عربي
Tuesday 15th of October 2019
  464
  0
  0

قول الإمام الحسن ( عليه السلام ) في صفات الله تعالى

قول الإمام الحسن ( عليه السلام ) في صفات الله تعالى

قال ( عليه السلام ) : ( الحمد لله الذي كان في أوّليّته ، وحدانياً في أزليّته ، متعظّماً بإلهيته ، متكبّراً بكبريائه وجبروته ، ابتدأ ما ابتدع ، وأنشأ ما خلق ، على غير مثالٍ كان سبق ممّا خلق .

ربّنا اللطيف بلطف ربوبيّته ، وبعلم خبره فتق ، وبإحكام قدرته خلق جميع ما خلق ، فلا مبدّل لخلقه ، ولا مغيّر لصنعه ، ولا معقّب لحكمه ، ولا رادّ لأمره ، ولا مستراح عن دعوته .

خلق جميع ما خلق ولا زوال لملكه ، ولا انقطاع لمدّته ، فوق كلّ شيءٍ علا ، ومن كلّ شيءٍ دنا ، فتجلّى لخلقه من غير أن يكون يرى ، وهو بالمنظر الأعلى .

احتجب بنوره ، وسما في علوّه ، فاستتر عن خلقه ، وبعث إليهم شهيداً عليهم ، وبعث فيهم النبيين مبشّرين ومنذرين ، ليهلك من هلك عن بيّنةٍ ، ويحيا من حيّ عن بيّنةٍ ، وليعقل العباد عن ربّهم ما جهلوه ، فيعرفوه بربوبيته بعد ما أنكروه .

والحمد لله الذي أحسن الخلافة علينا أهل البيت ، وعنده نحتسب عزانا في خير الآباء : رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وعند الله نحتسب عزانا في أمير المؤمنين ، ولقد أصيب به الشرق والغرب .

والله ما خلّف درهماً ولا ديناراً إلاّ أربعمائة درهمٍ ، أراد أن يبتاع لأهله خادماً ، ولقد حدّثني حبيبي جدّي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إنّ الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من أهل بيته وصفوته ، ما منّا إلاّ مقتول أو مسموم ) .

وقال ( عليه السلام ) : ( الحمد لله الذي لم يكن له أوّل معلوم ، ولا آخر متناهٍ ، ولا قبل مدرك ، ولا بعد محدود ، ولا أمد بحتّى ، ولا شخص فيتجزأ ، ولا اختلاف صفةٍ فيتناهى ، فلا تدرك العقول وأوهامها ، ولا الفكر وخطراتها ، ولا الألباب وأذهانها صفته ، فيقول : متى ؟ ولا بدئ ممّ ؟ ولا ظاهر على ممّ ؟ ولا باطن ممّ ؟ ولا تارك فهلاّ ؟ خلق الخلق فكان بديئاً بديعاً ، ابتدأ ما ابتدع ، وابتدع ما ابتدأ ، وفعل ما أراد ، وأراد ما استزاد ، ذلكم الله ربّ العالمين ) .

وقال ( عليه السلام ) : ( الحمد لله الذي من تكلّم سمع كلامه ، ومن سكت علم ما في نفسه ، ومن عاش فعليه رزقه ، ومن مات فإليه معاده .

والحمد لله الواحد بغير تشبيهٍ ، الدائم بغير تكوينٍ ، القائم بغير كلفةٍ ، الخالق بغير منصبة ، الموصوف بغير غايةٍ ، المعروف بغير محدوديةٍ ، العزيز لم يزل قديماً في القدم ، وعنت القلوب لهيبته ، وذهلت العقول لعزّته ، وخضعت الرقاب لقدرته ، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته ، ولا يبلغ الناس كنه جلاله ، ولا يفصح الواصلون منهم لكنه عظمته ، ولا تبلغه العلماء بألبابها ، ولا أهل التفكير بتدبير أمورها .

أعلم خلقه به الذي بالحدّ لا يصفه ، يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار ، وهو اللطيف الخبير ، أمّا بعد فإنّ القبور محلّتنا ، والقيامة موعدنا ، والله عارضنا ، وإنّ عليّاً باب من دخله كان آمناً ، ومن خرج منه كان كافراً ، أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم ) .

وقال ( عليه السلام ) : ( يا فتح ! من أرضى الخالق ، لم يبال بسخط المخلوق ، ومن أسخط الخالق فقمن أن يسلّط عليه سخط المخلوق ، وإنّ الخالق لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه ، وأنّى يوصف الذي تعجز الحواسّ أن تدركه ، والأوهام أن تناله ، والخطرات أن تحدّه ، والأبصار عن الإحاطة به ! جلّ عما وصفه الواصفون ، وتعالى عما ينعته الناعتون ، نأى في قربه ، وقرب في نأيه ، قريب وفي قربه بعيد ، كيّف الكيف ، فلا يقال له : كيف ، وأيّن الأين ، فلا يقال له : أين ، إذ هو مبدع الكيفوفية ، والأينونية .

يا فتح ! كلّ جسمٍ مغذّىً بغذاء ، إلاّ الخالق الرازق ، فإنّه جسّم الأجسام ، وهو ليس بجسمٍ ولا صورةٍ ، لم يتجزّأ ، ولم يتناه ، ولم يتزايد ، ولم يتناقص ، مبرّاً من ذات ما ركّب في ذات من جسّمه ، وهو اللطيف الخبير ، الواحد الأحد ، الصمد ، لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد .

منشئ الأشياء ، ومجسّم الأجسام ، ومصوّر الصور ، لو كان كما تقول المشبّهة لم يعرف الخالق من المخلوق ، ولا الرازق من المرزوق ، ولا المنشئ من المنشأ ، لكنّه المنشئ ، فرّق بين من جسّمه وصوّره ، وشيّأه وبيّنه ، إذا كان لا يشبهه شيء ) .

قلت : فالله واحد ، والإنسان واحد ، فليس قد تشابهت الوحدانية ؟

قال : ( أحلت - ثبّتك الله - إنّما التشبيه في المعاني ، وأمّا في الأسماء فهي واحدة ، وهي دلالة على المسمّى ، وذلك أنّ الإنسان وإن قيل : واحد فإنّه يجزّأ ، إنّه جثّة واحدة ، وليس باثنين ، والإنسان نفسه وليس بواحدٍ ، لأن أعضاءه مختلفة ، وألوانه مختلفة غير واحدة ، وهو أجزاء متجزأة ، ليس سواء ، دمه غير لحمه ، ولحمه غير دمه ، وعصبه غير عروقه ، وشعره غير بشره ، وسواده غير بياضه ، وكذلك سائر جميع الخلق ، فالإنسان واحد في الاسم ، لا واحد في المعنى ، والله جلّ جلاله واحد لا واحد غيره ، ولا اختلاف فيه ، ولا تفاوت ، ولا زيادة ، ولا نقصان ، فأمّا الإنسان ، المخلوق المصنوع المؤلّف ، فمن أجزاءٍ مختلفةٍ ، وجواهر شتّى ، غير أنّه بالاجتماع شيء واحد ) .

قلت : فقولك : اللطيف ، فسّره لي ، فإنّي أعلم : أن لطفه خلاف لطف غيره للفصل ، غير أنّي أحبّ أن تشرح لي .

فقال : ( يا فتح إنّما قلت : اللطيف للخلق اللطيف ، ولعلمه بالشيء اللطيف ، ألا ترى إلى اثر صنعه في النبات اللطيف وغير اللطيف ، وفي الخلق من أجسام الحيوان ، من الجرجس ، والبعوض ، وما هو أصغر منهما ، ممّا لا يكاد تستبينه العيون ، بل لا يكاد يستبان لصغره ، الذكر من الأنثى ، والمولود من القديم ، فلمّا رأينا صغر ذلك في لطفه ، واهتداءه للسفاد ، والهرب من الموت ، والجمع لما يصلحه ممّا في لجج البحار ، وما في لحاء الأشجار ، والمفاوز والقفار ، وإفهام بعضها عن بعضٍ منطقها ، وما تفهم به أولادها عنها ، ونقلها الغذاء إليها ، ثمّ تأليف ألوانها : حمرةً مع صفرة ، وبياضاً مع حمرةٍ ، علمنا : أنّ خالق هذا الخلق لطيف ، وإنّ كلّ صانع شيءٍ فمن شيءٍ صنع ، والله الخالق اللطيف الجليل ، خلق وصنع لا من شيء ) .

قلت : - جعلت فداك - وغير الخالق الجليل خالق ؟

قال : ( إنّ الله تبارك وتعالى يقول : ( تبارك الله أحسن الخالقين ) ، فقد أخبر : أنّ في عباده خالقين وغير خالقين ، منهم عيسى ( عليه السلام ) خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله ، فنفخ فصار طائراً بإذن الله ، والسامريّ خلق لهم عجلاً جسداً له خوار ) .

قلت : إنّ عيسى خلق من الطين طيراً ، دليلاً على نبوّته ، والسامريّ خلق عجلاً جسداً لنقض نبوة موسى ( عليه السلام ) ، وشاء الله أن يكون ذلك كذلك ، إنّ هذا لهو العجب .

فقال : ( ويحك - يا فتح - إنّ لله إرادتين ومشيئتين : إرادة حتمٍ وإرادة عزمٍ ، ينهى وهو يشاء ، ويأمر وهو لا يشاء ، أو ما رأيت أنّه نهي آدم وزوجته : أن يأكلا من الشجرة ، وهو شاء ذلك ، لو لم يشأ لم يأكلا ، ولو أكلا لغلبت مشيئتهما مشية الله .. ، وأمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل ( عليه السلام ) ، وشاء أن لا يذبحه ، ولو لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشيئة إبراهيم مشية الله عزّ وجلّ ) .

قلت : فرّجت عنّي ، فرّج الله عنك .

 

  464
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      حرص الإمام الحسن ( ع ) على مصلحة الإسلام
      الإمام الحسن (ع) ومصلحة الإسلام العليا
      بُشرى مولد الإمام الحسن الزكيّ عليه السّلام
      شهادة الإمام الحسن ( ع ) ودفنهُُ
      الخصائص الحسنيّة (2)
      الإمام الحسن عليه السّلام ريحانة رسول الله
      إضاءاتٌ هادية من كلمات الإمام الحسن عليه السلام
      أجوبة الإمام الحسن عن أسئلة الخضر (ع)
      الخامس عشر من شهر رمضان..ذكرى ميلاد الإمام الحسن ...
      الإمام الحسن (عليه السلام) ومصلحة الإسلام العليا

آخر المقالات

      حرص الإمام الحسن ( ع ) على مصلحة الإسلام
      الإمام الحسن (ع) ومصلحة الإسلام العليا
      بُشرى مولد الإمام الحسن الزكيّ عليه السّلام
      شهادة الإمام الحسن ( ع ) ودفنهُُ
      الخصائص الحسنيّة (2)
      الإمام الحسن عليه السّلام ريحانة رسول الله
      إضاءاتٌ هادية من كلمات الإمام الحسن عليه السلام
      أجوبة الإمام الحسن عن أسئلة الخضر (ع)
      الخامس عشر من شهر رمضان..ذكرى ميلاد الإمام الحسن ...
      الإمام الحسن (عليه السلام) ومصلحة الإسلام العليا

 
user comment