عربي
Saturday 20th of April 2019
  374
  0
  0

التربیة بالقصص القرآنیة

التربیة بالقصص القرآنیة

للقصة فی التربیة الإسلامیة وظیفة تربویة لا یحققها لون آخر من ألوان الأداء اللغوی.
ذلک أن القصة القرآنیة تمتاز بمیزات جعلت لها آثارًا نفسیة وتربویة بلیغة، محکمة، بعیدة المدى على مر الزمن، مع ما تثیره من حرارة العاطفة ومن حیویة وحرکیة فی النفس، تدفع الإنسان إلى تغییر سلوکه وتجدید عزیمته بحسب مقتضى القصة وتوجییها وخاتمتها، والعِبرَةِ منها. وتتجلى أهم هذه المیزات فیما یلی:
المیزات التربویة للقصص القرآنیة:
1) تشد القصة القارئ، وتوقظ انتباهه، دون توان أو تراخٍ، فتجعله دائم التأمل فی معانیها والتتبع لمواقفها، والتأثر بشخصیاتها وموضوعها حتى آخر کلمة فیها.
ذلک أن القصة تبدأ غالبًا، وفی شکلها الأکمل، بالتنویه بمطلب أو وعد أو الإنذار بخطر، أو نحو ذلک مما یسمى عقدة القصة، وقد تتراکم، قبل الوصول إلى حل هذه العقدة، مطالب أو مصاعب أخرى، تزید القصة حبکًا، کما تزید القارئ أو السامع شوقًا وانتباهًا، وتلهفًا على الحل أو النتیجة.
ففی مطلع قصة یوسف مثلاً، تعرض على القارئ ( رؤیا یوسف علیه السلام ) یصحبها وعد الله ، على لسان أبیه ، بمستقبل زاهر ، ونِعَم من الله یسبغها على الأسرة الفقیرة المتعثرة ، الداعیة إلى الله .
وتتتابع المصائب والمشکلات على بطل القصة ( یوسف علیه السلام ) ویتابع القارئ اهتمامه ینتظر تحقیق وعد الله ، ویترقب انتهاء هذه المصائب والمشکلات بتلهف .
2) تتعامل القصة القرآنیة والنبویة مع النفس البشریة فی واقعیتها الکاملة ، متمثلة فی أهم النماذج التی یرید القرآن إبرازها للکائن البشری ، ویوجه الاهتمام إلى کل نموذج بحسب أهمیته ، فیُعرض عرضًا صادقًا یلیق بالمقام ویحقق الهدف التربوی من عرضه ، ففی قصة یوسف یعرض نموذج الإنسان الصابر على المصائب فی سبیل الدعوة إلى الله ( فی شخص یوسف ) ، ونموذج المرأة المترفة تعرض لها حبائل الهوى فملأ قلبها الحب والشهوة ، ویدفعها إلى محاولة ارتکاب الجریمة ، ثم إلى سَجن إنسان بریء مخلص ، لا ذنب له إلا الترفع عن الدنایا والإخلاص لسیده ، ومراعاة أوامر ربه .
ونموذج إخوة یوسف : تدفعهم هواتف الغیرة والحسد والحقد والمؤامرة والمناورة ومواجهة آثار الجریمة والضعف والحیرة أمام هذه المواجهة .
ونموذج یعقوب : الوالد المحب الملهوف والنبی المطمئن الموصول . یعرض القرآن کل هذه النماذج البشریة عرضًا واقعیًا نظیفًا من غیر إفحاش ولا إغراء بفاحشة أو جریمة ، کما یفعل مؤلفو القصص التی یسمونها واقعیة أو طبیعیة ، من روادِ جاهلیة القرن العشرین ، ذلک أن من أهم غایات القصة القرآنیة : التربیة الخلقیة عن طریق علاج النفس البشریة علاجًا واقعیًا .
فالقصة القرآنیة لیست غریبة عن الطبیعة البشریة ، ولا محلقة فی جو ملائکی محض ، لأنها إنما جاءت علاجًا لواقع البشر ، وعلاج الواقع البشری لا یتم إلا بذکر جانب الضعف والخطأ على طبیعته ، ثم بوصف الجانب الآخر الواقعی المتسامی الذی یمثل الرسل المؤمنون ، والذی تؤول إلیه القصة بعد الصبر والمکابدة والجهاد والمرابطة ، أو الذی ینتهی عنده المطاف لعلاج ذلک الضعف والنقص ، والتردی البشری فی مهاوی الشرک أو حمأة الرذیلة ، علاجًا ینهض بالهمم ، ویدفع بالنفس للسمو ، ما استطاعت ، إلى أعلى القمم ، حیث تنتهی القصة بانتصار الدعوة الإلهیة ، ووصف النهایة الخاسرة للمشرکین الذی استسلموا إلى الضعف والنقص ، ولم یستجیبوا لنداء ربهم فیزکوا أنفسهم .
3) تربی القصة القرآنیة العواطف الربانیة وذلک :
أ ) عن طریق إثارة الانفعالات کالخوف والترقب ، وکالرضا والارتیاح والحب ، وکالتقزز والکره ، کل ذلک یثار فی طیات القصة بما فیه من وصف رائع ووقائع مصطفاة ، فقصة یوسف مثلاً تربی الصبر والثقة بالله ، والأمل فی نصره ، بعد إثارة انفعال الخوف على یوسف ، ثم الارتیاح إلى استلامه منصب الوزارة .
ب ) وعن طریق توجیه جمیع هذه الانفعالات حتى تلتقی عند نتیجة واحدة هی النتیجة التی تنتهی إلیها القصة ، فتواجه مثلاً حماسة قارئ القصة نحو یوسف وأبیه ، حتى یلتقیا فی شکر الله فی آخر القصة ، ویوجه بُغْض الشر الذی صدر عن إخوة یوسف حتى یعترفوا بخطئهم ویستغفر لهم أبوهم فی آخر القصة ، وهکذا ...
ج) وعن طریق المشارکة الوجدانیة حیث یندمج القارئ مع جو القصة العاطفی حتى یعیش بانفعالاته مع شخصیاتها ، ففی قصة یوسف یعتری القارئ خوف أو قلق عندما یراد قتل یوسف ، وإلقاؤه فی الجب ، ثم تنسرح العواطف قلیلاً مع انفراج الکربة عنه ، ثم یعود القارئ إلى الترقب عندما یدخل یوسف دار ( العزیز ) وهکذا یعیش القارئ مع یوسف فی سجنه وهو یدعوا إلى الله ، حتى یفرح بإنقاذه ، ثم بتولیه وزارة مصر ، وبنجاة أبیه من الحزن ، وهو فی کل ذلک رسول الله والداعیة إلى دینه .
4) تمتاز القصة القرآنیة بالإقناع الفکری بموضوع القصة .
أ ) عن طریق الإیحاء ، والاستهواء والتقمص ، فلولا صدق إیمان یوسف لما صبر فی الجب على الوحشة ، ولما ثبت فی دار امرأة العزیز على محاربة الفاحشة والبعد عن الزلل ، هذه المواقف الرائعة توحی للإنسان بأهمیة مبادئ بطل القصة وصحتها ، وتستهویه صفات هذا البطل وانتصاره بعد صبر ومصابره طویلة ، فیتقمص هذه الصفات حتى إنه لقلدها ولو لم یقصد إلى ذلک ، وحتى إنه لَیردّدُ بعض هذه المواقف ویتصورها ویسترجعها من شدة تأثره بها .
ب ) عن طریق التفکیر والتأمل : فالقصص القرآنی لا یخلو من محاورات فکریة ینتصر فیه الحق ، ویصبح مرموقًا محفوفًا بالحوادث والنتائج التی تثبت صحته ، وعظمته فی النفس وأثره فی المجتمع ، وتأیید الله له . ففی قصة یوسف نجد حوارًا یدور بینه وبین فتیین عاشا معه فی السجن فدعاهما إلى توحید الله . وقصة نوح کلها حوار بین الحق والباطل ، وکذلک قصة شعیب ، وصالح وسائر الرسل : حوار منطقی مدعوم بالحجة والبرهان یتخلل القصة ، ثم تدور الدوائر على أهل الباطل ویظهر الله الحق منتصرًا فی نتیجة القصة ، أو یهلک الباطل وأهله ، فیتظاهر الإقناع العقلی المنطقی والإثارة الوجدانیة ، والإیحاء وحب البطولة ( الاستهواء ) والدافع الفطری إلى حب القوة وتقلید الأقویاء ، تتظاهر کل هذه العوامل وتتضافر ، یؤیدها التکرار مرة بعد مرة ، فما أکثر تکرار بعض قصص القرآن حتى تؤدی بمجموعها إلى تربیة التصور الربانی للحیاة وللعقیدة والیوم الآخر وإلى معرفة کل جوانب الشریعة الإلهیة معرفة إجمالیة وإلى تربیة العواطف الربانیة من حب فی الله ، وکراهیة للکفر وحماسة لدین الله ولحماته ، ولرسل الله ، وولاء الله وانضواء تحت لوائه ، وإلى السلوک المستقیم وفق شریعة الله ، والتعامل حسب أوامره ، وبهذا تحیط القصة القرآنیة نفس الناشئ بالتربیة الربانیة من جمیع جوانبها العقلیة والوجدانیة والسلوکیة .
المصدر :
مناهل العرفان فی علوم القرآن للزرقانی.


source : .www.rasekhoon.net
  374
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      ولادته (ع)
      فيما على الزّائر مراعاته
      في فضلِ زيارَته (عليه السلام)
      زيارة عاشوراء
      البعثة النبوية في كلمات أمير المؤمنين علي عليه السلام
      كيف تتحقق الوحدة بين المسلمين؟
      حروب الرسول (ص) كما يشهد بها التاريخ
      عرض تاريخي لعمارة المسجد النبوي
      مسجد قباء
      الإمام موسى الكاظم عليه السلام والثورات العلوية

 
user comment