذا الخلق لقاعدة الأشرف(11)، فإنّ الله تعالى خلق الكائنات ببركة النبيّ وأهل بيته (عليهم السلام) لأنّهم نور واحد كما ورد في الحديث: «أوّلنا محمّد وأوسطنا محمّد وآخرنا محمّد بل كلّنا محمّد»(12)، فهم نور واحد في الحقيقة المحمّدية والولاية الإلهية العظمى، وأمّا اختلافهم فهو في الشؤون، فكلّهم جواد، وكلّهم
كاظم للغيظ، وهكذا باقي الصفات إلاّ أنّ الصفة تبرز في زمن أحدهم فيمتاز بها كما برز الجود في زمن الإمام الجواد (عليه السلام)، فعرف به، وكذلك كظم الغيض في زمن الإمام الكاظم (عليه السلام) فعرف به، وإلاّ لا فرق بينهم في مقام دون آخر، فإذن هم صنايع لله تعالى، والناس صنايع لهم، كما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الحجّة عجّل الله فرجه الشريف: «نحن صنايع الله والخلق صنايعنا»، ومعنى الصنعة هنا إمّا يراد منها الأدب، فأدّبهم ربّهم، وهم بدورهم أدّبوا الناس بآداب الله تعالى، أو يراد منها الصانعية وهذا يتمّ بحسب سلسلة العلل والمعاليل، فالعلّة الفاعلية الاُولى لله تعالى، ثمّ الصادر الأوّل، ثمّ سلسلة العلل والمعاليل، وأمّا العلّة الصورية فقد ورد في الحديث الشريف: «إنّ من دخل الجنّة سيكون على صورة النبيّ محمّد»، وأمّا النساء فعلى صورة الزهراء، والزهراء تشبه أباها، وأمّا العلّة المادّية في عالم الأنوار، فالمؤمنين خلقوا من أنوارهم، وفي عالم الطينة من فاضل طينتهم(1)، وأمّا العلّة الغائية فنقول ما هي الغاية من خلق هذا الكون؟ الغاية هي أن يكون الإنسان الجامع لجميع صفات الله الجمالية والكمالية الذي هو النبي الأكرم أشرف خلق الله تعالى، فلذلك قال له الله تعالى في المعراج: «يا أحمد، لولاك لما خلقت الأفلاك»، فأنت يا أحمد (صلى الله عليه وآله) الغاية، وأنت سرّ الوجود، وأنت سرّ المعبود لهذا الكون، فلأجلك خُلق الكون، وأنت الجامع لصفات الله تعالى والعاكس لها، فإذا كان الله تعالى كريماً فإنّ كرمه يظهر فيك، وإذا كان ستّاراً فإنّ ستّاريته تظهر فيك، وهكذا باقي الصفات، وهذا الكلام ثابت بالعقل والعلم الحديث، وذلك عندما نرى أنّ الحركة الدائرية البسيطة لا بدّ لها من مركز (قطب)
كالرحى، فذلك المركز وذلك القطب الذي هو أشرف المخلوقات ليس إلاّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فلذلك صار حجّة على الخلق، وهذه الحجّية ثابتة لمن يليه في المسؤولية(1)، ولكن من هو الذي يليه؟ فنقول: إنّ الذي يليه لا بدّ أن يكون بينه وبين النبيّ (صلى الله عليه وآله) من سنخية لأنّ السنخية هي الترابط والتشابه بين العلّة والمعلول، فإذا كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو العلّة الغائية لا بدّ ان يكون له معلولا يشترك معه في الغاية، ولا بدّ أن تكون سنخية بينهما بموجب قاعدة السنخية(2)، ولكن لا بدّ من توضيح هذا بالمثال لنقرّبه إلى الأذهان، فنقول: (النار علّة للحرارة لوجود تشابه وترابط بينهما، ولولا هذا التشابه والترابط لاستحال أن تصدر الحرارة من النار كما يستحيل صدور البرودة من النار، ولكن صدرت الحرارة من النار، إذن لا بدّ من التشابه والترابط لأنّ «الطيور على أشكالها تقع» و «كلّ جنس إلى جنسه يميل»، فنرجع إلى أوّل حديثنا فنقول: إذا كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو العلّة الغائية لهذا الكون، لأنّه هو الإنسان الكامل وهو جامع الجمع لأسماء الله وصفاته، فالمعلول الذي يكون
من سنخه ومن جنسه ومن نفسه ليس هو إلاّ أسد الله الغالب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لآية المباهلة في قوله تعالى: {وَأنْفُسَنَا وَأنْفُسَكُمْ...}(1)، فلذلك صار الحديث «لولا عليّ لما خلقتك» لأنّك يا رسول الله يلزمك معلولا يشابهك لكي تكون أنت العلّة وليس هذا المعلول إلاّ عليّ (عليه السلام)، فأنت يا رسول الله نور النبوّة وعليّ نور الإمامة وكلاكما من نور التوحيد، فلا بدّ لكما من معلول يجمع بين نوريكما وبين حجّتيكما، وهذا المعلول الذي يشبهكما وبمستواكما، ما هو إلاّ فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فلذلك قال: «ولولا فاطمة لما خلقتكما»، لأنّها بطن الإمامة وصلب النبوّة، وهي روح النبوّة والإمامة، والإسلام والعقيدة، فإذن هي سرّ الوجود أو سرّ السرّ، وهي مجمع النورين النبوي والعلوي، وهي بنت النبيّ وزوجة الوصيّ.
ومن هذا المنطلق يقال: السنخية علّة الانضمام.


source : sibtayn
  2289
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      الامام علی بن محمد الهادی علیه السلام
      الهوية الشخصية للامام العسكري عليه السلام
      نفحات من تراث الإمام الحسن العسكري (ع)
      السياسة عند الامام الحسن عليه السلام
      الحوار في كلام الإمام علي عليه السلام
      الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)
      استهداف نبي الرحمة (ص) من الراهب بحيرى حتى براءة ...
      قراءة جديدة في كتاب نهج البلاغة
      صفات أنصار الإمام الحسين عليه السلام
      العمق العقائدي لعاشوراء

 
user comment