عربي
Wednesday 26th of June 2019
  168
  0
  0

علم الإمام الباقر ( عليه السلام )

علم الإمام الباقر ( عليه السلام )

قال الشيخ المفيد ( رضوان الله عليه ) : لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين ( عليهما السلام ) في عِلم الدين ، والآثار ، والسُّنَّة ، وعلم القرآن ، والسيرة ، وفنون الآداب ، ما ظهر من أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) .

وروى عنه بقايا الصحابة ووجوه التابعين وفقهاء المسلمين ، وسارت بذكر كلامه الأخبار ، وأنشدت في مدائحه الأشعار .

قال ابن حجر : صفا قلبه ، وزكا علمه وعمله ، وطهُرت نفسه ، وشرُف خُلُقه ، وعمُرت أوقاته بطاعة الله ، وله من السجايا في مقامات العارفين ما تكلُّ عنه ألسنة الواصفين ، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف ، لا تحتملها هذه العجالة .

فالعلم محيط كبير ، ومهما بلغ الإنسان من العلم أعلى درجاته ، فإنه سيظل قاصراً في علمه ، ولن يبلغ قطرة واحدة من هذا المحيط الكبير .

لكن الله سبحانه وتعالى حبا صفوة من عباده بالعلم المتدفق الذي لا ينقطع عطاؤه ، ولا حدود لسعة أفقه .

ومن هؤلاء سيدنا ومولانا الرسول الأعظم محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وكذلك وصيه ووزيره وابن عمه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

والأئمة ( عليهم السلام ) من بعده ، حَمَلة الرسالة ، وهُداة الأمة ، ولا شك أن الإمام الباقر ( عليه السلام ) استمَدَّ علمه من مدينة العلم المُحَمَّدية ، ومن بابها العلوي .

فقال الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأتِ الباب ) .

فجعل الله علم الإمام باقر العلوم ( عليه السلام ) يتفجر بين جوانبه بغزارة ، فلا يتوقف حَدُّه ، ولا يَقلُّ مَدَاه .

وللإمام الباقر ( عليه السلام ) مواقف كثيرة تَدلُّ على سعة علمه ، وغزارة معرفته .

ومنها حينما اجتمع القسيسون والرهبان ، وكان لهم عالم يقعد لهم كل سنة مرة يوماً واحداً يستفتونه فَيُفتيهم .

عند ذلك لَفَّ الإمام الباقر ( عليه السلام ) نفسه بفاضل ردائه ، ثم أقبل نحو العالِم وقعد ، ورفع الخبر إلى هشام .

فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع ، فينظر ما يصنع الإمام ( عليه السلام ) .

فأقبل وأقبل عدد من المسلمين فأحاطوا بالإمام ( عليه السلام ) ، وأقبل عالِم النصارى وقد شَدَّ حاجبيه بخرقه صفراء حتى توسطهم ، فقام إليه جمع من القسيسين والرهبان يُسَلِّمون عليه .

ثم جاءوا به إلى صدر المجلس فقعد فيه ، وأحاط به أصحابه والإمام ( عليه السلام ) بينهم ، وكان مع الإمام ولده الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) .

فأدار العالِم نظره وقال للإمام ( عليه السلام ) : أمِنَّا أم من هذه الأمة المرحومة ؟

فقال ( عليه السلام ) : ( من هذه الأمة المرحومة ) .

فقال العالِم : من أين أنت ، أَمِنْ علماءها أم من جهالها ؟

فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( لَستُ من جُهَّالها ) .

فاضطرب اضطراباً شديداً ، ثم قال للإمام ( عليه السلام ) : أسألك ؟

فقال (عليه السلام ) : ( اِسأل ) .

فقال : من أين ادَّعَيتم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ، ولا يُحدِثون ولا يبولون ؟ وما الدليل على ذلك من شاهدٍِ لا يجهل ؟

فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( الجَنِين في بطن أمه يأكل ولا يحدث ) .

فاضطرب النصراني اضطراباً شديداً ، ثم قال : هلا زَعمتَ أنَّك لست من علمائها ؟

فقال ( عليه السلام ) : ( وَلستُ من جُهَّالها ) .

وأصحاب هشام يسمعون ذلك .

ثم قال : أسألك مسألة أخرى .

فقال ( عليه السلام ) : ( اِسأل ) .

فقال النصراني : من أين ادَّعيتم أن فاكهة الجنة غضَّة ، طريَّة ، موجودة غير معدومة عند أهل الجنة ؟ وما الدليل عليه من شاهد لا يجهل ؟

فقال ( عليه السلام ) : ( دَليلُ ما نَدَّعيه أن السِّراج أبداً يكون غضاً ، طرياً ، موجوداً غير معدوم عند أهل الدنيا ، لا ينقطع أبداً ) .

فاضطرب اضطراباً شديداً ، ثم قال : هَلاَّ زعمتَ أنَّك لستَ من علماءها ؟

فقال ( عليه السلام ) : ( ولستُ من جُهَّالها ) .

فقال النصراني : أسألك مسألة أخرى .

فقال ( عليه السلام ) : ( اِسأل ) .

فقال : أخبرني عن سَاعَة لا من ساعات اللَّيل ولا من ساعات النهار ؟

فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( هي الساعة التي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، يَهدَأ فيها المُبتَلى ، ويرقد فيها السَّاهر ، ويَفيقُ المغمى عليه ، جعلها الله في الدنيا دليلاً للراغبين ، وفي الآخرة دليلاً للعالمين ، لها دلائل واضحة ، وحجة بالغة على الجاحدين المتكبرين الناكرين لها ) .

فصاح النصراني صيحة عظيمة ، ثم قال : بقيت مسألة واحدة ، والله لأسألنَّكَ مسألة لا تهتدي إلى رَدِّها أبداً .

قال الإمام ( عليه السلام ) : ( سَل ما شِئت ، فإنَّك حانِثٌ في يمينك ) .

فقال : أخبرني عن مولودين ، وُلِدا في يوم واحد ، وماتا في يوم واحد ، عُمْر أحدهما خمسين سنة ، والآخر عُمرُه مِائة وخمسين سنة .

فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( ذلك عُزير وعُزيرة ، وُلِدا في يوم واحد ، فلمَّا بلغا مبلغ الرجال خمسة وعشرين سنة مَرَّ عُزير على حماره وهو راكبه على بلد اسمُهَا ( انطاكية ) ، وهي خاوية على عروشها .

فقال : أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها ، فأماته الله مِائة عام ، ثم بعثه على حماره بعينه ، وطعامه وشرابه لم يتغير ، وعاد إلى داره ، وأخوه عُزيرة وَوِلْدَه قد شاخوا ، وعُزير شاب في سِن خمسة وعشرين سنة ، فلم يزل يذكر أخاه وولده وهم يذكرون ما يذكره ، ويقولون : ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنين والشهور .

وعُزيرة يقول له وهو شيخ كبير ابن مِائَة وخمسة وعشرين سنة : ما رأيت شاباً ، أعلم بما كان بيني وبين أخي عُزير أيام شبابي منك ، فمن أهل السماء أنت أم من أهل الأرض ؟

فقال يا عُزيرة : أنا عُزير أخوك ، قد سخط الله عليّ بقول قلتُهُ بعد أن اصْطفاني الله وهداني ، فأماتني مِائة سنة ثم بعثني بعد ذلك لتزدادوا بذلك يقيناً ، أن الله تعالى على كل شيء قدير ، وهذا حماري ، وطعامي ، وشرابي ، الذي خرجت به من عندكم ، أعاده الله تعالى كما كان ، فعند ذلك أيقنوا ، فأعاشه الله بينهم خمسة وعشرين سنة ، ثم قبضه الله تعالى وأخاه في يوم واحد ) .

فنهض عالِم النصارى عند ذلك قائماً ، وقام النصارى على أرجلهم ، فقال لهم عالمهم : جِئْتموني بأعلم منّي ، وأقعدتموه معكم ، حتى هَتَكني وفضحني ، وأعلم المسلمين بأنه أحاط بعلومنا ، وأن عنده ما ليس عندنا .

والله لا كلمتكم من كلمة واحدة ، ولا قعدت لكم إن عشت بعد هذه ، فتفرقوا .

في هذا الموقف نكتشف مدى سعة علم الإمام ( عليه السلام ) ، ورغم ما بلغه من علم فإنه متواضع ، ولا يعتبر نفسه عالماً ، فمن تواضع لله رفعه .

فقد وصل ( عليه السلام ) بالعلم درجة تعجز العقول عن إدراكها ، وتعجز الألسُنُ عن وصفها .

 

  168
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      عصر الامام الباقر عليه السلام
      الإمام محمد الباقر عليه السلام
      الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) الخامس من أئمّة أهل ...
      الإمام الباقر عليه السلام وإحياء الروح الثورية في ...
      من وصايا الامام الباقر عليه السلام
      علم الباقر (عليه السلام) من علم الأنبياء
      إضاءاتٌ هادية من كلمات الإمام الباقر عليه السّلام
      حكم الإمام الباقرعليه السلام ومواعظه
      علوم باقر العلوم عليه السلام
      عصر الامام الباقر عليه السلام

 
user comment