عربي
Saturday 20th of April 2019
  423
  0
  0

رؤیة الله عز وجل

رؤیة الله عز وجل

یشکل بعضهم علی الشیعة بأنهم یقولون إن الله تعالى یستحیل أن یرى لا فی الدنیا ولا فی الآخرة ، ویردون الأحادیث التی تنص على أن الله تعالى یرى فی الآخرة .
الجواب قال الله تعالى ( لا تدرکه الأبصار وهو یدرک الأبصار وهو اللطیف الخبیر )(1). وقال تعالى خطابا لموسى علیه السلام ( لن ترانی )(2). قال الزمخشری فی کتابه ( الأنموذج ) : ( لن للتأبید ، وعلیه ، تدل الآیة على عدم رؤیته تعالى إلى الأبد )
وقال تعالى : ( وقال الذین لا یرجون لقاءنا لولا أنزل علینا الملائکة أو نرى ربنا ، لقد استکبروا فی أنفسهم وعتوا عتوا کبیرا . یوم یرون الملائکة لا بشرى یومئذ للمجرمین ویقولون حجرا محجورا ) (3)
تتضمن الآیة إخبارا عن أمور ثلاثة :
1 - أن لقاء الله أمر قطعی محتوم وإن کان لا یرجوه المستکبرون .
2 - قال المنکرون لقاء الله : لولا أنزل الملائکة أو نرى ربنا .
3 - أنهم یوم القیامة یرون الملائکة .
فالآیة تحکی أنهم لم یؤمنوا بالله وقالوا : أو نرى ربنا ، فأجابهم الله تعالى بأنهم یوم القیامة یرون الملائکة ، ولو کانت رؤیة الله تعالى مقدورة لأجابهم الله بها ، فما یحصل بها یوم القیامة هو لقاء الله ، دون رؤیته .
وأما ما دل بظاهره من الأحادیث على رؤیته تعالى یوم القیامة فهو أربعة أحادیث فقط فی کتب أهل السنة ، وهی : حدیث جریر ، وأبی هریرة ، وابن رزین ، وصهیب .
وهی فضلا عن الخدشة فی سندها أخبار آحاد لا تفید یقینا ، فلا یجوز بناء الاعتقادات علیها ، بل لا بد من الدلیل القطعی
على المعتقد ، وقد قال الله تعالى ( ولا تقف ما لیس لک به علم ، إن السمع والبصر والفؤاد کل أولئک کان عنه مسؤولا ) (4)
وقد ثبت بالقطع والیقین استحالة رؤیته تعالى ، وقامت البراهین العقلیة والنقلیة على نفی الجسمیة عنه وتنزیهه عنها سبحانه وتعالى

ومعنى لقاء الله یوم القیامة إدراکه بدون واسطة حتى واسطة البصر ، فإن اللقاء والملاقاة یصدقان بالنسبة إلى الأعمى الفاقد البصر .
وبعد ذلک توجد عدة براهین عقلیة على استحالة کون واجب الوجود تعالى جسما ، لأن الجسم محدود فی المکان والزمان . ما یدل على استحالة کون واجب الوجود جسما براهین عدیدة ، نذکر جملة منها .
البرهان الأول : أن الجسم ما کان له أبعاد ثلاثة من العرض والطول والعمق ، فهو مرکب من أبعاض ، والمرکب مفتقر فی وجوده إلى وجود أبعاضه ، وما کان مفتقرا فی وجوده فلیس واجب الوجود .
البرهان الثانی : تناهی الجسم وکونه محفوفا بالأعدام من الجوانب الستة والواجب یمتنع أن یتطرق العدم إلیه بوجه من الوجوه
، وقد ثبت ذلک من طرق عدیدة . منها أنه لو کان الجسم غیر متناهی الأبعاد نفرض فیه نقطة خرج منها خطان فحصل منها
زاویة وامتد الخطان بامتداد الجسم ، فلو کان الجسم غیر متناه لامتد الخطان إلى غیر النهایة . ولما کان مقدار الإنفراج بین خطی الزاویة بنسبة مقدار امتداد الخطین ، فإن کان الخطین غیر متناهیین یستلزم أن یکون الإنفراج بینهما أیضا غیر متناه ، وذلک یناقض کونه محصورا بین الخطین .
ومنها : أنه إذا فرض خط ممتد إلى غیر النهایة ، وفرضنا إلى جانبه کرة تدور حول محور الخط المتصل بین قطبی الکرة ، وأحد قطبیها فوق الخط الغیر المتناهی والآخر تحته ، وقبل شروعها فی الدوران نفرض خطا خارجا من الکرة عمودیا على خط المحور
موازیا للخط الغیر المتناهی ، یمتد معه إلى غیر النهایة ، فإذا دارت الکرة إلى جهة الخط الغیر المتناهی یتقاطع الخط الخارج من الکرة مع الخط الغیر المتناهی نقطة فنقطة .
فأول نقطة یتقاطع فیها الخطان فیها هی نقطة من الخطین لا نقطة للخطین قبلها ، وإلا لکان التقاطع فیها قبل تلک النقطة . فثبت أن أول نقطة التقاطع آخر نقطة من الخطین ، فالخطان متناهیان لا محالة ، فکیف فرض کونهما غیر متناهیین !
ومنها : برهان التطبیق ، وهو أنه لو فرضنا ست خطوط خرجت من نقطة من داخل الجسم إلى الجهات الست ، ممتدة بامتداد الجسم ، ثم قطعنا من کل خط قطعة من جانب تلک النقطة . فلو فرضنا تطبیق محل القطع من الخط على النقطة التی بداء
منها أصل الخط قبل القطع ، فأما أن یمتد إلى غیر النهایة ، فیکون الزائد مثل الناقص ، وهو ممتنع ، أو یقصر عنه بمقدار تلک القطعة فیکون متناهیا ، وکذا أصل الخط لزیادته علیه بمقدار تلک القطعة فقط لا أکثر ، فثبت تناهى أبعاد کل جسم .
ویمکن تقریر البرهان بدون فرض التطبیق : بأنه إن کان باقی الخط بعد قطع قطعة منه مساویا لأصل الخط قبل القطع لزم مساواة الجزء مع الکل ، وهو محال ، وإن کان أقل منه لزم کونه متناهیا ، وکذلک أصل الخط لکونه أکثر منه بمقدار تلک القطعة فقط .
البرهان الثالث : إن کل جسم حادث ، فیستحیل أن یکون واجب الوجود جسما ، ویتضح ذلک ببیان أمور :
1 - لا ینفک الجسم عن الحرکة أو السکون بالبداهة ، فإن الجسم إما ساکن فی مکان أو متحرک من مکان إلى مکان آخر لا محالة .
2 - معنى الحرکة هو الکون فی الآن الأول فی مکان وفی الآن الثانی فی مکان آخر ، ومعنى السکون هو الکون فی الآن الأول فی مکان والکون فی الآن الثانی فی ذلک المکان بعینه .
فکل جسم قد تشکل من کونین : الکون فی الآن الأول فی مکان ، والکون فی الآن الثانی فی ذلک المکان أو فی مکان آخر .
3 - الکون فی الآن الأول فی مکان ، والکون فی الآن الثانی فی ذلک المکان أو مکان آخر ، وجودان متمایزان یمکن أن یوجد أحدهما ولا یوجد الآخر .
4 - کل جسم له وجود خاص وتشخص یتمایز به عن الأجسام الأخرى ویغایرها ، وذلک التشخص هو الکون فی زمان خاص فی مکان خاص . ولما کان منبع التشخص هو الوجود ، وکان تشخصه بذاته کانت اللوازم والمشخصات کلها منبعثة من وجود الجسم ، فیکون تبدل الکون فی زمان خاص فی مکان خاص مستلزما لتبدل وجود ذلک الجسم .
5 - الکون هو الوجود ، فتبدله هو تبدل الوجود ، فالجسم لا یزال یتبدل وجوده ، وله فی کل آن وجود غیر وجوده فی الآن السابق علیه ، وغیر وجوده فی الآن اللاحق علیه . فالحرکة والتبدل إنما هو فی وجوده لا فی أمر خارج عن وجوده ، فالحرکة فی ذاته وجوهره ، فثبت أن کل جسم له حرکة جوهریة .
6 - إن حقیقة الحرکة هی الانعدام والانوجاد ، الانعدام من الآن الأول والانوجاد فی الآن الآخر . فکل جسم ینوجد وینعدم آنا فآنا ، وکل وجود له فی آن ، مسبوق بعدمه وملحوق بعدمه . نعم لو لاحظنا ماهیة الجسم ، فلیست الحرکة والسکون داخلة فی ماهیته ، بل هما خارجتان ماهیة الجسم عارضتان علیها . أما أن وجود الجسم وکونه ، غیر مغایر لوجوده وکونه فی الآن الأول ، فلبداهة أنه لیس له وجودان فی آن واحد أحدهما وجوده والثانی وجوده فی ذلک الآن ، بل لیس له إلا وجود واحد ، فتبدله فی الآن الثانی هو انعدام وجوده فی الآن الأول وانوجاد وجود آخر له . . وهکذا فی الآنات المتوالیة إلى آخرها . ولا ینافی ذلک أن لوجوداته فی الآنات المتوالیة صورة متصلة ویقال له جسم واحد باعتبارها ، کما أن الصورة الاتصالیة للحرکة تقتضی إطلاق حرکة واحدة علیها من أولها إلى آخرها . فإن قلت : إن مقولة ( متى ) من المقولات العرضیة التسعة ، ولها طرفان طرفه الآخر هو الزمان ، والزمان ینتزع من حرکة الفلک .
قلت : نعم الزمان - أی اللیالی والأیام وأجزاؤها - منتزعة من حرکة الفلک الذی فیه الشمس ، أو من الحرکة الوضعیة لکرة الأرض ودورانها حول محور نقطة مرکزها ، کما انکشف ذلک فی القرون الأخیرة بالعیان . ولکنه لما ثبت بالبرهان المذکور
الحرکة الجوهریة والذاتیة للأجسام فإن نسبة الآنات التی ترکب منها الزمان إلیها وإلى حرکة الفلک مستویة ، فینتزع منها الآنات ، سواء کان للفلک حرکة مکانیة أم لا .
7 - فالجسم لا یزال حادثا یتجدد حدوثه فی کل آن ، والحادث فی کل آن غیر الحادث فی الآن المتقدم علیه .
8 - فثبت أن الجسم یستحیل أن یکون واجب الوجود ، وأنه تعالى لیس بجسم بالضرورة ، لأنه یمتنع علیه العدم ، وکیف یجوز علیه العدم ومنه وجود جمیع الموجودات ، وهو مکون جمیع الکائنات ، من المجردات والأجسام ، والأرضین والسماوات ، والأمکنة والأزمنة ، والسکنات والحرکات ، والحالات والآنات .
المصادر :
من کتاب شبهات حول الشیعة - أبو طالب التجلیل التبریزی
1- الأنعام / 103
2- الأعراف / 143
3- . الفرقان / 21 - 22
4- سورة الإسراء / 36


source : .www.rasekhoon.net
  423
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      ولادته (ع)
      فيما على الزّائر مراعاته
      في فضلِ زيارَته (عليه السلام)
      زيارة عاشوراء
      البعثة النبوية في كلمات أمير المؤمنين علي عليه السلام
      كيف تتحقق الوحدة بين المسلمين؟
      حروب الرسول (ص) كما يشهد بها التاريخ
      عرض تاريخي لعمارة المسجد النبوي
      مسجد قباء
      الإمام موسى الكاظم عليه السلام والثورات العلوية

 
user comment