عربي
Saturday 24th of August 2019
  2145
  0
  0

المعتزلة

 المعتزلة بين المدارس الكلاميّة المختلفة ، مدرسة فكريّة عقليّة ، أعطت للعقل القسط الأوفر والسّهم الأكبر حتّى فيما لا سبيل له للقضاء فيه ، ولها من نتائج الفكر والمعرفة ما شهد له التأريخ ، ودلّت عليه كتب القوم و رسائلهم الباقية. وما نقله عنهم خصومهم و أعداؤهم. وباختصار ، إنّه مذهب فكري كبير يزخر بمعارف حول المبدأ والمعاد ، وبأنظار عقليّة أو تجريبيّة حول صحيفة الكون.

    ومن المؤسف جدّاً أنّ هوى العصبيّة بل يد الخيانة و الجناية لعبت بكثير من مخلّفاتهم الفكريّة و أطاحت به فأضاعتها بالخرق و المزق و إن كان فيما بقى و ما كشفت عنه بعثة وزارة المعارف المصريّة إلى اليمن و نشرتها (1) كفاية لمن أراد التعرّف على المذهب عن لسان شيوخهم ، ثمّ دراستها ، وسنتلو عليك قائمة الكتب الباقية أو المنشورة في هذه الآونة الأخيرة عنهم ، وبالنّظر إليها يعلم أنّ الباقي يشكل طفيفاً من الكثير المضاع ـ ومع ذلك ـ فهو يستطيع أن يرسم لنا معالم هذا المذهب بوضوح بحيث يغني عن المراجعة إلى كتب خصومهم و أعدائهم.

 
    إنّ ضياع كتب المعتزلة في القرون السابقة وعدم تمكّن الباحثين عنها ، ألجأهم في


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ أصدرت دار الكتب المصرية عام 1967 قائمة المخطوطات العربية المصوّرة بالميكروفيلم من الجمهورية العربية اليمنية. كما قامت بنشر كتب القاضي عبد الجبار رئيس الاعتزال في اوائل القرن الخامس فطبعت منها كتاب شرح الاُصول الخمسة وكتاب المغني له أيضاً في أربعة عشر جزءاً وغيرهما.

 

 

    كتابة عقائدهم و تحليل اُصولهم إلى الاعتماد على كتب الأشاعرة في مجال علم الكلام والملل و النحل ، ومن الواضح جدّاً أنّ كثيراً من الخصوم ليسوا بمنصفين و موضوعيين وقد نسبوا إليهم ما لا يوافق الاُصول الموثوق بها (1).


    إنّ الدّراسة الموضوعيّة الهادفة تكلّف الباحث الرجوع إلى الكتب المؤلفة بيد أعلام المذاهب و خبرائه المعروفين بالحذق والوثاقة ، والاعتماد على كتب الخصوم خارج عن أدب الجدل و رسم التحقيق.


    بيد أنّنا نرى كثيراً من الكتّاب المعاصرين يعتمدون في تحليل عقائد الطّوائف الإسلاميّة على « مقالات الإسلاميّين » للشيخ الأشعري و « الفرق بين الفرق » لعبد القادر البغدادي و « الملل و النحل » للشهرستاني ، وهؤلاء كلّهم من أعلام الأشاعرة و يرجع إليهم في الوقوف على التفكير الأشعري ، وأمّا في غيره فلا يكون قولهم و نقلهم حجّة في حقّهم ، إلاّ إذا طابق الأصل ، فإنّ الكاتب مهما يكون أميناً ـ إذا كان في موقف الجدال والنِّقاش وحاول إثبات مقاله و تدمير مقالة الخصم ـ لا يصحّ الرُّكون إلى نقله ، إلاّ إذا أتى بنصّ عبارة الخصم بلا تصرّف ولا تبديل. ومن المعلوم أنّ الكتب المؤلّفة في العصور الماضية لا تسير على هذا المنهاج ، كما هو واضح لمن سبر.

 


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ مثلاً نسب إليهم أنّهم لا يقولون بعذاب القبر مع أنّ القاضي في شرح الاُصول الخمسة ص 732 يقول: إنّ المعتزلة تقول بعذاب القبر ولا تنكره قال: وأمّا فائدة عذاب القبر وكونه مصلحة للمكلّفين فإنّهم متى علموا أنّهم إن أقدموا على المقبحات وأخلوا بالواجبات عذِّبوا في القبر... وسيأتي البحث عنه في محلّه.

 

اهتمام المستشرقين بتراث المعتزلة


    اهتمّ المستشرقون في العصور الأخيرة بدراسة مذهب الاعتزال وما فيه من الخطوط والاُصول في الكون وحياة الإنسان و اختياره و حرّيتة ، ولقد أعجبتهم فكرتهم في أفعال العباد وصار ذلك سبباً لاهتمام الجدد من أهل السنّة و بالأخص المصريّين منهم إلى دراسة مذهبهم و نشر كتبهم و تقدير فكرتهم و الدّفاع عنهم قدر الامكان وردّ الاعتبار إليهم.

 

سبب تسميتهم بالمعتزلة

    لقد شغل بال الباحثين من المسلمين و المستشرقين سبب تسمية هذه الطّائفة بالمعتزلة ، فاختار كلّ مذهباً ، ونحن نأتي بجميع الآراء أو أكثرها على وجه الاجمال ، مع التّحليل والقضاء بينها.

1 ـ اعتزالهم عن علي ( عليه السلام ) في محاربته لمخالفيه

    قال أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث في كتابه « فرق الشيعة » عندالبحث عن الأحداث الواقعة بعد قتل عثمان: « فلمّا قُتِل بايع الناس عليّاً فسمّوا الجماعة ، ثمّ افترقوا بعد ذلك و صاروا ثلاث فرق: فرقة أقامت على ولايتهـ عليه السلام ـ ، وفرقة خالفت عليّاً وهم طلحة والزبير و عائشة ، وفرقة اعتزلت مع سعد بن مالك وهو سعدبن أبي وقّاص ، وعبدالله بن عمر بن الخطّاب ، ومحمّد بن مسلمة الأنصاري ، واُسامة بن زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم فإنّ هؤلاء اعتزلوا عن علي ( عليه السلام ) وامتنعوا عن محاربته والمحاربة معه بعد دخولهم في بيعته والرضا به. فسمّوا المعتزلة ، وصاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الأبد ، وقالوا: لا يحلّ قتال عليّ ولاالقتال معه.
    وذكر بعض أهل العلم أنّ الأحنف بن قيس التميمي اعتزل بعد ذلك في خاصّة  قومه من بني تميم لا على التديّن بالاعتزال. ولكن على طلب السلامة في القتل و ذهاب المال وقال لقومه: اعتزلوا الفتنة أصلح لكم ».

    وذكر (1) نصر بن مزاحم المنقري أنّ المغيرة بن شعبة كان مقيماً بالطّائف لم يشهد صفّين. فقال معاوية: يا مغيرة: ما ترى؟ قال: يا معاوية لو وسعني أن أنصرك لنصرتك ، ولكن عليّ أن آتيك بأمر الرجلين ( أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص ) فركب حتّى أتى دومة الجندل ، فدخل على أبي موسى كأنّه زائر له ، فقال: يا أبا موسى! ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر و كره الدماء؟ قال: اُولئك خيار الناس خفّت ظهورهم من دمائهم و خمصت بطونهم من أموالهم.

    ثمّ أتى عمراً فقال: يا أبا عبدالله ! ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره الدماء؟
    فقال: اُولئك شرّ الناس لم يعرفوا حقّاً ولم ينكروا باطلا (2).

    غير أنّ شيوخ المعتزلة يردّون هذه الرواية ولا يقيمون لها وزناً. بل يقول البلخي: « ومن الناس من يقول سمّوا معتزلة لاعتزالهم عليّ بن أبي طالب في حروبه ، وليس كذلك ، لأنّ جمهور المعتزلة بل أكثرهم إلاّ القليل الشاذّ منهم يقولون إنّ عليّاً ( عليه السلام ) كان على صواب ، وإنّ من حاربه فهو ضالّ و تبرّأوا ممّن لم يتب عن محاربته ولا يتولّون أحداً ممّن حاربه إلاّ من صحّت عندهم توبته منهم ، و من كان بهذه الصفة فليس بمعتزل عنه ( عليه السلام ) ولا يجوز أن يسمّى بهذا الاسم » (3).

    أقول: لولا أنّ النوبختي ذكر بعد نقل هذه الرواية قوله: « وأنّهم صاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الأبد » لأمكن المناقشة في كونه وجه التسّمية ، و أنّ الاعتزال بالطابع الفكري والعقلي كان استمراراً للاعتزال بطابعه السياسي. إذ من الممكن أن تستعمل كلمة واحدة في طائفتين يجمعهما جامع وهو العزلة وترك الجماعة. فهؤلاء الّذين خذلوا


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ فرق الشيعة: ص 5 طبع النجف عام 1355 هـ.
    2 ـ وقعة صفين ص 620 ـ 621 طبع مصر.
    3 ـ فضل الاعتزال ص 13 ـ 14.

 

    عليّاً بترك البيعة والحرب معه ضدّ الناكثين والقاسطين معتزلون ، كما أنّ واصل بن عطاء و تلاميذه معتزلون لأجل تركهم مجلس درس اُستاذه و تلاميذه كما يأتي في الرواية الاُخرى. واطلاق كلمة واحدة على الطائفتين اللّتين لهما طابعان مختلفان لا يدلّ على أنّ الطائفة الثانية هي استمرار للاُولى. و إنّما يمنعنا عن ردّ هذه النّظرية على وجه القطع هو صراحة كلام النوبختي في ذلك.


2 ـ اعتزالهم عن الحسن بن علي ( عليهماالسلام )

    وهناك رواية اُخرى تدلّ على أنّ تسميتهم بهذا اللّقب لاعتزالهم عن الحسن بن عليّ و معاوية ، نقله الملطي ( المتوفّى عام 373 ) في « التنبيه والردّ » واستحسنه الكوثري (1) وحسب أنّه وقف على أمر بديع. يقول الملطي: « وهم سمّوا أنفسهم معتزلة وذلك عندما بايع الحسن بن عليّ ـ عليهما السلام ـ معاوية وسلّم إليه الأمر اعتزلوا الحسن بن علي و معاوية و جميع الناس ، وذلك أنّهم كانوا من أصحاب علي ولزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة و سمّوا بذلك معتزلة » (2).


    أقول: هذا الرأي قريب من جهة ، لأنّ المعتزلة أخذوا تعاليمهم في التوحيد والعدل عن عليّ ( عليه السلام ) كما سيأتي ، فليس ببعيد أن يرجع وجه التسمية إلى زمن تصالح الإمام الحسن ( عليه السلام ) مع معاوية.


    ومع ذلك كلّه ، يمكن أن يقال فيه مثل ما قلناه في النظرية السابقة ، وهو أنّه كانت طائفتان مختلفتان لا صلة بينهما سوى الاشتراك الاسمي ، ظهرت إحداهما بعد صلح الحسن ( عليه السلام ) وكان لها طابع سياسي ، وظهرت الاُخرى في زمن الحسن البصري عند اعتزال واصل عن حلقة بحثه كما سيأتي بيانه ، لها طابع عقلي.
    وهناك إشكال آخر يتوجّه على رواية الملطي حيث قال: « وهم سمّوا أنفسهم


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ تعليق « تبيين كذب المفتري » ص 10.
    2 ـ التنبيه والرد ص 26.

 

    معتزلة » وهو أنّ لفظ الاعتزال ليس لفظاً يعرب عن المنهج حتّى يطلقوا هذا الاسم على أنفسهم ، إن لم يكن فيه دلالة على ذمّ ما.


3 ـ اعتزال عامر عن مجلس الحسن البصري


    وهناك رواية ثالثة رواها ابن دريد يتحدّث عن بني العنبر قال: « ومن رجالهم في الإسلام عامر بن عبدالله يقال له عامر بن عبد قيس ، وكان عثمان بن عفّان كتب إلى عبدالله بن عامر أن يسيّره إلى الشام ، لأنّه يطعن عليهم وكان من خيار المسلمين وله كلام في التوحيد كثير ، وهو الّذي اعتزل الحسن البصري فسمّوا المعتزلة » (1).


    وروى أبو نعيم بالإسناد عن الحسن البصري أنّه قال: « كان لعامر بن عبدالله بن عبد قيس مجلس في المسجد فتركه حتّى ظننّا أنّه قد ضارع أصحاب الأهواء ، قال: فأتيناه فقلنا له: كان لك مجلس في المسجد فتركته؟ قال: أجل ، إنّه مجلس كثير اللغط والتّخليط ، قال: فأيقّنا أنّه قد ضارع أصحاب الأهواء ، فقلنا: ما تقول فيهم؟ قال: وما عسى أن أقول فيهم... الخ » ، ونقل أبو نعيم الاصفهاني أيضاً أنّه عتب أبو موسى الأشعري (2) عامربن عبد قيس اعتزاله مجلسه الّذي اعتاده في المسجد ، فكتب إليه قائلاً:


     « فإنّي عهدتك على أمر وبلغني أنّك تغيّرت فاتّق الله و عد » (3).


    وقال المعلِّق على كتاب « فضل الاعتزال »: إذا كان ابن دريد و أبو نعيم لم يحدّدا لنا زمن اعتزال عامر بن عبد قيس ، فمن الممكن أن نستنتج أنّه تمّ في خلال تسع سنوات من سنة 35 وهو تأريخ اعتزال جماعة سعد بن أبي وقّاص إذ عناهم الحسن البصري في حديثه ، إلى سنة 44 وهو تأريخ وفاة أبي موسى الأشعري إذ أفاد أبو نعيم أنّه عاتب عامر لاعتزاله مجلسه ».


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الاشتقاق ج 1 ص 213 كما في تعاليق « فضل الاعتزال » ص 15.
    2 ـ كان أبو موسى والي الكوفة أواخر خلافة عثمان إلى عام 36 ، حتّى عزله علي ـ عليه السلام ـ لأجل قعوده عن نصرة الامام.
    3 ـ حلية الأولياء: ج 2 ص 93 ـ 95.

 

    يلاحظ عليه: أنّ الحسن البصري ولد بالمدينة عام ( 21 ) ، ثمّ سكن البصرة وتوفّي عام ( 110 ) ، فمن البعيد أن يكون له مجلس بحث في المسجد وهو من أبناء العشرين أو دونه ، فلو صحّ ما حدّده المعلّق من زمن الاعتزال يلزم أن يكون له مجلس بحث في المسجد بين أعوام 35 ـ 44 ، ويكون عامر بن عبدالله الشخصيّة المعروفة أحد حضّار بحثه ، وقد قدّر الزركلي في كتابه « الأعلام » وفاة عامر نحو سنة ( 55 ) (1).
    ثمّ إنّ عتب أبي موسى لا يصحّ أن يكون في خلال تسع سنوات بين أعوام 35 ـ 44 لأنّه عزل عن الولاية عام 36 و غادر الكوفة ولم يرجع إليها ، ول ـ مّا أصدر حكمه الجائر في دومة الجندل ضدّ عليّ ـ عليه السلام ـ خاف من انتفاضة الناس و ثورتهم عليه ، وغادرها إلى مكّة المكرّمة ومات بها عام 43 أو 44. ولو صحّ عتابه لكان قبل سنة 36 ، وهذا يستلزم أن تكون للحسن حلقة بحث في أوان البلوغ ، وهو بعيد ، مع وجود وجوه الصّحابة وأكابر التّابعين في الكوفة.

 
    ثمّ لو صحّت الرواية لما صحّ أن يكون عامر بن عبدالله ، المؤسّس الأوّل لمذهب الاعتزال و إن استعمل في حقّه كلمة الاعتزال ، لأنّ كلمة الاعتزال في تلك العصور كانت رمزاً للتخلّف عن الفكرة السائدة على المجتمع ، فمن خالف الفكرة و انحاز عنها ، أطلق على فعله الاعتزال و على نفسه المعتزل ، ازدراءً به ، وتلك الكلمة بمنزلة الرجعية في أعصارنا هذه ، و ما جاء في تلك الروايات إشارة إلى أنّ هؤلاء اعتزلوا عن السياسة السائدة على المجتمع كما في اعتزال سعدبن أبي وقّاص و نظائره. أو اعتزال جماعة عن الحسن بن عليّ ـ عليهما السلام ـ أو عن الفكرة الدينيّة كما في الرواية الثالثة. والحقّ في التسمية ما نذكره في القول الرابع وقد تواتر نقله.


4 ـ اعتزال واصل عن مجلس الحسن البصري

    قد عرفت أنّ حكم مرتكب الكبيرة قد أوجد ضجّة كبيرة في الأوساط الإسلاميّة


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الأعلام: ج 4 ، ص 21.

 

    في عصر عليّ ( عليه السلام ) وبعده ، حيث عدّ الخوارج مرتكب الكبيرة كافراً ، كما عدّه غيرهم مؤمناً فاسقاً ، وعدّت المرجئة من شهد بالتوحيد والرسالة لساناً أو جناناً مؤمناً. وقد أخذت المسألة لنفسها مجالاً خاصّاً للبحث عدّة قرون. وكان للمسألة في زمن الحسن البصري دويّ خاصّ.

    نقل الشهرستاني أنّه دخل واحد على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم لا تضرّ مع الإيمان ، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان ، ولا يضرّ مع الإيمان معصية ، كما لا تنفع مع الكفر طاعة وهم مرجئة الاُمّة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟


    فتفكّر الحسن في ذلك و قبل أن يجيب ، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً ، بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن و لا كافر. ثمّ قام و اعتزل إلى اسطوانة المسجد يقرّر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن ، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل ، فسمّي هو وأصحابه: معتزلة (1).


    و ربّما نسبت هذه الواقعة بشكل آخر إلى « عمرو بن عبيد ». قال ابن خلّكان في ترجمة قتادة السدوسي: « كان قتادة من أنسب الناس كان قد أدرك ذعفلاً و كان يدور البصرة أعلاها و أسفلها بغير قائد فدخل مسجد البصرة ، فإذا بعمرو بن عبيد و نفر معه قد اعتزلوا من حلقة الحسن البصري و حلّقوا و ارتفعت أصواتهم ، فأمّهم وهو يظن أنّها حلقة الحسن ، فلمّا صار معهم عرف أنّها ليست هي. فقال: إنّما هؤلاء المعتزلة ، ثمّ قام عنهم فمذ يومئذ سمّوا المعتزلة » (2).
    وتظهر تلك النّظرية من الشيخ المفيد في « أوائل المقالات » حيث قال: « وأمّا المعتزلة وما وسمت به من اسم الاعتزال ، فهو لقب حدث لها عند القول بالمنزلة بين المنزلتين ، وما أحدثه واصل بن العطاء من المذهب في ذلك ونصب من الاحتجاج له ،


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الفرق بين الفرق: ص 21 ، وفي ذيل عبارته ما يدل على أنّ تسميتهم بها لأمر آخر سيوافيك بيانه.
    2 ـ وفيات الأعيان ج 4 ص 85 رقم الترجمة 541.

 

    فتابعه عمرو بن عبيد ، ووافقه على التديّن به من قال بها و من اتّبعهما عليه ، إلى اعتزال الحسن البصري و أصحابه والتحيّز عن مجلسه فسمّاهم الناس المعتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن بعد أن كانوا من أهله و تفرّدهم بما ذهبوا إليه من هذه المسألة من جميع الاُمّة وسائر العلماء ولم يكن قبل ذلك يعرف الاعتزال ولا كان علماً على فريق من الناس » (1).
    ولولا قوله: « وتفرّدهم بما ذهبوا إليه في هذه المسألة من جميع الاُمّة و سائر العلماء » لكان نصّاً في هذه النظرية ، إلاّ أنّ هذا الذيل يمكن أن يكون إشارة إلى النظرية الأخرى الّتي ستبيّن.


    قد نقل اعتزال واصل حلقة الحسن جماعة كثيرة ، فنقلها المرتضى في أماليه ج 1 ص 167 ، والبغدادي في الفرق بين الفرق ص 118 ، والشهرستاني في الملل و النحل ج 1 ص 48 ، وابن خلكان في وفيات الأعيان ج 6 ص 8 ، والمقريزي في خططه ج 2 ص 346.
    وعلى كلّ تقدير فقد ناقش الدكتور « نيبريج » المستشرق هذه النظرّية بأنّه وردت تسمية هذه المدرسة بأهل الاعتزال بمن قال بالاعتزال ، ولو كان معنى الكلمة ما زعموه لما جاز مثل هذه التسمية ، ثم إنّ لها عدّة نظائر في عرف ذلك الزمان كالمرجئة يرادفها أهل الارجاء وهم الّذين قالوا بالإرجاء ، والرافضة يرادفها أهل الرفض ومن قال بالرفض (2).


    ولعلّ المناقشة في محلّها كما سيظهر مما ننقله عن المسعودي في النّظرية السادسة.


5 ـ الاعتزال عن القولين السائدين في ذلك العصر


    وهناك رأي خامس في تسميتهم بالاعتزال يظهر من شيخ المعتزلة أبي القاسم البلخي ( م 317 ) يقول: « والسبب الّذي له سمّيت المعتزلة بالاعتزال; أنّ الاختلاف


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ أوائل المقالات ص 5 ـ 6.
    2 ـ مقدمة كتاب الانتصار لأبي الحسين الخياط ص 54.

 

    وقع في أسماء مرتكبي الكبائر من أهل الصّلاة ، فقالت الخوارج: إنّهم كفّار مشركون وهم مع ذلك فسّاق ، وقال بعض المرجئة: إنّهم مؤمنون لإقرارهم بالله و رسوله و بكتابه و بما جاء به رسوله وإن لم يعملوا به ، فاعتزلت المعتزلة جميع ما اختلف فيه هؤلاء وقالوا نأخذ بما اجتمعوا عليه من تسميتهم بالفسق وندع ما اختلفوا فيه من تسميتهم بالكفر والإيمان والنفاق و الشّرك ، قالوا: لأنّ المؤمن وليّ الله ، والله يجبّ تعظيمه و تكريمه وليس الفاسق كذلك ، والكافر والمشرك و المنافق يجب قتل بعضهم و أخذ الجزية من بعض ، وبعضهم يعبد في السرّ إلهاً غير الله ، وليس الفاسق بهذه الصفة.


    قالوا: فلمّا خرج من هذه الأحكام ، خرج من أن يكون مسمّى بأسماء أهلها وهذا هو القول بالمنزلة بين المنزلتين أي الفسق منزلة بين الكفر والإيمان » (1).


    و يظهر هذا من البغدادي أيضاً قال: « ومنها اتّفاقهم على دعواهم في الفاسق من اُمّة الإسلام بالمنزلة بين المنزلتين وهي أنّه فاسق لا مؤمن ولا كافر ، ولأجل هذا سمّاهم المسلمون « معتزلة » لاعتزالهم قول الاُمّة بأسرها » (2) وفي الوقت نفسه نقل البغدادي ، قصّة اعتزال « واصل » حلقة الحسن بنحو يوهم كون وجه التسمية هو اعتزال واصل مجلس الحسن. لاحظ ص 118.


    ويظهر من ابن المرتضى تأييده. قال في ذيل كلامه: « سمّي و أصحابه معتزلة لاعتزالهم كلّ الأقوال المحدّثة و المجبّرة ». ثمّ ردّ على من زعم أنّ إطلاق المعتزلة لمخالفتهم الاجماع بقوله: « لم يخالفوا الإجماع ، بل عملوا بالمجمع عليه في الصدر الأوّل ورفضوا المحدثات المبتدعة » (3).


    ويظهر هذا أيضاً من نشوان بن سعيد اليمني حيث قال:

     « وسمّيت المعتزلة معتزلة لقولهم بالمنزلة بين المنزلتين وذلك أنّ المسلمين اختلفوا


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ باب ذكر المعتزلة من مقالات الاسلاميين للبلخي ص 115.
    2 ـ الفرق بين الفرق: ص 21 و 115 ، ط دار المعرفة.
    3 ـ المنية والأمل: لأحمد بن يحيى المرتضى ص 4 طبع دار صادر.

 

    في أهل الكبائر فقالت الخوارج: هم كفّار مشركون ، وقال بعض المرجئة: إنّهم مؤمنون ، وقالت المعتزلة: لا نسمّيهم بالكفر و لا بالإيمان ، ولا نقول إنّهم مشركون ولا مؤمنون بل فسّاق ، فاعتزلوا القولين جميعاً و قالوا بالمنزلة بين المنزلتين فسمّوا بالمعتزلة » (1).


6 ـ جعل الفاسق معتزلاً عن الإيمان والكفر

    وهذه النظرية غير النظرية الماضية ، فإنّ الاعتزال فيها كان وصفاً لنفس المعتزلة فهم اعتزلوا عن جميع ما اختلفت فيه من الآراء و أخذوا بالمتّفق عليه ، ولكنّه في هذه النظرية وصف لمورد الخلاف ، أعني الفاسق ، فجعلوه معتزلاً عن الإيمان والكفر ، فلا هو مؤٌمن ولا كافر ، وتظهر تلك النّظرية من المسعودي في مروجه ، قال في بيان الأصل الرابع من الاُصول الخمسة: « وأمّا القول بالمنزلة بين المنزلتين وهو الأصل الرابع ، فهو أنّ الفاسق المرتكب للكبائر ليس بمؤمن ولا كافر ، بل يسمّى فاسقاً على حسب ما ورد التّوقيف بتسميته وأجمع أهل الصّلاة على فسوقه ».


    قال المسعودي: « وبهذا الباب سمّيت المعتزلة ، وهو الاعتزال ، وهو الموصوف بالأسماء والأحكام مع ما تقدّم من الوعيد في الفاسق من الخلود في النار » (2).


    وقال أيضاً: « مات واصل بن عطاء ـ ويكنّى بأبي حذيفة ـ في سنة إحدى و ثلاثين و مائة وهو شيخ المعتزلة و قديمها ، وأوّل من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين وهو أنّ الفاسق من أهل الملّة ليس بمؤمن ولا كافر وبه سمّيت المعتزلة وهو الاعتزال » (3).
    والدقّة في قوله: « وبه سمّيت... » ( أي بعزل الفاسق عن الإيمان والكفر ) تعطي أنّ وجه التسمية يعود إلى جعل الفاسق منعزلاً عنهما.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ شرح رسالة الحور العين: ص 204 ـ 205.
    2 ـ مروج الذهب: ج 3 ، ص 222 ، ط بيروت دار الأندلس.
    3 ـ نفس المصدر : ج 4 ص 22 ، ط بيروت دار الأندلس.

 

    وهناك نظريّة سابعة ذكرها أحمد أمين المصري في فجر الإسلام ص 344 ، ولكنّها من الوهن بمكان لم يرتضها هو نفسه في كتبه اللاحقة فلنضرب عنها صفحاً.
    إلى هنا خرجنا بهذه النّتيجة أنّه لو كان أساس الاعتزال هو واصل بن عطاء أو عمرو بن عبيد ، فتسميتهم بالمعتزلة ، إمّا لاعتزال المؤسّس عن مجلس البحث أو باعتزاله عن الرأيين السائدين ، أو لاعتقادهم بكون الفاسق منعزلاً عن الكفر والإيمان ، وخروج مرتكب الكبيرة عن عداد المؤمنين والكافرين.


    والعجب أنّ اُستاذ واصل كان يذهب إلى أنّه منافق ، وأراد بذلك تخفيف أمره بالنسبة إلى الكافر ، مع أنّ جزاء المنافق في الآخرة لو لم يكن أشدّ من الكافر ليس بأقلّمنه.
    أرى أنّ إفاضة الكلام في تحقيق وجه التسمية أزيد من هذا خروج عن وضع الرسالة فلنرجع إلى سائر أسمائهم.


سائر ألقاب المعتزلة

    فقد ذكر ابن المرتضى لهم أسماء اُخر.

    1 ـ العدليّة: لقولهم بعدل الله و حكمته.

    2 ـ الموحّدة: لقولهم لا قديم مع الله (1).


    ولأجل هذا يطلق على هذه الطّائفة أهل العدل و التوحيد ، ولعلّهم يعنون بالعدل مضافاً إلى ما ذكر ابن المرتضى نفي القدر بالمعنى المستلزم للجبر ، أو يريدون بذلك نفي كونه سبحانه خالقاً لأفعال العباد ، إذ فيه الظلم والقبيح والجور ، وأمّا التّوحيد فإنّهم يريدون منه نفي الصفات الزائدة القديمة ، فإنّ في الاعتقاد بزيادة الصفات اعتراف بقدماء معه سبحانه ، وتنزيهه سبحانه عن التشبيه و التجسيم ،


--------------------------------------------------------------------------------

    1. المنية و الأمل ص 1.

 

    وسيأتي أنّ هذين الأصلّين اللّذين يعدّان الرّكنين الأساسيين لمدرسة الاعتزال مأخوذان من خطب الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ).


    3 ـ أهل الحق: المعتزلة يعتبرون أنفسهم أهل الحقّ ، والفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة ، وقد فرغنا الكلام عن هذا الحديث و تعيين الفرقة الناجية في الجزء الأوّل.
    4 ـ القدرية: يعبّر عن المعتزلة في الكتب الكلاميّة بالقدريّة. والمعتزلة يطلقونها على خصمائهم ، وذلك لما روي عن النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: أنّ القدريّة مجوس هذه الاُمّة. فلو قلنا بأنّ القدريّة منسوبة إلى القدر عِدْل القضاء ، فتنطبق على خصماء المعتزلة القائلين بالقدر السالب للاختيار. ولو قلنا بأنّها منسوبة إلى القدرة ، أي القائلين بتأثير قدرة الإنسان في فعله واختياره و تمكّنه في إيجاده ، فتنطبق ـ على زعم الخصماء ـ على المعتزلة لقولهم بتأثير قدرة الإنسان في فعله. وقد طال الكلام بين المتكلّمين في تفسير الحديث و ذكر كلّ طائفة وجهاً لانطباقه على خصمها (1).


    والحقّ أنّ المتبادر من الحديث هو القدريّة المنسوبة إلى القدر الّذي هو بمعنى التقدير ، و إطلاقه على مثبت القدر كأهل الحديث والحنابلة متعيّن ، إذ لا يطلق الشيء و يراد منه ضدّه.
    فلو كان المراد منه المعتزلة يجب أن يراد منها نفي القدر. وقد روي عن زيد بن عليّ أنّه قال ـ حين سأله أبو الخطّاب عمّا يذهب إليهـ : « أبرأ من القدريّة الّذين حملوا ذنوبهم على الله ومن المرجئة الّذين أطمعوا الفسّاق ». هذا ، ولقد أوضحنا المراد من الحديث في محلّه (2).
    5 ـ الثنوية: المعتزلة يدعون بالثنوية و لعلّ وجهه ما يتراءى من بعضهم لقولهم      الخير من الله والشرّ من العبد.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ لاحظ في الوقوف على هذه الوجوه كشف المراد للعلامة الحلي ص 195 ، وشرح المقاصد للتفتازاني ج 2 ص 143 ، وقد مضى الكلام في سند الحديث ودلالته في فصل القدرية من هذا الجزء فلاحظ.
    2 ـ لاحظ الجزء الأول من الملل والنحل للمؤلف ص 103 ـ 109 ولاحظ الالهيات في ضوء الكتاب والسنة والعقل: محاضراتنا الكلامية بقلم الفاضل الشيخ حسن مكي.

 

    وهناك وجه آخر لتسميتهم بالثنويّة ، أو المجوسيّة ، وهو أنّ المعتزلة قالت باستقلال الإنسان في ايجاد فعله ، بل نقل عن بعضهم القول بحاجة الموجود في حدوثه إلى الواجب دون بقائه و استمراره ، فصيّروا الإنسان كأنّه مستقلّ فى فعله ، بل صيّروا الممكنات كواجب غنىّ عن العلّة في بقائه و استمراره ، دون حدوثه.


    ولكنّ النسبة غير صحيحة ، إلاّ إلى بعض المتأخّرين من المعتزلة ، ولم يظهر لنا أنّ المتقدّمين منهم كانوا على هذا الرأي.


    6 ـ الوعيديّة: و إنّما اُطلقت عليهم هذه الكلمة لقولهم بالوعد والوعيد ، وأنّ الله صادق في وعده ، كما هو صادق في وعيده و أنّه لا يغفر الذنوب إلاّ بعد التوبة ، فلو مات بدونها يكون معذّباً قطعاً ولا يغفر له جزماً و يخلّد في النار و يعذّب عذاباً أضعف من عذاب الكافر.
    7 ـ المعطّلة: أي تعطيل ذاته سبحانه عن الصفات الذاتية ، وهذا اُلصق بالجهميّة الّذين يعدّون في الرعيل الأوّل فى نفي الصفات.وأمّا المعتزلة فلهم في الصفات مذهبان:
    1 ـ القول بالنيابة ، أي خلوّ الذات عن الصفات ولكن تنوب الذات مكان الصفات في الآثار المطلوبة منها ، وقد اشتهر قولهم « خذ الغايات واترك المبادئ » ، وهذا مخالف لكتاب الله و السنّة والعقل. فإنّ النقل يدلّ بوضوح على اتّصافه سبحانه بالصفات الكماليّة ، وأمّا العقل ، فحدث عنه ولا حرج ، لأنّ الكمال يساوق الوجود وكلّما كان الوجود أعلى و أشرف يكون الكمالات فيه آكد.


    2 ـ عينيّة الصفات مع الذات و اشتمالها على حقائقها. من دون أن يكون ذات وصفة ، بل الذات بلغت في الكمال إلى درجة صار نفس العلم والقدرة.
    وهذا هو الظاهر من خطب الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وتعضده البراهين

   العقليّة و إطلاق المعطّلة على هذه الطائفة لا يخلو من تجنّ وافتراء.
    والأولى بهذا الاسم أهل الحديث و الحنابلة ، فإنّهم المعطِّلة حقيقة ، إذ عطّلوا العقول عن معرفة الله و أسمائه و صفاته و أفعاله ، ومنعوا الخوض فى المسائل العقليّة ، وكأنّ العقل خلق لا لغاية إلاّ للسعي وراء الحياة الماديّة.

 
    8 ـ الجهميّة: (1) وهذا اللّقب منحه أحمد بن حنبل لهم ، فكلّما يقول: قالت الجهميّة ، أو يصف القائل بأنّه جهمي يريد به المعتزلة لما وجد من موافقتهم الجهميّة في بعض المسائل ، و إن كانت الجهمية متقدّمة على المعتزلة ، لكنّها على زعمهم مهّدوا السّبيل للمعتزلة ، مع أنّك عرفت أنّ واصلاً أرسل أحد تلاميذه إلى معارضته و أنّهم لا يعدّون الجهم من رجالهم أو طبقاتهم لاختلافهم معه في بعض المسائل الجوهرية ، فإنّ الجهم جبريّ والمعتزلة قائلة بالاختيار ، ولعلّ بعض هذه التسميات من مصاديق قوله سبحانه ( ولا تنابزوا بالألقاب ) ( الحجرات / 11 ).

    9 ـ المفنية:

    10 ـ اللفظيّة:

    وهذان اللقبان ذكرهما المقريزي وقال: أنّهم يوصفون بالمفنية لما نسب إلى أبى الهذيل من فناء حركات أهل الجنّة و النار ، واللّفظيّة لقولهم: ألفاظ القرآن مخلوقة والقبريّة لانكارهم عذاب القبر (2).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ نسبة إلى الجهم بن صفوان ، وقد عرفت القول في عقائده وآرائه وأنّ المهم منه أمران: نفي الرؤية والجبر.
    2 ـ الخطط للمقريزي: ج 4 ، ص 169.

 

الشيعة والمعتزلة أيّتهما أصل للآخر

    إنّ بعض المتسرِّعين من الكتّاب المتأخّرين كأحمد أمين المصريّ ومن حذا حذوه ، يصرّون على أنّ الشيعة أخذت منهجها الفكري في الاُصول والعقائد من المعتزلة ، لما رأوا من وحدة العقيدة في القول بالتوحيد والعدل ، وإنكار الرؤية و إثبات الحسن والقبح العقليين ، وقدرة العبد و اختياره في أفعاله إلى غير ذلك من المبادئ المشتركة بين الطّائفتين.

نظريّة أحمد أمين و مناقشتها

    يقول أحمد أمين : « ولقد قرأت كتاب الياقوت لأبي إسحاق إبراهيم من قدماء متكلّمي الشيعة الإماميّة ، فكنت كأنّي أقرأ كتاباً من كتب اُصول المعتزلة إلاّ في مسائل معدودة كالفصل الأخير في الإمامة ولكن أيّهما أخذ من الآخر؟

    أمّا بعض الشيعة فيزعم أنّ المعتزلة أخذوا عنهم ، وأنّ واصل بن عطاء تتلمذ على جعفراً الصّادق ( عليه السلام ) وإنّي اُرجّح أنّ الشيعة أخذوا من المعتزلة تعاليمهم ، ونشوء مذهب الاعتزال يدلّ على ذلك ».

    استدلّ أحمد أمين على ما يرتئيه بأنّ زيد بن عليّ زعيم الفرقة الشيعيّة الزيديّة تتلمذ لواصل بن عطاء.

    وكان جعفر الصادق ( عليه السلام ) يتّصل بعمّه زيد. ويقول أبو الفرج في « مقاتل الطالبيّين » : « كان جعفر بن محمّد يمسك لزيد بن عليّ بالركاب ، ويسوي ثيابه على السرج » فإذا صحّ ما ذكره الشهرستاني و غيره من تتلمذ زيد لواصل ، فلا يعقل كثيراً أنيتتلمذ واصل لجعفر ، وكثير من المعتزلة كان يتشيّع ، فالظّاهر أنّه عن طريق هؤلاء تسرّبت اُصول المعتزلة إلى الشيعة » (1).

    يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره الكاتب المصري اجتهاد في مقابل تنصيص أئمّة المعتزلة أنفسهم بأنّهم أخذوا اُصولهم من أبي هاشم ابن محمّد الحنفيّة ، وأخذ هو عن أبيه محمّد ، وهو أخذ من عليّ بن أبي طالب ومع هذا التنصيص من نفس المعتزلة فما معنى هذا الاجتهاد؟
    ترى ابن المرتضى يعدّ عليّاً من الطبقة الاُولى للمعتزلة ، كما يعدّ الحسنين اللّذين اشتهر منهما القول بالتوحيد والعدل من الطبقة الثانية. وهكذا يذكر عدّة من علماء أهل البيت كالنفس الزكيّة وغيره من الطّبقة الثالثة. وقد نقل في كتابه هذا كلمات أئمّة أهل البيت وعلمائهم في الاُصول والعقائد (2).

    ومع هذا كيف يصحّ أن تكون الشيعة عالة على المعتزلة؟!
    ونظير ذلك ما ذكره القاضي عبد الجبّار المعتزلي في « فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة » (3).

    أفبعد هذا التنصيص منهم يصحّ الاجتهاد في مقابل النصّ ؟!

    وأمّا ما استند إليه أحمد أمين ، فالحقّ أنّه لم يثبت أوّلاً تتلمذ واصل للإمام الصادق ( عليه السلام ) حتّى يثبت قوله: إنّ الصادق كان يمسك الركاب لتلميذ واصل وهو زيد ، ولميدّع أحد من المحقّقين تتلمذه للصّادق. كما أنّه لم يثبت تتلمذ زيد بن عليّ لواصل.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ ضحى الاسلام: ج 3 ، ص 267 ـ 268 ، الطبعة الثالثة.
    2 ـ المنية والأمل: ص 7 ـ 10.
    3 ـ فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص 214.

 

    ومن سبر تأريخ أئمّة أهل البيت و ذرّيتهم الطيّبة وقف على أنّهم لم يدقّوا باب أحد من الناس ، بل تلقّوا ما تلقّوه عن نفس الأئمّة ، على أنّ زيد بن عليّ قد صلب عام 121 وله من العمر في ذلك الوقت 42. فيكون من مواليد عام 79 أو 80 ، وكان واصل من مواليد عام 80 ، فمن البعيد أن يكون وليد البيت العلويّ تلميذاً لمن هو أصغر منه سنّاً أو مثله ، وقد عدّه الرجاليون من أصحاب أبيه عليّ السجاد ( عليه السلام ) ( م 94 ) وأخيه الإمام الباقر ( عليه السلام ) ( م 114 ) والإمام الصادق ( عليه السلام ) الّذي استشهد زيد في حياته.


نظريّة بعض المستشرقين و مناقشتها

    وهناك رجال آخرون قد وقعوا في نفس هذه الشبهة ، وأرسلوها إرسال المسلّمات ، إمّا مجرّدة عن الدّليل أو مقرونة بتلفيقات غير منتجة. فمن الطائفة الاُولى المستشرق « آدم متز » يقول:


     « لم يكن للشيعة حتّى ذلك الوقت ( عام 334 ) مذهب كلامي خاصّ بهم ، فاقتبسوا عن المعتزلة اُصول الكلام و أساليبه... حتّى إنّ ابن بابويه أكبر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري اتّبع في كتابه « العلل » طريقة علماء المعتزلة الّذين كانوا يبحثون عن علل كلّ شيء ـ إلى أن قال ـ : إنّ الشيعة من حيث العقيدة و المذهب هم ورثة المعتزلة » (1).
    يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ ما ذكره يعرب عن قلّة اطّلاع المستشرق على الثّقافة الشيعية ، وعدم تعرّفه على المتكلمين البارزين فيهم قبل السنة المذكورة. ويكفي في ذلك مراجعة كتاب « تأسيس الشيعة الكرام لعلوم الإسلام » للسيد حسن الصدر ص 353 ـ 402. لقد كان للشيعة متكلّمون بارعون في الجدل و المناظرة في أبواب العقائد في القرون الثلاثة الاُول. وها نحن نأتي بأسماء نماذج من أبرع متكلّمي الشيعة في القرن الثاني ، ونترك البحث عن غيرهم من السابقين واللاحقين إلى محلّه.


 


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الحضارة الاسلاميّة في القرن الرابع الهجري لآدم متز: ج 1 ص 102.

 

1 ـ عيسى بن روضة


    يعرّفه النجاشي بقوله: « عيسى بن روضة حاجب المنصور كان متكلّماً جيّد الكلام ، وله كتاب في الإمامة وقد وصفه أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد ، وذكر أنّه رأى الكتاب ، وقال بعض أصحابنا رحمهم الله: إنّه رأى هذا الكتاب. وقرأت في بعض الكتب أنّ المنصور لما كان بالحيرة تسمّع على عيسى بن روضة وكان مولاه وهو يتكلّم في الإمامة فاُعجب به واستجاد كلامه » (1).


2 ـ علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار البغداديّ


    يقول ابن النديم: « أوّل من تكلّم في مذهب الإمامة: علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار ، وميثم من جلّة أصحاب عليّ ( عليه السلام ) ولعليّ من الكتب كتاب الإمامة وكتاب الاستحقاق » (2).
    وقال النجاشي: « عليّ بن إسماعيل...كوفيّ سكن البصرة ، وكان من وجوه المتكلّمين من أصحابنا ، كلّم أبا الهذيل والنظام ، له مجالس و كتب منها كتاب الإمامة...وكتاب مجالس هشام بن الحكم » (3).


3 ـ أبو جعفر محمّد بن عليّ بن النعمان الملقّب بمؤمن الطاق


    قال النجاشي: « وأمّا منزلته في العلم وحسن الخاطر فأشهر ،...وله كتاب إفعل لا تفعل...كتاب كبير حسن...وله كتاب الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وكتاب كلامه على الخوارج وكتاب مجالسه مع أبي حنيفة و المرجئة....الخ » (4).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ فهرست النجاشي: رقم الترجمة 796.
    2 ـ فهرست ابن النديم: الفن الثاني من المقالة الخامسة ص 223.
    3 ـ فهرست النجاشي: رقم الترجمة 661.
    4 ـ فهرست النجاشي: رقم الترجمة 886.

 

    وقال ابن النديم: « كان حسن الاعتقاد والهدى حاذقاً في صناعة الكلام ، سريع الحاضر والجواب ، وله مع أبي حنيفة مناظرات. ثمّ ذكر مناظرته مع أبي حنيفة في المتعة و الرجعة » (1).
4 ـ هشام بن الحكم


    يقول ابن النديم: « هو من جلّة أصحاب أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق ـ عليهما السلام ـ وهو من متكلّمي الشيعة الإماميّة و بطائنهم وهو الّذي فتق الكلام في الإمامة ، وهذّب المذهب ، وسهّل طريق الحجاج فيه ، وكان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب. وكان أوّلاً من أصحاب الجهم بن صفوان ، ثمّ انتقل إلى القول بالإمامة بالدّلائل والنظر » (2).
    يقول أحمد أمين: « أمّا هشام بن الحكم فيظهر أنّه أكبر شخصيّة شيعيّة في علم الكلام... جدلاً ، قويّ الحجّة ، ناظر المعتزلة و ناظروه ، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرّقة تدلّ على حضور بديهته وقوة حجّته قد ناظر أبا الهذيل العلاّف المعتزلي » (3).
    أفبعد هذه الشخصيات البارزة (4) في علم الكلام يصحّ قول هذا المستشرق الحاقد إنّه لم يكن للشيعة مذهب كلامي خاصّ بهم؟


    وثانياً : إنّ الاستدلال على تأثّر الشيعة بالمعتزلة بتأليف الشيخ الصدوق « علل الشرائع » على غرار كتب المعتزلة الّذين يبحثون عن علل كلّ شيء ، يكشف عن أنّ المستشرق لم يرجع إلى نفس الكتاب رجوعاً دقيقاً ، فإنّ الكتاب فسّر علل الشرائع والأحكام ، بالأحاديث المرويّة عن النّبيّ والوصيّ والأئمّة من بعدهما ( عليهم السلام ) وليس


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ فهرست ابن النديم: الفن الثاني من المقالة الخامسة ، ص 264.
    2 ـ نفس المصدر.
    3 ـ ضحى الاسلام: ج 3 ص 268.
    4 ـ هذا قليل من كثير وقدجئنا بأسماء لفيف من متكلمي الشيعة في القرون الثلاثة في رسالتنا « الشيعة و علم الكلام عبر القرون الأربعة ».

 

    الكتاب تفسيراً للأحكام من نفس المؤلّف حتّى يقال إنّه ألّفه على غرار كتب المعتزلة.
    وثالثاً : إنّ المناظرات الّتي دارت بين الشيعة و المعتزلة من عصر الإمام الباقر ( عليه السلام ) إلى العصر الّذي ارتمت فيه المعتزلة في أحضان آل بويه أدلّ دليل على أنّ النظام الفكري للشيعة لا يتّفق مع المعتزلة من لدن تكوّن المذهبين ، ومن أراد الوقوف على تلك المساجلات فعليه الرجوع إلى المصادر (1).

 
    وهذا محمّد بن عبدالرحمان بن قبة ( المتوفّى قبل سنة 317 ) له كتاب الردّ على الجبّائي. ونقل النّجاشي عن أبي الحسين السوسنجردي ، أنّه قال: « مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضا ( عليه السلام ) بطوس فسلّمت عليه وكان عارفاً بي و معي كتاب أبي جعفر ابن قبة في الإمامة المعروف بالانصاف فوقف عليه و نقضه بـ « المسترشد في الإمامة » فعدت إلى الريّ فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بـ « المستثبت في الإمامة » فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بـ « نقض المستثبت » فعدت إلى الري فوجدت أبا جعفر قد مات ـ رحمه الله ـ » (2).


    وهذا الحسن بن موسى النوبختي من أكابر متكلّمي الشيعة له ردود على المعتزلة:
    1 ـ الردّ على الجبّائي 2 ـ الرد على أبي الهذيل العلاّف في أنّ نعيم الجنّة منقطع 3 ـ النقض على أبي الهذيل في المعرفة 4 ـ النقض على جعفر بن حرب 5 ـ الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين (3).


    وقد قام الشيخ المفيد ( ت 336 ـ م 413 ) بنقض كثير من كتب المعتزلة ، فله الكتب التالية و كلّها ردود عليهم.


    1 ـ الردّ على الجاحظ العثمانية 2 ـ نقض المروانيّة له أيضاً 3 ـ نقض فضيلة المعتزلة له أيضاً 4 ـ النقض على ابن عبّاد في الإمامة 5 ـ النقض على عليّ بن عيسى


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ لاحظ: الفصول المختارة من العيون والمحاسن ، للشيخ المفيد ( م 413 ) وكنز الفوائد ، للعلامة الكراجكي ( م / 449 ) ومناظرات هشام ومؤمن الطاق وغيرهم الواردة في بحار الأنوار.
    2 ـ رجال النجاشي: رقم 1023.
    3 ـ رجال النجاشي: رقم 146.

 

    الرماني 6 ـ النقض على أبي عبدالله البصري في المتعة 7 ـ نقض الخمس عشرة مسألة للبلخي 8 ـ نقض الإمامة على جعفر بن حرب 9 ـ الكلام على الجبائي في المعدوم 10 ـ نقض كتاب الأصمّ في الإمامة 11 ـ كتاب الردّ على الجبّائي في التفسير 12 ـ عمد مختصرة على المعتزلة في الوعيد. إلى غير ذلك من كتبه حول الإمامة الّتي أكثر ردودها على ما ألّفته المعتزلة في هذا المجال (1).


    كما أنّ تلميذه السيّد المرتضى ( ت 355 ـ م 436 ) نقض بعض كتب المعتزلة ، فألّف الشافي ردّاً على الجزء العشرين من كتاب المغني للقاضي عبد الجبّار ( م 415 ) (2).


    كلّ ذلك يعرّف موقف الطّائفتين في المسائل الكلاميّة و أنّهما و إن اجتمعتا في مسائل ، اختلفتا في مسائل كثيّرة أخرى.


نظرية مؤلف كتاب « المعتزلة » و مناقشتها

    إنّ هنا وجوهاً اُخر لفّقها مؤلف كتاب « المعتزلة » تبعاً لأحمد أمين ربّما يستظهر منها عيلولة الشيعة في العقائد على المعتزلة و إليك تحليلها:


    1 ـ إنّ المقدّسي نظر في كتب الفاطميّين الشيعة فى شمال أفريقيا فوجد أنّهم يوافقون المعتزلة في أكثر الاُصول (3).


    يلاحظ عليه: أنّه وجد الشيعة في بلاد العجم يقولون بالتوحيد والعدل كما تقول به المعتزلة ، وهو لا يدلّ على أنّ الشيعة أخذتهما من المعتزلة لو لم نقل بالعكس.
    نعم ، إنّ المعتزلة بعد النكبة وطرق النّكسة في حياتهم لجأوا الى اُمراء آل بويه في أوائل القرن الرابع لما وجدوا فيهم من سعة الصدر ، واستعادوا في ظلّ حكمهم شيئاً من القوّة والسيطرة ، ولعلّنا نتحدّث عنه في محلّه ، ولم تكن تلك الالفة موجودة قبل النّكبة. كيف ومن قرأ تأريخ المعتزلة يقف على أنّهم كانوا خصماء الشيعة في العصور السابقة ،


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ رجال النجاشي: رقم 1067.
    2 ـ المصدر نفسه: رقم 708.
    3 ـ يأتي سائر الوجوه ص 216 فانتظر.

 

    فكانت الطّائفتان تتصارعان صراع الأقران و ربّما يقتتلان قتال موت وحياة ، فكيف يمكن أنّ تكون الشّيعة عالة على المعتزلة في عقائدهم. فمن نسب ذلك إلى الشيعة فقد جهل تأريخ علم الكلام. فأين مبادئ الشيعة من مبادئ الاعتزال؟ فهما و إنّ كانا يشتركان في التوحيد والعدل ونفى الرؤية و التجسيم و القول بالتحسين و التقبيح العقليّين ، ولكن يفترق
    أنّ في كثير من الاُصول و تكفي في ذلك المراجعة لكتاب « أوائل المقالات » (1) للشيخ المفيد ، فقد عنون فيه بعض الفوارق الموجودة بين عقيدة الشيعة وسائر الفرق و منهم المعتزلة.

 

الفوارق الفكرية بين الشيعة والمعتزلة


    إنّ بين المنهجين الكلاميين مشتركات ومعترقات ، وقد تعرفت على قسم من المشتركات ، فها نحن نلمح إلى الفوارق بينهما ، الّتي جعلهما منهجين كلاميين مختلفين لكّل ميزة وخصوصيّة ، وإليك رؤوسها على وجهه الإجمال:


1 ـ عينية الصفات مع الذات :


    اتفقت الطاتئفتان على أنّ صفاته الذاتية ليست زائدة على الذات ، بمعنى أنّ تكون هناك ذات ، وصقة وراءها ، كما في المكنات فإنّ الإنسان له ذات وله علم وقدرة ، هذا ممّا اتّفقتا عليه ، ولكنّهما اختلفتا في تفسير ذلك ، فالعيشة الإميّة ذهبت إلى أنّ الوجود في مقام الواجب بالغ من الكمال على حدّ يعد نفس العلم والضابطة الكلية حتى في مقام الواجب بل الموصوف هناك لأجلّ الكمال المفرط نفس الصفة ، ولا مانع من كون العلم في درجة ، قائماً بالذات ، وفي اُخرى نفس الذات ، وما هذا إلاَ لأنَ زيادة الوصف على الذات توجب حاجتها إلى شيء وراءها ، وهو ينافي وجوب


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ اوائل المقالات: ص 8 ـ 16.

 

    الوجود والغناء المطلق. هذه هي نظرية الشيعة مقرونة بالدليل الإجمالي ، وقد اقتفوا في ذلك مارسمه علي ( عليه السلام ) فقال: « وكمال الإخلاص له نفي الصفات ( الزائدة ) عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف الله ( بوصف زائد على ذاته ) فقد قرنه ( قرن ذاته بشيء غيرها ) ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهله (1)


    وقال الإمام الصادق: « لم يزل الله جلّ وعزّ ، ربّنا والعلم ذاته ، ولا معلوم ، والسمع ذاته ، ولا مسموع والبصر ذاته ولا مبصر ، و القدرة ذاته ولا مقدور » (2)
    هذا ما لدى الشيعة ، وأمّا المعتزلة فقد اضطرب كلامهم في المقام ، فالقول المشهور عندهم هي نظرية نيابة الذات عن الصفات ، من دون أنّ تكون هناك صفة ، وذلك لأنّهم رأواأنّ الاّمر في أوصافه سبحانه يدور بين محذورين.


    1 ـ لو قلنا بأنّ له سبحانه صفات كالعلم ، وجب الاعتراف بالتعدد و الإثنينية ، لأنّ واقع الصفات هو المغايرة للموصوف .


    2 ـ إنّ نفي العلم والقدرة و سائر الصفات الكمالية يستلزم النقص في ذاته أولاً ويكذبه اتقان آثاره وأفعاله ثانياً.


    فالمخلَص والفر من هذين المحذورين يتلخّص عندهم في انتخاب نظرية النيابة ، وهي القول بأنّ الذات نائبة مناب الصفات ، و إنّ لم تكن هناك واقعية للصفات وراء الذات ، فما يترقب من الذات المقرونة بالصفة ، يترتب على تلك الذات النائبة مقامها ، هذا هو المشهور عن المعتزلة وإليك نصّ كلام عباد بن سليمان في ذلك المجال قال: « هو عالم قادر ، حىّ ، ولاأثبت له علماً ، ولاقدرةً ، ولا حياةً ، ولا أثبت سمعاً ، ولا أثبت بصراً وأقول هو عالم لابعلم ، قادر لابقدرة ، حىّ لا بحياة ، وسميع لا بسمع ، وكذلك سائر مايسمّى من الأسماء الّتي يسمّى بها (3)


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ .الرضي: نهج البلاغة: الخطبة (1)
    2 ـ الصدوق: الاتوحيد: 139.
    3 ـ الأشعري: مقالات الإسلاميين 1: 335.

 

    يلاحظ: أنّ نظرية النياية المشهورة عن المعتزلة ، مبنية على تخيّل كون الشيء وصفاً ملازم للزيادة دائماً ، فوقعوا بين المحذورين وتخلّصوا بالنيابة ، ومن المعلوم أنّ موجع النيابة إلى خلو الذات عن الكمال أولاً ، وكون الذات الفاقدة للعلم ، نائبة عن الذات المقرونة بها أشبه باللغز.


    نعم ، بعض المعتزلة كأبي هذيل العلاف ( 130 ـ 235 ) ذهب إلى نفس ماذهب الشيعة إليه ، وقد ذكرنا كلامه في الجزء الثاني (1)


2 ـ إحباط الأعمال الصالحة بالطالحة

    الإحباط في عرف المتكلمين عبارة عن بطلان الحسنة ، وعدم ترتب مايتوقع منها عليها ، ويقابله التفكير وهو إسقاط السيئة بعدم جريان مقتضاها عليها فهو في المعصية نقيض الإحباط في الطاعة ، والمعروف عن الإماميّة والأشاعرة هو أنّه لاتحابط بين المعاصي والطاعات والثواب والعقاب ، والمعروف من المعتزلة هو التحاط (2) ، ثمّ إنهم اختلفوا في كيفيته فمنهم من قال :من أنّ الإساءة الكثيرة تسقط الحسنات القليلة وتمحوها بالكلية من دون أنّ يكون لها تأثير في تقليل الإساءة وهو المحكي عن أبي علي الجبائي.


    ومنهم من قال: بأنّ الإحسان القليل يسقط بالإساءة الكثيرة ولكنه يقلل في تأثير الإساءة فينقص الإحسان من الإساءة فيجري العبد بالمقدار الباقي بعد التنقيص ، وهو المنسوب إلى أبي هاشم.


    ومنهم من قال :إنّ الإساءة المتأخرة تحبط جميع الطاعات وإنّ كانت الإساءة أقل منها ، حتى قيل :إنّ الجمهور من المعتزلة ذهبوا إلى أنّ الكبيرة الواحدة ، تحبط ثواب


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ لاحظ بحوث في الملل والنحل 2:84 نقلا عن شرح الاُصل الخمسة للقاضي عبدالجبار: 183 ، ومقالات الإسلاميين: 225.
    2 ـ المفيد: أوائل المقالات: 57. وسيوافيك نصوص المعتزلة في محلها.

 

جميع العبادات (1)


    هذا على قول المعتزلة. وأمّا على قول نفاة الإحباط فالمطيع والعاصي يستحق الثواب والعقاب معاً فيعاقب مدّة ثم يخرج من النار فيثاب بالجنّة.


    نعم ، ثبت الإحباط في موارد نادرة ، كالإرتداد بعد الإسلام ، والشرك المقارن للعمل ، والصدّ عن سبيل الله ، ومجادلة الرسول ومشاقته ، وقتل الأنبياء ، وقتل الآمرين بالقسط ، وإساءة الأدب مع النبي ، والنفاق ، وغير ذلك ممّا شرحناه في الإلهيات (2).

3 ـ خلود مرتكب الكبيرة في النار


    اتّفقت الإماميّة على أنّ الوعيد بالخلود في النار متوجّه إلى الكفّار خاصّة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلات ، و وافقهم على هذا القول كافة المرجئة سوى محمد بن شبيب وأصحاب الحديث قاطبة ، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك ، وزعموا أنّ الوعيد بالخلود في النار عامّ في الكفار و جميع فساد أهل الصلاة.
    ويظهر من العلاّمة الحلي أنّ الخلود ليس هو مذهب جميع المعتزلة حيث قال :أجمع المسلمون كافة على أنّ عذاب الكافر مؤبّد لاينقطع ، وأمّا أصحاب الكبائر من المسلمين ، فالوعيدية على أنّه كذلك. وذهبت الإماميّة وطائفة كثيرة من المعتزلة والأشاعره إلى أنّ عذاب منقطع (3).


    والظاهر من القاضي عبد الجبار هو الخلود ، واستدل بقوله سبحانه: ( وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ ورسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا ) ( النساء / 14 ). فالله تعالى


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ التفتازاني: شرح المقاصد 2: 232 ، القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة: 625.
    2 ـ حسن مكي العاملي: الإلهيات 1: 870 ـ 874.
    3 ـ العلامة الحلي: كشف المراد: 265.

 

    أخير أنّ العصاة يعذّبون بالنار ويخلدون فيها ، والعاصي اسم يتناول الفاسق والكافر جميعاً فيجب حمله عليها لأنّه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينة فلمّا لم يبيّنه دلّ على ما ذكرناه.
    فإن قيل: إنّماأراد الله تعالى بالآية الكافر دون الفاسق ، ألاترى إلى قوله تعالى: ( وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ) وذلك لايصيوّر إلاّفي الكفرة إلاّفالفاسق لابتعدى حدود الله تعالى أجمع. ثم أجاب عنه فلاحظ كلامه (1)


4 ـ لزوم العمل بالوعيد وعدمه


    المشهور عن المعتزلة أنّهم لا يجوّزون العفو عن المسيء لاستلزامه الخلف ، وأنّه يجب العمل بالوعيد كالعمل بالوعيد ، والظاهر من القاضي أنها نظرية البغدادين من المعتزلة قال: اعلم أنّ البغدادية من أصحابنا أوجبت على الله أنّ يفعل بالعصاة ما يستحقونه لا محال ، وقالت: لايجوز أنّ يعفو عنهم ، فصار العقاب عندهم أعلى حالاً في الوجوب من الثواب ، فإن الثواب عندهم لايجب إلامن حيث الجود ، وليس هذا قولهم في العقاب فإنّه يجب فعله بكل حال (2).
    وذهبت الإماميّة إلى جواز العفو عن المسيء إذا مات بلاتوبة ، واستدل الشريف المرتضى بقوله سبحانه: ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبِلِهمُ المَثُلتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة للنَّاسِ َعلَى ظُلْمِهِمْ َوإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الِعقَابِ ) ( الرعد / 6 ).وقال: في هذه الآية دلالة على جواز المغفرة للمذنبين من أهل القبلة لإنّه سبحانه دلّنا على أنّه يغفر لهم مع كونهم ظالمين لأنّ قوله: ( على ظلمهم ) جملة حالية إشارة إلى الحال الّتي يكونون عليها ظالمين ، ويجري ذلك مجرى قول القائل:


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة: 675.
    2 ـ القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة: 644.

 

     « أنا أودّ فلانا على غدره ( و ) وأصله على هجره » (1).
    وقد أوضحنا الحال في دلالة الآية وأجبنا عن إشكال القاضي على دلالتها في الإلهيات (2).

5 ـ الشفاعة حطّ الذنوب أوترفيع الدرجة :


    لما ذهبت المعتزلة إلى خلود مرتكب الكبيرة في النار ، وإلى لزوم العمل بالوعيد ، ورأت أنّ آيات الشفاعة الفسّاق الّذين ماتوا على الفسوق ولم يتوبوا تتنزّل منزلة الشفاعة لمن قتل ولد الغير وترصّد للآخر حتى يقتله ، فكما أنّ ذلك يقبح فكذلك هاهنا (3).
    فالشفاعة عندهم عبارة عن ترفيع الدرجة ، فخصوها بالتائبين من المؤمنين وصار أثرها عندهم ترفيع المقام لا الإنقاذ من العذاب أو الخروج منه ، قال القاضي: إنّ فائدة الشفاعة رفع مرتبة الشفيع والدلالة على منزلة من المشفوع (4).
    وأمّا عند الشيعة الإماميّة فهو عبارة عن إسقاط العذاب ، قال الشيخ المفيد: اتفقت الإماميّة على أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من اُمته ، وأنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته وأنّ أئمة آل محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يشفعون كذلك وينجي الله بشفاعنهم كثيراً من الخاطئين ، و وافقهم على شفاعة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المرجئة سوى ابن شبيب وجماعة من أصحاب الحديث ، وأجمعت المعتزلة على خلاف وزعمت أنّ شفاعة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للمطيعين دون العاصين


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الطبرسي 3: 287.
    2 ـ حسن مكي العاملي: الإلهيات 1: 910.
    3 ـ القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة :688.
    4 ـ القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة: 689.

 

    وأنّه لايشفع في مستحقي العقاب من الخلق أجمعين (1).

6 ـ مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر


    إنّ مقترف الكبيرة عند الشيعة والأشاعرة مؤمن فاسق خرج عن طاعة الله. وهو عند الخوارج ، كافر كفر ملة عند جميع فرقهم إلاّ الأباضية فهو عند كافر كفر النعمة ، وأمّا المعتزلة فهو عندهم في منزلة بين المنزلتين قال القاضي: إنّ صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين ، وحكم بين الحكمين لايكون اسمه اسم الكافر ، ولا اسم المؤمن فلا يكون حكمه حكم الكافر ولاحكم المؤمن بل يفرد له حكم ثالث. وهذا الحكم الّذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين ، قال صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان (2).
    وهذا أحد الاُصول الخمسة الّتي عليها يدور رمى الاعتزال ومن أنكر واحداً منها فليس بمعتزلي (3).

 

7 ـ النسخ جائزٌ ممتنع عند المعتزلة


    اتفق المسلمون على جواز النسخ خلافاً لليهود ، واختلفوا في البداء ، ذهبت الشيعة إلى إمكانه و وقوعه ، خلافاً لغيرهم فقالوا بالامتناع.
    ثم إنّ الّذي صار سبباً للتفريق عند القاضي هو أنّه اشترط في النسخ اُموراً أهمها: أنّ النسخ لايتعلّق بعين ما كان ثابتاً ، بل يتعلّق بمثل ما كان ثابتاً أشار إليها بقوله : النسخ إزالة مثل الحكم الثابت بدلالة شرعية ، بدليل آخر شرعي على وجه لولاه لثبت ، ولم يزل مع تراخيه عنه.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المفيد: أوئل المقالات: 14 ـ 15.
    2 ـ القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة: 697.
    3 ـ الخياط: الانصار / 126 ، ومروج الذهب 3 / 222.

 

    قال: فاعتبرنا أنّ يكون إزالة مثل الحكم الثابت لأنه لو زال عين ما كان ثابتاً من قبل لم يكن نسخاً بل كان نقضاً ، وهذا بخلاف البداء فإنه يتعلّق بعين ما كان ثابتاً. ومثاله أنّ يقول أحدنا لغلامه: إذا زالت الشمس و دخلت السوق فاشتر اللحم. ثم يقول له: إذا زالت الشمس ودخلت السوق فلا تشتر اللحم ، وهذا هو البدء وإنما سمي به لأنه يقتضي أنّه قد ظهر له من حال اشتراء اللحم ما كان خايفاً عليه كم قبل (1).


    وقال أيضاً: الّذي يدل على البداء ، أنّ يأمر الله جلّ وعزّ بنفس مانهى عنه في وقت واحد على وجه واحد وهذا محال لانجيزه البتة (2).


    نحن لانحوم حول البداء وما هو الفرق بينه وبين النسخ ، فقد أشبعنا الكلام فيه في نحوثنا الكلامية (3).غير أنّ الّذي يتوجّه على كلام القاضي أنّ ما أحاله هو أيضاً من أقسام النسج لا من أقسام البداء المصطلح فإنه على قسمين:

    1 ـ النسخ بعد حضور وقت العمل.

    2 ـ النسخ قبل حضور وقت العمل.

    والّذي أحاله هو القسم الثاني ، وأمّا الوجه الّذي اعتمد عليه فموهون بأنه ربّما تترتّب المصلحة على نفس إنشاء الحكم وإنّ لم يكن العمل به مراداً جدياً كما هو الحال في أمر إبراهيم بذبح ولده ، والأوامر الامتحانية كلها من هذا القبيل فإذا شوهد من الإنسان القيام بمقدّمات الواجب ، ينسخ الحكم ، وعلى كل تقدير فما سماه بداء ، ليس هو محل النزاع بين الإماميّة وغيرهم.


    والبداء عندهم عبارة عن تغيير المصير الأعمال الصالحة أو الطاعة وهو شيء


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة: ص 584 ، 585.
    2 ـ رسائل العدل والتوحيد 1 ، رسالة القاضي عبد الجبار / 241.
    3 ـ لاحظ الالهيات :ج 1 ، ص 565.

 

    اتفق عليه المسلمون ، ورد به النص في القرآن و النسنة.
    هذه هي حقيقة البداء في عالم الثبوت ، وله أثر في عالم الإثبات وهو أنّه
    ربّما يقف النبي على مقتضي المصير ولايقف على مايغيره ، فيخير به على حسب العلم بالمقتضى ولكن لا يتحقّق لأجلّ تحقّق ما يغيّره ، فيقال هنا: بدا لله والمقصود بداء من الله للعباد كما هو الحال في إخبار يونس عن تعذيب القوم وغير ذلك ، وقد وردت جملة « بدا لله » في صحيح البخاري (1).

    قال الشيخ المفيد: أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من الإفقار بعد الإغناء ، والأمراض بعد الإعفاء وما يذهب إليه أهل العدل خاصّة من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال وأمّا إطلاق لفظ البداء ، فإنّما صرت إليه لأجلّ السمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله ـ
    عزّ وجلّ ـ وليس بيني وبين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف ، وإنّما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه (2).
    وهذا يعرب عن أنّ القوم لم يقفوا على مصطلح الإماميّة في البداء وإلاّ لأصفقوا على جوازه.


8 ـ الواسطة بين الوجود والعدم


    اتفق المفكرون من الفلاسفة و المتكلمين على أنه لاواسطة بين الوجود والعدم كما لا واسطة بين الموجود والعدم ، وإنّ الماهيات قبل اتصفاها بالوجود معدومات حقيقة ، غير أنّ المعتزلة ذهبت إلى انها في حال العدم غير موجود ولا معدوم ، بل متوسط بينهما و هذا هو العروف منهم بالقول بألأحوال .


    قال الشيخ المفيد: المعدوم هو المنفي العين ، الخارج عن صفحة الموجود ، ولا


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ البخاري: الصحيح 4 / 172 باب حديث « أبرص وأعمى وأاقرع في بني إسرائيل ».
    2 ـ المفيد: أوائل المقالات ، ص 53.

 

    أقول: إنّه جسم ولاجوهر ولا عرض ، ولا شيء على الحقيقة ، وإنّ سميته بشيء من هذه الأسماء ، فإنما تسميه به مجازا وهذا مذهب جماعة من بغدادية المعتزلة وأصحاب المخلوق [ كذا ] ، والبلخي يزعم أنّه شيء ولا يسميه بجسم ولا جوهر ولا عرض ، والجبائي وابنه يزرعان أنّ المعدوم شيء وجوهر وعرض ، والخياط يزعم أنّه شيء وعرض وجسم (1).
    وبما أنّه المسألة واضحة جداً لانحوم حولها.


9 ـ التوفيض في الأفعال

    ذهبت المعتزلة الا من شذ كالنجار و أبي الحسين البصري (2) إلى أنّ أفعال العباد واقعة بقدرتهم وحدها على سبيل الاستقلال ايجاب (3) بل باختيار.
    قال القاضي: أفعل العباد لايجوز أنّ توصف بأنها من الله تعالى ومن عنده و من قبله ... (4)
    قال السيد الشريف إنّ المعتزلة اسدلوا بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد وهو أنّه لو لا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار ، لبطل التكليف وبطل التأديب الّذي ورد به الشرع وارتفع المدح والذم إذليس للفعل استناد إلى العبد أصلا ، ولم يبق للبعثة فائدة لأن العباد ليسوا موحدين أفعالهم ، فمن أين لهم استحقاق الثواب والعقاب (5).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المفيد: أوائل المقالات / 79.
    2 ـ لاحظ حاشية شرح المواقف لعبد الحليم السيالكوتي ، ج 2 ، ص 156.
    3 ـ ولعل قولهم بلا إيجاد اشارة إلى أنّ حال الصدور لايتصف بالوجوب أيضاً. والقاعدة الفلسفية « الشيء مالم يجب لم يوجد » غير مقبولة عندهم.
    4 ـ القاضي عبدالجبار: شرح الأصول الخمسة 778 ، وفي ذيله ما ربّما يوهم خلاف ما هو المشهور غنهم.
    5 ـ السيد الشريف الجرجاني ( ت 886 ) : شرح المواقف ، ج 8 ، ص 156.

 

    ثم إنّ نظريتهم في استقلال العبد في الفعل مبنية على مسألة فليسفسة وهو أنّ حاجة الممكن إلى العلّة تنصر في حدوثه ، لافيه وفي بقائه ، وعلى ضوء ذلك قالوا با ستقلال العبد في مقام الإيجاد.


    والمبنى والبناء كلاهما باطلان. أما الافتقار حدوثاً فقط ، فهو لا يجتمع مع كون الإمكان من لوازم الماهية وهي محفوظة حدوثاً وبقاء ، فكيف يجوز الغناء عن الفاعل بقاء.
    قال الحكيم الشيخ محمد حسين الإصفهاني:

والافتقار لازم الإمكان لافرق مابين الحدوث والبقاء
 
 من دون حاجة إلى البرهان في لازم الذات ولن يفترقا
 

    هذا كله حول المبنى في التخلص عن الجبر استناد الفعل إلى الفاعل والخالق معاً ، لكن يكون قدرة المخلوق في طول قدرة الخلق ، ومنشعبة عنها ، وهذا يكفي في الاستناد وصحة الامر والنهي والتأديب والتثويب ، فالجبر والتوفيض باطلان ، والامر بين الامرين هو الحق الصراح ، وقد تواتر عن أئمة أهل


    البيت قولهم :لاجبر وتفويض لكن أمر بين الأمرين (1).


    ثم إنّ الدافع إلى القول بالتفويض هو صيانة عدله سبحانه فزعموا أنّ الصيانه لها رهن ما ذهبت إليه الإماميّة ، ثم انهم و إنّ نزهوا العبد عن الظلم ولكن صورواله شريكا في الايجاد ، ولأجل ذلك قال الامام الرضا ـ عليه السلام:


     « مساكين القدرية أرادوا أنّ يصفوا الله ـ عزّ وجلّ ـ بعدله ، فأخرجوه من قدرته وسلطانه (2).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الصدق: التوحيث 8 ، ولاحظ الأحاديث الاُخرى.
    2 ـ نفس المصدر ، ص 54 ، الحديث 93.

 

10 ـ قبول التوبة واجب على الله أو تفضّل منه ؟


     اتفق المسلمون على أنّ التوبة تسقط العقاب ، وإنّما الخلاف في أنّه هل يجب على الله قبولها فلو عاقب بعد التوبة كان ظالماَ أو هو تفضل منه سبحانه ؟فالمعتزلة على الأوّل ، والأشاعره والإماميّة على الثاني (1).

    قال المفيد:

     « اتفقت الإماميّة على أنّ قول التوبة بفضل من الله عزّ وجلّ ، وليس بواجب في العقول اسقاطها لما سلف من استحقاق العقاب ، ولولا أنّ السمع ورد بإسقاطها لجاز في العقول بقاء التائبين على شرط الإستحقاق ، و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث ، وأجمعت المعتزلة على خلافهم و زعموا أنّ التوبة مسقطة لما سلف من العقاب على الواجب (2).
    و لقد أحسن ـ قدّس الله سرهـ حيث جعل محور المسألة قبول التوبة وعدمه بما هو هو لابلحاظ آخر كما في صورة الأخبار بقبول التوبة قال سبحانه: ( يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) ( التوبة / 104 ). إذ عندئذ يجب قبول التوبة عقلا وإلالزم الخلف في الوعد. قال الطبرسي في تفسير قوله سبحانه: ( إلاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فاُولئكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوّاُب الرَّحِيمُ ) ( البقوة / 160 ). وصفحه بالرحيم عقيب التوّاب يدل على أنّ إسقاط العقاب بعد التوبة تفضل منه سبحانه ورحمة من جهته ، على ما قاله أصحابنا ، وأنّه غير واجب عقلاً على خلاف ماذهب إليه المعتزلة (3).


    ومن أراد أنّ يقف على دلائل المعتزلة في المقام فليرجع إلى كشف المراد شرح المقاصد.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ لاحظ: التفتازاني: شرح المقاصد ، ج 2 ، 242 ، العلامة الحلّي: كشف المراد ، ص 268 ، القاضي عبدالجبار: شرح الاُصول الخمسة ، ص 798.
    2 ـ المفيد: أوئل المقالات ص 15.
    3 ـ الطبرسي: ومجمع البيان 1 / 242.

 

11 ـ عصمة الأنبياء قبل البعثة و بعدها

     اتفقت الإمامية على أنّ جميع أنبياء الله ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ معصومون من الكبائر قبل النبوة وبعدها ، وممّا يستخف فاعله من الصغائر وأما ماكان من صغير لا يستخف فاعله فجائز و قوعة منهم قبل النبوة وعلى غير تعمد وممتنع منهم بعدها ، على كل حال هذا مذهب جمهور الإمامية والمعتزلة بأسرها تخالف فيه (1).


    والمقول عن أبي علي الجبائي التفصيل في الكبائر بين قبل البعثة وبعدها فيجوز في الأول دون الثاني ، والمختار عند القاضي في الكبائر عدم الجواز مطلقاً وأمّا المفرات فاتفقوا على عدم جواز (2).

12 ـ وجوب الأمر بالمعروف عقلاًوعدمه


    اتفقت الاُمّة على و جوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا استثناء غير أنهم اختلفوا في وجوبه عقلاً وسمعاً ، أو سمعاً فقط ، فالمعتزلة على الأوّل والاماميّة على الثاني.
    قال المفيد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان فرض على الكفاية بشرط الحاجة إليه لقيام الحجة على من لايعلم لديه إلأبذكره أو حصول العلم بالمصلحة به أو غلبه الظن وبذلك (3).


    ثم إنّ المحقق الطوسي ذكر في متن التريد دلائل العتزلة على وجوبهما عقلاً ، ثم عقب عليها بنقد وتحليل (4).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المفيد: أوائل المقالات / 30.
    2 ـ القاضي عبدالجبار :شرح الاُصول الخمسة: 573.
    3 ـ المفيد: أوائل المقالات / 98 ، وبذلك يظهر وهن ما ذكره القاضي في شرح الاُصول الخمسة من نسبة عدم الوجوب على الإطلاق إلى الإماميّة لاحظ ص 741.
    4 ـ العلامة الحلّي: المراد / 271 طبع صيدا.

 

13 ـ آباء رسول الله كلهم موحّدون


     اتفقت الإماميّة على أنّ آباء رسول الله من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب مؤمنون بالله عزّ وجلّ ـ موحّدون له ، وخالفهم على هذا القول جميع الفرق (1).
14 ـ تفضيل الأنبياء على الملائكة


    اتفقت الإماميّة على ذلك أنّ أنبياء الله عزّ وجلّ ورسله من البشر أفضل من الملائكة و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث ، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعم الجمهور منهم أنّ الملائكة أفضل من الأنبياء والرسول (2).

 
15 ـ الرجعة: إمكانها و وقوعها

     قضية الرجعة الّتي تحدثت عنها بعض الآيات القرآنية و الأحاديث المروية عن أهل بيت الرسالة ممّا تعتقد به الشيعة من بين الامة الإسلاميّة قال الشيخ المفيد: إنّ الله يحشر قوماً من اُمّةُ محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد موتهم قبل يوم القيامة وهذا مذهب
    يختص به آله محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والقرآن شاهد به (3).


    وخالفت المعتزلة والأشاعرة وأهل الحديث في ذلك.


16 ـ الجنّة والنار مخلوقتان أو لا؟


    إنّ الله سبحانه وعد المتقين بالجنّة أو عد العصاة بالنار فهل هما مخلوقتان أو لا؟

    والمسألة نقلية محضة فالإماميّة إلاّمن شذ ، ذهب إلى أنّ الجنّة والنار في هذا الوقت مخلوقتان قال الشيخ المفيد: وبذلك جاءت الأخبار وعليه إجماع أهل الشرع


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المفيد: أوائل المقالات ، ص 12.
    2 ـ المفيد: أوائل المقالات ، ص 16.
    3 ـ المجلسي: البحار شرح 53 / 36 ، نقلاالمسائل السرورية للشيخ المفيد.

 

    والآثار (1).

    وقال التفتازاني: « جمهور المسلمين على أنّ الجنّة والنار مخلوقتان الآن خلافاً لأبي هاشم والقاضي عبدالجبار ومن يجري مجراهما من المعتزلة حيث زعموا أنهما إنما يخلقان يوم الجزاء » (2).

    والظاهر من السيد الرضي من الشيعة ( 359 ـ 406 ) أنهما غير مخلوقتين الآن حيث قال: الصحيح أنهما إنما تخلقان بعده (3).


17 ـ تأويل النصوص اعتماداً على القواعد العقلية:


    إنّ الاصول الخمسة عند المعتزل توصف بالصحة والاتقان على درجة تقدم على النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم والسنّة ، فقد أعطوا للعقل أكثر ممّا يستحقه ، فقالوا: إنّ المراد في الشفاعة هو ترفيع الدرجة لا رفع العقاب وقس على ذلك سائر تأويلاتهم في الكتاب والسنّة .


    إنّ النص الوارد في القرآن الكريم دليل قطعي لايعادله شيء فعند ذلك تجب تخطئة العقل لاتأويل القرآن ، والتعارض بين القطعيين غير معقول ، وتأويل النص القطعي كرفضه ، نعم لو كان النص ظني السند أو كان الدليل الشرعي ظنّي الدلالة فللتأويل مجال ، هذا وللبحث صلة تطلب في مجالها.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المفيد: أوائل المقلات / 102.
    2 ـ التفتازاني: شرح المقاصد / 2 318 ولاحظ شرح التجريد للقوشجي / 507 وعبارة الأخيرين واحدة.
    3 ـ تارضي: حقائق التأويل 5 / 245.


18 ـ الإمامة بالتنصيص أو بالشورى:


    اتفقت الإماميّة على أنّ الامامه بالتنصيص خلافاً للأشاعرة والمعتزلة وقالوا بالشورى وغيرها ، ويتفرع على ذلك أمر آخر وهو: أنّ النبي نص على خليفة بالذات عند الإمامية ، وقال الآخرون: سكت وترك الأمر شورى بين المسلمين.
    قال القاضي عند البحث عن طرق الإمامة ( عند المعتزلة ) : إنها العقد والاختيار (1).

 

19 ـ هل يشرط في الإمام كونه معصوماً

    اتقضت الإمامية على أنّ الامام يجب أنّ يكون معصوماً عن الخطأ والمعصية خلافاً للمعتزلة حيث اكتفت أنه يجب أنّ يكون مبرزاً في العلم مجتهداً ذا ورع شديد ، يوثق بقوله ويؤمن منه ويعتمد عليه (2).


    قال المفيد: إنّ الئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الاحكام ، وإقامة الحدود ، وحفظ الشرائع ، وتأديب الأنام ، معصومون كعصمة الأنبياء ، وانهم لايجوز منهم صغيرة إلأ ما قدّمت ذكر جوازه على الأنبياء ، وانه لايجوز منه سهو في شيء في الدين و الاينسون شيئأ من الأحكام ، و على هذا مذهب سائر الإماميّة إلأمن شذّ منهم وتعلّق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنّه الفاسد في الباب ، والمعتزلة بأسرها تخالف في ذلك ويجوّزون من الأئمّة وقوع الكبائر والردّه عن إسلام (3).


20 ـ حكم محارب الإمام علي أمير المؤمنين:

    اتفقت الإمامية على أنّ الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام أجمعين كفار ضلاّل ملعونون بحربهم أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وانّهم بذلك في النار مخلدون وأجمعيت المعتزلة سوى الغزال منهم وابن باب ، والمرجئة والحشوية من أصحاب


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ القاضي عبدالجبار شرح الاُصول الخمسة: 753.
    2 ـ نفس المصدر: 754.
    3 ـ الشيخ المفيد: أوائل المقلات: 35.

 

    الحديث على خلاف ذلك ، فزعمت المعتزلة كافّة إلاّ من سمّيناه وجماعة من المرجئة وطائفة من أصحاب الحديث ، انّهم فسّاق ليسوا بكفار ، وقطعت المعتزلة من بينهم على أنّهم لفسقهم في النار خالدون (1).


    هذه جملة من الاُصول الّتي يختلف فيها المنهجان وبقيت هناك اُصول اُخرى تضاربت فيها آراء الفريقين لم نذكرها روماً للإختصار.
    ولنعد إلى تحليل سائر الوجوه لمؤلف كتاب المعتزلة.
    2 ـ قال الذّهبي: « وجد الرفض والاعتزال في زمانه متصادقين مت آخيين » (2).
    3 ـ وقال المقريزي: « قلّما يوجد معتزلي إلاّ وهو رافضي » (3).
    4 ـ يقول الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي ( م 1331 ) : « إنّ المعتزلة اليوم كفرقة أهل السنّة والجماعة ، من أعظم الفرق رجالاً و أكثرها تابعاً ، لأنّ شيعة العراق على الإطلاق معتزلة. وكذلك شيعة الأقطار الهندية و الفارسية و الشامية ، ومثلهم الشيعة الزيديّة باليمن » (4).


    إنّ هذه الكلمات لا تدلّ على عيلولة الشيعة في عقائدهم على المعتزلة ، فإنّ الشيعة الإماميّة تقتدي فى اُصولها و فروعها بأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) الّذين جعلهم الرسول الأعظمصلَّى الله عليه و آله و سلَّم عدلاً للقرآن الكريم و قال: « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي » ، ولا ترجع إلى غيرهما. ولم نر شيعيّاً إمّاميّا أخذ عقيدته من عالم معتزلي.
    ومع هذين المصدرين الصحيحين لا حاجة للرجوع إلى غيرهما.
    والمعتزلة كما أقرّ أعلامهم اقتفوا في التّوحيد والعدل أثر خطب الإمام أمير


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ نفس المصدر: 10.
    2 ـ ميزان الاعتدال: ج 2 ص 235 ، كما في « المعتزلة » ، ص 218.
    3 ـ الخطط: ج 4 ص 169 ، كما في المصدر نفسه ، ص 218.
    4 ـ تاريخ الجهمية والمعتزلة: ص 42 ، كما في المصدر نفسه ، ص 219.

 

    المؤمنين ـ عليه السلام ـ وتتلمذوا على حفيده أبي هاشم ابن محمّد بن الحنفيّة.
    وما ذكره القاسمي الدمشقي من أنّ شيعة العراق على الإطلاق معتزلة ، صحيحة إنّ أراد أنّ شيعة العراق بل الشيعة في جميع الأقطار قائلون بالتوحيد والعدل ، اقتفاءً لأثر الكتاب والسنّة الصحيحة المرويّة عن أئمّة أهل البيت لا سيّما خطب الإمام عليّ ( عليه السلام ) ، كما أنّ المعتزلة أيضاً قائلون بهما مقتفين أثر ما أخذوه من البيت العلوي.
    نعم إنّ المعتزلة أقرب إلى الشيعة من الحنابلة والأشاعرة ، فإنّ ولاء كثير منهم لأهل البيت لا ينكر ، كما أنّ تمسّكهم بالاُصول العقلية المبرهنة ، ورفض الآخرين لها ، جعلهم متّحدين في كثير من الاُصول مع الشيعة ، ومع ذلك فإنّ لجميع الطّوائف الإسلاميّة ، اُصولاً مشتركة ، واُصولاً يتميّز بها بعضهم عن بعض فلكلّ طائفة إسلاميّة مشتركات ومميّزات.

رمي الاعتزال بالتشيّع


    إنّ من عجائب الدّهر ـ وما عشت أراك الدّهر عجباً ـ رمي المعتزلة بالتشيّع ، وترى تلك النسبة في كتب الأشاعرة والحنابلة ، خصوصاً الرجاليّين منهم ، فلم تكن الشيعة وحدها متّهمة بالاعتزال ، بل صارت المعتزلة متّهمة بنظيرتها ، غير أنّ رمي الشيعة بالاعتزال لايختصّ بقوم دون قوم ، حتّى إنّ أصحاب الطبقات من المعتزلة عدّوا أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) وكبار علماء الشيعة من المعتزلة ، حتّى قالوا: إنّ الحسن بن موسى النوبختي من المعتزلة ، ولم يكتفوا بذلك ، بل عدّوا المرتضى والرضي منهم (1).
    وقد عرفت مدى صدق هذه النسبة ، و أنّ كثيراً من أعلام الشيعة نقدوا كتب المعتزلة ، حتّى إنّ الشّيخ المفيد نقض كتاب « فضيلة المعتزلة » للجاحظ.
    إنّما الكلام في التهمة الاُخرى ، وهو رمي الاعتزال بالتشيّع ، والحقّ
    أنّه لو فسِّر التشيّع بحبّ عليّ وأهل بيته ( عليهم السلام ) فأعلام السنّة من الأشاعرة والمعتزلة والحنابلة


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ طبقات المعتزلة: أحمد بن يحيى المرتضى ، ص 9 و 15 و 117 ، الطبعة الثانية ( 1407 ).

 

    كلّهم شيعة إلاّ من له هوى العثمانيّة ، الّذين يكثرون من الوقيعة في عليّ وأولادهـ عليهم السلام ـ. أمّا لو فسّر بتقديم عليّ على سائر الخلفاء في العلم والزهد و سائر المثل الأخلاقيّة ، فمعتزلة بغداد إلاّ من شذّ شيعة ، فإنّهم و إن اعترفوا بخلافة الخلفاء ، لكن يعترفون بفضل عليّ ( عليه السلام ) وتقدّمه على أقرانه ، وهذا هو الّذي صار سبباً لجرح كثير من الرواة العدول ، وما ذنبهم إلاّ تقديم عليّ على غيره فى الفضائل ، أخذاً بنصوص الآيات والروايات فى حقّه.


    نعم ، لو فسّر التشيع بالاعتراف بخلافة عليّ بتنصيب من النّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وأمر منه سبحانه فالشيعة تنحصر بمن يعتقد بهذا المبدأ ، والمعتزلة كلّهم يخالفون ولا يعترفون به.


    والّذي أوقع جمعاً من مؤلّفي المقالات في الوهم الأوّل هوالتقاء التشيّع مع الاعتزال في بعض المواضع والنقاط كالتوحيد والعدل ، ولو صار ذلك سبباً لرمي الشيعة بالاعتزال ، صحّ عدّ الأشاعرة منهم لالتقائهم معهم في عدّة من الاُصول.


    وأمّا الّذي أوقعهم في الوهم الثّاني هو انحيازهم إلى عليّ في كثير من المبادئ خصوصاً التوحيد والعدل.

 
    وعلى أيّ تقدير ، فلفظ التشيع قد تطوّر من جهة المعنى بعد ما كان معناه في اليوم الأوّل ، بعد رحلة الرسول ، هو من شايع عليّاً دون غيره ، وقال بخلافته دون سائر الخلفاء ، فأطلق على من أحبّ عليّاً و أولاده ، وناضل العثمانيّة و أهوائها ، وعلى من قدّم عليّاً في الفضائل والمناقب ، لا في الخلافة ، فلأجلّ هذا التطوّر فربّما يشتبه المراد منه في كلمات الرّجاليين و أصحاب المقالات ، وربّما تعدّ اُناس شيعةً بالمعنى الأوّل ، مع أنّهم شيعة بالمعنيين الأخيرين ، فلاحظ ، وسيوافيك التوضيح عن البحث عن عقائد الشيعة الزيدية والاسماعيليّة و الإماميّة.

« رزقهم الله توحيد الكلمة كما رزقهم كلمة التوحيد »

« وبنى الإسلام على دعامتين »

« كلمة التوحيد ، وتوحيد الكلمة »

 

أئمّة المعتزلة

    دلّت النّصوص التأريخيّة على أنّ « واصل بن عطاء » هو المؤسّس الأوّل لمنهج الاعتزال ، وقد طرح اُصولاً نضجت و تكاملت بأيدي تلامذته و مقتفي منهجه عبر العصور والقرون.

 

1 ـ واصل بن عطاء ( ت 80 ـ م 131 )


    أبو حذيفة واصل بن عطاء مؤسس الاعتزال ، المعروف بالغزّال. يقول ابن خلّكان: « كان واصل أحد الأعاجيب ذلك أنّه كان ألثغ ، قبح اللثغة في الرّاء فكان يخلّص كلامه من الرّاء ولايُفطَن لذلك ، لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه ، ففي ذلك يقول أبو الطروق يمدحه بإطالة الخطب واجتنابه الرّاء على كثرة تردّدها في الكلام حتّى كأنها ليست فيه

عليم بإبدال الحروف وقامع
 
 لكلّ خطيب يغلب الحقّ باطله
 

    وقال الآخر:

ويجعل البرّ فمحاً في تصرّفه ولم يطق مطراً والقول يعجله
 
 وخالف الرّاء حتّى احتال للشعر فعاذ بالغيث اشفاقاً من المطر
 

    قد ذكر عنده بشّر بن برد ( المتّهم بالزندقة ) فقال: « أما لهذا الأعمى المكنّى بأبي معاذ من يقتله؟ أما والله لولا أنّ الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه ، ثمّ لا يكون إلاّ سذوسياً أو عقيليّاً »
    فلاحظ أنّه قال: « هذا الأعمى » ولم يقل: بشّار ولا ابن برد ، ولا الضرير. وقال: « من أخلاق الغالية » ولم يقل: المغيرية ولا المنصورية ، وقال: « لبعثت » ولم يقل: لأرسلت ، وقال: « على مضجعه » ولم يقل: على مرقده ولا على فراشه ، وقال: « يبعج » ولمق
    يقل: يبقر (1)


    يقول ابن العماد الحنبلي: « كان واصل ألثغ يبدل الرّاء غيناً في كلامه وكان يخلِّص كلامه بحيث لا تسمع منه الرّاء حتّى يظنّ خواصّ جلسائه أنّه غير ألثغ ، حتّى يقال: إنّه دفعت إليه رقعة مضمونها: أمر أمير الاُمراء الكرام أنّ يحفر بئراً على قارعة الطريق ، فيشرب منه الصادر والوارد. فقرأ على الفور: حكم حاكم الحكّام الفخام ، أنّ ينبش جُبّاً على جادّة الممشي فيسقى منه الصادي والغادي. فغيّر كلّ لفظ برديفه وهذا من عجيب الإقتدار ، وقد أشارت الشعراء إلى عدم تكلّمه بالرّاء. من ذلك قول بعضهم:


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ وفيات الأعيان: ج 6 ص 8 وأمالي المرتضى: ج 1 ص 139 ـ 140.

 

نعم تجنّب لا يوم العطاء كما
 
 تجنّب ابن عطاء لفظة الرّاء (1)
 

    وقد كانت بينه وبين بشّار بن برد قبل اظهاره ما يخالف عقيدة واصل أواصر الصداقة وقد ذكر بشّار خطبته الّتي ألقى فيها الرّاء وقال:

تكلّف القول والأقوام قد حلفوا وقال مرتجلاً تغلى بداهته وجانب الرّاء ولم يشعر به أحد
 
 وحبّروا خطباً ناهيك من خطب كمرجلّ القين لما حفّ باللّه ب قبل التصفّح والإغراق في الطلب
 

    ولمّا تبرّأ منه واصل لما ظهر منه ما لا يرضيه ، هجاه بشّار وقال:

مالي اُشايع غزّالاً له عنق عنق الزرافة ما بالي و بالكم
 
 كنِقْنِق الدَوّ إنّ ولّي و إنّ مَثلا تكفّرون رجالاً كفّروا رجلا (2)
 

 

بثّ الدعاة في البلاد

    كان واصل صموداً في عقيدته ، ول ـ مّا تمكّن من إنفاذ الدعاة إلى الآفاق ، فرّق


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ شذرات الذهب: ج 1 ص 182 و 183 حوادث عام 131 هـ.
    2 ـ المنية والأمل: ص 19 طبع دار صادر.

 

    أصحابه في البلاد حتّى يكونوا دعاة إلى طريقه. فبعث عبدالله بن الحارث إلى المغرب ، فأجابه خلق كثير ، وبعث إلى خراسان حفص بن سالم ، فدخل « ترمذ » ولزم المسجد حتّى اشتهر ، ثمّ ناظر جهماً فقطعه ، وبعث القاسم إلى اليمن ، وبعث أيّوب إلى الجزيرة ، وبعث الحسن بن ذكوان إلى الكوفة ، وعثمان الطّويل إلى أرمينية (1).
يقول صاحب كتاب « المعتزلة »:


     « درج أصحاب الواصل و تلاميذه من بعده على هذه الخطة ( المناظرة ) في الردّ على المخالفين ، فكان عمرو بن عبيد حيث التقى بأحدهم لا يتركه حتّى يناظره. ناظر جريربن حازم الأزدي السمني في البصرة وقطعه ، واشترك مع واصل بن عطاء في مناظرة بشاربن برد ، وصالح بن عبد القدوس ، وكلاهما من الثنوية المعروفين فقطعاهما ، وتناظر عمرو بن عبيد مع مجوسي على ظهر سفينة فقطعه المجوسيّ. [ كذا ] قال له عمرو: لما لا تسلم؟ فقال: لأنّ الله لم يرد إسلامي ، فإذا أرادالله إسلامي أسلمت. قال عمرو: إنّ الله تعالى يريد إسلامك ولكنّ الشياطين لا يتركونك.

 
    فأجاب المجوسي: فأنا أكون مع الشّريك الأغلب! » (2)


    يلاحظ عليه: أنّه كان اللازم على عمرو أنّ يقول: إنّ الله تعالى أراد إسلامك ولكن بحرّية واختيار ، لا بإلجاء و اضطرار. فلو أسلمت كان إسلامك على طبق ما يريد ، وإنّ كفرت لم يكن كفرك آية غلبتك عليه و قد أوضحنا كيفيّة تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد.


من آرائه و مناظراته

    إنّ واصل هو أوّل من أظهر المنزلة بين المنزلتين ، لأنّ الناس كانوا في أسماء أهل الكبائر من أهل الصلاة على أقوال. كانت الخوارج تسمّيهم بالكفر والشرك. والمرجئة     تسمّيهم بالإيمان. وكان الحسن و أصحابه يسمّونهم بالنفاق.


 


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المنية والأمل: ص 19 ـ 20.

    2 ـ كتاب المعتزلة: ص 39 ـ 40.

 

1 ـ رأيه في مرتكب الكبيرة


    ذهب واصل بن عطاء إلى القول بأنّهم فسّاق غير مؤمنين ، لا كفّار ولا منافقون. واستدلّ على ذلك بما نقله المرتضى عنه في أماليه من أنّنا نجد أهل الفرق على اختلافهم يسمّون صاحب الكبيرة فاسقاً ، ويختلفون في ما عدا ذلك من أسمائه ، لأنّ الخوارج تسمّيه مشركاً فاسقاً ، والشيعة الزيدية تسميه كافر نعمة فاسقاً ، والحسن يسمّيه منافقاً فاسقاً ، والمرجئة تسميه مؤمناً فاسقاً. فاجتمعوا على تسميته بالفسق. واختلفوا فيما عدا ذلك من أسمائه فالواجب أنّ يسمّى بالاسم الّذي اتّفق عليه وهو الفسق. ولا يسمّى بما عدا ذلك من الأسماء الّتي اختلف فيها. فيكون صاحب الكبيرة فاسقاً ، ولا يقال فيه إنّه مؤمن ولا منافق ولا مشرك ، ولا كافر نعمة ، فهذا أشبه بأهل الدّين (1).


    يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره لا يثبت أزيد من أنّ المسلمين اتّفقوا على كون مرتكب الكبيرة فاسقاً ولم يتّفقوا على غيره من سائر الأسماء. لكن عدم اتّفاقهم على شيء منها لا يدلّ على أنّه ليس منها أبداً ، كما هو ظاهر قوله « ولا يقال فيه إنّه مؤمن... » فإنّ عدم وجود الإجماع على واحدة من تلك الأسماء لا يلازم عدم وجود دليل آخر على وجود واحد منها فيه. فكان اللاّزم على واصل أنّ يقيم الدّليل على أنّه لا يسمّى بواحد منها.
    و إلى ما ذكرنا ينظر قول السيّد المرتضى في أماليه حيث قال: « إنّ الإجماع
    وإنّ لم يوجد في تسمية صاحب الكبيرة بالنّفاق ، ولا في غيره من الأسماء ، كما وجد في تسميته بالفسق ، ولكنّه غير ممتنع أنّ يسمّى بذلك لدليل غير الإجماع ، ووجود الإجماع في الشيء ، وإنّ كان دليلاً على صحّته لكن ليس فقده دليلاً على فساده » (2).
    وقد اعترض ابن المرتضى صاحب « المنية و الأمل » على كلام السيّد المرتضى


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ص 161.
    2 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ص 167 ولكلامه ذيل فراجع.

 

    بكلام واه ، يشبه كلام الهازل حيث قال: « يصحّ الاستدلال بالإجماع المركّب و صورته هنا أنّه أجمعوا على تسميته فاسقاً واختلفوا فيما عداه ، وهو حكم شرعي فلا يثبت إلاّ بدليل ولا دليل على ما عدا المجمع عليه هيهنا » (1).


    يلاحظ عليه: أنّه اشتبه عليه معنى الإجماع المركّب ، لأنّ معناه أنّه إذا كانت المسألة بين الأمة ذات قولين ، مثلاً قالت طائفة من الفقهاء: الحبوة للولد الأكبر ، وقالت الاُخرى: الحبوة لجميع الورثة ، فيقال: لا يجوز إحداث قول ثالث ، أخذاً بالإجماع المركّب ، لأنّ الاُمّة اتّفقت على نفي الثّالث. وأين هو في المقام؟ إذ لم تتّفق الاُمّة على نفي هذه الأسماء ، بل اختلفوا على أقوال ، فالرجل غير عارف بمصطلح الاُصوليين فاستعمله في غير محلّه.
2 ـ مناظرته مع عمرو في مرتكب الكبيرة


    إنّ عمرو بن عبيد كان من أصحاب الحسن و تلاميذه. فجمع بينه و بين واصل ليناظره فيما أظهر من القول بالمنزلة بين المنزلتين ، فلمّا وقفوا على الاجتماع ذكر أنّ واصلاً أقبل ومعه جماعة من أصحابه إلى حلقة الحسن ، وفيها عمروبن عبيد جالس. فلمّا نظر إلى واصل وكان في عنقه طول واعوجاج ، قال: أرى عنقاً لا يفلح صاحبها ، فسمع ذلك واصل فلمّا سلّم عليه قال له: يابن أخي إنّ من عاب الصنعة عاب الصانع ، فقال له عمرو بن عبيد: يا أبا حذيفة قد وعظت فأحسنت ولن أعود إلى مثل الّذي كان منّي.
    وجلس واصل في الحلقة وسأل أنّ يكلّم عمراً ، فقال واصل لعمرو: لم قلت: إنّ من أتى كبيرة من أهل الصّلاة استحقّ اسم النفاق؟ فقال عمرو: لقول الله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَ اُولئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ) ( النور / 4 ) ثمّ قال في موضع آخر: ( إِنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ ) ( التوبة / 67 ) فكان كلّ فاسق منافقاً. إذ كانت ألف ولام المعرفة موجودتين في الفاسق.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المنية والأمل: ص 24.

    

    فقال له واصل: أليس قد وجدت الله تعالى يقول: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ) ( المائدة / 45 ) وأجمع أهل العلم على أنّ صاحب الكبيرة يستحقّ اسم الظالم ، كما يستحق اسم الفاسق ، فألاّ كفّرت صاحب الكبيرة من أهل الصلاة بقول الله تعالى: ( وَالكَافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ ) ( البقرة / 254 ) فعرّف بألف و لام التعريف (1).
    يلاحظ عليه: أنّ « واصلاً » دفع دليل خصمه بالنقض ولأجل ذلك يقول السيّد المرتضى في حقّه: « أمّا ما ألزمه واصل بن عطاء لعمرو بن عبيد فسديد لازم » ولكن كان في وسعه الإجابة عنه بشكل جلّي ، وهو أنّ ما استدلّ به « عمرو » من الآيات غير كاف في إثبات ما يرتئيه. لأنّ آية النور وإنّ حكمت بفسق مرتكب الكبيرة ، ولكن آية التوبة لم تحكم بأنّ كلّ فاسق منافق ، وإنّما حكم بأنّ كلّ منافق فاسق ، وبعبارة واضحة حصرت الآية ، المنافقين بالفاسقين ولا العكس. ومن المحتمل أنّ يكون المنافق أخصّ من الفاسق. والفاسق أعمّ منه فيكون استدلاله عقيماً. قال سبحانه: ( إنّ المنافقين هم الفاسقون ) ولم يقل: إنّ الفاسقين هم المنافقون.

    وبذلك تقف على مغزى ما نقض به واصل دليل عمرو ، فإنّه صحيح إذا كان الهدف إفحام الخصم بالجواب النقضي.

    وأمّا إذا كانت الإجابة على الوجه الحلّي فهي ساقطة جدّاً ، لأنّه سبحانه حصر الكافرين في الظالمين لا العكس. فقال: ( والكافرون هم الظالمون ) فمن الممكن أنّ يكون كلّ كافر ظالماً ولا العكس. وصاحب الكبيرة وإنّ استحقّ اسم الظالم ، كما استحقّ اسم الفاسق ، ولكنّه لا يستحقّ اسم الكافر بحجّة أنّه سبحانه قال: ( والكافِرونَ هُمُ الظّالمون ) ، و لم يقل: ( والظالمون هم الكافرون ).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ص 166 ولكلامه ذيل لا حاجة لنقله ، وربّما أوجد تشويشاً في الاستدلال وقد نقله ابن المرتضى في المنية والأمل بصورة واضحة ص 23.

 

3 ـ من لطائف تفسيره للقرآن


    حكي أنّ واصلاً كان يقول: « أراد الله من العباد أنّ يعرفوه ثمّ يعملوا ثمّ يعلّموا. قال الله تعالى ( يا مُوسى إنّي أَنَا اللّهُ ) فعرّفه نفسه ، ثمّ قال: ( اخلَعْ نَعْلَيْكَ ) ( طه / 12 ) فبعد أنّ عرّفه نفسه أمره بالعمل قال: والدّليل على ذلك قوله تعالى: ( وَالعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْر * إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا ـ يعني صدقوا ـ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ تَواصَوْا بِالحقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) علموا و عملوا و علّموا (1).


    يلاحظ عليه: أنّ الآية الاُولى دلّت على تقدّم العلم على العمل ، وأمّا تقدّم العمل على تعليم الغير فهي ساكتة عنها. نعم الآية الثالثة ربّما تكون ظاهرة فيما يدّعيه بحجّة النظم والترتيب في الذكر ، وإنّ كانت واو العاطفة لا تدلّ على الترتيب.


4 ـ من نوادر حكاياته


    روى المبرّد قال : حُدّثتُ أنّ واصل بن عطاء أقبل في رفقة فأحسّوا بالخوارج ، وكانوا قد أشرفوا على العطب. فقال واصل لأهل الرفقة : إنّ هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ودعوني و إيّاهم ، فقالوا : شأنك. فقال الخوارج له : ما أنت و أصحابك؟ قال : مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله ، ويقيموا حدوده فقالوا : قد أجرناكم ، قال : فعلّمونا أحكامه ، فجعلوا يعلّمونه أحكامهم ، وجعل يقول : قد قبلت أنا ومن معي ، قالوا: فامضوا مصاحبين فإنّكم إخواننا ، قال لهم : ليس ذلك لكم. قال الله تعالى : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) ( التوبة / 6 ) فأبلغونا مأمننا فساروا بأجمعهم حتّى بلغوا الأمن (2).


5 ـ تهجّده ولقبه بالغزّال

    ينقل ابن المرتضى عن اُخت « عمرو بن عبيد » ـ وكانت زوجة واصل ـ أنّها قالت


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ أمالي المرتضى ج 1 ص 168.

    2 ـ المصدر نفسه.

 

    : « كان واصل إذا جنّه اللّيل صفّى قدميه يصلّي ولوح ودواة موضوعان ، فإذا مرّت به آية فيه حجّة على مخالف ، جلس فكتبها ثمّ عاد في صلاته.
    ونقل أيضاً: أنّ واصلاً كان يلزم أبا عبدالله الغزّال ـ وكان صديقاً له ـ ليعرف المتعفّفات من النّساء فيجعل صدقته لهنّ وكان يعجبه ذلك ، وقال الجاحظ: لم يشكّ أصحابنا أنّ واصلاً لم يقبض ديناراً ولا درهماً ، وفي ذلك قال بعضهم في مرثيته:

ولا مسّ ديناراً ولا مسّ درهما
 
 ولا عرف الثّوب الّذي هو قاطعه (1)
 

    وأمّا مولده فقد اتّفقوا على أنّ ولادته كانت سنة 80 للهجرة في مدينة الرسول صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وتوفّي عام 131 هـ (2).


مؤلّفاته


    ذكر ابن النديم في الفهرست ـ و تبعه ابن خلّكان ـ أنّ لواصل التّصانيف التالية:

    1 ـ كتاب أصناف المرجئة.

    2 ـ كتاب التّوبة.

    3 ـ كتاب المنزلة بين المنزلتين.

    4 ـ كتاب خطبته الّتي أخرج منها الرّاء. وقد نشرت هذه الخطبة عام 1951 في المجموعة الثانية من نوادر المخطوطات بتحقيق عبدالسلام هارون.

    5 ـ كتاب معاني القرآن.

    6 ـ كتاب الخطب في التّوحيد والعدل.

    ومن المحتمل أنّه قام بجمع خطب الإمام عليّ ( عليه السلام ) في التّوحيد والعدل     فأفرده تأليفاً.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المنية والأمل: ص 18.
    2 ـ وفيات الأعيان: ج 6 ص 11 ، والمنية والأمل: ص 18.

 

    7 ـ كتاب ما جرى بينه و بين عمرو بن عبيد.

    8 ـ كتاب السّبيل إلى معرفة الحقّ.

    9 ـ كتاب في الدعوة.

    10 ـ كتاب طبقات أهل العلم والجهل (1). وغيرذلك.


القواعد الأربع لواصل بن عطاء


    إنّ الاعتزال مذهب عقلي اُلقيت نواته في أوائل القرن الثاني بيد واصل بن عطاء ، ثمّ نمت عبر العصور ، فكلّما تقدّم الاعتزال إلى الإمام ، و ربّى في أحضانه ذوي الحصافة ، والأدمغة الكبيرة ، أخذ يتكامل في ضوء البحث والنّقاش ، وكان الاعتزال في زمن المؤسّس يدور على أربع قواعد فقط ، وهي بالنسبة إلى ما تركنه المعتزلة من التراث الكلامي إلى فترة الانقراض شيء قليل ، وأين هو من الاعتزال الّذي تريه لنا كتب القاضي عبد الجبّار في كتاب المغني أو غيره من البسط في تلك القواعد ، وتأسيس اُصول و قواعد اُخر ، لم تخطر ببال المؤسّس.


    قال الشهرستاني: « الواصليّة هم أصحاب واصل بن عطاء واعتزالهم يدور على أربع قواعد:


    القاعدة الاُولى: القول بنفي صفات الباري من العلم والقدرة والإرادة والحياة ، وكانت هذه المقالة في بدئها غير نضيجة ، وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على قول ظاهر ، وهو الاتّفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليّين (2) قال: ومن أثبت معنى ، وصفة قديمة فقد أثبت إلهين.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ فهرست ابن النديم: الفن الأول من المقالة الخامسة ، ص 203.
    2 ـ وهذا يعرب بوضوح عن أنّ الداعي لتأسيس هذه القاعدة ليس انكار صفاته سبحانه كالملاحدة المنكرين لكونه عالماً قادراً ، بل الداعي هو تنزيه الرب عن وجود قديم مثله ، وما نسب إليه الأشعري في كتاب الإبانة ص 107 من الداعي ليس في محله.

 

    القاعدة الثانية: القول بالقدر ، وحاصلها أنّ العبد هو الفاعل للخير والشرّ والإيمان والكفر والطاعة والمعصية ، والربّ أقدره على ذلك.

    القاعدة الثالثة: المنزلة بين المنزلتين ، وأنّ مرتكب الكبيرة ليس كافراً ولا مؤمناً ، بل فاسق مخلّد في النّار إنّ لم يتب.

    القاعدة الرابعة: قوله في الفريقين من أصحاب الجمل وصفّين ، أنّ أحدهما مخطئ لا بعينه ، وكذلك قوله في عثمان وخاذليه ، أنّ أحد الفريقين فاسق لا محالة ، كما أنّ أحد المتلاعنين فاسق لا محالة ، لكن لا بعينه ».


    ثمّ رتّب الشّهرستاني على تلك القاعدة وقال: « وقد عرفت قوله في الفاسق وأقلّ درجات الفريقين أنّه لا تقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة المتلاعنين ، فلم يجوِّز شهادة عليّ و طلحة والزبير على باقة بقل ، وجوّز أنّ يكون عثمان وعليّ على الخطأ » (1).
    أقول: إنّ القاعدة الاُولى إشارة إلى الأصل الأوّل من الاُصول الخمسة ، أعني التّوحيد ، وهذا الأصل عندهم رمز إلى تنزيهه سبحانه عن التشبيه والتجسيم ، كما أنّ القاعدة الثانية من فروع الأصل الثاني ، أعني القول بالعدل ، فتوصيفه سبحانه به يقتضي القول بالقدر ، أي إنّ الانسان يفعل بقدرته واستطاعته المكتسبة ، ولا معنى لأن يكون خالق الفعل هو الله سبحانه ، ويكون العبد هو المسؤول. نعم دائرة الأصل الثاني ( العدل ) أوسع من هذه القاعدة.
    والقاعدة الثالثة نفس أحد الاُصول الخمسة ، وبقي منها أصلان ـ الوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ ولم يأت ذكر منهما في كلام « واصل ».
    وأمّا القاعدة الرابعة فقد خالف فيها واصل وتلميذه عمرو بن عبيد جمهور المعتزلة.
    قال ابن حزم: « اختلف الناس في تلك الحرب على ثلاث فرق:


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الملل والنحل: ج 1 ص 49.

 

    1 ـ فقال جميع الشيعة وبعض المرجئة و جمهور المعتزلة وبعض أهل السنّة: إنّ عليّاً كان هو المصيب فى حربه ، وكلّ من خالفه على خطأ. وقال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد و أبوالهذيل و طوائف من المعتزلة:


    إنّ عليّاً مصيب في قتاله مع معاوية و أهل النهروان ، ووقفوا في قتاله مع أهل الجمل ، وقالوا: إحدى الطّائفتين مخطئة ولا نعرف أيّهما هي ، وقالت الخوارج: عليّ المصيب في قتال أهل الجمل و أهل صفّين وهو مخطىء في قتاله أهل النهر (1).
    ولا يخفى وجود الاختلاف بين النّقلين ، فعلى ما نقله الشهرستاني كانت الواصليّة متوقّفة في محاربي الإمام في وقعتي « الجمل وصفّين » وعلى ما نقله ابن حزم يختصّ التوقّف بمحاربيه في وقعة « الجمل » ويوافق ابن حزم عبد القاهر البغدادي ، وقال: « ثمّ إنّ واصلاً فارق السّلف ببدعة ثالثة ، وذلك أنّه وجد أهل عصره مختلفين في عليّ وأصحابه ، وفي طلحة والزبير وعائشة ، وسائر أصحاب الجمل ـ إلى ما ذكره » (2).

    ويوافقهما نقل المفيد حيث قال ما هذا خلاصته:

     « اتّفقت الإماميّة و الزيديّة والخوارج ، على أنّ الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام كفّار ضلاّل ، ملعونون بحربهم أمير المؤمنين. وزعمت المعتزلة كلّهم أنّهم فسّاق ليسوا بكفّار ، وقطعت المعتزلة من بينهم على أنّهم لفسقهم في النار خالدون ، وزعم واصل الغزّال و عمرو بن عبيد بن باب من بين كافّة المعتزلة أنّ طلحة و الزبير و عائشة ومن كان فى حربهم ، من عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين و محمّد ومن كان في حزبهم كعمّار بن ياسر وغيره من المهاجرين ، و وجوه الأنصار وبقايا أهل بيعة الرضوان ، كانوا في اختلافهم كالمتلاعنين وأنّ إحدى الطّائفتين فسّاق ضلاّل مستحقّون للخلود في النّار إلاّ أنّه لم يقم دليل عليها » (3).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل: ج 4 ص 153.
    2 ـ الفرق بين الفرق: ص 119.
    3 ـ أوائل المقالات: ص 10 ـ 11.

 

نقد النظرية


    إنّ واصل بن عطاء ومن لفّ لفّه في هذا الباب ، يلوكون في أشداقهم ما يضادّ نصّ رسول اللّه صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فقد أخبر عليّاً بأنّه يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، وقد عهد به الرّسول و أمره بقتالهم.

 
    روى أبو سعيد الخدري قال: « أمرنا رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم بقتال الناكثين و القاسطين والمارقين.


    قلنا: يا رسول الله أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من؟ قال: مع عليّ بن أبى طالب ( عليه السلام ) ».
    روى أبو اليقظان عمّار بن ياسر قال: « أمرني رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ».


    وقد رواه الحفاظ من أهل الحديث و أرباب المعاجم والتأريخ ، ومن أراد الوقوف على تفصيله فعليه الرجوع إلى « الغدير: ج 3 ص 192 ـ 195 ».

    ويكفي في ذلك ما نقله ابن عساكر في تأريخه عن أبي صادق أنّه قال: قدم أبو أيّوب الأنصاري العراق ، فأهدت له الأزد « جزراً » فبعثوا بها معي فدخلت فسلّمت إليه و قلت له: قد أكرمك الله بصحبة نبيّه و نزوله عليك ، فمالي أراك تستقبل الناس تقاتلهم؟ تستقبل هؤلاء مرّة وهؤلاء مرّة؟ فقال: إنّ رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم عهد إلينا أنّ نقاتل مع عليّ الناكثين ، فقد قاتلناهم ، وعهد إلينا أنّ نقاتل معه القاسطين فهذا وجهنا إليهم ـ يعني معاوية و أصحابهـ ، وعهد إلينا أنّ نقاتل مع عليّ المارقين فلم أرهم بعد (1).

    وقد تجاهل واصل وأتباعه و عرفوا الحقّ وأنكروه ، فإنّ حكم الخارج على الإمام المفترض طاعته ليس أمراً مخفياً على رئيس المعتزلة ، ولا أرى باغياً أخسر من الزبير ، ولاأشقى من طلحة ، غير ابن آكلة الأكباد حزب الشيطان.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الغدير: ج 3 ص 192.

 

 ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوّاً فانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ) (1).
    و في نهاية المطاف نقول: إنّه من مواليد عام الثمانين في المدينة وتوفّي في البصرة عام 131 ، كما أرّخه المسعودي و غيره.


2 ـ عمرو بن عبيد ( ت 80 ـ م 143 ) (2)


    الشخصيّة الثانية للمعتزلة بعد واصل بن عطاء هو عمرو بن عبيد وكان من أعضاء حلقة الحسن ، مثل واصل ، لكنّه التحق به بعد مناظرة جرت بينهما في مرتكب الكبيرة كما نقلناها.
    يقول السيّد المرتضى في أماليه: « يكنّى أبا عثمان مولى لبني العدوية من بني تميم. قال الجاحظ: وهو عمرو بن عبيد بن باب. و « باب » نفسه من سبي كابل من سبي عبدالرحمان بن سمرة ، وكان باب مولى لبني العدوية قال: وكان عبيد شرطيّاً ، وكان عمرو متزهّداً ، فكان إذا اجتازا معاً على الناس قالوا هذا أشرّ الناس ، أبو خير الناس ، فيقول عبيد: صدقتم هذا إبراهيم وأنا تارخ ».


    يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره عبيد من التشبيه إنّما يتمُّ على عقيدة أهل السنّة ، بأنّ أبا إبراهيم كان وثنيّاً ، وأمّا على عقيدة الشيعة ، وهي الّتي تؤيّدها الآيات القرآنية ، أنّ أباه كان مؤمناً موحّداً وأنّ « آزر » كان عمّه لا والده (3) فلا يتمّ.


    وقد روى السيّد في أماليه و غيره من أرباب المعاجم قصصاً في زهده وورعه غير أنّ قسماً منها يعدّ مغالاة في الفضائل و إليك نموذجاً منها:

    روى ابن المرتضى عن الجاحظ أنّه قال: صلّى عمرو أربعين عاماً صلاة الفجر


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ النحل / 14.

    2 ـ فهرس ابن النديم: الفن الأول من المقالة الخامسة ، ص 203.

    3 ـ مجمع البيان: ج 3 ص 319 ط صيدا في تفسير قوله ( ربنا اغفر لي ولوالدي ) ( إبراهيم / 41 ).

 

    بوضوء المغرب. وحجّ أربعين حجّة ماشياً ، وبعيره موقوف على من أحصر ، وكان يحيي اللّيل بركعة واحدة ، ويرجِّع آية واحدة (1).


    وقد روى نظيره في حقّ الشيخ أبي الحسن الأشعري ، وقد قلنا إنّه من المغالاة في الفضائل ، إذ قلّما يتّفق لإنسان ألاّ يكون مريضاً ولا مسافراً ولا معذوراً طيلة أربعين سنة ، حتّى يصلّي فيها صلاة الصبح بوضوء العتمة.


ما اثر عنه في مجالي التفسير والعقيدة

    1 ـ روى المرتضى في أماليه أنّ ابن لهيعة أتى عمرو بن عبيد في المسجد الحرام فسلّم عليه و جلس إليه وقال له: يا أبا عثمان ما تقول في قوله تعالى: ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ) ( النساء / 129 ) فقال: ذلك في محبّة القلوب الّتي لا يستطيعها العبد ولم يكلّفها ، فأمّا العدل بينهنّ في القسمة من النفس والكسوة والنفقة ، فهو مطيق لذلك ، وقد كلّفه بقوله تعالى: ( فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيلِ ) فيما تطيقون ( فَتَذَرُوها كَالمُعَلَّقَةِ ) بمنزلة من ليست أيّماً ولا ذات زوج. فقال ابن لهيعة: هذا والله هو الحق (2).


    أقول: ما سأله ابن لهيعة كان سؤالاً دارجاً في ذلك العصر ، وقد طرحه بعض الزنادقة ، كابن أبي العوجاء في البصرة ـ بندر الأهواء والآراء ـ ليوهم أنّ في القرآن تناقضاً. ولأجل ذلك سأل عنها هشام بن الحكم تارة و أبا جعفر الأحول ، مؤمن الطّاق ، اُخرى ، فغادر الرجلان البصرة ، لزيارة الإمام الصادق ( عليه السلام ) في المدينة في غير موسم الحجّ والعمرة للتعرّف على الجواب وقد عرضا السؤال عليه ، فأجاب بنفس الجواب الّذي مرّ في كلام عمرو بن عبيد ، فلمّا سمع ابن أبي العوجاء الجواب قال: هذا ما حملته الإبل من الحجاز (3).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المنية والأمل: ص 22. لاحظ الجزء الثاني من كتابنا ص 24.
    2 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ص 170 ـ 171.
    3 ـ البرهان في تفسير القرآن: ج 1 ص 420 ، الحديث 2 ـ 3.

 

    ولعلّ ما أجاب الإمام ( عليه السلام ) كان منتشراً في البصرة من جانب تلميذيه ، وانتهى إلى عمرو بن عبيد ، فأجاب بنفس ما أجاب به الإمام ، ويظهر من كلام ابن أبي العوجاء ، تقدّم إجابة الإمام على جواب عمرو بن عبيد زماناً وإلاّ لما صحّ أنّ يقال « هذا ما حملته الإبل من الحجاز » بل كان له أنّ يحتمل أنّ الجواب اُخذ من عمرو بن عبيد ، عميد الاعتزال.
    نعم يحتمل أنّ تكون الإجابتان من قبيل توارد الخاطر و مجيئهما على سبيل الاتّفاق ، بلا أخذ أحدهما من الآخر.


    2 ـ روى السيّد المرتضى في أماليه و قال: « إنّ هشام بن الحكم قدم البصرة فأتى حلقة عمرو بن عبيد فجلس فيها و عمرو لا يعرفه فقال لعمرو: أليس قد جعل الله لك عينين؟ قال: بلى ، قال: ولم؟ قال: لأنظر بهما في ملكوت السماوات والأرض فأعتبر ، قال: وجعل لك فماً؟ قال: نعم ، قال: ولِمَ؟ قال: لأذوق الطعوم واُجيب الداعي ، ثمّ عدّد عليه الحواسّ كلّها ، ثمّ قال: وجعل لك قلباً؟ قال: نعم ، قال: ولِمَ؟ قال لتؤدّي إليه الحواسّ ما أدركته فيميّز بينها. قال: فأنت لم يرض لك ربّك تعالى إذ خلق لك خمس حواسّ حتّى جعل لها إماماً ترجع إليه ، أترضى لهذا الخلق الّذين جشأ بهم العالم ألاّ يجعل لهم إماماً يرجعون إليه؟ فقال له عمرو: ارتفع حتّى ننظر في مسألتك وعرفه. ثم دار هشام في حلق البصرة فما أمسى حتّى اختلفوا » (1).
    أقول: ما أجاب به عمرو بن عبيد هشام بن الحكم ، يدلّ على دماثة في الخلق وسماحة في المناظرة مع أنّه طعن في السنّ ، وهشام بن الحكم كان يعدّ في ذلك اليوم من الأحداث ، وقد استمهل حتّى يتأمّل في مسألته ولم يرفع عليه صوته وعقيرته بالشتم والسبّ ، كما هو عادة أكثر المتعصّبين ، ولم يرمه بالخروج عن المذهب.


    3 ـ قال الجاحظ: « نازع رجل عمرو بن عبيد في القدر فقال له عمرو: إنّ الله تعالى قال في كتابه ما يزيل الشك عن قلوب المؤمنين في القضاء والقدر قال تعالى:


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ص 176 ـ 177.

 

( فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ( الحجر / 92 و 93 ). ولم يقل لنسألنّهم عمّا قضيت عليهم ، أو قدّرته فيهم ، أو أردته منهم ، أو شئته لهم ، وليس بعد هذا الأمر ، إلاّ الإقرار بالعدل ، أو السكوت عن الجور الّذي لا يجوز على الله تعالى » (1).


    أقول: روي نظير ذلك من الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) وقد سئل عن القدر؟ فقال: « ما استطعت أنّ تلوم العبد عليه فهو فعله ، وما لم تستطع فهو فعل الله ، يقول الله للعبد: لم كفرت ولا يقول لم مرضت » (2).


    و أخيراً روى السيّد المرتضى أنّ أبا جعفر المنصور مرّ على قبره بمرّان ـ وهو موضع على ليال من مكّة على طريق البصرة ـ فأنشأ يقول:

صلّى الإله عليك من متوسّد قبراً تضمّن مؤمناً متخشّعاً وإذا الرّجال تنازعوا في شبهة فلو أنّ هذا الدهر أبقى صالحاً
 
 قبراً مررت به على مَرّان عبد الإله ودان بالفرقان فصل الخطاب بحكمة وبيان أبقى لنا عمراً أبا عثمان (3)
 


    4 ـ قال الخطيب: « كان عمرو يسكن البصرة ، وجالس الحسن البصري ، وحفظ عنه ، واشتهر بصحبته ، ثمّ أزاله واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنّة فقال بالقدر ودعا إليه ، واعتزل أصحاب الحسن وكان له سمعة و إظهار زهد ـ ثمّ نقل بعض ما يدلّ على زهده أو إظهاره » (4).


    ما ذكره الخطيب من تخصيص أهل السنّة باتّباع مذهبه تخصيص بلا دليل ، فإنّ الفرق الإسلاميّة يحترمون السنّة الصّحيحة ، والكلّ بهذا المعنى أهل السنّة. ولو كان وجه إزالته عنهم قوله بالقدر ، فقد سبقه أستاذه الحسن إلى هذا القول ، كما تدلّ عليه رسالته


--------------------------------------------------------------------------------


    1 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ص 177.
    2 ـ المنية والأمل: ص 21 ط دار صادر.
    3 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ص 178 ، ووفيات الأعيان: ج 2 ص 462.
    4 ـ تاريخ بغداد: ج 12 ، ص 166 ، رقم الترجمة 6652.

 

    إلى عمر بن عبدالعزيز ، الّتي أتى بنصّها القاضي عبدالجبّار في « فضل الإعتزال وطبقات المعتزلة » (1) فلو خرج عمرو بالقول بالقدر عن مذهب أهل السنّة ، فهذه شنشنة أعرفها من عبد القاهر في كتابه « الفرق بين الفرق » ، والخطيب في تأريخه ، وغيرهما من الكتّاب المتعصّبين الّذين يفتحون أبواب الجنّة على مصاريعها على وجوه أصحابهم ، ويقفلونها بإحكام أمام الفرق الاُخرى.


    نعم ، تطرّف من قال: « إنّ تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنّة ، تسمية متأخِّرة يرجع تأريخها إلى حوالي القرن السّابع الهجري ، إلى بعد عصر آخر الأئمّة المشهورين وهو ابن حنبل بحوالي أربعة قرون » (2).


    فإنّ أهل الحديث كانوا يسمّونهم أهل السنّة ، وهذا أحمد بن حنبل يقول في ديباجة كتابه « السنّة »: « هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنّة المتمسّكين بعروتها المعروفين بها » (3). وهذا الشيخ الأشعري يعرض عقائد أهل الحديث باسم أهل السنّة (4).


    إنّما الاشكال في احتكار هذا الإسم في طائفة خاصّة من المسلمين ، مشعراً به إلى أنّ غيرهم رفضوا السنّة و عملوا بالبدعة.


    نعم ، لم تكن هذه التسمية في عصر النّبي ، ولا الخلفاء ، ولا في أوائل القرن الثاني ، وإنّما حدثت في أواسطه.


    5 ـ نقل الخطيب بسنده عن معاذ قال: سمعت عمرو بن عبيد يقول: « إنّ كانت ( تَبَّتْ يدا أَبِى لَهَب ) في اللّوح المحفوظ ، فما على أبى لهب من لوم ».
    و ينقله أيضاً عن معاذ بصورة اُخرى قال: « كنت جالساً عند عمرو بن عبيد ،


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ طبقات المعتزلة: ص 215 ـ 223. مرّ نصّ الرسالة في الجزء الأول ص 282 ـ 291.
    2 ـ الاباضية بين القرون الاسلاميّة: ج 2 ، ص 128 تأليف علي يحيى معمر.
    3 ـ السنّة: ص 44.
    4 ـ مقالات الإسلاميين: ص 290.

 

    فأتاه رجل يقال له عثمان أخو السمري فقال: يا أبا عثمان! سمعت والله اليوم بالكفر فقال: لا تعجل بالكفر ، وما سمعت؟ قال: سمعت هاشماً الأوقصي يقول: إنّ ( تَبَّتْ يدا أَبِى لَهَب ) وقوله: ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ) و: ( سَأُصْلِيهِ سَقَر ) إنّ هذا ليس في اُمّ الكتاب ، والله تعالى يقول: ( حم * وَالكِتَابِ المُبِين * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَ إِنَّهُ فِي أُمِ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌ حَكِيمٌ ) فما الكفر إلاّ هذا يا أبا عثمان. فسكت عمرو هنيئة ، ثمّ أقبل عليّ فقال: والله لو كان القول كما يقول ، ما كان على أبي لهب من لوم ، ولا على الوحيد من لوم. قال: يقول عثمان ذاك؟ هذا والله الدين يا أبا عثمان. قال معاذ: فدخل بالاسلام وخرج بالكفر » (1).
    ثمّ ينقل عن معاذ أنّه نقل مقالة عمرو لوكيع بن الجرّاح فقال: « من قال هذا القول استتيب ، فإن تاب وإلاّ ضربت عنقه ».


    يلاحظ عليه: أنّ تأريخ بغداد عيبة الأعاجيب والموضوعات. إنّه يروي في بداية ترجمة « عمرو بن عبيد » قصصاً في زهده و تمرّده على الطّواغيت ، كأبي جعفر المنصور العبّاسي على وجه يليق أنّ تنسب إلى الأنبياء و الأولياء ، ولا يلبث فيأتي بهذه الأعاجيب الّتي لا يليق أنّ ينسب إلى مسلم عادي ، فضلاً عن شيخ الكلام في عصره. لأنّ المعتزلة وفي مقدّمهم الشيخان ، اعترفوا بأنّ علمه سبحانه بالأشياء والحوادث أزلي لا حادث (2) و معه كيف يمكن لمثل عمرو شيخ المنهج أنّ ينكر علمه سبحانه بما يصدر من الوليد ابن المغيرة ، أو أبي لهب من الأفعال و الأقوال؟ وكيف يمكن لمسلم أنّ ينكر كون القرآن موجوداً في الكتاب ( لدينا لعليّ حكيم ) مع وروده فيه على وجه الصّراحة. كلّ ذلك يعرب عن أنّ ما نسب إليه من السفاسف أخيراً ، وليد العداء والبغضاء. فالمسلم الّذي يأخذ عقائده و آراءه من الكتاب والسنّة الصّحيحة والعقل السليم ، يعترف بأنّ كلّ


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ تاريخ بغداد: ج 12 ص 170 ـ 172.
    2 ـ قال القاضي عبد الجبار ( م 415 ) : فاعلم أنّ تلك الصفة التي يقع بها الخلاف والوفاق ( عالم ، لا عالم ) يستحقها لذاته وهذه الصفات الأربع التي هي كونه قادراً عالماً حياً موجوداً لما هو عليه في ذاته... إلى آخر ما ذكر في شرح الاُصول الخمسة: ص 129.

 

    شيء معلوم لله سبحانه في الأزل. غير أنّ علمه الأزلي لا يصيِّر الإنسان مسيّراً مكتوف الأيدي ، لأنّ علمه سبحانه لم يتعلّق بصدور كلّ فعل عن الإنسان على الإطلاق و بأيّ وجه كان ، وإنّما تعلّق بصدوره منه في ظلّ المبادئ الموجودة فيه ، ومنها الإرادة والاختيار و الحريّة والانتخاب و باختصار; علمه سبحانه تعلّق بأنّ الإنسان فاعل مختار يفعل كلّ شيء بإرادته ومثل هذا العلم لو لم يؤكّد الاختيار لما كان سبباً للجبر.
    وقد أوضحنا هذا الجواب عند البحث عن عموم مشيئته سبحانه و علمه في الجزء الثاني من هذه الموسوعة:

    نعم ، عمرو بن عبيد وكلّ من يعتقد بعدله سبحانه لا يجنح إلى روايات القدر الّتي تعرِّف الإنسان كالريشة في مهبِّ الريح. ولقد ذكرنا نزراً من تلك الأحاديث في كتابنا هذا.

وفود عمرو على الإمام الباقر ( عليه السلام )

    روي أنّ عمرو بن عبيد وفد على محمّد بن عليّ الباقر ( عليه السلام ) لامتحانه بالسؤال عن بعض الآيات ، فقال له: « جعلت فداك ، ما معنى قوله تعالى: ( أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمواتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ) ( الانبياء / 30 ) ما هذا الرّتق والفتق؟ فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : كانت السّماء رتقاً لا ينزل القطر وكانت الأرض رتقاً لا تخرج النّبات ، ففتق الله السّماء بالقطر ، وفتق الأرض بالنبات ». فانطلق عمرو ولم يجد اعتراضاً و مضى.


    ثمّ عاد إليه فقال: أخبرني جعلت فداك عن قوله تعالى: ( ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ) ( طه / 81 ) ما غضب الله؟ فقال له أبو جعفر ( عليه السلام ) : « غضب الله تعالى عقابه يا عمرو. من ظنّ أنّ الله يغيّره شيء فقد كفر » (1).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ بحار الأنوار: ج 46 ، ص 354 نقلاً عن المناقب لابن شهر آشوب. وغيره.

(241)

وفود عمرو على الإمام الصادق ( عليه السلام )


    روى الطّبرسي في « الاحتجاج » عن عبدالكريم بن عتبة الهاشمي قال: كنت عند أبي عبداللّه ـ عليه السلام ـ بمكّة إذ دخل عليه أناس من المعتزلة فيهم عمرو بن عبيدوواصل ابن عطاء و حفص بن سالم ، وأناس من رؤسائهم وذلك حين قتل الوليد (1) واختلف أهل الشّام بينهم فتكلّموا و أكثروا ، وخطبوا فأطالوا فقال لهم أبوعبدالله ( عليه السلام ) : « إنّكم قد أكثرتم عليّ و أطلتم فأسندوا أمركم إلى رجل منكم فليتكلّم بحجّتكم و ليوجز ، فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد فأبلغ و أطال ، فكان فيما قال: قتل أهل الشام خليفتهم ، وضرب الله بعضهم ببعض ، وتشتّت أمرهم. فنظرنا فوجدنا رجلاً له دين و عقل و مروّة ومعدن للخلافة وهو محمّد بن عبدالله بن الحسن (2) فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه ثمّ نظهر أمرنا معه ، وندعو الناس إليه ، فمن بايعه كنّا معه وكان معنا...إلى آخر ما قال. فلّما تمّ كلامه أجابه الإمام بكلام مسهب. وفي آخر كلامه: « اتّق الله يا عمرو وأنتم أيّها الرّهط ، فاتّقوا الله ، فإنّ أبي حدّثني و كان خير أهل الأرض و أعلمهم بكتاب الله و سنّة رسوله أنّ رسول الله قال: من ضرب النّاس بسيفه و دعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضالّ متكلِّف (3).
    روى الصّدوق في عيونه عن عليّ الرضا ( عليه السلام ) عن أبيه ، عن جدّه ( عليهم السلام ) قال: « دخل عمرو بن عبيد البصري على أبي عبدالله ، فلّما سلّم وجلس عنده تلا هذه الآية: ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ ) ( الشورى / 37 ) ثمّ سأل عن الكبائر فأجابهـ عليه السلام ـ فخرج عمرو بن عبيد وله صراخ من بكائه وهو يقول: هلك والله من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم » (4).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان. قتل في جمادى الآخرة عام 126 وكان فاسقاً شرّيباً للخمر.
    2 ـ الملقّب بالنفس الزكية ، قتل بالمدينة في خلافة المنصور عام 145.
    3 ـ بحار الأنوار: ج 47 ، ص 213 ـ 215.
    4 ـ بحار الأنوار: ج 47 ، باب مكارم أخلاقه ، ص 19 ، الحديث 13.

 
 

3 ـ أبو الهذيل العلاّف ( ت 135 ـ م 235 )


    أبو الهذيل محمّد بن الهذيل العبدي ـ نسبة إلى عبدالقيس ـ وكان مولاهم وكان يلقّب بالعلاّف ، لأنّ داره في البصرة كانت في العلاّفين (1).


    قال ابن النّديم: « :كان شيخ البصريّين في الاعتزال و من أكبر علمائهم وهو صاحب المقالات في مذهبهم و مجالس و مناظرات.


    نقل ابن المرتضى عن صاحب المصابيح أنّه كان نسيج وحده وعالم دهره ولم يتقدّمه أحد من الموافقين ولا من المخالفين. كان إبراهيم النظّام من أصحابه ، ثمّ انقطع عنه مدّة و نظر في شيء من كتب الفلاسفة ، فلمّا ورد البصرة كان يرى أنّه قد أورد من لطيف الكلام ما لم يسبق إلى أبي الهذيل. قال إبراهيم: فناظرت أبا الهذيل في ذلك فخيّل إليّ أنّه لم يكن متشاغلاً إلاّ به لتصرّفه فيه وحذقه في المناظرة فيه (2).


    قال القاضي: « ومناظراته مع المجوس والثنويّة و غيرهم طويلة ممدودة وكان يقطع الخصم بأقلّ كلام. يقال إنّه أسلم على يده زيادة على 3000 رجل ».
    قال المبِّرد: « ما رأيت أفصح من أبي الهذيل والجاحظ ، وكان أبو الهذيل أحسن مناظرة. شهدته في مجلس وقد استشهد في جملة كلامه بثلاثمائة بيت...وفي مجلس المأمون استشهد في عرض كلامه بسبعمائة بيت » (3).


    وما ناظر به المخالفين دليل على نبوغه المبكر وتضلّعه في هذا الفن ، فلنذكر بعضه:
    1 ـ مات ابن لصالح بن عبد القدّوس الّذي يرمى بالزندقة ، فجزع عليه ، فقال له أبو الهذيل: « لا أعرف لجزعك عليه وجهاً ، إذ كان الناس عندك كالزّرع فقال صالح:


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ، ص 178 ، وفيات الأعيان: ج 4 ، ص 265 ـ 267 رقم الترجمة 606 وقد قيل في تاريخ وفاته غير هذا نقله المرتضى في أماليه.
    2 ـ فهرست ابن النديم: ص 225 ـ 226.
    3 ـ المنية والأمل: ص 26 ـ 27.

 

    يا أبا الهذيل إنّما أجزع عليه لأنّه لم يقرأ كتاب « الشكوك ». فقال: ما هذا الكتاب يا صالح؟

    قال: هو كتاب قد وضعته ، من قرأه يشك ّ فيما كان حتّى يتوهّم أنّه لم يكن ، ويشكّ فيما لم يكن حتّى يتوهّم أنّه قد كان. فقال له أبو الهذيل: فشكّ أنت في موت ابنك ، واعمل على أنّه لم يمت و إن كان قد مات. وشكّ أيضاً في قراءته كتاب « الشكوك » وإن كان لم يقرأه » (1).
    2 ـ بلغ أبا الهذيل في حداثة سنّه أنّ رجلاً يهوديّاً قدم البصرة و قطع جماعة من متكلّميها ، فقال لعمّه: « يا عمّ امض بي إلى هذا اليهودي حتّى اُكلّمه. فقال له عمّه: يا بنيّ كيف تكلّمه وقد عرفت خبره ، وأنّه قطع مشايخ المتكلّمين! فقال: لا بدّ من أن تمضي بي إليه. فمضى به.قال: فوجدته يقرّر الناس على نبوّة موسى ( عليه السلام ) ، فإذا اعترفوا له بها قال: نحن على ما اتّفقنا عليه إلى أن نجمع على ما تدّعونه ، فتقدّمت إليه ، فقلت: أسألك أم تسألني؟ فقال: بل أسألك ، فقلت: ذاك إليك ، فقال لي: أتعترف بأنّ موسى نبيّ صادق أم تنكر ذلك فتخالف صاحبك؟ فقلت له: إن كان موسى الّذي تسألني عنه هو الّذي بشّر بنبيّي ( عليه السلام ) وشهد بنبوّته وصدّقه فهو نبيّ صادق ، وإن كان غير من وصفت ، فذلك شيطان لا أعترف بنبوّته; فورد عليه ما لم يكن في حسابه ، ثمّ قال لي: أتقول إنّ التوراة حقّ؟ فقلت: هذه المسألة تجري مجرى الاُولى ، إن كانت هذه التوراة الّتي تسألني عنها هي الّتي تتضمّن البشارة بنبيّي ( عليه السلام ) فتلك حقّ ، وإن لم تكن كذلك فليست بحقّ ، ولا أقرّ بها.
    فبهت و اُفحم ولم يدر ما يقول. ثمّ قال لي: أحتاج أن أقول لك شيئاً بيني و بينك ، فظننت أنّه يقول شيئاً من الخير ، فتقدّمت إليه فسارّني فقال لي: اُمّك كذا وكذا واُمّ من علّمك ، لا يكنّي ، وقدّر أنّي أثب به ، فيقول: وثبوا بي وشغبوا عليّ ، فأقبلت على من كان في المجلس فقلت: أعزّكم الله ، ألستم قد وقفتم على سؤاله إيّاي وعلى جوابي


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الفهرست لابن النديم: الفن الأوّل من المقالة الخامسة ص 204 ـ وفيات الأعيان: ج 4 ، ص 265 ـ 266.

 

    إيّاه؟ قالوا:بلى ، قلت: أفليس عليه أن يردّ جوابي أيضاً؟ قالوا: بلى ، قلت لهم: فإنّه ل ـ مّا سارّني شتمني بالشتم الّذي يوجب الحدّ ، وشتم من علّمني ، وإنّما قدّر أنّني أثب عليه ، فيدّعي أنّنا واثبناه وشغبنا عليه ، وقد عرّفتكم شأنه بعد الانقطاع فانصروني ، فأخذته الأيدي من كلّ جهة فخرج هارباً من البصرة » (1).

 
    أقول: إنّ ما طرحه الرجل اليهودي من الشبهة كانت شبهة دارجة لأهل الكتاب يتمسّكون بها كلّ منهم من غير فرق بين اليهودي و المسيحي. وقد سأل الجاثليق النصراني الإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) في مجلس المأمون عن هذه الشبهة ، فقال الجاثليق: ما تقول في نبوّة عيسى و كتابه هل تنكر منهما شيئاً؟ قال الرضا ( عليه السلام ) : « أنا مقرّ بنبوّة عيسى و كتابه...وكافر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوّة محمّد صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وكتابه ولم يبشّر به اُمّته » (2).


    إنّ الإمام الطاهر عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) قدم خراسان عام 199 ، وتوفّي بها عام 203 هـ ، وكانت المناظرات خلال هذه السنوات دائرة و مجالسها بالعلماء و الاُدباء حافلة ، فنقلوا ما دار بين الإمام والجاثليق إلى العواصم الإسلاميّة. فليس من البعيد أن يكون أبو الهذيل قد اقتبس كلامه من الإمام ( عليه السلام ) ، كما أنّ من المحتمل أن يكون من باب توارد الخاطر.


    3 ـ أتى إليه رجل فقال: « اُشكل عليّ أشياء من القرآن فقصدت هذا البلد فلم أجد عند أحد ممّن سألته شفاء لما أردته ، فلمّا خرجت في هذا الوقت قال لي قائل: إنّ بغيتك عند هذا الرّجل فاتّق الله و أفدني ، فقال أبو الهذيل ماذا أشكل عليك؟ قال: آيات من القرآن توهمني أنّها متناقضة و آيات توهمني أنّها ملحونة. قال: فماذا أحبّ إليك ، اُجيبك بالجملة أو تسألني عن آية آية؟ قال: بل تجيبني بالجملة ، فقال أبو الهذيل: هل تعلم أنّ محمّداً كان من أوساط العرب و غير مطعون عليه في لغته ، وأنّه


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ، ص 178 ـ 179.
    2 ـ الاحتجاج للشيخ الطبرسي: ج 2 ، ص 202 وللمناظرة صلة ، من أراد فليراجع.

 

    كان عند قومه من أعقل العرب فلم يكن مطعوناً عليه؟ فقال: اللّهمّ نعم ، قال أبو الهذيل: فهل تعلم أنّ العرب كانوا أهل جدل؟ قال: اللّهمّ نعم ، قال: فهل اجتهدوا عليه بالمناقضة واللّحن؟ قال: اللّهمّ لا ، قال أبو الهذيل: فتدع قولهم على علمهم باللّغة وتأخذ بقول رجل من الأوساط؟ قال: فأشهد أن لا إله إلاّ الله و أنّ محمّداً رسول الله ، قال: كفاني هذا و انصرف و تفقّه في الدين » (1).

 
تآليفه


    بينما لم يذكر ابن النّديم أيّ تأليف لأبي الهذيل يحكي ابن المرتضى عن يحيى بن بشر أنّ لأبي الهذيل ستّين كتاباً في الرّدّ على المخالفين في دقيق الكلام (2).

 
    نعم ، ذكر ابن النّديم في باب الكتب المؤلّفة في متشابه القرآن أنّ لأبي الهذيل العلاّف كتاباً في ذلك الفن (3).


    قال ابن خلّكان: « ولأبي الهذيل كتاب يعرف بالميلاس و كان « ميلاس » رجلاً مجوسياً و أسلم ، وكان سبب إسلامه أنّه جمع بين أبي الهذيل وبين جماعة من الثنويّة ، فقطعهم أبو الهذيل فأسلم ميلاس عند ذلك » (4).


    وذكر البغدادي كتابين لأبي الهذيل هما « الحجج » و « القوالب » والثاني ردُّ على الدهريّة (5).


    أقول: إنّ من سبر كتاب « الفرق بين الفرق » لعبد القاهر البغدادي يعرف حقده على المعتزلة وعلى ذوي الفكر و لذلك ترجمه بصورة تكشف عن عمق غيظ له ، فقال: « كان مولى لعبد القيس وقد جرى على منهاج أبناء السبايا لظهور أكثر البدع منهم ، وفضائحه تترى تكفِّره فيها سائر فرق الاُمّة من أصحابه في الاعتزال ومن غيرهم ،


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ طبقات المعتزلة للقاضي: ص 254.
    2 ـ المنية والأمل: ص 25.
    3 ـ الفهرست لابن النديم: الفن الثالث من المقالة الاُولى ص 39.
    4 ـ وفيات الأعيان: ج 4 ص 266.
    5 ـ الفرق بين الفرق: ص 124.

 

    وللمعروف بالمزدار من المعتزلة كتاب كبير فيه فضائح أبي الهذيل ، وفي تكفيره بما انفرد به من ضلالته. وللجبّائي أيضاً كتاب في الردّ على أبي الهذيل في المخلوق ، يكفّره فيه ، ولجعفر بن حرب المشهور في زعماء المعتزلة أيضاً كتاب سمّاه « توبيخ أبي الهذيل » وأشار بتكفير أبي الهذيل ، وذكر فيه أنّ قوله يجرّ إلى قول الدهريّة » (1).

 
تشيّعه


    قال ابن المرتضى: « ذكروا أنّه صلّى عليه أحمد بن أبي دؤاد القاضي فكبّر عليه خمساً ، ثمّ لمّا مات هشام بن عمرو فكبّر عليه أربعاً ، فقيل له في ذلك ( ما وجه ذلك ) ؟ فقال: « إنّ أبا الهذيل كان يتشيع لبني هاشم فصلّيت عليه صلاتهم » وأبو الهذيل كان يفضّل عليّاً على عثمان. وكان الشيعي في ذلك الزمان من يفضّل عليّاً على عثمان » (2).
    وهذا يكشف عن أنّ التشيّع ربّما يستعمل في تفضيل الإمام ( عليه السلام ) على خليفة أو على الخلفاء الثلاث فقط ، ولا يلازم التشيّع القول بكون عليّ هو خليفة رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم بلافصل. فإنّ هذا هو التشيّع بالمعنى الأخصّ.
    قال ابن أبي الحديد: « سئل شيخنا أبو الهذيل أيّما أعظم منزلة عند الله: عليّ ( عليه السلام ) أم أبوبكر؟ فقال: والله لمبارزة عليّ عمرواً يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار و طاعاتهم كلّها ، فضلاً عن أبي بكر » (3).


وفاته

    إذا كانت ولادة أبي الهذيل 135 و وفاته 235 فقد توفّى الرجل عن عمر يناهز المائة.
    ويقول ابن خلّكان: « وكان قد كفّ بصره ، وخرف في آخر عمره إلاّ أنّه كان لا


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الفرق بين الفرق: ص 121 ـ 122.
    2 ـ المنية والأمل: ص 28.
    3 ـ شرح نهج البلاغة: ج 19 ص 60.

 

    يذهب عليه شيء من الأصول ، لكنّه ضعف عن مناهضة المناظرين و حجاج المخالفين و ضعف خاطره » (1).

 
    و جرى ابن قتيبة في كتابه « تأويل مختلف الحديث » على ذمّ مشايخ المعتزلة ورميهم بقصص خرافيّة ، فنقل أوّلاً عن بعض أصدقاء أبي الهذيل أنّه بذل مائة ألف درهم على الإخوان. ثمّ قال ردّاً على هذه القصّة: « وكان أبو الهذيل أهدى دجاجة إلى موسى بن عمران فجعلها تأريخاً لكلّ شيء ، فكان يقول: فعلت كذا وكذا قبل أن أهدي إليك تلك الدّجاجة أو بعد أن أهديت إليك تلك الدّجاجة ». ثمّ فرّع على ذلك وقال: « هذا نظر من لا يقسم على الاخوان عشرة أفلس فضلاً عن مائة ألف » (2).


     « اللّهمّ لا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا ».


كلمة بذيئة

    عنون الخطيب شيخ المعتزلة محمّداً أبا الهذيل ، ولكنّه جرى فيه كعادته فيهم بتسليط لسانه عليهم فقال: « شيخ المعتزلة » ، ومصنّف الكتب في مذاهبهم وهو من أهل البصرة. ورد بغداد وكان خبيث القول. فارق إجماع المسلمين وردّ نصّ كتاب الله عزّوجلّ إذ زعم أنّ أهل الجنّة تنقطع حركاتهم فيها ، حتّى لا ينطقوا نطقة ولا يتكلّموا بكلمة ، فلزمه القول بانقطاع نعيم الجنّة عنهم والله تعالى يقول: ( اُكلّها دائم ).


    وجحد صفات الله الّتي وصف بها نفسه ، وزعم أنّ علم الله هو الله ، و قدرة الله هي الله. فجعل الله علماً و قدرة ـ تعالى الله عمّا وصفه به علوّاً كبيراً ـ » (3).
    يلاحظ عليه: أنّ النسبة الاُولى لم تثبت بعد ، وهؤلاء هم الأشاعرة ينقلونه عن أبي الهذيل و أتباعه ، وقد اعتذر أبو الحسين الخيّاط عن هذه النسبة في كتابه « الانتصار » وبما


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ وفيات الأعيان: ج 4 ص 267.
    2 ـ تأويل مختلف الحديث: ص 43.
    3 ـ تاريخ بغداد: ج 3 ، ص 366.

 

    أنّ كتب الرجل قد ضاعت و عبث بها الزمان فلا يصحّ في منطق العقل الجزم بذلك إلاّ إذا تواتر النّقل وهو مفقود.


    وأمّا النسبة الثانية فقد غفل عن مغزاها الخطيب فتصوّره أمراً شنيعاً مع أنّ أبا الهذيل يقصد بذلك الوصول إلى قمّة التوحيد ، وهو نفي كون صفاته سبحانه زائدة على ذاته. لأنّ القول بالزيادة يستلزم التركيب ( تركيب ذاته مع صفاته السبع الكماليّة ) وقد أوضحناه في الجزء الثاني من كتابنا فراجع (1).


    والّذي يندي الجبين أن يقذف الشيخ بأمر شنيع. نقل الخطيب عن أبي حذيفة: كان أبو الهذيل يشرب عند ابن لعثمان بن عبدالوهاب ، قال: فراود غلاماً في الكنيف... إلى آخر ما ذكره في الوقيعة به الّتي يجب أن يحدّ القاذف و يبرء المرمىّ بها ، ولكنّ الطائفيّة البغيضة دفعت الخطيب إلى نقل القصّة بلا اكتراث.


     ( إنّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةَ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ).


4 ـ النظّام ( ت 160هـ ـ م 231 هـ ) (2)


    إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظّام

    النظّام: هو الشخصيّة الثالثة للمعتزلة ومن متخرّجي مدرسة البصرة للاعتزال.
    قال ابن النديم: يكنّى أبا إسحاق ، كان متكلّماً شاعراً أديباً وكان يتعنّف أبا نؤاس وله فيه عدّة مقطّعات و إيّاه عنى أبو نؤاس بقوله:

فقل لمن يدّعي في العلم فلسفة لا تحظر العفو إن كنت امرءاً حرجاً
 
 حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء فانّ حظركه بالدين إزراء (3)
 


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ ص 78 ـ 79 وسيوافيك بيانه في الفصل المختص ببيان الاُصول الخمسة للمعتزلة.
    2 ـ في ميلاده ووفاته أقوال اُخر وما ذكرناه هو المؤيد بالقرائن.
    3. فهرست ابن النديم: الفن الأوّل من المقالة الخامسة ص 205 ـ 206.

 

    وذكره الكعبي في « ذكر المعتزلة » وقال: « هو من أهل البصرة ثمّ نقل آراءه الّتي تفرّد بها » (1).


    وقال الشريف المرتضى: « كان مقدّماً في علم الكلام ، حسن الخاطر ، شديد التدقيق والغوص على المعاني ، وإنّما أدّاه إلى المذاهب الباطلة الّتي تفرّد بها واستشنعت منه ، تدقيقه وتغلغله وقيل: إنّه مولى الزياديين من ولد العبيد و إنّ الرّق جرى على أحد آبائه » (2).


    وذكره القاضي عبدالجبّار في « طبقات المعتزلة » وقال: « إنّه من أصحاب أبي الهذيل و خالفه في أشياء » (3).

 
ذكاؤه المتوقّد

    1 ـ روى الشّريف المرتضى أنّ أبا النظّام جاء به وهو حدث إلى الخليل بن أحمد ( م 170 هـ ) ليعلِّمه فقال له الخليل يوماً يمتحنهـ وفي يده قدح زجاج ـ : يا بني ، صف لي هذه الزّجاجة ، فقال: أبمدح أم بذمّ؟ قال: بمدح ، قال: نعم ، تريك القذى ، لا تقبل الأذى ، ولا تستر ما وراء ، قال: فذمّها ، قال: سريع كسرها ، بطيء جبرها ، قال: فصف هذه النّخلة ، و أومأ إلى نخلة في داره ، فقال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح ، قال: هي حلو مجتناها ، باسق منتهاها ، ناظر أعلاها ، قال: فذمّها ، قال: هي صعبة المرتقى ، بعيدة المجتنى ، محفوفة بالأذى ، فقال الخليل: با بنيّ ، نحن إلى التعلم منك أحوج.


    قال الشّريف المرتضى بعد نقل هذه القصّة: « وهذه بلاغة من النظّام حسنة ، لأنّ البلاغة هي وصف الشيء ذمّاً أو مدحاً بأقصى ما يقال فيه » (4).
    2 ـ قال أبوعبيدة: « ما ينبغي أن يكون فى الدّنيا مثله ، فإنّي امتحنته فقلت: ما


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص 70.
    2 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ، ص 187.
    3 ـ فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص 264.
    4 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ، ص 189.

 

    عيب الزجاج؟ فقال على البديهة: يسرع إليه الكسر ولا يقبل الجبر » (1).

    3 ـ روي أنّه كان لا يكتب ولا يقرأ وقد حفظ القرآن والتوراة والانجيل والزبور وتفسيرها مع كثرة حفظه الأشعار والأخبار واختلاف النّاس في الفتيا (2).

    4 ـ قال الجاحظ: « الأوائل يقولون: في كلّ ألف سنة رجل لا نظير له. فان كان ذلك صحيحاً فهو: أبو إسحاق النظّام » (3).


    ولو صحّ ما نقلناه في حقّه ، فهو يحكي عن كون المترجم له ذا نبوغ مبكر ، و ذكاء وقّاد ، وقابليّة كبيرة ، ومثل هذا لو وقع تحت رعاية صحيحة و تربّى على يدي اُستاذ بارع يتجلّى نبوغه بأحسن ما يمكن و تتفجّر طاقاته لصالح الحقائق ، و إدراك الواقعيّات ، وإذا فقد مثل ذلك الاُستاذ البارع وهو على ما ذكرناه من المواهب والقابليّات انحرف انحرافاً شديداً ، و تحرّكت طاقاته في اتّجاه الجناية على الحقائق و ظلم الواقعيات.
    ولعلّ ما يحكى عن النظام من بعض الأفكار المنحرفة ـ إن صحّت ـ فذلك نتيجة النبوغ غير الموجّه ، والقابليّة غير الخاضعة للارشاد والهداية.
    وسيوافيك بعض أفكاره غير الصّحيحة ، غير أنّ أكثر مصادرها هي كتب الأشاعرة ك ـ « مقالات الإسلاميين » للأشعري ، و « الفرق بين الفرق » و غيرهما من كتب الأشاعرة الّذين ينظرون إلى المعتزلة بعين العداء و مخالفي السنّة.
    نعم هجوم الأشاعرة عليه ، وردّ بعض المعتزلة عليه (4) يعرب عن شذوذ في منهجه ، وانحراف في فكره.


    5 ـ روى القاضي أنّه كان يقول عندما يجود بنفسه: « اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي لم اُقصّر في نصرة توحيدك ولم أعتقد مذهباً إلاّ سنده التوحيد ، اللّهمّ إن كنت تعلم ذلك فاغفر لي ذنوبي و سهِّل عليّ سكرات الموت ». قال: فمات من ساعته (5).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المنية والأمل ، لابن المرتضى: ص 29.
    2 ـ المنية والأمل ، لابن المرتضى: ص 29.
    3 ـ المنية والأمل ، لابن المرتضى: ص 29.
    4 ـ لاحظ الفرق بين الفرق ص 132 ترى ردود المعتزلة عليه. فقد ذكر أنّ لأبي الهذيل والجبائي والاسكافي وجعفر بن حرب ردوداً عليه.
    5 ـ فضل الاعتزال للقاضي: ص 264 ـ المنية والأمل ص 29 ـ 30.

 

    ولو صحّ هذا فلا يصحّ ما ينسب إليه البغدادي من أنّ النظّام كان أفسق خلق الله عزّوجلّ و أجرأهم على الذنوب العظام و على إدمان شرب المسكر. وقد ذكر عبدالله بن قتيبة في كتاب « مختلف الحديث » أنّ النظّام كان يغدو على مسكر و يروح على مسكر وأنشد قوله في المسكر:

ما زلت آخذ روح الزقّ في لطف حتّى انثنيت ولي روحان في بدن
 
 وأستبيح دماً من غير مذبوح والزقّ مطّرح جسم بلا روح
 

    ثمّ أخذ البغدادي في ذمِّه بكلمات رديئة لا تصلح للنقل ، وقد عدّ البغدادي له أزيد من عشرين فضيحة و جعل بعضها سبباً لكفره ، غير أنّ بعضها ليس بفضيحة و بعضها الآخر لا يوجب الكفر (1) و البغداديّ في هذه التّهم و النّسب ـ كما قال ـ تبع شيخ أصحاب الحديث ابن قتيبة حيث قال: « وجدنا النظّام شاطراً من الشطّار يغدو على سكر و يروح على سكر و يبيت على جرائرها و يدخل في الأدناس و يرتكب الفواحش والشائنات » ثمّ ذكر البيتين (2).
    أفي ميزان النّصفة الاعتماد على قول الخصم عند القضاء عليه؟.
    وذكر الشهرستاني له مسائل انفرد بها وأنهاها إلى ثلاث عشرة مسألة (3) و في قلمه نزاهة قابلة للتقدير بخلاف البغدادي في الفرق و نذكر نموذجين من هذه الفضائح المزمومة:
    1 ـ قوله بانقسام كلِّ جزء لا إلى نهاية. فزعم البغدادي أنّ نتيجة ذلك القول إحالة كون الله تعالى محيطاً بأجزاء العالم ، عالماً بها ، وذلك قول الله تعالى: ( وَ أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَداً ) ( الجن / 28 ) (4).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الفرق بين الفرق: ص 131 ـ 150.
    2 ـ تأويل مختلف الحديث: ص 17 و 18.
    3 ـ الملل والنحل: ج 1 ص 54 ـ 58.
    4 ـ الفرق بين الفرق: ص 139.

 

    يلاحظ عليه : أنّ القائل ببطلان تركّب الجسم من أجزاء لا يتجزّأ ، وأنّ كلّ جزء مفروض ينقسم إلى ما لا نهاية له ، لا يعنى به انقسام كلِّ جزء إلى ما لا نهاية له بالفعل ، بحيث يكون في كلِّ ذرة أجزاء فعليّة مترتبة متسلسلة ، بل المراد هو الانقسام بالقوّة ، بمعنى أنّ الانقسام لا ينتهي إلى جزء لا يمكن تقسيمه عقلاً ، لأنّ ما نفرضه جزءاً غير متجزّئ ، شرقه غير غربه ، فيكون منقسماً بهذا الشّكل إلى ما لا نهاية له ، وإن كان ينتهي إلى جزء لا يمكن تقسيمه حسّاً لأجل ضعف أدوات التّقسيم ، ولكن هذا لا يصدّ التقسيم العقلي و لا يمنع منه.


    وهذا واضح لمن أمعن النّظر في أدلّة القائلين ببطلان الجزء الّذي لا يتجزّأ. فالبغدادي خلط بين مسألة أجزاء غير متناهية بالفعل و مسألة أجزاء غير متناهية بالقوّة ، وما فرضه إشكالاً ـ على فرض صحّته في نفسهـ إنّما يترتّب على الأوّل دون الثّاني ، لأنّ العالم على الفرض الثّاني يكون متناهياً بالفعل ، ويكون سبحانه محيطاً بأجزاء العالم ، عالماً به ، وإن كان غير متناه بالقوّة ، لكن مناط العلم هو الأوّل لا الثّاني.


    و ثانياً: نفرض أنّ العالم له أجزاء غير متناهية ، ولكنّه سبحانه أيضاً موجود غير متناه ، على ما برهن عليه في محلّه ، فلا يشذّ عن حيطة وجوده شيء ، نعم من خصّ وجوده سبحانه بالعرش فوق السّماوات لا محيص له عن توصيفه بالتّناهي والله سبحانه منزّه عن التّناهي وأحكام الممكنات.


    2 ـ قوله بأنّ الإنسان هو الروح و هو جسم لطيف تداخل بهذا الجسم ، ثمّ رتّب عليه على زعمه إشكالات: منها; أنّ الإنسان على هذا لا يرى على الحقيقة و إنّما يرى الجسد الّذي فيه الإنسان.


    ومنها; أنّه يوجب أنّ الصّحابة ما رأوا رسول الله و إنّما رأوا قالباً فيه الرّسول ، إلى غير ذلك من الاشكالات الواهية.


    أقول: لايظهر من القرآن كون الروح هو الجسم اللّطيف المتداخل في البدن ، ولكنّه يظهر منه كون حقيقة الإنسان هي روحه ، وأنّ واقعيَّته و شخصيّته بروحه لا  بجسده. قال سبحانه: ( قُلْ يَتَوَفَّيكُمْ مَلَكُ المَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون ) ( السجدة / 11 ). إنّ كلمة « التوفّي » لا تعني الاماتة كما هو معروف ، بل تعني الأخذ و القبض ، فقوله سبحانه ( يتوفّاكم ) بمعنى يأخذكم و يقبضكم ، فالآية ظاهرة في أنّ ملك الموت يأخذ الإنسان كلّه ، ويكون محفوظاً عند ربّه ، وهذا إنّما يتمّ ولو كان حقيقة الإنسان هو روحه و نفسه ، لا روحه و جسمه ، وإلاّ يكون المأخوذ بعض الإنسان و جزئه ، لوضوح أنّ ملك الموت يأخذ أحد الجزأين وهو الرّوح و يترك الجزء الآخر وهو يودع في القبر الّذي لا علاقة لملك الموت به.
 

    وما رتّب البغدادي على نظريّة النظّام من الاشكالات لا يستحقّ الردّ والنّقد.
    إذا عرفت هذين النموذجين الّذين عدّهما البغدادي من فضائح النظّام ـ وليسا منها ـ فعند ذا يتبيّن وجوب دراسة آراء ذلك الرجل في جوّ هادىء بعيد عن الحقد والبغض حتّى يتّضح الحقّ عن الباطل ، مع أنّه لا مصدر لنسبة هذه الآراء إلاّ كتب الأشاعرة و بصورة ناقصة « الانتصار » لأبي الحسين الخيّاط ، وليس كتابنا هذا كتاباً كلاميّاً و إنّما هو كتاب تأريخ العقائد ولأجل ذلك نكتفي بهذا المقدار ، غير أنّه نرى من الواجب التعرّض لعقيدة منسوبة إليه في إعجاز القرآن المعروفة بمذهب الصِّرفة.


النظّام و مذهب الصرفة في إعجاز القرآن


    من الآراء الباطلة الّتي نسبت إلى النظّام ، هو حصر إعجاز القرآن في الاخبار عن المغيبات ، وأمّا التأليف والنّظم فقد كان يجوِّز أن يقدر عليه العباد لولا أنّ الله منعهم بمنع (1). وقد نقل عنه البغدادي في « الفرق » بقوله: « إنّه أنكر إعجاز القرآن فى (2) نظمه ».
    وقال الشهرستاني: « قوله في إعجاز القرآن إنّه من حيث الاخبار عن الاُمور الماضية والآتية ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة ، ومنع العرب عن الاهتمام به


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ مقالات الاسلاميين: ص 225.
    2 ـ الفرق بين الفرق: ص 132.

 

    جبراً وتعجيزاً ، حتّى لو خلاّهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة و فصاحة و نظماً » (1).


    أقول: لا شكّ أنّ مذهب الصرفة في إعجاز القرآن مذهب مردود بنصّ القرآن وإجماع الاُمّة ، لأنّ مذهب الصرف يرجع إلى أنّ القرآن لم يبلغ في مجال الفصاحة والبلاغة حدّ الإعجاز ، حتّى لا يتمكّن الإنسان العادي من مباراته و مقابلته ، بل هو في هذه الجهة لا يختلف عن كلام الفصحاء و البلغاء ، ولكنّه سبحانه يحول بينهم وبين الإتيان بمثله ، إمّا بصرف دواعيهم عن المعارضة ، أو بسلب قدرتهم عند المقابلة.
    ومن المعلوم أنّ تفسير إعجاز القرآن بمثل هذا باطل جدّاً لأنّ القرآن عند المسلمين معجز لكونه خارق للعادة لما فيه من ضروب الإعجاز في الجوانب الأربعة: 1 ـ الفصاحة القصوى 2 ـ البلاغة العليا 3 ـ النظم المخصوص 4 ـ الاُسلوب البديع. فقد تجاوز عن حدِّ الكلام البشري و وصل إلى حدّ لا تكفي في الاتيان بمثله القدرةُ البشريّة.
    يقول الطّبرسى في تفسير قوله: ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَ الجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً ) ( الإسراء / 88 ) « معناه قل يا محمد لهؤلاء الكفّار: لئن اجتمعت الإنس و الجنّ متعاونين متعاضدين على أن يأتوا بمثل هذا القرآن من فصاحته و بلاغته و نظمه على الوجوه الّتي هو عليها من كونه في الطبقة العليا من البلاغة و الدرجة القصوى من حسن النظم وجودة المعاني و تهذيب العبارة.. لعجزوا عن ذلك ولم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً » (2).
    إنّ مذهب الصرفة كمذهب الصّدفة لدى المادِّيين في الوهن و البطلان ، فإنّه سبحانه أرفع شأناً من أن يأمر الإنسان والجنّ بأن يباروا القرآن ، ويرضى منهم بمباراة بعضه لو تعذّر عليهم الكلّ ، ثمّ يعترض سبيلهم و يصرف منهم القوّة والهمّة و يمنعهم


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الملل والنحل: ج 1 ص 56 ـ 57.
    2 ـ مجمع البيان: ج 6 ص 676.

 

    من أن يأتوا بما أراد منهم مع قدرتهم عليه قبل عزم المباراة والمقابلة.
    ولو صحّ وجه إعجازه في الصّرفة ، فيتمّ حتّى مع كونه كلاماً مغسولاً من الفصاحة ، ومبذولاً مرذولاً للغاية ، وكلّما حاول الإنسان أن يقابله ، صرفت دواعيه وسلبت قدرته عن الاتيان بمثله ، هوكما ترى (1).


مؤلّفاته

    مع أنّه كثر اللّغط والصّياح حول آراء النظّام (2) فطبع الحال يقتضي أن يكون له عشرات المؤلّفات ، غير أنّه لم يصل من أسماء مؤلّفاته إلينا أزيد ممّا يلي:
    1 ـ التّوحيد2 ـ العالم (3) 3 ـ الجزء (4) 4 ـ كتاب الردّ على الثنويّة (5).
    ومن أراد أن يرجع إلى متفرِّداتهـ إن صحّت النّسبة ـ فليرجع إلى « الملل والنحل » للشهرستاني ، فإنّه جمعها تحت ثلاث عشرة مسألة ، مع النزاهة و رعاية أدب البحث ، خلافاً للبغدادي ، فإنّ كلامه بعيد عن الأدب.


5 ـ أبو علي محمّد بن عبدالوهّاب الجبّائي ( ت 235 ـ م 303 )


    هو أحد أئمّة المعتزلة في عصره ، وإماماً في كلامه و يعرّفه ابن النديم في فهرسته بقوله: « هو من معتزلة البصرة ، ذلّل الكلام و سهّله و يسّر ما صعب منه ، وإليه انتهت رئاسة البصريّين في زمانه ، لا يدافع في ذلك. وأخذ عن أبي يعقوب الشحّام. ورد البصرة


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ ومن أراد البحث حول تلك النظرية فعليه الرجوع إلى المصادر التالية: أوائل المقالات للشيخ المفيد ص 31 ، بحار الأنوار: ج 12 ، ص 1 ـ 32. المعجزة الخالدة للعلامة الشهرستاني ص 92 ـ 93. مقال للكاتب الفكيكي في مجلّة رسالة الإسلام ، العدد الثالث من السنة الثالثة ، والعدد الأول من السنة الرابعة. الجزء الثاني من الإلهيات من محاضراتنا الكلامية التي قام بتحريرها الشيخ الفاضل حسن مكي العاملي.
    2 ـ ألّف محمد عبد الهادي أبو ريدة كتاباً مستقلاً حول آراء النظام وأسماه « إبراهيم بن سيار النظام » وطبع عام 1365 بالقاهرة وقد جمع آراءه عن مصادر مطبوعة ومخطوطة.
    3 ـ ذكرهما أبو الحسين الخياط ( م 311 ) في الانتصار ص 14 ـ 172.
    4 ـ مقالات الاسلاميين: ج 2 ص 316.
    5 ـ الفرق بين الفرق: ص 134.

 

    و تكلّم مع من بها من المتكلّمين ، وصار إلى بغداد ، فحضر مجلس أبي...الضّرير و تكلّم فتبيّن فضله و علمه ، وعاد إلى العسكر ومولده سنة 235 هـ وتوفّي سنة 303 هـ » (1).
    وقال ابن خلّكان: « إنّه أحد أئمّة المعتزلة ، كان إماماً في علم الكلام ، وأخذ هذا العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبدالله الشحّام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة في عصره. له في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة و عنه أخذ الشيخ أبو الحسن الأشعري علم الكلام وله معه مناظرة روتها العلماء » (2).


    قال الياقوت: « الجبّائي منسوب إلى « جبّا » بضمّ الجيم و تشديد الباء: بلد أو كورة من خوزستان ، و من الناس من جعل عبّادان من هذه الكورة و هي في طرف من البصرة و الأهواز ، حتّى جعل من لا خبرة له « جبّا » من أعمال البصرة و ليس الأمر كذلك ـ إلى أن قال ـ : « جبّا » في الأصل عجمي وكان القياس أن ينسب إليها جُبّوي ، فنسبوا إليها جبّائي على غير قياس مثل نسبتهم إلى الممدود ، وليس فى كلام العجم ممدود ، وجبّا أيضاً من أعمال النّهروان » (3).


    وقد أثنى عليه ابن المرتضى في « المنية والأمل » بما لا مزيد عليه فقال: « وهو الّذي سهّل علم الكلام و يسّره و ذلّله وكان مع ذلك فقيهاً ورعاً زاهداً جليلاً نبيلاً ، ولم يتّفق لأحد من إذعان سائر طبقات المعتزلة له بالتقدّم و الرئاسة بعد أبي الهذيل مثله ، بل ما اتّفق له هو أشهر أمراً و أظهر أثراً ، وكان شيخه أبا يعقوب الشحّام ، ولقى غيره من متكلّمي زمانه و كان على حداثة سنّه معروفاً بقوّة الجدل » (4).


مناظراته


    1 ـ حضر من علماء المجبِّرة رجل يقال له صقر. فإذا غلام أبيض الوجه زجّ


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ فهرست ابن النديم الفن الأول من المقالة الخامسة ص 217 ـ 218.
    2 ـ لاحظ الجزء الثاني من كتابنا هذا ص 18.
    3 ـ معجم البلدان: ج 2 ص 96 ـ 97 طبع التراث العربي.
    4 ـ المنية والأمل: ص 45.

 

    نفسه في صدر صقر و قال له: أسألك؟ فنظر إليه الحاضرون و تعجّبوا من جرأته مع صغر سنّه. فقال له: سل ، فقال: هل الله تعالى يفعل العدل؟ قال: نعم ، قال: أفتسمّيه بفعله العدل عادلاً ؟ قال: نعم ، قال: فهل يفعل الجور؟ قال: نعم ، قال: أفتسمّيه جائراً؟ قال: لا ، قال: فيلزم أن لا تسمّيه بفعله العدل عادلاً ، فانقطع صقر ، وجعل الناس يسألون من هذا الصّبي؟ فقيل: هو غلام من جبّاء (1).


    يلاحظ على تلك المناظرة: أنّه في وسع المجبِّر أن يقول: إن أسماءه سبحانه توقيفيّة ولا يصحّ لنا تسميته بما لا يسمّي به نفسه.


    2 ـ روى ابن المرتضى أنّ أبا عليّ ناظر بعضهم في الإرجاء و أبو حنيفة و الزبير حاضران ، فقال أبو حنيفة: إنّ أبا عمرو بن العلاء لقي عمرو بن عبيد ، فقال له: يا أبا عثمان إنّك أعجميّ ولست بأعجميّ اللّسان و لكنّك أعجميّ الفهم. إنّ العرب إذا وعدت أنجزت ، وإذا أوعدت أخلفت و أنشد شعراً:

إنّي و إن أوعدته و وعدته
 
 لمخلف إيعادي ، ومنجز موعدي
 

    فقال أبو عليّ: إنّ أبا عثمان أجابه بالمسكت وقال له: إنّ الشاعر قد يكذب وقد يصدق ، ولكن حدّثني عن قول الله عزّ و جلّ: ( لأََمْلأََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) ( هود / 119 ، السجدة / 13 ) إن ملأها أتقول صدق؟ قال: نعم ، وإن لم يملأها أفتقول صدق ؟ فسكت أبو حنيفة.


    يلاحظ عليه: أنّه سبحانه إنّما يخلف بما أوعده إذا عفا عن الكافر والمشرك والمسلم جميعاً ، وأمّا إذا عفا عن المسلمين خاصّة فلا يلزم الكذب ، لأنّه لا يستلزم خلف الايعاد الوارد في الآية المباركة ، ولا يلزم خلوّ جهنّم من الجنّة و النّاس الّذي أشار الله إليه بقوله: ( لأََمْلأََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) ، لأنّ من يجري عليه العفو أقلّ ممّن يكون محكوماً بدخول الجحيم ، وليس القائل بالعفو يقول بأنّ العفو يعمّ كلّ


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المنية والأمل: ص 46.

 

    كافر و مشرك ومسلم ، وإنّما يتحقّق في إطار محدود و مضيّق. كيف وقد وعد سبحانه على وجه الجزم و القطع بقوله: ( إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ ) ( النساء / 48 ) وليس المراد من الغفران هو المغفرة لأجل التّوبة ، لأنّ الغفران بعد التوبة يعمّ المشرك و غيره ، وإنّما المراد هو الغفران و المغفرة بلا توبة و إنابة ، والمشرك و المنافق لا يعمّهما العفو أبداً و يكفي ذلك في تحقّق وعيد الربّ و صدق إخباره ( لأََمْلأََنَّ جَهَنَّمَ ).
    وخلاصة القول: أنّ القائل بالعفو في مورد الايعاد يدّعي قضيّة جزئيّة لا قضيّة كلّيّة استيعابيّة ، وللبحث صلة تمرّ عليك عند البحث عن اُصول المعتزلة فارتقب.
    ثمّ إنّ في وسع أبي عليّ أن يقابل شعر المناظر بشعر شاعر آخر وينشد قوله:

إنّ أبا ثابت لمجتمع الرأي لا يخلف الوعد والوعيد ولا
 
 شريف الآباء و البيت يبيت من ثاره على فوت (1)
 

 

تأليفاته


    يظهر ممّا نقله ابن المرتضى أنّه غزير الإنتاج. قال: قال أبو الحسين: « وكان أصحابنا يقولون: إنّهم حرّروا ما أملاه أبو عليّ فوجدوه مائة ألف و خمسين ألف ورقة ، قال: وما رأيته ينظر في كتاب إلاّ يوماً نظر في زيج الخوارزمي ، ورأيته يوماً أخذ بيده جزءاً من الجامع الكبير لمحمّد بن الحسن و كان يقول: إنّ الكلام أسهل شيء ، لأنّ العقل يدلّ عليه » (2).
    يلاحظ عليه: أنّ علم الكلام كما يستمدّ من العقل ، يستمدّ من الكتاب و السنّة الصّحيحة خصوصاً فيما يرجع إلى ما بعد الموت ، وأنّ الاستبداد بالعقل الشخصي من دون المراجعة لآراء من سبق من الأعاظم لا ينتج شيئاً ناضجاً. فكما أنّ التقاء الأسلاك الكهربائيّة يوجب تفجّر النور والطاقة ، فهكذا التقاء الأفكار والآراء يوجب اكتساح ظلمات الجهل عن أمام المفكّر.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المنية والأمل: ص 48.
    2 ـ نفس المصدر : ص 47.

 

    ويظهر من ابن المرتضى في ترجمة الأصمّ أنّ لأبي عليّ تفسيراً ، قال: « وكان أبو عليّ لا يذكر أحداً في تفسيره إلاّ الأصمّ » (1) ومن المحتمل أن يكون المقصود أنّه لا يذكر من آراء الرجال في التفسير شيئاً إلاّ عن الأصمّ.

    ويظهر أيضاً منه ـ في ترجمة أبي محمّد عبدالله بن العبّاس الرامهرمزي تلميذه ـ أنّ لأبي عليّ كتباً في الردّ على أهل النجوم ، ويذكر أنّ كثيراً منها يجري مجرى الأمارات الّتي يغلب الظنّ عندها (2).

    كما يظهر منه ـ في ترجمة الخراسانيّين الثّلاثة الّذين خرّجوا على أبي عليّ و أخذوا عنهـ أنّ أبا عليّ أملى كتاب « اللّطيف » لأبي الفضل الخجندي ، ثالث الخراسانيّين (3).


    ونقل ابن عساكر في « تبيين كذب المفتري » عن الشيخ الأشعري أنّ له كتاباً في الردّ على كتاب « الاُصول » لاُستاذه أبي عليّ الجبّائي (4).


    إلى غير ذلك ممّا أهمل أرباب التراجم ذكره في ترجمته.


لمحة من أحواله


    روى ابن المرتضى وقال: قال أبو الحسن: « وكان من أحسن الناس وجهاً وتواضعاً ـ إلى أنّ قال ـ : وكان إذا روى عن النّبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه قال لعليّ والحسن والحسين وفاطمة: « أنا حرب لمن حاربكم ، وسلم لمن سالمكم » يقول: العجب من هؤلاء النوابت (5)يروون هذا الحديث ثمّ يقولون بمعاوية » (6).


    وروى عن عليّ ( عليه السلام ) أنّ رجلين أتياه فقالا: ائذن لنا أن نصير إلى معاوية


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المنية والأمل: ص 33.
    2 ـ نفس المصدر : ص 58.
    3 ـ نفس المصدر : ص 65.
    4 ـ تبيين كذب المفتري: ص 130.
    5 ـ تطلق على الحشوية ومن لفّ لفّهم.
    6 ـ المنية والأمل: ص 47.

 

    فنستحلّه من دماء من قتلنا من أصحابه. فقال عليّ ( عليه السلام ) : « أما إنّ الله قد أحبط عملكما بندمكما على ما فعلتما » (1).


    قال أبو الحسن: « والرافضة لجهلهم بأبي عليّ و مذهبه يرمونه بالنّصب و كيف وقد نقض كتاب عبّاد في تفضيل أبي بكر ، ولم ينقض كتاب الاسكافي المسمّى « المعيار والموازنة في تفضيل عليّ على أبي بكر » (2).


    إنّ العالم العابد رضي الدين بن طاووس ( المتوفّى سنة 664 ) نقل كثيراً من آرائه في كتاب « سعد السعود » و نقضه ، ولو صحّت نسبة تلك الآراء إليه فهو مبغض للشيعة وقد أنكر كثيراً من الحقائق التأريخية فراجعه.


6 ـ أبو هاشم الجبائي ( ت 277 ـ م 321 )


    عبدالسلام بن محمّد بن عبدالوهّاب بن أبي عليّ الجبائي ، قال الخطيب: « شيخ المعتزلة و مصنّف الكتب على مذاهبهم. سكن بغداد إلى حين وفاته » (3).
    وقال ابن خلّكان: « المتكّلم المشهور ، العالم بن العالم ، كان هو وأبوه من كبار المعتزلة ولهما مقالات على مذهب الاعتزال ، وكتب الكلام مشحونة بمذاهبهما واعتقادهما. وكان له ولد يسمّى أبا عليّ و كان عامّياً لا يعرف شيئاً. فدخل يوماً على الصاحب بن عبّاد فظنّه عالماً فأكرمه ورفع مرتبته. ثمّ سأله عن مسألة ، فقال: « لا أعرف نصف العلم » ، فقال له الصاحب: « صدقت يا ولدي ، إلاّ أنّ أباك تقدّم بالنصف الآخر » (4).
    وقد حكى الخطيب عنه تأريخ ولادته ، أنّه قال: « ولدت سنة سبع و سبعين ومائتين و ولد أبي أبو عليّ سنة خمس و ثلاثين و مائتين و مات في شعبان سنة ثلاث


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المنية والأمل: ص 47.
    2 ـ المنية والأمل: ص 47.
    3 ـ تاريخ بغداد: ج 11 ، ص 55.
    4 ـ وفيات الأعيان: ج 3 ، ص 183.

    وثلاثمائة ». قال أبو الحسن: ومات أبو هاشم في رجب سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة ببغداد و تولّيت دفنه في مقابر باب البستان من الجانب الشرقي ، وقد توفّي في اليوم الّذي توفّي أبو بكر بن دريد. وعن الحسن بن سهل القاضي: بينا نحن ندفن أبا هاشم إذ حملت جنازة اُخرى ومعها جُميعَة عرفتهم بالأدب. فقلت لهم: جنازة من هذه؟ فقالوا: جنازة أبي بكر ابن دريد ، فذكرت حديث الرشيد لمّا دفن محمّد بن الحسن و الكسائي بالري في يوم واحد. قال: وكان هذا في سنة ثلاث و عشرين وثلاثمائة ، فأخبرت أصحابنا بالخبر ، وبكينا على الكلام والعربيّة طويلاً ثم افترقنا.
    وعلّق عليه الخطيب: « الصّحيح أنّ أبا هاشم مات في ليلة السبت الثالث والعشرين من رجب سنة إحدى و عشرين ، قال: وكان عمره ستّاً و أربعين سنة وثمانية أشهر وإحدى وعشرين يوماً » (1).
    وقال القاضي نقلاً عن أبي الحسن بن فرزويه أنّه بلغ من العلم ما لم يبلغه رؤساء علم الكلام. وذكر أنّه كان من حرصه يسأل أبا عليّ ( والده ) حتّى يتأذّى منه ، فسمعت أبا عليّ في بعض الأوقات يسير معه لحاجة وهو يقول لا تؤذنا و يزيد فوق هذا الكلام.
    وكان يسأله طول نهاره ما قدر على ذلك ، فاذا جاء اللّيل سبق إلى موضع مبيته لئلاّ يغلق أبو عليّ دونه الباب ، فيستلقي أبو عليّ على سريره ، ويقف أبو هاشم بين يديه قائماً يسأله حتّى يضجره ، فيحوّل وجهه عنه ، فيتحوّل إلى وجهه ، ولا يزال كذلك حتّى ينام ، وربّما سبق أبو عليّ فأغلق الباب دونه. قال: ومن هذا حرصه على ما اختصّ به من الذكاء ، لم يتعجّب من تقدّمه (2).
    كان أبو هاشم أحسن الناس أخلاقاً و أطلقهم وجهاً ، واستنكر بعض الناس خلافه مع أبيه ( في المسائل الكلاميّة ) وليس خلاف التابع للمتبوع في دقيق الفروع بمستنكر ، فقد خالف أصحاب أبي حنيفة إياه. وقال أبو الحسن بن فرزويه في ذلك


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ تاريخ بغداد: ج 11 ، ص 56.
    2 ـ طبقات المعتزلة للقاضي: ص 304.


--------------------------------------------------------------------------------

(262)

    شعراً وهو قوله:

يقولون بين أبي هاشم فقلت وهل ذاك من ضائر فخلّوا عن الشيخ لا تعرضوا فان أبا هاشم تلوه ولكن جرى في لطيف الكلام (1) فإيّاك إيّاك من مظلم
 
 وبين أبيه خلاف كبير وهل كان ذلك ممّا يضير لبحر تضايق عنه البحور إلى حيث دار أبوه يدور كلام خفي وعلم غزير ولا تعد عن واضح مستنير (2)
 


تأليفاته
    ذكر ابن النديم لأبي هاشم كتباً ، و قال: « أبو هاشم عبدالسلام بن محمّد الجبّائي ، قدم مدينة السّلام سنة 314 وكان ذكيّاً حسن الفهم ، ثابت الفطنة ، صانعاً للكلام ، مقتدراً عليه ، قيّماً به ، وتوفّي سنة 321 وله من الكتب:
    1 ـ الجامع الكبير ، 2 ـ كتاب الأبواب الكبير ، 3 ـ كتاب الأبواب الصغير ، 4 ـ الجامع الصغير ، 5 ـ كتاب الإنسان ، 6 ـ كتاب العوض ، 7 ـ كتاب المسائل العسكريات ، 8 ـ النقض على أرسطو طاليس في الكون والفساد ، 9 ـ كتاب الطبايع والنقض على القائلين بها ، 10 ـ كتاب الاجتهاد كلام (3).
انتشار مذهبه
    يظهر من البغدادي أنّ مذهبه كان منتشراً في أوائل القرن الخامس في بغداد وقد سمّى أتباعه بالبهشميّة وقال: هؤلاء أتباع أبي هاشم الجبّائي ، وأكثر معتزلة عصرنا على


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المراد من لطيف الكلام ، المباحث التي لها صلة لاثبات بعض العقائد الاسلاميّة وليست منها ، كالبحث عن الجوهر والعرض والأكوان والأفلاك وفي الحقيقة كان البحث عنها تبعاً للفلاسفة.
    2 ـ طبقات المعتزلة للقاضي: ص 305.
    3 ـ فهرست ابن النديم: الفن الأوّل من المقالة الخامسة ص 222.


--------------------------------------------------------------------------------

(263)

    مذهبه ، لدعوة ابن عبّاد وزير آل بويه إليه (1).
تلاميذه
    قد ذكر ابن المرتضى أبا هاشم في الطبقة التاسعة ، وذكر تلاميذه في الطبقة العاشرة ، وقال: « اعلم أنّ هذه الطّبقة تشتمل على من أخذ عن أبي هاشم وعمّن هو في طبقته مع اختلاف درجاتهم وتفاوت أحوالهم وقدّمنا أصحاب أبي هاشم لكثرتهم وبراعتهم ». ثمّ ذكر أسماء تلاميذه ، فمن أراد فليرجع إليه.

7 ـ قاضي القضاة عبد الجبّار ( ت نحو 324 ـ م 415 أو 416 )
    هو عبدالجبّار بن أحمد بن عبدالجبّار الهمداني الأسدآبادي ، الملقّب بقاضي القضاة ولا يطلق ذلك اللّقب على غيره.
    قال الخطيب: « كان ينتحل مذهب الشافعي في الفروع و مذاهب المعتزلة في الاُصول ، وله في ذلك مصنّفات و ولي قضاء القضاة بالري و ورد بغداد حاجّاً وحدّثبها.
    وقال: مات عبدالجبّار بن أحمد قبل دخولي الري في رحلتي إلى خراسان و ذلك في سنة 415 » (2).
    وترجمه الحاكم الجشمي ( المتوفّى عام 494 هـ ) في كتاب « شرح عيون المسائل » وعدّه من الطبقة الحادية عشرة من طبقات المعتزلة وقال: « يعدّ من معتزلة ، البصرة من أصحاب أبي هاشم لنصرته مذهبه ».
    قرأ على أبي إسحاق بن عيّاش أوّلاً ، ثمّ على الشيخ أبي عبدالله البصري (3).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ تاريخ بغداد: ج 11 ، ص 113.
    2 ـ المصدر نفسه.
    3 ـ كلاهما من الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة.


--------------------------------------------------------------------------------

(264)

    وليست تحضرني عبارة تنبئ عن محلِّه في الفضل وعلوّ منزلته في العلم ، فإنّه الّذي فتق الكلام و نشره و وضع فيه الكتب الجليلة الّتي سارت بها الركبان و بلغ المشرق والمغرب ، وضمّنها من دقيق الكلام و جليله ما لم يتّفق لأحد قبله ، وطال عمره مواظباً على التّدريس والاملاء حتّى طبّق الأرض بكتبه و أصحابه. وبَعُدَ صوته وعظم قدره وإليه انتهت الرئاسة في المعتزلة حتّى صار شيخها و عالمها غير مدافع ، وصار الاعتماد على كتبه و مسائله حتّى نسخ كتب من تقدّم من المشايخ و قرب عهده ، و شهرة حاله تغني عن الاطناب من وصفه. وفيه يقول أبو الأسعد الآبي في قصيدة له في التوحيد والعدل:
    ويعدّ من مشايخ أهل العدل.

أم لكم مثل إمام الاُمّة من بثّ دين الله في الآفاق
 
 قاضي القضاة سيّد الأئمّة وبتّ حبل الكفر والنفاق
 

    وأصله من أسدآباد همدان ، ثمّ خرج إلى البصرة و اختلف إلى مجالس العلماء وكان يذهب في الاُصول مذهب الأشعريّة وفي الفروع مذهب الشافعي ، ولما حضر المجالس و ناظر ونظر عرف الحقّ ، وانقاد وانتقل إلى أبي إسحاق بن عيّاش فقرأ عليه مدّة ثمّ رحل إلى بغداد وأقام عند الشيخ أبي عبدالله مدّة مديدة حتّى فاق الأقران وخرج واحد دهره وفريد زمانه ، وصنّف وهو بحضرته كتباً كثيرة وكان ربّما يدرس بها وبالعسكر (1) ورامهرمز (2).
    وابتدأ بها إملاء « المغني » في مسجد عبدالله بن عبّاس متبرّكاً به. فلمّا قدم الريّ سألوه أن يجعله باسم بعض الكبار فأبى و استدعاه الصاحب إلى الريّ بعد سنة ستّين و ثلاثمائة فبقى بها مواظباً على التدريس إلى أن توفّي سنة 415 أو 416 فكان يدرس ويملي وكثر الانتفاع به و طار ذكره في الآفاق.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ عسكر مكرم بلد مشهور من نواحي خوزستان.
    2 ـ مدينة من بلاد خوزستان.


--------------------------------------------------------------------------------

(265)

    وروي أنّه كان في التفضيل بمذهب الشيخين (1) في التوقف ، ثمّ رجع في آخر عمره إلى تفضيل أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وهو المذكور في كتبه.
    وكان الصاحب يقول فيه مرّة: هو أفضل أهل الأرض ، واُخرى: هو أعلم أهل الأرض (2).

اسلوبه في الكتابة
    يظهر من ترجمة حياته أنّ كتابه الكبير « المغني » الّذي يقع في عشرين جزءاً ممّا أملاه على تلاميذه ولم يكتبه ببنانه. يقول الحاكم: كان ـ رحمه الله ـ يختصر في الاملاء و يبسط في الدرس على ضدّ ما كان يفعله الشيخ أبو عبدالله (3) فكان من حسن طريقته ترك الناس كتب من تقدّم. ولما فرغ من كتاب « المغني » بعث به إلى ( الصاحب ) فكتب ( الصاحب ) إليه كتاباً هذه صورته:
    بسم الله الرّحمن الرّحيم
    أتمّ الله على قاضي القضاة نعمته ، وأجزل لديه منّته ، لقد أتمّ من كتاب « المغني » ذخيرة للموحّد ، وشجى للملحد ، وعتاداً للحق ، وسداداً للباطل ، وإنّه كتاب تفخر به شرعتنا على الشرع ، و نحلتنا على النحل ، واُمّتنا على الاُمم و ملّتنا على الملل ، وفّقه الله له حين نامت الخواطر وكلّت الأوهام و ظنّ الظانّون بالله أنّ العلم قد قبض ونخاعه قد ضعف ، وأنّ شيوخه الأعلون ( كذا ) قد شالت نعامتهم و خفّت بضاعتهم ، ووهن كاهلهم ، ودرج أفاضلهم ، ولم يدروا أنّ في سرّ الغيب إن كان آخراً بالاضافة إليهم ، إنّه الأوّل بالامامة عليهم ، كذلك يفعل الله ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون. فليقرّ قاضي القضاة ـ أدام الله تمكينه ـ عيناً بما قدّم لنفسه و أخّر و اكتسب لغده و ذخر ،


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ هما الجبائيان أبو علي وأبو هاشم.
    2 ـ مقدّمة فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص 131.
    3 ـ هو الشيخ أبو عبدالله الحسين بن علي البصري من الطبقة العاشرة.


--------------------------------------------------------------------------------

(266)

    وليرينّ في ميزانهـ إن شاء الله ـ من ثواب ما دأب فيه و احتسب و سهر ليله و انتصب ، صابراً على كدّ الخواطر و معانياً برد الأصايل إلى حرّ الهواجر ، أثقل من أحد و أرزن ، وأوفى من الرمل و أوزن ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً ) و ورد محمّد ولدنا بالنباء العظيم و الصّراط المستقيم من الجزء الأخير من كتاب « المغني » فقلت يا بشراي ، هذا زاد المسافر ، وكفاية الحاضر و تحفة المرتاد و طفقت أنشئ و أقول:

ولو أنشر الشيخان عمرو و واصل
 
 لقالا جوزيت الخير عنّا و أنعما
 

    فأتمّ على قاضي القضاة نعمه ، كما أورد علينا ديمه و السلام (1).
    ثمّ إنّ الحاكم بسط الكلام في أسماء تآليفه ، و قال: « إنّ له 400 ألف ورقة ممّا صنّف في كلّ فنًّ و كان موفّقاً في التصنيف والتدريس ، وكتبه تتنوّع أنواعاً فله كتب في الكلام لم يسبق إلى تصنيف مثلها في ذلك الباب.

 
    ثمّ سرد أسماء كتبه البالغة إلى ثلاثة و أربعين ، نأتي بها ملخّصاً:
    1 ـ الدواعي و الصوارف ، 2 ـ الخلاف و الوفاق ، 3 ـ الخاطر ، 4 ـ الاعتماد ، 5 ـ المنع والتمانع ، 6 ـ كتاب ما يجوز فيه التزايد وما لا يجوز ، 7 ـ المغني ، 8 ـ الفعل والفاعل ، 9 ـ المبسوط ، 10 ـ المحيط ، 11 ـ الحكمة والحكيم ، 12 ـ شرح الاُصول الخمسة ، 13 ـ شرح الجامعين ، 14 ـ شرح الاُصول ، 15 ـ شرح المقالات ، 16 ـ شرح الأعراض وهذا كلّه في الكلام.


ومنها في اُصول الفقه:


    17 ـ النهاية ، 18 ـ العمدة ، 19 ـ شرحها.
    وهناك كتب في النّقض على المخالفين: 20 ـ نقض اللمع ، 21 ـ نقض الامامة.
    وهناك جوابات مسائل وردت عليه من الآفاق: 22 ـ الرازيات ، 23 ـ العسكريات ، 24 ـ القاشانيات ، 25 ـ الخوارزميات ، 26 ـ النيسابوريات.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الطبقتان 11 و 12 من كتاب شرح العيون ص 369 ـ 371 للحاكم الجشمي.


--------------------------------------------------------------------------------

(267)

وهناك كتب في الخلاف والمواعظ:


    27 ـ الخلاف بين الشيخين ، 28 ـ نصيحة المتفقّهة.


    وله كتب تكلّم فيها على أهل الأهواء الخارجين عن الإسلام و غيرهم أوضح فيها الحقّ:

29 ـ شرح الآراء.


    وله كتب في علوم القرآن:


    30 ـ المحيط ، 31 ـ الأدلّة ، 32 ـ التنزيه ، 33 ـ المتشابه ، 34 ـ شهادات القرآن ».
    ثمّ قال الحاكم: « له كتب في كلّ فنّ بلغني اسمه أو لم يبلغ ، أحسن فيها غاية الاحسان ، نحو كتابه:


    35 ـ التجريد ، 36 ـ المكّيات ، 37 ـ الكوفيات ، 38 ـ الجمل ، 39 ـ العهود ، 40 ـ المقدّمات ، 41 ـ الجدل ، 42 ـ الحدود ، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده ، وذكر جميع مصنّفاته يتعذّر » (1) .


    ومن حسن حظّ القاضي دون سائر المعتزلة أنّه قد طبعت كميّة هائلة من كتبه في الآونة الأخيرة ، وهذه الكتب رفعت الستار عن وجه عقائد المعتزلة و أغنتنا عن الرجوع إلى كتب خصومهم ، فنذكر ما طبع:

    1 ـ « تنزيه القرآن عن المطاعن »: طبع في بيروت طبع دار النّهضة الحديثة.
    واسمه يحكي عن محتواه و يجيب فيه عن كثير من الأسئلة الّتي تدور حول الآيات.
    قال في ديباجته: « فقد أملينا كتاباً يفصِّل بين المحكم والمتشابه. عرضنا فيه سور القرآن على ترتيبها و بينّا معاني ما تشابه من آياتها ، مع بيان وجه خطأ فريق من الناس في تأويلها ، ليكون النفع به أعظم ».


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الطبقتان 11 و 12 من شرح العيون ص 267 ـ 269. للحاكم الجشمي تحقيق فؤاد سيّد. ط تونس.


--------------------------------------------------------------------------------

(268)

    وطبع أيضاً في القاهرة سنة 1326.

    2 ـ « طبقات المعتزلة »: وهو أساس « طبقات المعتزلة » لابن المرتضى. نشره فؤاد سيّد ، و أسماه « فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة » مع كتاب « ذكر المعتزلة » للكعبي و « الطبقات الحادية عشرة و الثانية عشرة من شرح العيون » للحاكم الجشمي طبع سنة 1406.
    3 ـ « شرح الاُصول الخمسة »: نشره عبدالكريم عثمان في القاهرة سنة 196 م ـ 1384 هـ.

    وهو كتاب مختصر جامع يعرض عقائد المعتزلة عامّة و عقيدة القاضي خاصّة ، وهو أحسن كتاب لمن أراد أن يطّلع على عقائدهم ، وقد أملاه على تلاميذه.
    4 ـ « المغني »: وهو من الكتب المبسوطة في عقائد المعتزلة. اكتشفته البعثة المصريّة في اليمن عام 1952 وقد عثر منه حتّى الآن على 14 جزءاً. والكتاب يقع في عشرين جزءاً و إليك الأجزاء المطبوعة 4 ـ 5 ـ 6 ـ 7 ـ 8 ـ 9 ـ 11 ـ 12 ـ 13 ـ 14 ـ 15 ـ 16 ـ 17 ـ 20 والجزء الأخير يختصّ بالإمامة وهو الّذي نقضه السيّد المرتضى و أسماه « الشافي » وطبع في مجلّد كبير ، ولخّصه الشيخ الطوسي و أسماه « تلخيص الشافي » وطبع في جزأين.

    5 ـ « المحيط بالتكليف »: تحقيق السيّد عزمي ، طبع الدار المصريّة للتأليف ، جمعه الحسن بن أحمدبن متّويه ( ت683 ). لاحظ مقدّمة المحقّق.
    6 ـ « متشابه القرآن »: تحقيق عدنان محمّد زر زور ، طبع دار التراث في القاهرة في جزأين.

تلاميذه

    وقد فصّل الكلام ابن المرتضى في تلاميذه وجعلهم من الطّبقة 12 و أسماهم واحداً بعد آخر ، منهم أبو رشيد سعيد بن محمّد النيسابوري والشريف المرتضى


--------------------------------------------------------------------------------

(269)

    أبوالقاسم عليّ بن الحسين الموسوي. أخذ عن قاضي القضاة عند انصرافه من الحجّ ، إلى غير ذلك من تلاميذه (1).
    وقال الرضي في « شرح المجازات النبويّة » عند البحث عن حديث الرؤية: « ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر » قال: « وممّا علّقته عن قاضي القضاة أبي الحسن عبد الجبّار بن أحمد عند بلوغي في القراءة عليه إلى الكلام في الرؤية أنّ من شروط قبول خبر الواحد أن يكون راويه عدلاً ، وراوي هذا الخبر: قيس بن أبي حازم عن جرير ابن عبدالله البجلي ، وكان منحرفاً عن أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) ويقال إنّه كان من الخوارج ، وذلك يقدح في عدالته و يوجب تهمته في روايته ، وأيضاً فقد كان رمي في عقله قبل موته وكان مع ذلك يكثر الرواية ، فلا يعلم هل روى هذا الخبر في الحال الّتي كان فيها سالم التمييز أو في الحال الّتي كان فيها فاسد المعقول ، وكلّ ذلك يمنع من قبول خبره ، وبوجب إطراحه. ثمّ قال: وأقول أنا: ومن شرط قبول خبر الواحد أيضاً مع ما ذكره قاضي القضاة من اعتبار كون راويه عدلاً ، أن يعرى الخبر المرويّ من نكير السّلف ، وقد نقل نكير جماعة من السّلف على راوي هذا الخبر. منهم العرباض بن سارية السلمي وهو من مختصّي الصّحابة ، روى عنه أنّه قال: من قال: إنّ محمّداً رأى ربّه فقد كذب. وروى أيضاً عن بعض أزواج النبيّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنّها قالت: من زعم أنّ محمّداً رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله.
    وقالت ذلك عند ذهاب بعض الناس إلى أنّ قوله تعالى ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ) إنّما اُريد بها رؤية الله سبحانه لا رؤية جبرائيل كما يقوله أهل العدل. وأيضاً ففي هذا الخبر كاف التّشبيه ، لأنّه قال: « ترونه كما ترون القمر » الّذي هو في جهة مخصوصة وعلى صفة معلومة. وإذا كان الأمر كما قلنا لم يكن للخبر ظاهر واحتجنا إلى تأويله كما احتجنا إلى ذلك في غيره » (2).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المنية والأمل: ص 69 ـ 71.
    2 ـ المجازات النبوية تحقيق طه محمد ص 48 ـ 49.


--------------------------------------------------------------------------------

(270)

    وقال أيضاً في تفسير قوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم « قيّدوا العلم بالكتاب »: « وذكر لي قاضي القضاة أبو الحسن عبدالجبّار بن أحمد عند قراءتي عليه ما قرأته من كتابه الموسوم بالعمد في اُصول الفقه: إنّ هذه العلوم المخصوصة ( العلوم العقليّة العمليّة كالتّحسين والتّقبيح العقليّين ) إنّما سمّيت عقلاً ، لأنّها تعقل من فعل المقبّحات ، لأنّ العلم بها إذا دعته نفسه إلى ارتكاب شيء من المقبّحات ، منعه علمه بقبحه من ارتكابه والاقدام على طرق بابه ، تشبيهاً بعقال الناقة المانع لها من الشرود ، والحائل بينها وبين النهوض. ولهذا المعنى لم يوصف القديم تعالى بأنّه عاقل ، لأنّ هذه العلوم غير حاصلة له ، إذ هو عالم بالمعلومات كلّها لذاته.
    قال: وقيل أيضاً إنّما سمِّيت هذه العلوم المخصوصة عقلاً ، لأنّ ما سواها من العلوم يثبت بثباتها و يستقرّ باستقرارها تشبيهاً بعقال الناقة الّذي به تثبت في مكانها ، ولمثل ذلك قيل معقل الجبل للمكان الذي يلجأ إليه و يعتصم به ، وله سمّيت المرأة عقيلة ، وهي الّتي يمنعها شرف بيتها و كرم أهلها وقوّة حزمها من الإقدام على ما يشينها ، والتعرّض لما يعيبها. والكلام في تفصيل هذه العلوم وبيان ما لأجله احتيج إلى كلّ واحد منها يطول وليس هذا الكتاب من مظانّ ذكره و مواضع شرحه » (1).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المجازات النبوية للشريف الرضي تحقيق طه محمد طه ص 180 ـ 181.

أعلام المعتزلة

    قد تعرّفت على أئمّة المعتزلة الّذين رسموا معالم المذهب. وهناك شخصيّات لامعة شاركوا الأئمّة في نضج المذهب و نشره ، ولكنّهم دون الأئمّة في العلم والتفكير. ولأجل إيقاف القارئ على حياتهم و آرائهم و آثارهم نورد ترجمة قسم قليل منهم:

1 ـ أبوسهل بشر بن المعتمر ( م 210 ) مؤسّس مدرسة اعتزال بغداد

    قال الشريف المرتضى: « هو من وجوه أهل الكلام ويقال: إنّ جميع المعتزلة بعده من مستجيبيه.
    وقال أبو القاسم البلخي : إنّه من أهل بغداد وقيل من أهل الكوفة...وله أشعار كثيرة يحتجّ فيها على أهل المقالات » (1).
    وقال القاضي : « إنّه زعيم البغداديين من المعتزلة وله قصيدة طويلة يقال إنّها أربعون ألف بيت ، ردّ فيها على جميع المخالفين ، ويقال إنّ الرّشيد حبسه حين قيل له : إنّه رافضيّ. فقال في السجن أبياتاً بعثها إليه فأفرج عنه » (2). توفّي عام 210 كما أرّخه الذّهبي في « لسان الميزان ».


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ، ص 186 ـ 187.
    2 ـ فضل الاعتزال للقاضي: ص 265.


--------------------------------------------------------------------------------

(272)

2 ـ معمّر بن عبّاد السلمي ( م 215 ) خريج مدرسة البصرة
    يكنّى أبا عمرو وكان عالماً عدلاً و تفرّد بمذاهب وكان بشر بن المعتمر وهشام بن عمرو وأبو الحسين المدائني من تلامذته.
    قال القاضي عبدالجبّار: « لمّا منع الرّشيد من الجدال في الدين و حبس أهل علم الكلام ، كتب إليه ملك السند: إنّك رئيس قوم لا ينصفون و يقلِّدون الرجال و يغلبون بالسيف ، فإن كنت على ثقة من دينك فوجّه إليّ من اُناظره ، فإن كان الحقّ معك تبعناك ، وإن كان معي تبعتني. فوجّه إليه قاضياً ، و كان عند الملك رجل من السمنية وهو الّذي حمله على هذه المكاتبة ، فلمّا وصل القاضي إليه أكرمه ورفع مجلسه ، فسأله السمني فقال: أخبرني عن معبودك هل هو القادر؟ قال: نعم ، قال: أفهو قادر على أن يخلق مثله؟ فقال القاضي: هذه المسألة من علم الكلام وهو بدعة ، وأصحابنا ينكرونه.
    فقعال السمني: من أصحابك؟ فقال: فلان وفلان وعدّ جماعة من الفقهاء ، فقال السمني للملك: قد كنت أعلمتك دينهم وأخبرتك بجهلهم و تقليدهم و غلبتهم بالسيف ، قال: فأمر ذلك الملك القاضي بالانصراف ، وكتب معه إلى الرشيد: إنّي كنت بدأتك بالكتاب وأنا على غير يقين ممّا حكي لي عنكم ، فالآن قد تيقّنت ذلك بحضور هذا القاضي ـ وحكى له في الكتاب ما جرى.
    فلمّا ورد الكتاب على الرّشيد قامت قيامته ، وضاق صدره ، وقال: أليس لهذا الدين من يناضل عنه؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين ، هم الّذين نهيتهم عن الجدال في الدين و جماعة منهم في الحبس. فقال: أحضروهم ، فلمّا حضروا قال: ما تقولون في هذه المسألة؟ فقال صبي من بينهم: هذا السؤال محال ، لأنّ المخلوق لا يكون إلاّ محدثاً ، والمحدث لا يكون مثل القديم ، فقد استحال أن يقال: يقدر على أن يخلق مثله أو لا يقدر ، كما استحال أن يقال: يقدر أن يكون عاجزاً أو جاهلاً ، فقال الرشيد: وجّهوا بهذا الصبي إلى السند حتّى يناظرهم. فقالوا: إنّه لا يؤمّن أن يسألوه عن غير هذا ، فيجب أن توجّه من يفي بالمناظرة في كلّ العلم. قال الرشيد: فمن لهم ؟ فوقع اختيارهم على


--------------------------------------------------------------------------------

(273)

    معمر ، فلمّا قرب من السند بلغ خبره ملك السند فخاف السمني أن يفتضح على يديه وقد كان عرفه من قبل ، فدسّ من سمّه في الطّريق فقتله » (1).
    أقول: ما أجاب به الصّبي صحيح ، غير أنّ العبارة غير وافية ، والمقصود: ما سألته ( خلق المثل ) محال لا نفس السؤال محال.
    قال صاحب كتاب « المعتزلة »: « فلئن صحّت هذه القصّة فإنّها تعني أنّ الرشيد لم يجد في مملكته الواسعة من يدافع عن الإسلام غير المعتزلة.
    والواقع أنّ المعتزلة تحمّسوا لهذه القضية كثيراً ، فلم يكتفوا بالردّ على المخالفين وتقطيعهم بل تعدّوا ذلك إلى التبشير بالدين الإسلامي و حمل الناس على اعتناقه فكانوا لا ينفكّون يرسلون وفودهم لهذا الغرض إلى البلاد الّتي يكثر فيها المجوس أو غيرهم من الوثنيين » (2).
    ويقول صفوان الأنصاري شاعر المعتزلة في مدح واصل وصحبه ما يظهر حقيقة الجهود الّتي بذلوها في سبيل الدفاع عن حوزة الدين و التبشير به:

رجال دعاة لا يفلّ عزيمهم إذا قال مرّوا في الشتاء تطاوعوا
 
 تحكّم جبّار ولا كيد ساحر وإن كان صيفاً لم يخف شهر ناجر (3)
 


3 ـ ثمامة بن الأشرس النميري ( م 213 ) خرّيج مدرسة بغداد
    قال ابن النّديم: « نبيه من جلّة المتكلّمين المعتزلة ، كاتب بليغ ، بلغ من المأمون منزلة جليلة وأراده على الوزارة فامتنع » (4).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل ، ص 31 و 32.
    2 ـ المعتزلة: ص 44.
    3 ـ البيان والتبيين: ج 1 ، ص 37 ، نقلاً عن « المعتزلة » ص 45. والناجر: أشدّ أشهر الصيف حرّاً.
    4 ـ الفهرست لابن النديم ، الفن الاول من المقالة الخامسة: ص 207.


--------------------------------------------------------------------------------

(274)

    قال البغدادي: « كان زعيم القدريّة في زمن المأمون والمعتصم والواثق ، وقيل: إنّه هو الّذي دعا المأمون إلى الاعتزال » (1).
    وقال ابن المرتضى: « ثمامة ابن الأشرس ، يكنّى أبا معن النّميري وكان واحد دهره في العلم والأدب ، وكان جدلاً حاذفاً. قال أبو القاسم: قال ثمامة يوماً للمأمون: أنا اُبيّن لك القدر بحرفين و أزيد حرفاً للضّعيف. قال: ومن الضّعيف؟ قال: يحيى بن أكثم ، قال: هات ، قال:لا تخلو أفعال العباد من ثلاثة أوجه: إمّا كلّها من الله ولا فعل لهم ، لم يستحقُّوا ثواباً ولا عقاباً ولا مدحاً ولا ذمّاً. أو تكون منهم ومن الله ، وجب المدح والذمّ لهم جميعاً أو منهم فقط ، كان لهم الثّواب والعقاب والمدح والذّم. قال: صدقت (2).
    أقول: ذهب عليه أنّ استناد الفعل إلى الله و العبد إنّما يقتضي الاشراك في الثّواب والعقاب أو المدح والذّم إذا كانا فاعلين بالسّويّة في جميع المراحل ، حتّى في مرحلة الجزء الأخير من العلّة التامّة للفعل كما إذا اشترك الفاعلان معاً في إنقاذ غريق أو قتل إنسان ، وأمّا إذا كان أحدهما هو الجزء المؤثّر دون الآخر فيكون هو المسؤول ، وعليه الثّواب والعقاب ، وهذا هو الأمر بين الأمرين ، والعبد غير مجبور ولا مفوّض ، والتّفصيل في محله.
    روى المرتضى أنّه سأل مجبر بشر بن المعتمر وقال له: « أنتم تحمدون الله على إيمانكم؟ قال: نعم ، فقال له: فكأنّه ( الله ) يحبُّ أن يحمد على ما لم يفعل وقد ذمّ ذلك في كتابه. فقال له: إنّما ذمّ من أحبّ أن يحمد على ما لم يفعل ممّن لم يعن عليه ، ولم يدع إليه. وهو يشغب إذ أقبل ثمامة بن أشرس ، فقال بشر للمجبر: قد سألت القوم وأجابوك ، وهذا أبو معن فاسأله عن المسألة ، فقال له: هل يجب عليك أن تحمد الله على الإيمان؟ فقال: لا ، بل هو يحمدني عليه ، لأنّه أمرني به ففعلته ، وأنا أحمده على الأمر به ، والتّقوية


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الفرق بين الفرق: ص 172.
    2 ـ المنية والأمل: ص 35.


--------------------------------------------------------------------------------

(275)

    عليه ، والدعاء إليه ، فانقطع المجبر ، فقال بشر: شنُعتْ فسهُلت » (1).
    وقال يوماً للمأمون: « إذا وقف العبد بين يدي الله تعالى يوم القيامة فقال الله تعالى: ما حملك على معصيتي؟ فيقول على مذهب الجبر: يا ربِّ أنت خلقتني كافراً وأمرتني بما لم أقدر عليه ، وحلت بيني وبين ما أمرتني به ونهيتني عمّا قضيته عليّ وحملتني عليه أليس هو بصادق؟ قال: بلى ، قال: فإنّ الله تعالى يقول: ( يوم ينفع الصّادقين صدقهم ) أفينفعه هذا الصّدق؟ فقال بعض الهاشميّين: ومن يدعه يقول هذا أو يحتجّ ( به ). فقال ثمامة: أليس إذا منعه الكلام والحجّة يعلم أنّه قد منعه من إبانة عذره ، وأنّه لو تركه لأبأنّ عذره؟ فانقطع » (2).
    وقد ترجم له الخطيب في تأريخه ، ومن ظريف ما نقل عنه أنّه قال: شهدت رجلاً يوماً من الأيّام وقد قدّم خصماً إلى بعض الولاة فقال: أصلحك الله ناصبيّ رافضيّ جهمىُّ مشبِّه مجبّر قدريّ يشتم الحجّاج بن الزبير الّذي هدم الكعبة على عليّ بن أبي سفيان و يلعن معاوية بن أبي طالب. فقال له الوالي: ما أدري ممّا أتعجّب؟ من علمك بالأنساب أو من معرفتك بالمقالات؟ فقال: أصلحك الله ما خرجت من الكتاب حتّى تعلّمت هذا كلّه » (3).
    وقال الذّهبي: « من كبار المعتزلة ومن رؤوس الضّلالة ، كان له اتّصال بالرّشيد ، ثمّ بالمأمون وكان ذا نوادر وملح » (4).
    ومن أراد الوقوف على نوادره فعليه الرجوع إلى « المنية والأمل » و « فضل الاعتزال » وقد اتّفقا على أنّ وجه اتّصاله بالخلفاء صار سبباً لوجود بعض الهزل في كلامه وقد اتّخذه طريقاً إلى ميلهم إليه ليتوصّل به إلى المعونة في الدين.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ أمالي المرتضى: ج 1 ، ص 186. فضل الاعتزال: ص 273 وفي المصدر الأخير: « سهّلت بعد ما صعبت ».
    2 ـ فضل الاعتزال: ص 273. المنية والأمل: ص 35 و 36.
    3 ـ تاريخ بغداد: ج 7 ، ص 146.
    4 ـ ميزان الاعتدال: ج 1 ، ص 371.


--------------------------------------------------------------------------------

(276)

4 ـ أبوبكر عبدالرحمن بن كيسان الأصمّ ( م قريباً من 225 ) خرّيج مدرسة البصرة
    قال القاضي: « كان من أفصح النّاس و أفقههم و أورعهم. لكنّه ينفي الأعراض وله تفسير عجيب ، وكان جليل القدر يكاتبه السلطان ، وعنه أخذ ابن عليّة (1) العلم ، والّذي نقم عليه أصحابنا بعد نفي الأعراض ، ازوراره عن عليّ ( عليه السلام ) وكان أصحابنا يقولون: بلى بمناظرة هشام بن الحكم فيعلوه هذا ويعلوه ه (2)ذا ».
5 ـ أبو موسى عيسى بن صبيح المردار ( م 226 ).
    قال القاضي: « كان متكلّماً عالماً زاهداً وكان يسمّى راهب المعتزلة لعبادته ، ويقال: إنّ أبا الهذيل حضر مجلسه و سمع قصصه بالعدل وحسن بيانه على الله تعالى و عدله وتفضّله ، فقال: هكذا شهدت أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء ، و أبي عثمان عمرو ، وله كتب في الجليّ من الكلام و لمّا حضرته الوفاة ذكر أنّ ما كان في يديه من المال شبهة لم يدر ما حكمها ، فأخرجها إلى المساكين تحرّزاً و إشفاقاً ، وقيل فيه شعر:

لكنّ من جمع المحاسن كلّها
 
 كهلٌ يقال لشيخه المردار (3)
 

تلاميذه
    ذكر القاضي أنّ من تلاميذه الجعفرين و المراد: جعفر بن حرب و جعفر بن مبشر وذكر ترجمتهما في الطّبقة السابعة.
تأثير كلامه
    إنّ جعفر بن حرب كان من الجند وكان في جنديّته ( ن خ حداثته ) يمرّ على


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي ، توفي 193 أو 194.
    2 ـ فضل الاعتزال: ص 267.
    3 ـ المصدر نفسه: ص 277 و 278.


--------------------------------------------------------------------------------

(277)

    أصحاب أبي موسى و يعبث بهم ويؤذيهم ، فشكوا إلى أبي موسى فقال: تعهّدوا إلى أن يصير إلى مجلسي ، فلمّا صار إلى مجلسه وسمع كلامه و وعظه مرّ ( ظ خرج ) حتى دخل الماء عارياً من ثيابه ، وبعث إلى أبي موسى أن يبعث له ثياباً ليلبسها ففعل ، ثمّ لزمه فخرج في العلم ما عرف به.
    وكان أبو الوليد بشر بن وليد بن خالد الكندي قاضياً على مدينة للخليفة المأمون ، وكان شديد القسوة على أبي موسى وأصحابه ، فدخل إبراهيم بن أبي محمّد اليزيدي وهو رضيع المأمون عليه فأنشد هذه الأبيات:

يا أيّها الملك الموحِّد ربّه ينفي شهادة من يبثّ بما به فالنفي للتشبيه عن ربِّ العلا ويعدّ عدلاً من يدين بأنّه إنّ المشبِّه كافر في دينه فاعزله واختر للرعية قاضياً عند المريسى (2) اليقين بربِّه والدين بالارجاء مبنى أصله لكن من جمع المحاسن كلّها
 
 قاضيك بشر بن الوليد (1) حمار نطق الكتاب وجاءت الآثار سبحانه وتقْدس الجبّار شيخ تحيط بجمسه الأقطار والدائنون بدينه كفّار فلعلّ من يرضي ومن يختار لو لم يشب توحيده اجبار جهل وليس له به استبشار كهل يقال لشيخه المزدار (3)
 


6 ـ أبو جعفر محمّد بن عبدالله الاسكافي ( م 240 )
    قال الخطيب: « محمد بن عبدالله أبو جعفر المعروف بالاسكافي أحد المتكلّمين من


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ هو أبو الوليد ، بشر بن الوليد بن خالد الكندي قاضي مدينة منصور كما عرفت. توفي سنة 238. لاحظ تاريخ بغداد: ج 7 ، ص 80.
    2 ـ هو بشر بن غياث المريسي العدوي ، كان يسكن بغداد وأخذ الفقه عن أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة وكان الشافعي من أصدقائه مدّة اقامته ببغداد. توفي سنة 219 ، لاحظ تاريخ بغداد: ج 7 ص 56.
    3 ـ وقد ضبطه بعض المحققين بالزاء وبعده الدال. راجع فضل الاعتزال: ص 277 ـ 279.


--------------------------------------------------------------------------------

(278)

    معتزلة البغداديّين ، له تصانيف معروفة ، وكان الحسين بن عليّ بن يزيد الكرابيسي صاحب الشافعي يتكلّم معه و يناظره و بلغني أنّه مات في سنة أربعين ومائتين » (1).
    وقال ابن أبي الحديد: « كان شيخنا أبو جعفر الاسكافي ـ رحمه الله ـ من المتحقّقين بموالاة عليّ ( عليه السلام ) والمبالغين في تفضيله ، وإن كان القول بالتفصيل عامّاً شائعاً في البغداديّين من أصحابنا كافّة إلاّ أنّ أبا جعفر أشدُّهم في ذلك قولاً و أخلصهم فيه اعتقاداً » (2).
    وقال أيضاً: « وأمّا أبو جعفر الاسكافي وهو شيخنا محمّد بن عبدالله الاسكافي ، عدّه قاضي القضاة في الطّبقة السابعة من طبقات المعتزلة ، مع عبّاد بن سليمان الصيمري ، ومع زرقان ، ومع عيسى بن الهيثم الصوفي ، وجعل أوّل الطّبقة ثمامة بن أشرس أبا معن ، ثمّ أبا عثمان الجاحظ ، ثمّ أبا موسى عيسى بن صبيح المردار ، ثمّ أبا عمران يونس بن عمران... إلى أن قال: كان أبو جعفر فاضلاً عالماً صنّف سبعين كتاباً في علم الكلام » (3).
    وهو الّذي نقض كتاب « العثمانيّة » على أبي عثمان الجاحظ في حياته ، ودخل الجاحظ الورّاقين ببغداد ، فقال: من هذا الغلام السواري الّذي بلغنا أنّه يعرض لنقض كتبنا والاسكافي جالس ، فاختفى حتّى لم يره » (4).
    وكان أبو جعفر يقول بالتفضيل على قاعدة معتزلة بغداد و يبالغ في ذلك وكان علوي الرأي ، محقّقاً منصفاً ، قليل العصبيّة (5).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ تاريخ بغداد: ج 5 ، ص 416.
    2 ـ شرح ابن أبي الحديد: ج 4 ، ص 63 ولكلامه ذيل نافع ولكنّه خارج عن موضوع البحث.
    3 ـ لم نجد هذا النص في ترجمته في طبقات القاضي المطبوع والذي حققه « فؤاد سيد ». وهذا يعرب عن كون المطبوع ناقصاً محرّفاً. نعم ما بعد هذا النص موجود فيها.
    4 ـ فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص 276.
    5 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد; ج 17 ، ص 133.


--------------------------------------------------------------------------------

(279)

    وظاهر نصّ القاضي أنّه ألّف تسعين كتاباً في علم الكلام (1).
    وهذه صورة بعض كتبه: كتاب اللّطيف ، كتاب البدل ، كتاب الردّ على النظّام في أنّ الطّبعين المختلفين يفعل بهما فعلاً واحداً ، كتاب المقامات في تفضيل عليّ ( عليه السلام ) ، كتاب إثبات خلق القرآن ، كتاب الردّ على المشبّهة ، كتاب المخلوق على المجبِّرة ، كتاب بيان المشكل على برغوث ، كتاب التمويه نقض كتاب حفص ، كتاب النّقض لكتاب أبي الحسين النجّار ، كتاب الردّ على من أنكر خلق القرآن ، كتاب الشّرح لأقاويل المجبِّرة ، كتاب إبطال قول من قال بتعذيب الأطفال ، كتاب جمل قول أهل الحقّ ، كتاب النّعيم ، كتاب ما اختلف فيه المتكلّمون ، كتاب الردّ على أبي حسين في الاستطاعة ، كتاب فضائل عليّ ـ عليه السلام ـ ، كتاب الأشربة ، كتاب العطب ، كتاب الردّ على هشام ، كتاب نقض كتاب أبي شبيب في الوعيد (2).
    وقداشتهر من بين كتبه كتاب « النقض على العثمانيّة » للجاحظ ، وهذا يدلّ على أنّ الرّجل كان مبدئياً متحمّساً حيث قام بالمحاماة عن أكبر شخصيّة إسلامّة من أهل بيتالرسول صلَّى الله عليه و آله و سلَّم في العصر الّذي استفحل الانحراف عن أهل البيت ، وشاع التكالب على الدُّنيا بين الناس ، وراج التقرّب إلى أرباب السلطة من بني العبّاس أعداء أهل البيت.
    ولكن هذا الكتاب لم يصل لحدّ الآن إلى أيدي المحقّقين في عصرنا هذا ، غير ما نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، وقد استقصى محمّد هارون المصري محقِّق كتاب العثمانيّة للجاحظ ما رواه ابن أبي الحديد عن كتاب النّقض في شرحه ، فجمعه وطبعه في آخر كتاب « العثمانيّة ».
    هذا ، وقد نقل المقريزي في خططه آراء خاصّة عنه وهي ساقطة وضعها أعداؤه عليه. قال: « الاسكافيّة أتباع أبي جعفر محمّد بن عبدالله الاسكافي ، ومن قوله: إنّ الله


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص 285.
    2 ـ المعيار والموازنة: المقدّمة ، ص 2.


--------------------------------------------------------------------------------

(280)

    تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء ، ويقدر على ظلم الأطفال والمجانين... الخ » (1).

7 ـ أحمد بن أبي دؤاد ( ت 160 ـ م 240 هـ ) خريج مدرسة بغداد
    قال ابن النّديم: « هو من أفاضل المعتزلة وممّن جرّد في إظهار المذهب و الذّب عن أهله والعناية به ، وهو من صنايع يحيى بن أكثم و به اتّصل بالمأمون ، ومن جهة المأمون اتّصل بالمعتصم ولم ير في أبناء جنسه أكرم منه ولا أنبل ولا أسخى » (2).
    قال الذّهبي: « أحمد بن أبي دؤاد القاضي جهمي بغيض ، هلك سنة 240. قلّ ما روى » (3).
    في « العبر » أنّه قال: « قاضي القضاة كان فصيحاً مفوّهاً شاعراً جواداً وكان مع ذلك رأساً من رؤوس الجهميّة والمعتزلة ، وهو الّذي شغب على إمام أهل السنّة أحمد بن حنبل وأفتى بقتله ، وقد غضب عليه وعلى آله المتوكّل العبّاسي سنة 237 فصادرهم وأخذ منهم ستّة عشر ألف ألف درهم وحبسه ومرض بالفالج ومات سنة 240 هـ » (4).
    بذل القاضي أحمد بن دؤاد أقصى جهده في نشر الاعتزال واستغلّ السلطة الّتي جعلت له في ذلك السبيل بالتّرغيب تارة و بالترهيب اُخرى. والحنابلة والأشاعرة يواجهونه بالسّبِّ والشتم ، لأنّه هو الّذي حاكم الإمام أحمد في قوله بقدم القرآن أو كونه غير مخلوق فأفحمه.
    وقد استخرج مؤلّف كتاب « المعتزلة » صورة المحاكمة من « الفصول المختارة » المطبوعة بهامش « الكامل » للمبرّد وإليك بيانه:
    ابن أبي دؤاد: أليس لا شيء إلاّ قديم أو حديث؟
    ابن حنبل: نعم.
    ابن أبي دؤاد: أو ليس القرآن شيئاً؟
    ابن حنبل: نعم.
    ابن أبي دؤاد: أو ليس لا قديم إلاّ الله؟
    ابن حنبل: نعم.
    ابن أبي دؤاد: القرآن إذاً حديث.
    ابن حنبل: لست أنا بمتكلّم (5).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الخطط المقريزيّة: ج 2 ، ص 246.
    2 ـ الفهرست لابن النديم: الفنّ الأوّل من المقالة الخامسة ، ص 212.
    3 ـ ميزان الاعتدال: ج 1 ، ص 97 ، رقم الترجمة: 374.
    4 ـ العبر في خبر من غبر: ج 1 ، ص 339.
    5 ـ المعتزلة: ص 175.

 وهذه إحدى صور المحاكمة ولها صور اُخر طوينا الكلام عن ذكرها وتأتى عند البحث عن محنة أحمد وهذا يعرب عن براعة الرّجل في مقام قطع الطّريق على الخصم ، وهذا وأشباهه ممّا دفع الحنابلة والأشاعرة على التّحامل والازدراء بالرّجل ، وسيوافيك أنّ أكثر ما نقل في محنة الإمام من التشديد والتغليظ عليه ، ودوسه بالأقدام و سحبه ، يرجع إلى أبي الفرج ابن الجوزي الحنبلي المتعصّب لإمامه وليس له مصدر في التأريخ سواه.
    وقد نقل البغدادي حول و فاته قصّة أشبه بالاسطورة (1) وكم له في كتابه « الفرق بين الفرق » من نظائر.

8 ـ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( م 255 )
    قال القاضي نقلاً عن « المصابيح »: « إنّه نسيج وحده في العلوم ، لأنّه جمع إلى علم الكلام والفصاحة ، العلم بالأخبار والأشعار والفقه و تأويل الكلام وهو متقدّم في الجدّ والهزل ، وله كتب في التوحيد و إثبات النبوّة ونظم القرآن و حدثه ، وفي فضائل المعتزلة » (2).
    أقول: كتابه الأخير هو كتاب « فضيلة المعتزلة » الّذي ردّ عليه ابن الراوندي في


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الفرق بين الفرق: ص 174 ـ 175.
    2 ـ فضل الاعتزال: ص 275.


--------------------------------------------------------------------------------

(282)

    كتاب خاصّ أسماه « فضيحة المعتزلة » ثمّ إنّ أبا الحسين الخيّاط ( م 311 ) ألّف كتاب « الانتصار » وانتصر فيه للجاحظ وقد طبع الانتصار لأوّل مرّة في القاهرة عام 1925.
    ومن أحسن تصانيفه و أمتنها كتاب « الحيوان » في أربعة أجزاء ، و « البيان والتبيين » في جزأين ، و « البخلاء » ، و « مجموع الرسائل » ، وأردأها كتاب « العثمانيّة ». وقد كتبت عن الجاحظ دراسات كثيرة بأقلام المستشرقين والعرب ومن أراد فليرجع إلى:
    كتاب: « الجاحظ معلّم العقل والأدب » لشفيق جبري.
    وكتاب: « أدب الجاحظ » لحسن السندوبي.
    وكتاب: « الجاحظ » لفؤاد أفرام البستاني...و غيرها.
    وإنّ أدب الرّجل و اطّلاعه الوسيع شيء لا ينكر وتشهد عليه آثاره المطبوعة. ولكنّ الكلام في ورعه وتقاه و نفسيّته و روحيّته ، فلا يشكّ من سبر حياته في طيّات المعاجم والكتب أنّه لم يكن رجلاً مبدئيّاً أبداً ، بل كان متقرّباً لفراعنة عصره ، وكفى أنّه كان ملازماً لمحمّد بن عبدالملك المعروف بالوزير الزيّات. يقول ابن خلّكان: « كان محمّد المذكور شديد القسوة ، صعب العريكة ، لا يرقّ لأحد ولا يرحمه ، وكان يقول: الرحمة خور في الطّبيعة. ووقع يوماً على رقعة رجل توسّل إليه بقرب الجوار منه ، فقال: الجوار للحيطان والتعطّف للنسوان.
    فلمّا أراد المتوكّل قتله أحضره و أحضر تنّورَ خشب فيه مسامير من حديد ، أطرافها إلى داخل التنور تمنع من يكون فيه من الحركة ، كان محمّد اتّخذه ليعذّب فيه من يطالبهـ وهو أوّل من عمل ذلك وعذّب فيه ابن أسباط المصري ـ وقال: أجرينا فيك حكمك في الناس.
    فأجلس فيه. فمات بعد ثلاث و ذلك في سنة ثلاث و ثلاثين ومائتين ، وقيل: إنّه كتب في التنّور بفحمة:

من له عهد بنوم رحم الله رحيماً
 
 يرشد الصبَّ إليه دلّ عينيَّ عليه
 

 


--------------------------------------------------------------------------------

(283)

    ودفن ولم يعمق قبره فنبشته الكلاب و أكلته » (1).
    هذا حال صديق الرّجل و زميله ، فاعرف حاله من حاله. فإنّ الرجل على دين جليسه.

تلوّن الرجل في حياته
    تدلّ آثاره على أنّ الرجل كان متلوّناً في حياته غير جانح إلى فئة ، بل كان كالريشة في مهبّ الريح يميل مع كلّ ريح ، فتارة يكون عثماني الهوى و يؤلّف كتاباً في ذلك ويدعمه بكتاب آخر في إمامة المروانيّة و خلافة الشجرة الملعونة في القرآن ، واُخرى علويّاً يجمع الكلم القصار لعليّ ( عليه السلام ) يفضّل عليّاً على غيره. قال ابن قتيبة في شأنه: « تجده يحتجّ مرّة للعثمانيّة على الرافضة ، ومرّة للزيديّة على العثمانيّة و أهل السنّة ، ومرّة يفضّل عليّاً ـ رضي الله عنهـ ومرّة يؤخّره...إلى أن قال: ويعمل كتاباً يذكر فيه حجج النّصارى على المسلمين ، فإذا صار إلى الردّ عليهم تجوّز في الحجّة كأنّه انما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون و تشكيك الضعفة من المسلمين. وتجده يقصد في كتبه المضاحيك والعبث ، يريد بذلك استمالة الأحداث و شرّاب النّبيذ.
    ويستهزئ من الحديث استهزاءً لا يخفى على أهل العلم كذكره كبد الحوت و قرن الشيطان و ذكر الحجر الأسود و أنّه كان أبيض فسوّده المشركون ، وقدكان يجب أن يبيّضه المسلمون حين أسلموا و يذكر الصّحيفة الّتي كان فيها المنزل في الرضاع تحت سرير عائشة فأكلتها الشاة.
    وهو مع هذا من أكذب الاُمّة و أوضعهم للحديث و أنصرهم للباطل » (2).
    وقال المسعودي في « مروج الذّهب » عند ذكر الدّولة العبّاسية: « وقد صنّف الجاحظ كتاباً استقصى فيه الحجاج عند نفسه ، و أيّده بالبراهين وعضده بالأدلّة فيما تصوّره من عقله و ترجمه بكتاب « العثمانيّة » يحلّ فيه عند نفسه فضائل عليّ ( عليه السلام )


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ وفيات الأعيان ج 5 ص 102 ، ط دار صادر.
    2 ـ تأويل مختلف الحديث: ص 59 ـ 60.


--------------------------------------------------------------------------------

(284)

    ومناقبه ، ويحتجّ فيه لغيره طلباً لاماتة الحقّ و مضادّة لأهله والله متمّ نوره ولو كره الكافرون.
    ثمّ لم يرض بهذا الكتاب المترجم بكتاب « العثمانيّة » حتّى أعقبه بتصنيف كتاب آخر في إمامة المروانيّة و أقوال شيعتهم ، و رأيته مترجماً بكتاب إمامة أمير المؤمنين معاوية في الانتصار له من عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنهـ وشيعته الرافضة ، يذكر فيه رجال المروانيّة و يؤيّد فيه إمامة بني اُميّة و غيرهم.
    ثمّ صنّف كتاباً آخر ترجمه بكتاب « مسائل العثمانيّة » يذكر فيه ما فاته ذكره و نقضه عند نفسه من فضائل أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) ومناقبه فيما ذكرنا. وقد نقضت عليه ما ذكرنا من كتبه لكتاب العثمانيّة و غيره.
    وقد نقضها جماعة من متكلّمي الشيعة كأبي عيسى الورّاق والحسن بن موسى النّخعي (1) و غيرهما من الشيعة ممّن ذكر ذلك في كتبه في الإمامة مجتمعة و متفرّقة » (2).
    ومن أراد أن يقف على ضعف الرجل في مجال العفاف والورع فعليه أن يرجع إلى ما نقله عنه ابن خلّكان في « وفيات الأعيان » (3).

9 ـ أبو الحسين عبدالرّحيم بن محمّد المعروف بالخيّاط ( م ـ 311 ) خريج مدرسة بغداد
    ترجمه القاضي في « فضل الاعتزال » وقال: « كان عالماً فاضلاً من أصحاب جعفر (4) وله كتب كثيرة في النقوض على ابن الراوندي و غيره. وهو اُستاذ أبي القاسم البلخي ـ رحمه الله ـ وذكر أنّه لمّا أراد العود إلى خراسان من عنده أراد أن يجعل طريقه


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ كذا في النسخة والصحيح: النوبختي.
    2 ـ مروج الذهب: ج 3 ، ص 237 ـ 238 طبع دار الأندلس.
    3 ـ وفيات الأعيان: ج 3 ص 471 ـ 473.
    4 ـ يريد: جعفر بن مبشر بن أحمد بن محمد أبو محمد الثقفي المتكلم ( المتوفى سنة 234 ) من معتزلة بغداد له ترجمة في تاريخ بغداد: ج 7 ، ص 162 ، ولسان الميزان: ج 2 ، ص 121.


--------------------------------------------------------------------------------

(285)

    على أبي عليّ ( الجبّائي ) فسأله أبو الحسين بحقّ الصحبة أن لا يفعل ذلك ، لأنّه خاف أن ينسب إلى أبي عليّ وهو من أحفظ الناس باختلاف المعتزلة في الكلام و أعرفهم بأقاويلهم.
    وقدكان الشيخ أبو القاسم يكاتبه بعد العود من عنده حالاً بعد حال فيعرف من جهته ما خفى عليه » (1).
    ومن أشهر كتبه: « الانتصار » ردّ فيه على كتاب « فضيحة المعتزلة » لابن الراوندي وطبع بالقاهرة ـ 1925 م.
    وسأل أبو العبّاس الحلبي أبا الحسين الخيّاط فقال: « أخبرني عن إبليس هل أراد أن يكفر فرعون؟ قال: نعم ، قال الحلبي: فقد غلب إبليس إرادة الله؟ قال أبو الحسين: هذا لا يجب فإنّ الله تعالى قال: ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالفْحْشَاءِ وَ اللّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلاً ) وهذا لا يوجب أن يكون أمر إبليس غلب أمر الله ، فكذلك الإرادة و ذلك لأنّ الله تعالى لو أراد أن يؤمن فرعون كرهاً لآمن (2).
    وبعبارة واضحة ، إنّ إرادة كلّ منهما ( الله سبحانه و إبليس المطرود ) ليست إرادة تكوينيّة قاهرة سالبة للاختيار ، بل إرادة أشبه بإرادة تشريعيّة يتراءى أنّها تعلّقت بفعل الغير ، وهو مختار في فعله و عمله و تطبيقه على كلّ من الطّلبين ، فليس في موافقته أو مخالفته أيّ غلبة من المريدين على الآخر. نعم لو كانت إرادة كلّ منهما إرادة تكوينيّة تعلّقت واحدة بإيمان فرعون والاُخرى بكفره فكفر ولم يؤمن لزمت غلبة إرادة إبليس على إرادة الله تعالى.
    وسئل عن أفضل الصّحابة فقال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) لأنّ الخصال الّتي فضّل الناس بها متفرّقة في الناس وهي مجتمعة فيه ، وعدّ الفضائل فقيل فما منع الناس من العقد له بالإمامة؟ فقال: هذا باب لا علم لي به إلاّ بما فعل


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ فضل الاعتزال: ص 29.
    2 ـ المنية والأمل: ص 49.


--------------------------------------------------------------------------------

(286)

    الناس وتسليمه الأمر على ما أمضاه عليه الصّحابة ، لأنّي لمّا وجدت الناس قد عملوا ولم أره أنكر ذلك ولا خالف ، علمت صحّة ما فعلوا » (1).
    يلاحظ عليه: إذا أثبت كونه أفضل الصحابة ، فتقدّم المفضول على الفاضل قبيح عقلاً ، وبه ردّ سبحانه اعتراض بني إسرائيل على جعل طالوت ملكاً. قال سبحانه: ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَ زَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَ الجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَ اللّهُ وَاسِعٌ عَليمٌ ) ( البقرة / 247 ).
    وأمّا تسليم الإمام لعمل الصّحابة فهو غير صحيح ، فقد اعترض على عملهم مرّة بعد مرّة و يكفي في ذلك خطبه وقصار حكمه وما نقله عنه المؤرّخون (2).
    هذا و أشباهه قابل للاغماض ، وإنّما الكلام فيما نسب إلى الشيعة من النسب المفتعلة والأكاذيب الشائنة و إليك نماذج من قذائفه و طامّاته في كتاب « الانتصار »:
    1 ـ الرافضة تعتقد أنّ ربّها ذو هيئة و صورة يتحرّك ويسكن و يزول و ينتقل ، وأنّه كان غير عالم فعلم...إلى أن قال: هذا توحيد الرافضة بأسرها إلاّ نفراً منهم يسيراً صحبوا المعتزلة و اعتقدوا التوحيد ، فنفتهم الرافضة عنهم و تبرّأت منهم. فأمّا جملتهم و مشايخهم مثل هشام بن سالم ، وشيطان الطاق ، وعليّ بن ميثم ، وهشام بن الحكم بن منصور ، والسكاك فقولهم ما حكيت عنهم.
    2 ـ فهل على وجه الأرض رافضي إلاّ وهو يقول: إنّ لله صورة ، ويروى في ذلك الروايات و يحتجّ فيه بالأحاديث عن أئمّتهم ، إلاّ من صحب المعتزلة منهم قديماً ، فقال بالتوحيد فنفته الرافضة عنها ولم تقربه.
    3 ـ يرون الرافضة أن يطأ المرأة الواحدة في اليوم الواحد مائة رجل من غير


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المنية والأمل: تصحيح توما أرنلد ، ص 49 و 50.
    2 ـ لاحظ: الامامة والسياسة ، ص 11 لابن قتبية وغيرها.


--------------------------------------------------------------------------------

(287)

    استبراء ولا قضاء عدّة وهذا خلاف ما عليه اُمّة محمّد صلَّى الله عليه و آله و سلَّم (1).
    نحن لا نعلّق على تلك الأساطير شيئاً و إنّما نمرّ عليها كراماً.

10 ـ أبو القاسم البلخي الكعبي ( ت 273 ـ م 317 أو 319 ) خريج مدرسة بغداد
    عبدالله بن أحمد بن محمود أبو القاسم البلخي. قال الخطيب: من متكلّمي المعتزلة البغداديين ، صنّف في الكلام كتباً كثيرة و أقام ببغداد مدّة طويلة و انتشرت بها كتبه ، ثمّ عاد إلى بلخ فأقام بها إلى حين وفاته. أخبرني القاضي أبو عبدالله الصيمري ، ( حدّثنا ) أبو عبدالله محمّد بن عمران المرزباني ، قال: كانت بيننا وبين أبي القاسم البلخي صداقة قديمة وكيدة وكان إذا ورد مدينة السلام قصد أبي وكثر عنده ، وإذا رجع إلى بلده لم تنقطع كتبه عنّا ، وتوفّي أبو القاسم ببلخ في أوّل شعبان سنة تسع عشرة وثلاثمائة » (2).
    وقال ابن خلّكان: « العالم المشهور كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم « الكعبيّة » وهو صاحب مقالات ، ومن مقالته: أنّ الله سبحانه وتعالى ليست له إرادة ، وأنّ جميع أفعاله واقعة منه بغير إرادة ولا مشيئة منه لها ، وكان من كبار المتكلّمين ، وله اختيارات في علم الكلام ، توفّي مستهلّ شعبان سنة سبع عشرة و ثلاثمائة. والكعبي نسبة إلى بني كعب ، والبلخي نسبة إلى بلخ إحدى مدن خراسان » (3).
    وقد خفي على الخطيب وابن خلّكان ما يهدف إليه الكعبي من نفي الإرادة والمشيئة عنه سبحانه ، وقد اختار من أنظاره تلك النظريّة للازدراء عليه ، ولكنّهما غفلا عن أنّ الكعبي لا يهدف إلى نفي الإرادة عن الله سبحانه حتّى يعرّفه كالفواعل


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ لاحظ: الانتصار ص 8 ، 144 ، 89.
    2 ـ تاريخ بغداد: ج 9 ، ص 384.
    3 ـ وفيات الاعيان: ج 3 ، ص 45 رقم الترجمة 330.


--------------------------------------------------------------------------------

(288)

    الطبيعية ، بل له هناك هدف سام لا يقف عليه إلاّ العارف بالاُصول الكلاميّة ، وهو أنّ الارادة أو المشيئة حسب طبعها من الأمور الحديثة الجديدة المسبوقة بالعدم فلا تتصوّر مثل هذه الإرادة لله ، أي الارادة الحادثة القائمة بذاته.
    وبعبارة واضحة: إنّ حقيقة الارادة تلازم التجدّد والحدوث والتجزي والتقضي ، ومثل ذلك لا يليق بساحته سبحانه. فلأجل ذلك يرى الكعبي تنزيهه سبحانه عن وصمة الحدوث والتجدّد. ومع ذلك لا يسلب عنه ما يعدّ كمالاً للإرادة ، فإنّ الإرادة من الصفات العالية الكماليّة بما أنّها رمز للاختيار ، وآية الحرّيّة ، وهذا غير منفيّ عن الله سبحانه عند البلخي. ويدلّ على ذلك ما نقله ابن شاكر الكتبي في « عيون التواريخ » ما هذا لفظه ، قال: « كان الكعبي تلميذ أبي الحسين الخيّاط وقد وافقه في اعتقاداته جميعاً ، وانفرد عنه بمسائل. منها قوله: إنّ إرادة الرّبّ تعالى ليست قائمة بذاته ، ولا هو يريد إرادته و ( لا ) إرادته حادثة في محلّ ، بل إذا أطلق عليه: إنّه يريد ، فمعناه أنّه عالم قادر غير مكره في فعله ولا كاره. وإذا قيل: إنّه مريد لأفعاله ، فالمراد أنّه خالق لها على وفق علمه ، وإذا قيل إنّه مريد لأفعال عباده ، فالمراد أنّه راض بما أمر به » (1).
مؤلفّاته
    قال ابن حجر في « لسان الميزان »: « عبدالله بن أحمد بن محمود البلخي أبو القاسم الكعبي من كبار المعتزلة وله تصانيف في الطّعن على المحدِّثين تدلّ على كثرة اطّلاعه وتعصّبه » (2).
    غير أنّ أكثر هذه الكتب قد بطش بها الزمان و أضاعها كما أضاع أكثر كتب المعتزلة وقد استقصى فؤاد سيّد في مقدّمته على كتاب « ذكر المعتزلة » لأبي القاسم


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ باب ذكر المعتزلة من مقالات الاسلاميين ، لأبي القاسم البلخي ، المقدمة ص 44 ، نقلاً عن عيون التواريخ ج 7 ، ص 106 مخطوطة دار الكتب.
    2 ـ لسان الميزان: ج 3 ص 252.


--------------------------------------------------------------------------------

(289)

    البلخي أسماء كتبه و أنهاها إلى ستّة و أربعين كتاباً.
    وقال النّجاشي في ترجمة محمّد بن عبدالرحمان بن قبة: « وأخذ عنه ابن بطّة و ذكره في فهرسه وقال: وسمعت من محمّد بن عبدالرحمان بن قبة ، له كتاب الانصاف في الإمامة وكتاب المستثبت نقض كتاب أبي القاسم البلخي » ثمّ قال: « سمعت أبا الحسين المهلوس العلوي الموسوي ـ رضي الله عنهـ يقول في مجلس الرّضي أبي الحسن محمّد بن الحسين بن موسى و هناك شيخنا أبو عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان ـ رحمهم الله أجمعين ـ : سمعت أبا الحسين السوسنجردي ـ رحمه الله ـ وكان من عيون أصحابنا وصالحيهم المتكلّمين وله كتاب في الإمامة معروف به وكان قد حجّ على قدميه خمسين حجّة ـ يقول: مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضا ( عليه السلام ) بطوس فسلّمت عليه وكان عارفاً ، ومعي كتاب أبي جعفر ابن قبة في الإمامة المعروف بالانصاف ، فوقف عليه ونقضه بـ « المسترشد في الإمامة » فعدت إلى الري ، فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بـ « المستثبت في الإمامة » فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بـ « نقض المستثبت » فعدت إلى الري فوجدت أبا جعفر قدمات ـ رحمه الله ـ » (1).

مناظرته مع رجل سوفسطائي
    حكى في كتابه « مقالات أبي القاسم » أنّه وصل إليه رجل من السوفسطائية راكباً على بغل ، فدخل عليه فجعل ينكر الضّروريات و يلحقها بالخيالات ، فلمّا لم يتمكّن من حجّة يقطعه قام من المجلس موهماً أنّه قام في بعض حوائجه ، فأخذ البغل و ذهب به إلى مكان آخر ثمّ رجع لتمام الحديث ، فلمّا نهض السوفسطائي للذهاب ولم يكن قد انقطع بحجّة عنده طلب البغل حيث تركه فلم يجده ، فرجع إلى أبي القاسم وقال: إنّي لم أجد البغل ، فقال أبوالقاسم: لعلّك تركته في غير هذا الموضع الّذي طلبته فيه ، وخيِّل لك أنّك وضعته في غيره ، بل لعلّك لم تأت راكباً على بغل و إنّما خيِّل اليك تخييلاً وجاءه


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ فهرس النجاشي: الرقم 1023.


--------------------------------------------------------------------------------

(290)

    بأنواع من هذا الكلام ، فأظن أنّه ذكر أنّ ذلك كان سبباً في رجوع السوفسطائي عن مذهبه وتوبته عنه (1).
    تلك عشرة كاملة من أعلام المعتزلة و فطاحلهم. ولعلّ هذا المقدار في ترجمة أئمّتهم و مشايخهم يوقفنا على موقفهم في الفضل و الفضيلة و هذا البحث الضافي يوقفك على أنّ تدمير تلك الطائفة ـ مع ما فيها ، ما فيها ـ كانت خسارة لا تجبر.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المنية والامل: ص 51.

 

مدارس الاعتزال


    إنّ مدارس الاعتزال لا تتجاوز مدرستين: مدرسة البصرة ، ومدرسة بغداد. والاُولى منهما مهد الاعتزال ومغرسه ، وفيها برز واصل بن عطاء ، وعمرو بن عبيد ، وأبو الهذيل العلاّف والنظّام.


    غير أنّه تأسّست في أواخر القرن الثاني مدرسة اُخرى في عاصمة الخلافة العبّاسيّة « بغداد » بمهاجرة أحد خرّيجي مدرسة البصرة إليها وهو بشر بن المعتمر ( م 210 ). فظهر هناك رجال مفكّرون على منهج الاعتزال ، وأثار التعدّد و البعد المكاني خلافات بين خرّيجي المدرستين في كثير من المسائل الفرعيّة بعد الاتفاق على المسائل الرئيسيّة.
    ولكلّ من المدرستين مميّزات و مشخّصات يقف عليها من تدبّر في أفكار أصحابها وآرائهم. ولبعض المعتزلة رسائل مخصوصة في هذا المضمار.
    غير أنّ الناظر فيما ينقل ابن أبي الحديد المعتزلي من مشايخه البغداديّين أنّهم يوافقون الشيعة أكثر من معتزلة البصرة. وقد ألّف الشيخ المفيد ( م 413 ) رسالة باسم « المقنعة » في وفاق البغداديين من المعتزلة لما روى عن الأئمّة ( عليهم السلام ) (1).
    و للتعرّف على بعض مشايخ المدرستين نأتي بهذا الجدول:

مشايخ مدرسة البصرة


    1 ـ واصل بن عطاء ( م 131 ).

    2 ـ عمرو بن عبيد ( م 143 ).

    3 ـ أبو الهذيل العلاّف ( م 235 ).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ أوائل المقالات: ص 25. وهذا الكتاب غير كتابه الآخر بهذا الاسم في الفقه.


--------------------------------------------------------------------------------

(293)

    4 ـ إبراهيم بن سيّار النظّام ( م 231 ).
    5 ـ عليّ الأسوار ( المتوفّى حوالى المائتين ).
    6 ـ معمر بن عباد السلمي ( م 220 ).
    7 ـ عبّاد بن سليمان ( م 220 ).
    8 ـ هشام الفوطي ( م 246 ).
    9 ـ عمرو بن بحر الجاحظ ( م 255 ).
    10 ـ أبو يعقوب الشحّام ( م 230 ).
    11 ـ أبو عليّ الجبّائي ( م 303 ).
    12 ـ أبو هاشم الجبّائي ( م 321 ).
    13 ـ أبو عبدالله الحسين بن عليّ البصري ( م 367 ).
    14 ـ أبو إسحاق بن عياش ( شيخ القاضي ).
    15 ـ القاضي عبد الجبّار ( م 415 ).
مشايخ مدرسة بغداد
    1 ـ بشر بن المعتمر ( م 210 ) ، مؤسّس المدرسة.
    2 ـ ثمامة بن الأشرس ( م 234 ).
    3 ـ جعفر بن المبشر ( م 234 ).
    4 ـ جعفر بن حرب ( م 236 ).
    5 ـ أحمد بن أبي دؤاد ( م 240 ).
    6 ـ محمّد الاسكافي ( م 240 ).
    7 ـ أبو الحسين الخيّاط ( م 311 ).


--------------------------------------------------------------------------------

(294)

    8 ـ أبوالقاسم البلخي الكعبي ( م 317 ).
    من أراد أن يقف على بعض آرائهم الّتي يخالفون فيها مشايخهم البصريّين فعليه بمطالعة شرح النهج لابن أبي الحديد ، فإنّه يعرض آراءهم في شرحه في مجالات مختلفة.

 

في الاُصول الخمسة عند المعتزلة

    اشتهرت المعتزلة باُصولها الخمسة ، فمن دان بها فهو معتزلي ومن نقص منها أو زاد عليها فليس منهم. وتلك الاُصول المرتّبة حسب أهمّيتها ، عبارة عن : التوحيد ، والعدل ، والوعد والوعيد ، والمنزلة بين المنزلتين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فمن دان بها ثمّ خالف بقيّة المعتزلة في تفاصيلها أو في فروع اُخر لم يخرج بذلك عنهم.

 
    قال الخيّاط : « فليس يستحقّ أحد منهم الاعتزال حتى يجمع القول بالاُصول الخمسة : التوحيد ، والعدل ، والوعد والوعيد ، والمنزلة بين المنزلتين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإذا اكملت في الإنسان هذه الخصال الخمس فهو معتزلي » (1).
    قال المسعودي ( م 345 ) بعد سرد الاُصول الخمسة حسب ما سمعت منّا : « فهذا ما اجتمعت عليه المعتزلة ومن اعتقد ما ذكرناه من الاُصول الخمسة ، كان معتزليّاً ، فان اعتقد الأكثر أو الأقلّ لم يستحقّ اسم الاعتزال ، فلا يستحقّه إلا باعتقاد هذه الاُصول الخمسة. وقد تنوزع فيما عدا ذلك من فروعهم » (2).
    والعجب من ابن حزم ( م 456 ) حيث زعم أنّ الاُصول الخمسة عبارة عن القول بخلق القرآن ، ونفي الرؤية ، والتشبيه ونفي القدر ، والقول بالمنزلة بين المنزلتين ، ونفي


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الانتصار للخيّاط: ص 126.
    2 ـ مروج الذهب: ج 3 ، ص 222.


--------------------------------------------------------------------------------

(296)

    الصفات (1).


    فقد ذكر من الاُصول ثلاثة ، حيث إنّ نفي القدر و خلق القرآن إيعاز إلى العدل (2) كما أنّ نفي الصفات والرؤية إشارة إلى التوحيد أي تنزيهه سبحانه عمّا لا يليق ، وأهمل اثنتين منها أعني الوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإذا كان هذا مبلغ علم الرجل بأصول الاعتزال الّذي هو أقرب إليه من الشيعة ، فما ظنّك بعلمه بطوائف أخرى كمعتقدات الشّيعة الّذين يعيشون في بيئة بعيدة منه ، ولأجل ذلك رماهم بنسب مفتعلة.


إيعاز إلى الاُصول الخمسة

    وقبل كلّ شيء نطرح هذه الاُصول على وجه الاجمال حتّى يعلم ماذا يريد منها المعتزلة ، ثمّ نأخذ بشرحها واحداً بعد واحد فنقول:


    1 ـ التوحيد: ويراد منه العلم بأنّ الله واحد لا يشاركه غيره فيما يستحقُّ من الصفات نفياً و إثباتا على الحدّ الّذي يستحقّه. وسيوافيك تفصيله فيما بعد ، والتوحيد عندهم رمز لتنزيهه سبحانه عن شوائب الامكان ووهم المثليّة و غيرهما ممّا يجب تنزيه ساحته عنه كالتجسيم والتشبيه و إمكان الرؤية و طروء الحوادث عليه ، غير أنّ المهمّ في هذا الأصل هو الوقوف على كيفيّة جريان صفاته عليه سبحانه ونفي الروية ، وغيرهما يقع في الدّرجة الثانية من الأهمية في هذا الأصل ، لأنّ كثيراً منها لم يختلف المسلمون فيه إلاّ القليل منهم.
    2 ـ العدل: إذا قيل إنّه تعالى عادل ، فالمراد أنّ أفعاله كلّها حسنة ، وأنّه لا يفعل القبيح ، وأنّه لا يخلّ بما هو واجب عليه. وعلى ضوء هذا لا يكذب في خبره ، ولا يجور في حكمه ولا يعذِّب أطفال المشركين بذنوب آبائهم ، ولا يُظهر المعجزة على أيدي


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الفصل: ج 2 ، ص 113.
    2 ـ سيأتي في الأصل الثاني أنّ القاضي أدخل البحث عن خلق القرآن تحت ذلك. و إن كان غير صحيح.


--------------------------------------------------------------------------------

(297)

    الكذّابين ، ولا يكلِّف العباد ما لا يطيقون ، وما لا يعلمون ، بل يقدرهم على ما كلّفهم ، ويعلِّمهم صفة ما كلّفهم ، ويدلّهم على ذلك ويبيّن لهم ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة ) (1) و أنّه إذا كلّف المكلّف و أتى بما كلّف على الوجه الّذي كلف فإنّه يثيبه لا محالة ، وأنّه سبحانه إذا آلم و أسقم فإنّما فعله لصلاحه و منافعه و إلاّ كان مخلاّ ً بواجب...
    3 ـ الوعد و الوعيد: والمراد منه أنّ الله وعد المطيعين بالثواب ، وتوعّد العصاة بالعقاب ، وأنّه يفعل ما وعد به وتوعّد عليه لا محالة. ولا يجوز الخلف لأنّه يستلزم الكذب. فإذا أخبر عن الفعل ثمّ تركه يكون كذباً ، ولو أخبر عن العزم ، فبما أنّه محال عليه كان معناه الإخبار عن نفس الفعل ، فيكون الخلف كذباً ، وعلى ضوء هذا الأصل حكموا بتخليد مرتكب الكبائر في النار إذا مات بلا توبة.
    4 ـ المنزلة بين المنزلتين: وتلقّب بمسألة الأسماء و الأحكام ، وهي أنّ صاحب الكبيرة ليس بكافر كما عليه الخوارج ، ولا منافق كما عليه الحسن البصري ، ولا مؤمن كما عليه بعضهم ، بل فاسق لا يحكم عليه بالكفر ولا بالإيمان.
    5 ـ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر: والمعروف كلّ فعل عرف فاعله حسنه أو دلّ عليه ، والمنكر كلّ فعل عرف فاعله قبحه أو دلّ عليه ، ولا خلاف بين المسلمين في وجوبهما ، إنّما الخلاف في أنّه هل يعلم عقلاً أو لا يعلم إلاّ سمعاً؟ ذهب أبو عليّ ( م 303 ) إلى أنّه يعلم عقلاً وسمعاً ، وأبو هاشم ( م 321 ) إلى أنّه يعلم سمعاً ، ولوجوبه شروط تذكر في محلّها ، ومنها أن لا يؤدّي إلى مضرّة في ماله أو نفسه إلاّ أن يكون في تحمّله لتلك المذلّة إعزاز للدّين.
    قال القاضي: « وعلى هذا يحمل ما كان من الحسين بن عليّ ـ عليهما السلام ـ لما كان في صبره على ما صبر إعزاز لدين الله عزّوجلّ ولهذا نباهي به سائر الاُمم فنقول: لم يبق من ولد الرّسول صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إلاّ سبط واحد ، فلم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتّى


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الأنفال / 42.


--------------------------------------------------------------------------------

(298)

     قتل دون ذلك » (1).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضربين:
    أحدهما: إقامة ما لا يقوم به إلاّ الأئمّة كإقامة الحدود و حفظ بيضة الإسلام وسدّ الثغور و إنفاذ الجيوش و نصب القضاة والاُمراء وما أشبه ذلك.
    والثاني: ما يقوم به كافة الناس ، وفي المسلمين ـ كالإماميّة ـ من يقول بأنّ بعض المراتب منه كالجهاد الابتدائي مع الكفّار مشروط بوجود إمام معصوم مفترض الطاعة.
    وهذا إلماع إلى معرفة الاُصول الخمسة الّتي يدور عليها فلك الاعتزال وقد أخذناها من شرح الاُصول الخمسة وقد أتى بها في الفصل الّذي عقده لبيان اُصول المعتزلة على وجه الاختصار. ثمّ أخذ بالتفصيل في ضمن فصول.
    والمعتزلة قد اتّفقوا على هذه الاُصول و إن اختلفوا في تفاصيلها. نعم ، إنّ هناك اختلافات فيها بين أصحاب المدرستين: أصحاب مدرسة البصرة وعلى رأسهم واصل ابن عطاء ، وعمرو بن عبيد ، والنظّام والجبائيان والقاضي ، وأصحاب مدرسة بغداد وفي مقدّمهم بشر بن المعتمر ، وأبو الحسين الخيّاط ، وأبو القاسم البلخي ، وقد عرفت في الفصول السابقة ترجمة حياتهم.
    هذه الاُصول الخمسة الّتي بها يناط دخول الرجل في سلك المعتزلة.
    وقد ذكر الشهرستاني الاُصول الّتي اتّفقت المعتزلة عليها ، من دون أن يفرّق بين ما يدخل في الاُصول الخمسة وما هو خارج عنها ، وإليك نصّه:
     « القول بأنّ الله تعالى قديم ، والقدم أخصّ وصف ذاته ، ونفوا الصفات القديمة أصلاً فقالوا: هو عالم بذاته ، قادر بذاته ، حيّ بذاته ، لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة ، ومعان قائمة به ، لأنّه لو شاركته الصفات في القدم الّذي هو أخصّ الوصف ،


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الاُصول الخمسة ص 142.


--------------------------------------------------------------------------------

(299)

    لشاركته في الإلهيّة.
    واتّفقوا على أنّ كلامه محدث مخلوق في محلِّ ، وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه. فإنّ ما وجد في المحلّ عرض قد فني في الحال. واتّفقوا على أنّ الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته ، لكن اختلفوا في وجوه وجودها ، ومحامل معانيها كما سيأتي.
    واتّفقوا على نفي روية الله تعالى بالأبصار في دار القرار ، ونفي التشبيه عنه من كلّ وجه: جهة ، ومكاناً ، وصورة و جسماً ، وتحيّزاً ، وانتقالاً ، وزوالاً و تغيّراً و تأثّراً. وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها ، وسمّوا هذا النّمط توحيداً.
    واتّفقوا على أنّ العبد قادر خالق لأفعاله خيرها و شرّها مستحقّ على ما يفعله ثواباً و عقاباً في الدار الآخرة. والربّ تعالى منزّه أن يضاف إليه شرّ وظلم ، وفعل هو كفر ومعصية ، لأنّه لو خلق الظّلم كان ظالماً ، كما لو خلق العدل كان عادلاً.
    واتّفقوا على أنّ الله تعالى لا يفعل إلاّ الصّلاح والخير ، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد ، وأمّا الأصلح واللّطف ففي وجوبه عندهم خلاف. وسمّوا هذا النّمط عدلاً.
    واتّفقوا على أنّ المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة و توبة ، استحقّ الثّواب والعوض. والتّفضل معنى آخر وراء الثّواب و إذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها ، استحقّ الخلود في النار ، لكن يكون عقابه أخفّ من عقاب الكفّار و سمّوا هذا النمط وعداً و وعيداً.
    واتّفقوا على أنّ اُصول المعرفة ، وشكر النعمة واجبة قبل ورود السّمع ، والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل ، واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك وورود التّكاليف ألطاف للبارىء تعالى أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء ( عليهم السلام ) امتحاناً واختباراً ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة ) ( الانفال / 42 ).
    واختلفوا في الإمامة ، والقول فيها نصّاً و اختياراً ، كما سيأتي عند مقالة كلّ


--------------------------------------------------------------------------------

(300)

    طائفة » (1).


    يلاحظ عليه: أنّ المعتزلة لم تقل في الإمامة بالنصّ ، وإنّما يقولون بالاختيار. ونسبة نظرية النصّ إليهم مبنيّ على عدّ الشيعة القائلين بالنص منهم ، وهو خطأ.
    ولا يخفى على القارئ بعد الاحاطة بما حقّقنا حول الاُصول الخمسة تفكيك الاُصول عمّا يترتب عليها من الأحكام ، وقد خلط هو وقبله الأشعري بين المبني و ما يترتب عليه من البناء وغيرهما من الاُصول.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(436)

 

المعتزلة من القوّة إلى الضّعف


    إنّ فكرة الاعتزال كانت فكرة بدائية ، ونبتة غرسها واصل بن عطاء في أوائل القرن الثّاني ، وأخذت تتكامل عن طريق تلاميذه و بعض زملائه كعمرو بن عبيد. وقد كان له تأثير في بدء ظهورها إلى أن استطاع أن يستجلب إليه بعض الخلفاء الأمويين المتأخّرين ، كيزيد بن وليد بن عبدالملك ( م 126هـ ) ، ومروان بن محمّد بن مروان آخر خلفائهم ( م 132هـ ) ، حيث اشتهر أنّ الأخير كان يقول بخلق القرآن و نفي القدر (2).
    ولمّا اندلعت نيران الثورات ضدّ الأمويين ، وقضت على خلافة تلك الطغمة الأثيمة ، لمع نجم المعتزلة في عصر أبي جعفر المنصور ( 136 ـ 158هـ ) وقد عرفت في ترجمة عمرو بن عبيد وجود الصلة الوثيقة بينه و بين المنصور.
    ولمّا هلك المنصور ، أخذ المهدي ابنه زمام الحكم ، ولم ير للمعتزلة في زمنه أيّ نشاط يذكر ، خصوصاً أنّ المهدي كان شديداً على أصحاب الأهواء ، حسب ما يقولون.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الشعر لأبي الأسود الدؤلي صاحب الامام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) راجع ملحق ديوانه.
    2 ـ الكامل لابن الاثير: ج 4 ، ص 332 قال: « وكان مروان يلقب بالحمار ، والجعدي لأنّه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر وغير ذلك.


--------------------------------------------------------------------------------

(437)

    روى الكشّي عن محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس ، عن هشام... أنّه لمّا كان أيّام المهدي ، شدّد على أصحاب الأهواء ، وكتب له ابن المفضّل صنوف الفرق ، صنفاً صنفاً ، ثمّ قرأ الكتاب على النّاس ، فقال يونس: « قد سمعت الكتاب يقرأ على النّاس على باب الذّهب بالمدينة ، مرّة أُخرى بمدينة الوضّاح » (1).
    وبما أنّ أهل الحديث كانوا يشكّلون الأكثريّة الساحقة ، فيكون المراد من أصحاب الأهواء الّذين شدّد عليهم المهدي ، غيرهم من سائر الفرق فيعمّ المعتزلة و المرجئة والمحكّمة والشيعة و غيرهم.
    ولأجل ذلك لم ير أيّ نشاط للمعتزلة أيّامه ، حتّى مضى المهدىُّ لسبيله ، و جاء عصر الرّشيد ( 170 ـ 193هـ ) فيحكي التّاريخ عن وجود نشاط لهم في أيّامه ، حتّى انّه لم يوجد في عصره من يجادل السمنية غيرهم (2) ومع ذلك لم يكن الرّشيد يفسح المجال للمتكلّمين. يقول ابن المرتضى: « وكان الرّشيد نهى عن الكلام ، وأمر بحبس المتكلّمين » (3).
    نعم ابتسم الدّهر للمعتزلة أيّام المأمون ، لأنّه كان متعطّشاً إلى العلم و التعقّل ، والبحث والجدال ، فنرى في عصره أنّ رجال المعتزلة يتّصلون ببلاطه ، وكان لهم تأثير كبير في نفسيّته.
    يقول الطّبري: « وفي هذه السّنة ( 212هـ ) أظهر المأمون القول بخلق القرآن وتفضيل عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) وقال: هو أفضل النّاس بعد رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وذلك في شهر ربيع الأوّل (4) و لمّا استفحلت دعوة المحدّثين إلى قدم القرآن و اشتدّ أمرهم كتب المأمون عام ( 218هـ ) إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة و المحدّثين ،


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ رجال الكشي: ترجمة هشام بن الحكم ، الرقم 131 ، ص 227. ولعل هذا الكتاب أوّل كتاب أُلِّف في الملل والنحل بين المسلمين.
    2 ـ لاحظ: طبقات المعتزلة ، لابن المرتضى ، ص 55.
    3 ـ طبقات المعتزلة ، لابن المرتضى ، ص 56.
    4 ـ تاريخ الطبري: ج 7 ، ص 188 ، حوادث سنة 212.


--------------------------------------------------------------------------------

(438)

    وممّا جاء في تلك الرسالة:
    فاجمع من بحضرتك من القضاة ، و اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك ، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون ، و تكشيفهم عمّا يعتقدون في خلق الله القرآن و إحداثه ، وأعلمهم أنّ أمير ألمؤمنين غير مستعين في عمله ، ولا واثق فيما قلّده الله و استحفظه من أُمور رعيّته ، بمن لا يوثق بدينه و خلوص توحيده و يقينه ، فإذا أقرّوا بذلك و وافقوا أمير المؤمنين فيه ، وكانوا على سبيل الهدى والنّجاة ، فمرهم بنصّ من يحضرهم من الشّهود على الناس ، ومسألتهم عن علمهم في القرآن ، و ترك إثبات شهادة من لم يقرّ أنّه مخلوق محدث ولم يره ، والامتناع من توقيعها عنده ، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاة أهل عملك فى مسألتهم و الأمر لهم بمثل ذلك. ثمّ أشرف عليهم و تفقّد آثارهم حتّى لا تنفذ أحكام الله إلاّ بشهادة أهل البصائر في الدّين و الإخلاص للتّوحيد و اكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك إن شاء الله ، و كتب في شهر ربيع الأوّل سنة ( 218هـ ) » (1).

رسالة ثانية من المأمون في إشخاص سبعة نفر إليه


    ثمّ إنّ المأمون كتب إلى إسحاق بن إبراهيم رئيس الشرطة في بغداد أن يشخص إليه سبعة نفر من المحدّثين. منهم:


    1 ـ محمّد بن سعد كاتب الواقدي 2 ـ أبو مسلم ، مستملي يزيد بن هارون 3 ـ يحيي بن معين 4 ـ زهير بن حرب أبو خثيمة 5 ـ إسماعيل بن داود 6 ـ إسماعيل بن أبي مسعود 7 ـ أحمد بن الدورقي ، فامتحنهم المأمون و سألهم عن خلق القرآن ، فأجابوا جميعاً أنّ القرآن مخلوق فأشخصهم إلى مدينة السّلام و أحضرهم إسحاق بن إبراهيم دارَه فشهّر أمرهم و قولهم بحضرة الفقهاء و المشايخ من أهل الحديث ، فأقرّوا بمثل ما


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ تاريخ الطبري: ج 7 ص 197 ، حوادث سنة 218.


--------------------------------------------------------------------------------

(439)

    أجابوا به المأمون فخلّى سبيلهم. فقد فعل ذلك إسحاق بن إبراهيم بأمر المأمون.
رسالة ثالثة للمأمون إلى إسحاق بن إبراهيم

    ثمّ إنّ المأمون كتب بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم رسالة مفصّلة و ممّا جاء فيه:
     « وممّا بيّنه أمير المؤمنين برويّته و طالعه بفكره ، فتبيّن عظيم خطره و جليل ما يرجع في الدّين من وكفه و ضرره ، ما ينال المسلمون بينهم من القول في القرآن الّذي جعله الله إماماً لهم. و أثراً من رسول الله و صفيّه محمّد ـ صلّى الله عليه و آله ـ باقياً لهم و اشتباهه على كثير منهم حتّى حسن عندهم و تزيّن في عقولهم أن لا يكون مخلوقاً ، فتعرّضوا لذلك لدفع خلق الله الّذي بان به عن خلقه ، و تفرّد بجلالته من ابتداع الأشياء كلّها بحكمته ، وأنشأها بقدرته ، والتقدّم عليها بأوّليّته الّتي لا يبلغ أولاها ولا يدرك مداها ، وكان كلّ شيء دونه خلقاً من خلقه و حدثاً هو المحدِث له ، وإن كان القرآن ناطقاً به ودالاً عليه و قاطعاً للاختلاف فيه وضاهوا به قول النّصارى في ادّعائهم في عيسى بن مريم أنّه ليس بمخلوق إذ كان كلمة الله.
    والله عزّوجلّ يقول: ( إنّا جعلناه قرآناً عربيّاً ) و تأويل ذلك أنّا خلقناه كما قال جلّ جلاله: ( وجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسكنَ إليها ) وقال: ( وجَعَلْنا اللّيلَ لباساً و جَعَلْنا النّهارَ معاشاً ) و ( جَعَلْنا مِنَ الماءِ كلّ شيء حيّ ) فسوّى عزّ وجلّ بين القرآن وبين هذه الخلائق الّتي ذكرها في شية الصّنعة و أخبر أنّه جاعله وحده فقال: ( إنّه لقرآنٌ مجيدٌ* في لوح محفوظ ) فقال ذلك على إحاطة اللّوح بالقرآن ولا يحاط إلاّ بمخلوق ، وقال لنبيّه : ( لا تُحرِّك بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) وقال: ( مَا يَأتِيهم مِن ذِكْر مِن َربِّهِم مُحْدَث ) و قال: ( ومَن أَظْلَمُ ممّنِ افترى على اللّهِ كذباً أو كذَّب بآياتِه ) و أخبر عن قوم ذمّهم بكذبهم أنّهم قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ، ثمّ أكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله: ( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكتابَ الّذي جاءَ بهِ موسى ) فسمّى الله تعالى القرآن قرآناً


--------------------------------------------------------------------------------

(440)

    و ذكراً و إيماناً و نوراً و هدىً و مباركاً و عربياً و قصصاً فقال: ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القُصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِليكَ هذا القرآن ) و قال: ( قُلْ لِئنِ اجْتَمَعَت الإنْسُ و الجنُّ على أَن يأْتُوا بِمِثلِ هذا القرآن لا يأَتُونَ بمثلهِ ) و قال: ( قُلْ فَأْتُوا بعشرِ سِوَر مَثْلهُ مُفْتَريات ) وقال: ( لا يَأْتيهِ الباطل مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) فجعل له أوّلاً و آخراً ، ودلّ عليه أنّه محدود مخلوق ، وقد عظّم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثلم في دينهم والحرج في أمانتهم ، وسهّلوا السّبيل لعدوّ الإسلام ، واعترفوا بالتّبديل والالحاد على قلوبهم حتّى عرّفوا و وصفوا خلق الله و فعله بالصّفة الّتي هي للّه وحده و شبّهوه به ، والأشباه أولى بخلقه وليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظّاً في الدّين ولا نصيباً من الإيمان واليقين....إلى أن قال: فاقرأ على جعفر بن عيسى وعبدالرحمن بن إسحاق القاضي كتابَ أمير المؤمنين بما كتب به إليك و انصصهما عن علمهما في القرآن و أعلمهما أنّ أميرالمؤمنين لا يستعين على شيء من أُمور المسلمين إلاّ بمن و ثق بإخلاصه و توحيده ، و أنّه لاتوحيد لمن لم يقرّ بأنّ القرآن مخلوق. فإن قالا: بقول أميرالمؤمنين في ذلك فتقدّم إليهما في امتحان من يحضر مجالسهما في الشّهادات على الحقوق و نصّهم عن قولهم في القرآن ، فمن لمن يقل منهم إنّه مخلوق أبطلا شهادته ولم يقطعا حكماً بقوله و إن ثبت عفافه بالقصد والسّداد في أمره ، وافعل ذلك بمن في سائر عملك من القضاة و أشرف عليهم إشرافاً يزيد الله به ذا البصيرة في بصيرته و يمنع المرتاب من إغفال دينه واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك إن شاء الله » (1).
دعوة المحدّثين والقضاة لسماع كتاب الخليفة
    ولما جاءت الرسالة الثالثة إلى إسحاق بن إبراهيم ، أحضر لفيفاً من المحدّثين منهم 1 ـ أبو حسّان الزيادي ، 2 ـ وبشر بن وليد الكندي ، 3 ـ وعليّ بن أبي مقاتل ،


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ تاريخ الطبري: ج 7 ، ص 198 و 199و 200 ، حوادث سنة 218.

(441)

    4 ـ والفضل بن غانم ، 5 ـ والذيال بن الهيثم ، 6 ـ وسجّادة ، 7 ـ والقواريري ، 8 ـ وأحمد بن حنبل ، 9 ـ وقتيبة ، 10 ـ وسعدويه الواسطي ، 11 ـ وعليّ بن الجعد ، 12 ـ وإسحاق بن أبي إسرائيل ، 13 ـ وابن الهرش ، 14 ـ وابن عليّة الأكبر ، 15 ـ ويحيى بن عبدالرحمان العمري ، 16 ـ وشيخاً آخر من ولد عمر بن الخطّاب ، كان قاضي الرقّة ، 17 ـ وأبو نصر التمّار 18 ـ وأبو معمر القطيعي ، 19 ـ ومحمّد بن حاتم بن ميمون ، 20 ـ ومحمّدبن نوح المضروب ، 21 ـ وابن الفرخان ، 22 ـ والنّضر بن شميل ، 23 ـ وابن عليّ بن عاصم ، 24 ـ وأبو العوام البزاز ، 25 ـ وابن شجاع ، 26 ـ وعبدالرّحمان بن إسحاق.
    فقرأ عليهم رسالة المأمون مرّتين حتّى فهموه ، ثمّ سأل كلّ واحد عن رأيه في خلق القرآن.
    فنجد في الأجوبة عيّاً و غباوة ، لا يتطلّبون الحقّ. و إليك نصّ محاورة إسحاق مع بعض هؤلاء.
    1 ـ إسحاق بن إبراهيم ، مخاطباً بشر بن الوليد: ما تقول في القرآن؟
    بشر: القرآن كلام الله.
    إسحاق: لم أسألك عن هذا ، أمخلوق هو ، قال الله: ( خالق كلّ شيء ) ما القرآن شيء؟
    بشر: هو شيء.
    إسحاق: فمخلوق ؟
    بشر: ليس بخالق.
    إسحاق: ليس أسألك عن هذا ، أمخلوق هو؟
    بشر: ما أُحسن غير ما قلتُ لك ، وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلّم فيه ، وليس عندي غير ما قلت لك.
محاورته مع عليّ بن أبي مقاتل
    إسحاق بن إبراهيم: القرآن مخلوق؟


--------------------------------------------------------------------------------

(442)

    عليّ بن أبي مقاتل: القرآن كلام الله.
    إسحاق: لم أسألك عن هذا.
    ابن أبي مقاتل: هو كلام الله.
محاورته مع أبي حسّان الزيادي
    إسحاق: القرآن مخلوق هو؟
    أبو حسّان: القرآن كلام الله ، والله خالق كلّ شيء ، وما دون الله مخلوق ، وأمير المؤمنين إمامنا و بسببه سمعنا عامّة العلم ، وقد سمع ما لم نسمع ، وعلم ما لم نعلم ، وقد قلّده الله أمرنا ، فصار يقيم حجّنا وصلاتنا و نؤدّي إليه زكاة أموالنا ، ونجاهد معه ، ونرى إمامته إمامة ، وإن أمرنا ائتمرنا ، وإن نهانا انتهينا ، وإن دعانا أجبنا.
    إسحاق: القرآن مخلوق هو؟
    أبو حسّان: ( أعاد كلامه السابق ).
    إسحاق: إنّ هذه مقالة أمير المؤمنين.
    أبو حسّان: قد تكون مقالة أمير المؤمنين و لا يأمر بها الناس ولا يدعوهم إليها ، وإن أخبرتني أنّ أمير المؤمنين أمرك أن أقول ، قلت ما أمرتني به ، فإنّك الثقة المأمون عليه فيما أبلغتني عنه من شيء فإن أبلغتني عنه بشيء صرت إليه.
    إسحاق: ما أمرني أن أبلغك شيئاً.
    قال « علي بن أبي مقاتل: قد يكون قوله كاختلاف أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم في الفرائض و المواريث ، ولم يحملوا النّاس عليها ».
    أبو حسّان: ما عندي إلاّ السّمع والطاعة ، فمرني أئتمر.
    إسحاق: ما أمرني أن آمرك و إنّما أمرني أن أمتحنك.
محاورته مع أحمد حنبل
إسحاق: ما تقول في القرآن؟


--------------------------------------------------------------------------------

(443)

    أحمد: هو كلام الله.
    إسحاق: أمخلوق هو؟
    أحمد: هو كلام الله ، لا أزيد عليها.
    إسحاق: ( قرأ عليه رقعة و فيها: أشهد أن لا إله إلاّ الله أحداً فرداً لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ، ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه ). فلمّا أتى إسحاق إلى قوله: « ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير » (1) ، وأمسك عن قوله: « لا يشبهه شيء ، من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه » ، فاعترض عليه ابن البكاء الأصغر (2) فقال: أصلحك الله ، إنّه ( أحمد ) يقول: سميع من اذن ، بصير من عين.
    فقال إسحاق: ما معنى قوله سميع بصير؟
    أحمد: هو كما وصف نفسه.
    إسحاق: فما معناه؟
    أحمد: لا أدري ، هو كما وصف نفسه.
    ثمّ إنّ إسحاق دعا بهم رجلاً رجلاً ، كلّهم يقولون: القرآن كلام الله إلاّ هؤلاء النفر: قتيبة وعبيد الله بن محمّد بن الحسن ، وابن علية الأكبر ، وابن البكاء ، وعبدالمنعم بن إدريس ، والمظفّر بن مرجا ، ورجلاً ضريراً ليس من أهل الفقه ولا يعرف بشيء منه إلاّ أنّه دسّ في ذلك الموضع ، ورجلاً من ولد عمر بن الخطّاب قاضي الرّقة ، وابن الأحمر. فأمّا ابن البكاء الأكبر فإنّه قال: القرآن مجعول لقول الله تعالى: ( إنّا جعلناه قرآناً عربيّاً ) والقرآن محدث لقوله: ( ما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدث ).
    قال له إسحاق: فالمجعول مخلوق؟
    قال: نعم.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ سقط قوله: « ليس كمثله شيء وهو السميع البصير » من الرقعة التي نقلها ص 200 و لكن نقله ص 201.
    2 ـ في المصدر « أصغر » والصحيح ما أثبتناه.


--------------------------------------------------------------------------------

(444)

    قال إسحاق: فالقرآن مخلوق؟
    قال: لا أقول مخلوق ، ولكنّه مجعول ، فكتب مقالته.
    فلمّا فرغ من امتحان القوم و كتبت مقالاتهم رجلاً رجلاً و وجّهت إلى المأمون ، فمكث القوم تسعة أيّام ثمّ دعا بهم وقد ورد كتاب المأمون جواب كتاب إسحاق بن إبراهيم في أمر هؤلاء.
الرسالة الرابعة للمأمون إلى إسحاق
    كتب المأمون في جواب رسالته كتاباً مفصّلاً نأخذ منها مايلي:
     « أمّا بعد فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك ، جوابَ كتابه كان إليك فيما ذهب إليه متصنّعة أهل القبلة و ملتمسو الرِّئاسة فيما ليسوا له بأهل من أهل الملّة من القول في القرآن و أمرك به أمير المؤمنين من امتحانهم و تكشيف أحوالهم و إحلالهم محالّهم ».
    ثمّ تكلّم المأمون في حقِّ الممتنعين عن الاعتراف بكون القرآن مخلوقاً و الرِّسالة مفصّلة (1) والملفَت للنّظر فيها أمران:
    الأوّل: أمر المأمون رئيس الشّرطة بضرب عنق بشر بن الوليد ، وإبراهيم المهدي إذا لم يتوبا بعد الاستتابة ، وحمل الباقين موثّقين إلى عسكر أمير المؤمنين و تسليمهم إلى من يؤمن بتسليمهم إليه لينصّهم أمير المؤمنين ، فإن لم يرجعوا و يتوبوا حملهم جميعاً على السّيف.
    الثاني: تذكّر بعض أفعال الممتنعين بالاعتراف بخلق القرآن ، بوجه يعرب أنّهم لم يكونوا أهل صلاح و فلاح ، بل كانوا من مقترفي المعاصي نقتطف منها مايلي:
     « وأمّا الذيّال بن الهيثم فأعلمه أنّه كان فى الطّعام الّذي كان يسرقه في الأنبار ، وفيما يستوي عليه من أمر مدينة أمير المؤمنين أبي العبّاس ما يشغله و أنّه لو كان مقتفياً


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ لاحظ تاريخ الطبري 7: 202 ـ 203.


--------------------------------------------------------------------------------

(445)

    آثار سلفه و سالكاً مناهجهم و مهتدياً سبيلهم لما خرج إلى الشرّك بعد إيمانه.
    وأمّا أحمد بن حنبل و ما تكتب عنه فاعلمه أنّ أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة وسبيله فيها و استدلّ على جهله و آفته بها.
    وأمّا الفضل بن غانم فأعلمه أنّه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر ، وما اكتسب من الأموال في أقلّ من سنة ، وما شجر بينه و بين المطّلب بن عبدالله في ذلك ، فإنّه من كان شأنُه شأنَه ، وكانت رغبته في الدّنيا و الدِّرهم رغبته فليس بمستنكر أن يبيع إيمانه طمعاً فيهما و ايثاراً لعاجل نفعهما.
    وأمّا الزّيادي فأعلمه أنّه كان منتحلاً ، ولا أوّل دعيّ كان في الإسلام خولف فيه حكم رسول الله وكان جديراً أن يسلك مسلكه.
    وأمّا الفضل بن الفرخان فأعلمه أنّه حاول بالقول الّذي قاله في القرآن أخذ الودائع الّتي أودعها إيّاه عبدالرّحمان بن إسحاق و غيره تربّصاً بمن استودعه و طمعاً في الاستكثار لما صار في يده ولا سبيل عليه عن تقادم عهده و تطاول الأيّام به.
    وأمّا محمد بن حاتم وابن نوح والمعروف بأبي معمر فأعلمهم أنّهم مشاغيل بأكل الرّبا عن الوقوف على التوحيد ، وإنّ أمير المؤمنين لو لم يستحلّ محاربتهم في الله ومجاهدتهم إلا لإربائهم و ما نزل به كتاب الله في أمثالهم لاستحلّ ذلك ، فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركاً و صاروا للنصارى مثلاً ».
    ثمّ وقّع في الوقيعة في كلّ واحد من الممتنعين ما يشمئزّ القلم من نقله ، فلو كانت تلك النّسب على وجهها فويل لهم مما كسبت أيديهم من عظائم المحرّمات و ما كسبت قلوبهم من الشِّرك (1).
    فلمّا وصل كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم دعا القوم و قرأ عليهم كتاب المأمون ، فأجاب القوم الممتنعون كلّهم ، واعترفوا بأنّ القرآن مخلوق إلاّ أربعة نفر منهم


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ تاريخ الطبري: 7 / 203 ـ 204.


--------------------------------------------------------------------------------

(446)

    أحمد بن حنبل ، وسجادة ، والقواريري ، ومحمّد بن نوح المضروب ، فأمر بهم إسحاق بن إبراهيم فشدّوا في الحديد. فلمّا كان من الغد دعا بهم جميعاً يساقون في الحديد فأعاد عليهم المحنة فأجابه سجادة إلى أنّ القرآن مخلوق فأمر باطلاق قيده و خلّى سبيله وأصرّ الآخرون على قولهم.
    فلمّا كان من بعد الغد عاودهم أيضاً فأعاد عليهم القول ، فأجاب القواريري إلى أنّ القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قيده و خلّى سبيله ، و أصرّ أحمد بن حنبل و محمّد بن نوح على قولهما ولم يرجعا فشدّا جميعاً في الحديد و وجِّها إلى طرسوس و كتب معهما كتاباً بإشخاصهما.
    ثمّ لمّا اعترض على الرّاجعين من عقيدتهم برّروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر حيث أكره على الشِّرك و قلبه مطمئنّ بالإيمان (1) و قد كُتب تأويلهم إلى المأمون ، فلأجل ذلك ورد كتاب مأمون بأنّه قد فهم أمير المؤمنين ما أجاب القوم إليه ، وأنّ بشر بن الوليد تأوّل الآية الّتي أنزل الله تعالى في عمّار بن ياسر وقد أخطأ التّأويل إنّما عني الله عزّوجلّ بهذه الآية من كان معتقد الإيمان مظهر الشرك ، فأمّا من كان معتقد الشِّرك مظهر الإيمان فليس هذه له ، فأشخصهم جميعاً إلى طرسوس ليقيموا بها إلى خروج أمير المؤمنين من بلاد الرّوم.
    فأخذ إسحاق بن إبراهيم من القوم الكفلاء ليوافوا بالعسكر بطرسوس ، فأشخص كلّ من ذكرنا أسماءهم ، فلمّا صاروا إلى الرّقة بلغتهم وفاة المأمون ، فأمر بهم عنبسة بن إسحاق ـ وهو والي الرقة ـ إلى أن يصيروا إلى الرقة ، ثمّ أشخصهم إلى إسحاق بن إبراهيم بمدينة السّلام ( بغداد ) مع الرّسول المتوجّه بهم إلى أمير المؤمنين ، فسلّمهم إليه فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم ثمّ رخّص لهم ذلك في الخروج (2).
    وما ذكرناه هو خلاصة محنة أحمد و من كان على فكرته في زمن المأمون وليس فيه


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ إشارة الى قوله سبحانه ( إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ) ( النمل / 106 ).
    2 ـ تاريخ الطبري: ج 7 ، ص 195 إلى 206 بتلخيص منّا.


--------------------------------------------------------------------------------

(447)

    إلاّ إشخاص أحمد و محمّد بن نوح موثّقين في الحديد إلى طرسوس و إشخاص غيرهما مطلقين ، ولمّا بلغهم وفاة المأمون رجعوا من الرقّة ولم يسيروا إلى طرسوس.
    هذا وقد ذكر القصّة اليعقوبي بصورة مختصرة و قال:
     « وصار المأمون إلى دمشق سنة ( 218هـ ) و امتحن النّاس في العدل والتّوحيد وكتب في إشخاص الفقهاء من العراق و غيرها فامتحنهم في خلق القرآن و أكفر من امتنع أن يقول ـ : القرآن غير مخلوق ، وكتب أن لا تقبل شهادته ، فقال كلّ بذلك إلاّ نفراً يسيراً » (1).
    هذا تفصيل المحنة أيّام المأمون ، وأمّا ما وقع في أيّام الخليفتين: المعتصم والواثق ، فسيوافيك بيانه بعد تعليقتنا.

تعليق على محنة خلق القرآن


    إنّ هنا أُموراً لا بدّ من الإلفات إليها:
    1 ـ لم يظهر من كتب الخليفة إلى صاحب الشّرطة وجه إصراره على أخذ الاعتراف من المحدِّثين بخلق القرآن. فهل كان الحافز إخلاصه للتوحيد ، وصموده أمام الشِّرك ، أو كان هناك مرمى آخر لإثارة هذه المباحث ، حتّى ينصرف المفكِّرون بسبب الاشتغال بهذه المباحث عن نقد أفعالهم و انحرافاتهم ، وبالتّالي إيقاف الثّورة أو إضمارها. فإنّ القلوب إذا اشتغلت بشيء ، منعت عن الاشتغال بشيء آخر.
    2 ـ لو كانت الرِّسالة مكتوبة بيد الخليفة أو باملائه ، فهي تحكي عن عمق تفكيره في المباحث الكلاميّة ، وإحاطته بأكثر الايات وقد جاء في المقام بأسدِّ الدّلائل و أتقنها ، حيث استدلّ تارة بتعلّق الجعل بالقرآن ، وأُخرى باحاطة اللّوح المحفوظ به ، ولا يحاط إلاّ بمخلوق ، وثالثة بتوصيفه ب ـ « محدث » ، و رابعة بتوصيفه بصفات كلّها صفات


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ تاريخ اليعقوبي: ج 2 ، ص 468 ، ط دار صادر.


--------------------------------------------------------------------------------

(448)

    المخلوق من تعلّق النّزول به ونهي النّبي عن العجلة بقراءته ، والدّعوة إلى الاتيان بمثله ، وأنّ له أماماً و خلفاً ، إلى غير ذلك.
    3 ـ إنّ الرِّسالة كشفت القناع عن السّبب الّذي أدخل هذه المسألة في أوساط المسلمين ، وقال: « إنّ القائلين بقدم القرآن يضاهئون قول النّصارى في أنّ المسيح كلمة وليس بمخلوق » ، وهو يعرب عن أنّ الفكرة دخلت إلى أوساط المسلمين بسبب احتكاك المسلمين بهم. وما يقال من أنّ اليهود هم المصدر لدخول هذه الفكرة بينهم غير تامّ والمأمون أعرف بمصدر هذه الفكرة.
    4 ـ لو صحّ ما ذكره الطّبري من صورة المحاورة الّتي دارت بين رئيس الشّرطة والمحدِّثين ، فإنّه يكشف عن جمود المجيبين و عيّهم في الجواب ، فإنّهم اتّفقوا على أنّ القرآن ليس بخالق ، ولكنّهم امتنعوا عن الاعتراف بأنّه مخلوق ، وبالتّالي جعلوا واسطة بين الخالق والمخلوق أو بين النّفي والاثبات ، وهو كما ترى.
    ولو كان عذرهم في عدم الاعتراف بأنّ القرآن مخلوق ، هو الخوف من أن يكون هذا الاعتراف ذريعة للملاحدة حتّى ينسبوا إلى المسلمين بأنّهم يقولون إنّ القرآن مخلوق أي مختلق و مزوّر أو مخلوق للبشر ، فيمكن التخلّص منه بالتّصريح بأنّه مخلوق لله سبحانه لاغير ، والله هو خالقه و جاعله ليس غير.
    5 ـ لا شكّ أنّ عمل الخليفة كان أشبه بعمل محاكم التّفتيش في القرون الوسطى حيث كان البابا والبطارقة والقساوسة ، يتحرّون عقائد الناس لا سيّما المكتشفين أمثال غاليلو ، وكان ذلك و صمة عار على حياة الخليفة و بالتّالي على المعتزلة الّذين كان الخليفة يلعب بحبالهم ، ويلحقهم وزر أعماله ، وما يترك في المجتمع من ردّ فعل سيّىء. ومن المعلوم أنّ أخذ الاعتراف بكون القرآن مخلوقاً في جوّ رهيب ، لا يوافق تعاليم المعتزلة ، كما لا يوافق تعاليم الإسلام ، على أنّه لا قيمة لهذا الاعتراف عند العقل و النّقل فكيف رضي القوم بهذا العمل.
    6 ـ العجب من تلوّن الخليفة في قضائه في حقّ الممتنعين عن الاعتراف بخلق


--------------------------------------------------------------------------------

(449)

    القرآن ، فيرى أنّ بشر بن الوليد ، وإبراهيم المهدي مستحقّان لضرب العنق إذا استتيبا ولم يتوبا ، والباقين مستحقّون للإشخاص إلى عسكره ، مع أنّ الجرم واحد ، والكلّ كانوا محدِّثين فهماء ، ولم يكن الأوّلان قائدي الشرك ، والباقون مقتفيه. فلو كان القول بعدم خلق القرآن أو قدمه موجباً للردّة والرجوع إلى الشرّك فالحكم الإلهي هو القتل وإلاّ فلا ، وهذا يعرب عن أنّ جهاز القضاء كان أداة طيّعة بأيدي الخلفاء ، يستغلّونه حسب أهوائهم.
    7 ـ إنّ محنة القائلين بعدم خلق القرآن ، تمّت في زمن الخليفة المأمون بالإشخاص والإبعاد من دار السّلام إلى طرسوس. غير أنّ التأريخ يذكر إشخاص اثنين موثّقين إلى عسكر الخليفة ، وإشخاص الباقين بلا قيود ولا ضرب ولا قتل إلى الخليفة. ولم يحدّث التاريخ هنا عن ضرب وقتل.
    ولكنّ المحنة لم تنته بموت المأمون ، بل استمرّت في خلافة أخيه المعتصم ، فالواثق ابنه ولكن بصورة سيّئة ، حدث عنها التّاريخ.
    قضى المأمون نحبه وجاء بعده أخوه المعتصم ( 218 ـ 227هـ ) فضيّق الأمر على القائلين بعدم خلق القرآن.
    يقول اليعقوبي: « وامتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن ، فقال أحمد: أنا رجل علمت علماً ولم أعلم فيه بهذا ، فأحضر له الفقهاء و ناظره عبدالرّحمان بن إسحاق و غيره ، فامتنع أن يقول إنّ القرآن مخلوق ، فضرب عدّة سياط. فقال إسحاق بن إبراهيم: ولِّني يا أمير المؤمنين مناظرته فقال: شأنك به.
    إسحاق بن ابراهيم: هذا العلم الّذي علمته نزل به عليك ملك أو علمته من الرجال؟
    ابن حنبل: علمته من الرِّجال.
    إسحاق: علمته شيئاً بعد شيء أو جملة؟
    ابن حنبل: علمته شيئاً بعد شيء.


--------------------------------------------------------------------------------

(450)

    إسحاق: فبقي عليك شيء لم تعلمه؟
    ابن حنبل: بقي عليّ.
    إسحاق: فهذا ممّا لم تعلمه وقد علّمكه أمير المؤمنين.
    ابن حنبل: فإنّي أقول بقول أمير المؤمنين.
    إسحاق: في خلق القرآن؟
    ابن حنبل: في خلق القرآن.
    فأشهد عليه وخلع عليه و أطلقه إلى منزله (1).
    هذا ما كتبه ذلك المؤرخ المتوفّى ( عام 290هـ ).
    وأمّا الطبري فلم يذكر في حياة المعتصم ما يرجع إلى مسألة خلق القرآن.
    وقال المسعودي: « وفيها ( سنة 219هـ ) ضرب المعتصم أحمد بن حنبل ثمانية وثلاثين سوطاً ليقول بخلق القرآن » (2).
    نعم ذكر الجزري في كامله في حوادث سنة ( 219هـ ) و قال: « وفيها أحضر المعتصم أحمد بن حنبل و امتحنه بالقرآن ، فلم يجب إلى القول بخلقه ، فأمر به فجلد جلداً عظيماً حتّى غاب عقله و تقطّع جلده و حبس مقيّداً » (3).
    وروى الجاحظ أنّه لم يكن في مجلس الامتحان ضيق ، ولا كانت حاله حالاً مؤيساً ، ولا كان مثقّلاً بالحديد ، ولا خلع قلبه بشدّة الوعيد ، ولقد كان ينازع بألين الكلام ويجيب بأغلظ الجواب و يرزنون و يخفّ و يحلمون و يطيش » (4).
    هذا ولكن المتحيّزين إلى الحنابلة يذكرون المحنة بشكل فظيع. هذا أبو زهرة قد لخّص مقالهم بقوله:
     « وقد تبيّن أنّ أحمد بن حنبل كان مقيّداً مسوقاً عند ما مات المأمون ، فأُعيد إلى


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ تاريخ اليعقوبي: ج 2 ، ص 472.
    2 ـ مروج الذهب: 3 / 464 ط دار الاندلس.
    3 ـ الكامل ، ج 5 ، ص 233.
    4 ـ الفصول المختارة على هامش الكامل للمبرد: ج 2 ، ص 139.

 

(451)

    السجن ببغداد حتّى يصدر في شأنه أمر ، ثمّ سيق إلى المعتصم و اتّخذت معه ذرايع الاغراء و الارهاب ، فما أجدى في حمله ترغيب و لا ترهيب ، فلمّ ـ ا لم يجد القول رغباً و رهباً ، نفّذوا الوعيد فأخذوا يضربونه بالسياط ، المرّة بعد الأُخرى ، ولم يترك في كلِّ مرّة حتّى يغمى عليه و ينخس بالسيف فلا يحسّ. فتكرّر ذلك مع حبسه نحواً من ثمانية وعشرين شهراً فلمّا استيأسوا منه و ثارت في نفوسهم بعض نوازع الرّحمة أطلقوا سراحه وأعادوه إلى بيته وقد أثخنه الجراح و أثقله الضّرب المبرح المتوالي والالقاء في غيابات السِّجن » (1).
    وليس لما ذكره أبو زهرة مصدر سوى « مناقب الامام أحمد بن حنبل » للحافظ أبي الفرج عبدالرّحمان بن الجوزي ومن تبعه مثل الحافظ ابن كثير في « البداية و النهاية » (2).
    والنّاظر في هذين الكتابين يرى تحيّزهما لأحمد بن حنبل و أنّهما يريدان نحت الفضائل له و عند ما قصرت أيديهما عنها لجأوا إلى المنامات ، فلا يمكن الاعتماد عليهما فيما يرويان من التّفاصيل في هذه المحنة. وقد عرفت التضارب في التاريخ بين قائل بأنّ أحمد رجع عن رأيه أثناء الضّرب كاليعقوبي ، وقائل بأنّه بقي على إنكاره.
محنة خلق القرآن والواثق
    قضى المعتصم نحبه و خلفه ابنه الواثق ( 223 ـ 227هـ ) (3) وكان للمعتزلة في عصره قوّة و قدرة و نشاط و سيطرة.
    قال اليعقوبي: « وامتحن الواثق النّاس في خلق القرآن فكتب إلى القضاة أن يفعلوا ذلك في سائر البلدان و أن لا يجيزوا إلاّ شهادة من قال بالتوحيد ، فحبس بهذا السبب عالماً كثيراً » (4).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ ابن حنبل ـ حياته وعصره ـ أبو زهرة ، ص 65.
    2 ـ البداية والنهاية ، ج 10 ، ص 230 الى 343.
    3 ـ البداية والنهاية: ج 10 ، ص 297.
    4 ـ تاريخ اليعقوبي: ج 2 ، ص 482.


--------------------------------------------------------------------------------

(452)

    يقول الحافظ ابن كثير:
     « وأمر الواثق بامتحان الأسارى الّذين فودوا من أسر الفرنج ، بالقول بخلق القرآن و أنّ الله لا يرى في الآخرة ، فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن وأنّ الله لا يرى في الآخرة فودى و إلاّ ترك في أيدي الكفّار. وهذه بدعة صلعاء ، شنعاء ، عمياء ، صمّاء لا مستند لها من كتاب ولا سنّة ولا عقل صحيح » (1).
    ولكن تحيّز ابن كثير للحنابلة و أصحاب القول بعدم خلق القرآن واضح في كتابه. فالاعتماد على ما ينقل من المحنة في حقِّ الحنابلة إن لم تؤيّده سائر الآثار مشكل ، وبما أنّ في الكتاب ، مغالاة في الفضائل ، و محاولة لجعله اسطورة في التّأريخ بنقول مختلفة ، نكتفي بما يذكره الطبري في المقام.
    يقول: « إنّ مالك بن هيثم الخزاعي كان أحد نقباء بني العبّاس ، وكان حفيده أحمد بن نصر بن مالك ، يغشاه أصحاب الحديث كيحيى بن معين و ابن الدورقي و ابن خيثمة ، وكان يظهر المباينة لمن يقول: القرآن مخلوق ، مع منزلة أبيه من السّلطان في دولة بني العبّاس ، ويبسط لسانه فيمن يقول ذلك مع غلظة الواثق على من يقول ذلك. فحرّك أصحاب الحديث و كلّ من ينكر القول بخلق القرآن أحمد بن نصر و حملوه على الحركة لانكار القول بخلق القرآن ، والغاية من هذه الحركة ، الثورة في بغداد على الخليفة الواثق ، وخلعه من الخلافة ، غير أنّ هذه المحاولة فشلت فأخذوا و حملوا إلى سامراء ، الّتي كانت مقرّاً للواثق ، فحضر القوم واجتمعوا عنده ، فلمّا اُتي بأحمد بن نصر قال له: ياأحمد ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله ، قال أفمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله ، قال:فما تقول في ربِّك أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المؤمنين جاءت الآثار عن رسول الله أنّه قال: ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته ، فنحن على الخبر.
    فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟ فقال عبدالرحمان بن إسحاق: يا أمير


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ البداية والنهاية: ج 10 ، ص 307.


--------------------------------------------------------------------------------

(453)

    المؤمنين هو حلال الدم. وقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين ، كافر يستتاب لعلّ به عاهة ، أو تغيّر عقليّ ، فقال الواثق ، إذا رأيتموني قد قمت إليه فلا يقومنّ أحد معي ، فإنّي أحتسب خطاي إليه ، ودعا بالصمصامة ، سيف عمرو بن معديكرب ، فمشى إليه وهو في وسط الدّار ، ودعا بنطع فصير في وسطه حبل فشدّ رأسه ، ومدّ الحبل ، فضربه الواثق ضربة ، فوقعت على حبل العاتق ، ثمّ ضربه أُخرى على رأسه ، ثمّ انتضى سيما الدمشقي سيفه ، فضرب عنقه و حزّ رأسه » (1).
    هذه خلاصة القصّة. ومن المعلوم أنّ هذه القسوة من الخليفة كانت مبرّرة عنده ، لا لأجل قوله بخلق القرآن و رؤية الله ، بل لما قام به من الثّورة عليه.
    ويقول أيضاً: « أمر الواثق بامتحان أهل الثّغور في القرآن ، فقالوا بخلقه جميعاً إلاّ أربعة نفر ، فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يقولوه » (2).
    وقام الواثق بنفس العمل الّذي قام به أبوه في امتحان أسرى المسلمين ، فمن قال إنّ القرآن مخلوق فودي به ، ومن أبى ذلك ترك في أيدي الرّوم و أمر لطالب بخمسة آلاف درهم ، وأمر أن يعطوا جميع من قال إنّ القرآن مخلوق ممن فودي به ديناراً لكلِّ إنسان من مال حمل معهم (3).
    وكانت المحنة مستمرّة ، والضيق على أصحاب القول بعدم خلق القرآن متواصلاً إلى أن وافاه الأجل ومات الواثق عام 232.
    وقد اتّفقت كلمة أهل السّير على أنّ الخلفاء كانوا يلعبون بحبال عدّة من المعتزلة الّذين كسبوا منزلة عظيمة لدى الخلفاء ، وهم ثمامة بن أشرس و أحمد بن أبي دؤاد الزيّات و غيرهم. وبموت الخليفة و تسنّم ابنه المتوكّل على الخلافة ، غاب نجم المعتزلة و انحدروا من الأوج إلى الحضيض و من العزِّ إلى الذّلّة ، وإليك هذا القسم من التّاريخ.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ تاريخ الطبري: ج 7 ، حوادث سنة 231 ، ص 328 ، 329.
    2 ـ المصدر السابق: ص 331.
    3 ـ المصدر السابق: ص 332.


--------------------------------------------------------------------------------

(454)

قصّة المحنة و خلافة المتوكّل
    قضى الواثق نحبه و قام مقامه المتوكّل و أمر الناس بترك النظر و البحث والجدال و ترك ما كانوا عليه في أيّام الخلفاء الثلاث: المأمون و المعتصم والواثق ، وأمر شيخ المحدِّثين بالتحديث و إظهار السنّة (1).
    قال اليعقوبي: « نهى المتوكِّل النّاس عن الكلام في القرآن و أطلق من كان في السّجون من أهل البلدان ، ومن أخذ في خلافة الواثق ، فخلاّهم جميعاً و كساهم ، وكتب إلى الآفاق كتباً ينهي عن المناظرة و الجدل » (2).
    هذه هي الضّربة الأُولى الّتي وجّهها المتوكِّل إلى المعتزلة ، وأقفل باب البحث والمناظرة الّذي كان لصالح المعتزلة على ضدِّ أهل الحديث ، حيث كان المعتزلة يتفوّقون على خصمائهم في مجال النِّقاش. ومع ذلك كلّه لم يكن ذلك ضربة قاضية لنظام الاعتزال ، ولأجل ذلك لم يعزل أحمد بن دؤاد عن قضاء القضاة ولا عن مظالم العسكر ، بل أبقاه على منصبه إلى أن عجز عن القيام بالعمل لإصابته بالفالج عام 233 و اختار بعده ولده محمّد بن أحمد.
    يقول الخطيب: « فلمّا فلج أحمد بن أبي دؤاد في جمادي الآخرة سنة 233... ولّى المتوكِّل ابنه محمّد بن أحمد أبا الوليد القضاء و مظالم العسكر مكان أبيه » (3).
    ومن المعلوم أن أحمد بن أبي دؤاد هو العامل المؤثِّر في دعوة الخلفاء على ضدِّ أهل الحديث القائلين بقدم القرآن أو كونه غير مخلوق.
    ويظهر من ابن الجوزي في كتاب مناقب الإمام أحمد أنّ المتوكِّل وجّه إلى المعتزلة ضربة ثانية مؤثِّرة في إبعادهم عن ساحة المساجد والمدارس وإشخاص أهل الحديث


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ مروج الذهب: ج 4 ، ص 1.
    2 ـ تاريخ اليعقوبي: ج 2 ، ص 484 ـ 485.
    3 ـ تاريخ بغداد: ج 1 ، ص 298.


--------------------------------------------------------------------------------

(455)

    ودعوتهم إليها. يقول: « في سنة 234 أشخص المتوكِّل الفقهاء و المحدِّثين ، وأمرهم أن يجلسوا للنّاس و أن يحدِّثوا بالأحاديث فيها الردّ على المعتزلة والجهميّة ، وأن يحدِّثوا في الرّؤية ، فجلس عثمان بن أبي شيبة فى مدينة المنصور ، ووضع له منبر و اجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً من الناس ، وجلس أبوبكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة و اجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً » (1).
    والتّاريخ يعرب عن شدّة تفاقم أمر المعتزلة سنة بعد سنة وانجذاب المتوكِّل إلى أهل الحديث ، وتخطئة عمل أبيه الواثق ، حيث إنّ أباه قتل بسيفه أحمد بن نصر لأجل قوله بعدم خلق القرآن وصلبه و كانت جثّته باقية على الصّليب إلى عام 237 ، ولكنّ المتوكِّل أمر بإنزال جثّته وهو نوع تخطئة لعمل أبيه أوّلاً ، وإمضاء لمنهج أهل الحديث ثانياً.
    يقول الطبري: « وقد كان المتوكِّل لمّا أفضت إليه الخلافة ، نهى عن الجدال في القرآن وغيره ، ونفذت كتبه بذلك إلى الآفاق ، وهمّ بإنزال أحمد بن نصر عن خشبته ، فاجتمع الغوغاء و الرّعاع إلى موضع تلك الخشبة و كثروا و تكلّموا ، فبلغ ذلك المتوكّل ، فوجّه إليهم نصربن اللّيث ، فأخذ منهم نحواً من عشرين رجلاً فضربهم و حبسهم ، وترك إنزال جثّة أحمد بن نصر من خشبته لما بلغه من تكثير العامّة في أمره ، وبقي الّذين أُخِذوا بسببه في الحبس حيناً... فلمّا دفع بدنه إلى أوليائه في الوقت الّذي ذكرت ، حمله ابن أخيه موسى إلى ( بغداد ) وغسل ودفن و ضمّ رأسه إلى بدنه » (2).
    ومع ذلك لم يكتف في قطع جذور المعتزلة عن بلاطه و صار بصدد الانتقام من آل ابن أبي دؤاد. يقول الطبري: « وفي سنة 237 غضب المتوكِّل على ابن أبي دؤاد و أمر بالتّوكيل على ضياع أحمد بن أبي دؤاد لخمس بقين من صفر ، وحبس يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الأوّل ابنه أبا الوليد محمّد بن أحمد بن أبي دؤاد في ديوان الخراج


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ مناقب الامام أحمد: ص 375 ـ 385.
    2 ـ تاريخ الطبري: ج 7 ، حوادث سنة 237 ، ص 368 ـ 369.


--------------------------------------------------------------------------------

(456)

    وحبس إخوته عند عبيد الله بن السريّ خليفة صاحب الشرطة » (1).
    والظّاهر من الخطيب في تاريخه أنّ عزل محمّد بن أحمد كان يوم الأربعاء بعشر بقين من صفر سنة 240 وصُدرت أمواله ، ومات أبو الوليد محمّد بن أحمد ببغداد في ذي القعدة سنة 240 ومات أبوه أحمد بعده بعشرين يوماً (2).
    ثمّ إنّ إبعاد المعتزلة عن ساحة القدرة فسح للشعب إظهار حقده و إبداء كامل غيظه في مناسبات شتّى. منها ما عرفت عند إنزال جثّة أحمد بن نصر ، ومنها ما فعلوه في تشييع جنازة أحمد بن حنبل ، فقد شيّعه جماعة كثيرة و إن غالى ابن الجوزي ـ كما هو شأنهـ في حقِّ إمامه وقال: « وعن بعض الشهود أنّه مكث طول الأسبوع رجاء أن يصل إلى القبر فلم يتمكّن إلاّ بشقِّ النّفس لكثرة ازدحام النّاس عليه » (3). وأخذ الشعراء يهجون المعتزلة. يقول شاعرهم:

أفلت سعود نجومك ابن دؤاد فرحت بمصرعك البريّة كلّها كم من كريمة معشر أرملتَها كم مجلس لله قد عطّلتَه كم من مساجد قد منعتَ قضاتها كم من مصابيح لها أطفأتها
 
 و بدتْ نحوسك في جميع إياد من كان منها موقتاً بمعاد و محدِّث أوثقتَ بالأقياد كيلا يحدّث فيه بالاسناد من أن يعدّل شاهد برشاد كيما تزلّ عن الطّريق الهادي (4)
 

    وأخذ أهل الحديث يجلسون في المساجد و يروون الأحاديث ضدّ الاعتزال ويكفّرون المعتزلة. سأل أحدهم أحمد بن حنبل عمّن يقول إنّ القرآن مخلوق ، فقال: كافر. قال: فابن دؤاد؟ قال كافر بالله العظيم (5).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ تاريخ الطبري: ج 7 ، حوادث سنة 237 ، ص 367 ـ 368.
    2 ـ تاريخ بغداد: ج 1 ، ص 298 ، ولاحظ الكامل لابن الاثير ج 5 ، حوادث سنة 240 ، ص 294.
    3 ـ مناقب الامام أحمد: ص 418.
    4 ـ تاريخ بغداد: ج 4 ، ص 155.
    5 ـ تاريخ بغداد: ج 3 ، ص 285.


--------------------------------------------------------------------------------

(457)

    عند ذلك شعرت المعتزلة بأنّ الظّروف قاسية و أنّ السّلطة والأكثريّة الساحقة من أهل السنّة يريدون أن يقضوا عليهم و يشفوا غيظ صدورهم منهم ، ومع ذلك كلّه كانت عندهم طاقة يردّون بها عن أنفسهم الّتي رشقوا بها و يتمسّكون بكلِّ طحلب وحشيش.فقام الجاحظ أحد أُدباء المعتزلة فألّف كتاباً باسم « فضيلة المعتزلة » فأثنى عليهم و عدّ فضائلهم وكان الكتاب من حيث الصياغة والتعبير بمكان توجّهت إليه أبصار الخاصة والعامّة ، و بالتّالي ظهر عليه ردّ أو ردود ، أشهرها ما كتبه أحمد بن يحيى الراوندي ( م 345هـ ) الّذي كان من المعتزلة ، ثمّ رجع عنهم فألّف كتابه « فضيحة المعتزلة » ولم يبرح زمان حتّى جاء أبو الحسين عبدالرحمن بن محمّد بن عثمان الخيّاط فألّف « الانتصار » انتصر فيه للجاحظ على ابن الرّاوندي والموجود من هذه الكتب الثّلاثة هو الأخير.
    ثمّ إنّ ممّا أعان على انقراضهم هو تشتّت مذاهبهم و فرقهم ، فإنّ القوم تفرّقوا إلى مدرستين ، مدرسة معتزلة بغداد و مدرسة معتزلة البصرة ، ولم تكن حتّى في نفس كلِّ واحدة منهما وحدة في التّفكير ، فصاروا فرقاً ينوف على العشرين و عند ذلك بلغوا الى درجة من الضّعف والانحلال ، وإن كان ينجم بينهم رجال مفكّرون كأبي عليّ الجبائي ( م 303هـ ) و ولده أبي هاشم ( م 321هـ ).
    وجاءت الضّربة الأخيرة من جانب أبي الحسن الأشعريّ الّذي كان ربيب أبي عليّ الجبّائي و تلميذه ، ورجوعه عن الاعتزال بالتحاقه بأهل الحديث ، فقد رقى في البصرة يوم الجمعة كرسيّاً و نادى بأعلى صوته: « من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا اعرّفه بنفسي أنا فلان بن فلان ، كنت أقول بخلق القرآن ، وأنّ الله لا تراه الأبصار ، وأنّ أفعال الشّرّ أنا أفعلها و أنا تائب مقلع ، معتقد للردّ على المعتزلة ، مخرج لفضائحهم ومعايبهم » (1).
    فقد كان لرجوع من كان من أكابر تلاميذ أبي عليّ الجبّائي أثر بارز في النّفوس


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ فهرس ابن النديم ، الفن الثالث من المقالة الخامسة ص 231 ، ووفيات الاعيان ، ج 3 ، ص 275.


--------------------------------------------------------------------------------

(458)

    وبذلك أخذ الدهر يقلب عليهم ظهر المجنّ ، تقلّب لجّة البحر بالسفن المشحونة والفلك المصنوعة ، بين بالغ إلى ساحل النّجاة و هالك في أمواج الدّهر. هذا هو القادر بالله أحد خلفاء العبّاسيين قام في سنة ( 408 هـ ) بنفس العمل الّذي قامت به المعتزلة في عصر المعتصم والواثق. يقول الحافظ ابن كثير: « وفي سنة ( 408 هـ ) ، استتاب القادر بالله الخليفة فقهاء المعتزلة فأظهروا الرّجوع و تبرّأوا من الاعتزال و الرفض والمقالات المخالفة للإسلام ، وأخذت خطوطهم بذلك و أنّهم متى خالفوا أحلّ فيهم من النّكال والعقوبة ما يتّعظ به أمثالهم ، وامتثل محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك واستنّ بسنّته في أعماله الّتي استخلفه عليها من بلاد خراسان و غيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيليّة والقرامطة والجهميّة والمشبّهة و صلبهم و حبسهم و نفاهم وأمر بلعنهم على المنابر وأبعد جميع طوائف أهل البدع و نفاهم عن ديارهم وصار ذلك سنّة في الإسلام » (1).
    قال الخطيب: « وصنّف القادر بالله كتاباً في الأُصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث و أورد في كتابه فضائل عمر بن عبدالعزيز و إكفار المعتزلة و القائلين بخلق القرآن وكان الكتاب يقرأ كلّ جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي و يحضر النّاس سماعه » (2).
    أقول: وهذا الكتاب هو المعروف « بالبيان القادري » وصار هذا الكتاب محوراً لتمييز الحقِّ عن الباطل و الصّحيح عن الزّائف.
    وقال ابن الجزري في حوادث سنة ( 420 هـ ) : « ولمّا ملك محمود بن سبكتكين الريّ.. نفى المعتزلة إلى خراسان و أحرق كتب الفلسفة و مذاهب الاعتزال والنّجوم و أخذ من الكتب ما سوى ذلك مائة حمل » (3).


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ البداية والنهاية: ج12 ص6.
    2 ـ تاريخ بغداد: ج 4 ، ص 37 و 38.
    3 ـ الكامل: ج 7 ، حوادث سنة 420.


--------------------------------------------------------------------------------

(459)

    وقال ابن كثير في حوادث سنة ( 456هـ ) ناقلاً عن ابن الجوزي: « وفي يوم الجمعة ثاني عشر شعبان هجم قوم من أصحاب عبدالصمد على أبي عليّ بن الوليد المدرس للمعتزلة فسبّوه وشتموه لامتناعه من الصلاة في الجامع و تدريسه للنّاس بهذا المذهب و أهانوه و جرّوه ولعنت المعتزلة في جامع المنصور و جلس أبو سعيد بن أبي عمامة وجعل يلعن المعتزلة » (1).
    وقال في حوادث سنة ( 477 هـ ) : « إنّ أبا عليّ بن الوليد شيخ المعتزلة كان مدرّساً لهم فأنكر أهل السنّة عليه فلزم بيته خمسين سنة إلى أن توفّي في ذي الحجّة منها ».
    ويقول أيضاً في حوادث ( 461 هـ ) : « وفيها نقمت الحنابلة على الشيخ أبي الوفاء عليّ بن عقيل وهو من كبرائهم بتردّده إلى أبي عليّ بن الوليد المتكلّم المعتزلي واتّهموه بالاعتزال » (2).
    ويقول في حوادث سنة ( 465 هـ ) : « وفي يوم الخميس حادي عشر المحرّم حضر إلى الديوان أبو الوفاء عليّ بن محمّد بن عقيل العقيلي الحنبلي وقد كتب على نفسه كتاباً يتضمّن توبته من الاعتزال » (3).
    وبذلك حقّق التّاريخ السنّة المعروفة « كما تدين تدان » وأخذت الطّائفتان ، الحنابلة والمعتزلة يتصارعان و يقتتلان قتال موت أو حياة ، فصارالانتصار لأصحاب الحديث ، والهلاك والاضطهاد للمعتزلة ، فلم يظهر بعد هذه القرون إلاّ آحاد ينجمون في الفينة بعد الفينة والفترة بعد الفترة لا تجد لهم ذكراً بارزاً في ثنايا التاريخ.
    إنّ تكامل الأُمم و بلوغها الذّروة من العظمة ، ثمّ انحدارها إلى هاوية الضعف والانحلال سنّة إلهيّة قضى بها على جميع الأُمم ، فلم يكن ارتقاء المعتزلة بلا سبب ، كما أنّه لم يكن ضعفهم بلا علّة. فيجب على الباحث المتأمِّل في ثنايا القضايا التّاريخية تحليل هذه الظاهرة تحليلاً علميّاً يوافق الأُصول المسلّمة في تحليل هذه المباحث.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ البداية والنهاية: الجزء 12 ، ص 91.
    2 ـ المصدر نفسه: ص 98 و 105.
    3 ـ المصدر نفسه: ص 98 و 105.


--------------------------------------------------------------------------------

(460)

    أقول: إنّ المعتزلة لم يسقطوا سياسيّاً فحسب ، بل سقطوا فكريّاً ، فلا تسمع بعد أبي هاشم الجبائي ( م 321هـ ) في القرن الرابع ، وبعد القاضي عبدالجبّار ( م 415هـ ) في القرن الخامس ، مفكّراً قويّاً في المسائل الكلاميّة ، يوازي المتقدّمين منهم مثل أبي هذيل العلاّف ، والنّظام. بل أكثر ما قام به المتأخّرون بعد القاضي لا يتجاوز عن تبيين المذهب و توضيح صياغته من دون تأسيس قاعدة أو أصل في المجالات الكلاميّة.
    والظّاهر أنّه لم يكن لسقوطهم سبب واحد ، بل يستند انحلالهم إلى أسباب متعدّدة أدّت بهم إلى الهلاك والدمار والانقراض إلاّ في نقاط خاصّة كاليمن و غيرها.
    وها إليك بيان الأُمور الّتي سبّبت سقوطهم:
    1 ـ إنّ مذهب السنّة بمفهومه الحقيقي ، يبتني على عدالة الصحابة أجمعين وإجلالهم ، بل على تعديل السلف من التّابعين وتابعي التّابعين في الأقوال والأفعال ، كيف وهؤلاء عند أهل السنّة عمد المذهب ، الّتي قام عليها صرحه. وجرح واحد من الصّحابة أو ترك قوله ، إخلال في الأساس ، وهو ما لا يقبله المذهب بتاتاً. فلأجل ذلك ترى أنّ أهل السنّة ، يقدِّسون السلف و يكسونهم حلية العدالة الّتي لا تقلُّ عن العصمة في حقِّ النّبي الأكرم والعترة الطاهرة ( عليهم السلام ) عندالشيعة. وما هذا إلاّ لأنّ المذهب مبنيّ على تلك الأُسس من أوّل يوم اجتمعوا فيه لاختيار خليفة للرّسول إلى يومنا هذا.
    فمع أنّ كثيراً من المفكِّرين منهم يتلون كتاب الله الصّريح في التنديد ببعض الصحابة ، و يقرأون الصحاح والمسانيد الصّريحة في ارتداد الكثير منهم بعد رحلة النّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ويقلبون التاريخ ظهر المِجنّ ، فيشاهدون فيه موبقات بعض الصحابة وخداعهم و ضلالهم ، مع ذلك كلِّه لا ينبسون فيهم ببنت شفة و يحكِّمون الأصل على هذه المعارف الصحيحة. وهذه قاصمة للمذهب السنّي بالمعنى الحقيقي. هذا من جانب.
    ومن جانب آخر ، إنّ المعتزلة كانوا منتمين لأهل السنّة ، وفي الوقت نفسه كانوا

(461)

    يعطون للعقل قسطاً أوفر و يقدِّمونه على النّصوص الواردة في الصِّحاح والمسانيد عن الصحابة والتابعين. مثلاً إنّ النّصوص النبويّة الّتي يرويها المحدِّثون من أهل السنّة تركِّز على التجسيم والرؤية والتشبيه والجبر وسلب الاختيار عن الإنسان ، فمعنى كون الفرقة فرقة سنّية ، تكريم هذه الأُصول والأحاديث وعدم الخروج عن خطوطها ، ولكنّهم مع الانتماء واجهوا هذه النّصوص بشدّة و قسوة ، فأخذوا يردّونها و يضربونها عرض الجدار ، وهذان لا يجتمعان.
    فكون الإنسان مقتفياً لمذهب أهل السنّة لا ينفكّ عن اقتفاء هذه الآثار و عدم التخطّي عنها ، والثورة على هذه النّصوص ، إمحاء لمذهب السنّة وهدم لأُسسه ، فكيف يجتمعان. فلازم ذلك أنّهم صاروا يتبنّون مبدأين متناقضين يضربون بواحد منهما المبدأ الآخر.
    فالحقّ أنّ التسنّن بالمعنى الصحيح هو ما كان عليه أحمد بن حنبل و نظراؤه من الجمود على الظواهر ، والأخذ في الصفات الخبريّة بالمعنى الحرفي ، و رفض العقل والبرهان في مجالي العقائد والأحكام ، وترك التفكير والتعقّل في المعارف ، وهذا هو الخطّ السنّي الحقيقيّ الّذي عليه و هّابية اليوم في نجد والحجاز ، فمن أراد الانتماء إلى هذا المذهب ، يجب أن يسلك هذا الطريق و يترك التفكّر والبرهنة في جميع المجالات ، ومن جمع بينهما فقد جمع بين الضدّين والنقيضين.
    إنّا نرى أنّ الشيخ أبا الحسن الأشعريّ بعد ما تاب والتحق بالحنابلة ، وحاول إثبات عقائد أهل الحديث بالبرهنة والدليل ، قابله إنكار شديد من قبل الحنابلة ، ولأجل ذلك لم يترجموه في طبقاتهم ولا عدّوه من أنفسهم ، بل استنكر « البر بهاري » رئيس حنابلة بغداد طريقته بأنّه يتجاوز في طرح الأُصول والعقائد عن النّصوص ويدخل في باب الدليل والبرهان ، وقد صار ذلك سبباً لحدوث مخاصمة شديدة بين الحنابلة والأشاعرة على مدى القرون.
    وقد عرفت في الجزء الثاني شكوى الأشاعرة من المتوسّمين بالحنبليّة ، وما هذا إلاّ


--------------------------------------------------------------------------------

(462)

    لأنّ خطّ الحنابلة خطّ الرواية عن التّابعين والصحابة والاقتفاء بهم من دون أن يقيموا للعقل وزناً ، وهذا على طرف النقيض من كتب الإمام الأشعري ( سوى الابانة ) وكتب أئمّة الأشاعرة ، فإنّها مشحونة بالاستدلال العقليّ على العقائد وإن كان لصالح آراء أهل الحديث.
    وفي ضوء ذلك تقف على أنّ موضع المعتزلة من المجتمع السنّي موضع الرقعة من اللّباس ، فكانوا من أهل السنّة و يدّعون الانتماء إليهم ، غير أنّ أهل السنّة لا يقبلونهم وهذا وحده يكفي في سقوطهم من أعين العامّة و أوساط الناس.
    2 ـ كان لأصحاب الحديث ـ بما أنّهم حفظة السنّة و علماء الدين ـ نفاذ عجيب في نفوس العامّة و كان ذلك كافياً في إثارة سخطهم على المعتزلة ، لأنّهم ما زالوا يذكرونهم على صهوات المنابر وأندية الوعظ والإرشاد بالالحاد ورفض السنّة و مخالفة الدين ، ولم تكن الوقيعة فيهم منحصرة بيوم أو شهر أو سنة ، بل امتدّت طوال قرون في العواصم الإسلاميّة حتّى أيقن بسطاء الأُمّة بل علماؤهم بأنّ الاعتزال خروج على الدّين باسم الدّين ومحو للسنّة باسم البرهنة بالعقل. وكفى هذا في إبعاد المعتزلة عن ساحة المجتمع و إسقاطهم عن أعين النّاس والهجوم عليهم وعلى أموالهم إذا أتيحت للنّاس الفرصة و وافقت عليه السّلطة الحاكمة.
    3 ـ إنّ المعتزلة كانوا يتبنّون عقائد تخدش عواطف العامّة بخلاف أهل الحديث ، فقد كانوا يتبنّون ما يوافق أفكارهم و مصالحهم في الدّنيا و الآخرة ، فأهل الحديث كانوا يدّعون بأنّ شفاعة الشّافعين تعمّ العادل والفاسق و أنّ رسول الله ادّخرها للمذنبين من أُمّته و مثل هذا يوجب التفاف عامّة الناس حول رايتهم ، وهذا بخلاف ما يتبنّاه المعتزلة ، فإنّهم يقولون بأنّها لا تشمل إلاّ صلحاء الأُمّة ، والغرض منها رفع الدّرجة لاإمحاء الذّنوب. فأىُّ العقيدتين أولى بأن تتّبع عند عامّة النّاس؟
    إنّ أهل الحديث يقولون بأنّ الخلود في النّار يختصّ بالكافر ، والمؤمن وإن كان فاسقاً لا يخلّد و إن مات بلا توبة.


--------------------------------------------------------------------------------

(463)

    وهذا بخلاف ما يقوله المعتزلة من خلود مرتكبي الكبائر في النّار إذا ماتوا بلا توبة. فكان لفكرة أهل الحديث جاذبيّة تضمّ العامّة إليهم و هذا بخلاف ما تقوله المعتزلة.
    4 ـ إنّ نجم المعتزلة أفل بعد الواثق عند ما تسنّم المتوكِّل منصّة الخلافة ، فعند ذلك صارت السلطة الحكوميّة سيفاً مصلتاً فوق رقابهم و شبحاً مرعباً يلاحقهم بعد ما كانت أداة طيّعة لهم ، والنّاس على دين ملوكهم وسلاطينهم ، ثمّ اشتدّ غضب الخلفاء عليهم على مرِّ الزمن ، فصار ذلك سبباً لذبح المعتزلة تحت كلّ حجر و مدر ، وقد استغلّ أهل الحديث والحنابلة غضب السّلطة على المعتزلة وقادوهم إلى الحدّ الّذي عرفت من النكاية.
    5 ـ إنّ المعتزلة قد اشتهروا بالقول بحريّة الفرد في أعماله و كانوا يدافعون عن حريّة الإنسان و احترام العقل ، وهذا لا يجتمع مع ما ارتكبوه في أيّام الخلفاء الثلاث ، فناقضوا بذلك أنفسهم و عارضوا تعاليمهم و أظهروا أنّهم لا يقدرون العقل حقّ قدره ، فإذا كانت الحريّة تفرض على المعتزلة أن يدينوا بخلق القرآن ، فهذا بنفسه يفرض عليهم أن لا يسوقوا النّاس بالجبر والحبس والضّرب على الاعتراف بخلق القرآن ، وغاية ما كان على المعتزلة تشكيل أندية الوعظ والارشاد والجدال الصحيح حتّى يتمّوا الحجّة على متحرّي الحقيقة أخذاً بقوله سبحانه: ( اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِين ) (1).
    وأين هذا من الاصرار على تبديل السّرائر والحكومة على الضمائر و فرض العقيدة بالجبر والضّرب؟ « إنّ الحركة الفلسفيّة العلميّة الّتي بدأت تتقوّى و تنتشر بيد المعتزلة وأخذت تلقى أنصاراً و أعواناً ، لو تركت تسير في مجراها الطبيعي ، لاستطاعت أن تقضي على الرّوح الرجعية في الأُمّة على قوّتها و عنفها. ولكتب لها الفوز والنجاح ، ولكنّ


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ سورة النحل / 125.


--------------------------------------------------------------------------------

(464)

    المعتزلة استبقوا الزمن واستعجلوا الأُمور ، فأرادوا في زمن دولتهم أن يحقِّقوا ما لا يتحقّق إلا بالاقناع ، وأن ينجزوا في برهة و جيزة ما قد يتطلّب قروناً » (1).
    6 ـ إنّ صمود أحمد بن حنبل في طريق عقيدته أضفى له عند الأُمّة بطولة في طريق حفظ السنّة وجعل منه أُسطورة للدّفاع عن العقائد و قبول الاضطهاد في طريق الدّين ولمّا أفرج عنه التفّ النّاس حوله واندفعوا يحاربون أعداءه و يكيدون لهم ، ولم يبرح في الإجهار على ضدّ المعتزلة و إثارة النّاس عليهم.
    7 ـ إنّ الرجعيّة كانت متأصّلة في نفوس العامّة ، متحكّمة في كثير من العلماء وكانوا لا يرغبون في مخالفة السلف قدر شعرة ، وهذا أوجب انتصار أهل الحديث على أهل العقل والاستدلال ، وكان عمل المعتزلة مثيراً لروح التعصّب فيهم أزيد ممّا كانوا عليه ، ولعلّهم كانوا يتقرّبون في ضربهم و شتمهم و قتلهم إلى الله.
    8 ـ وقد كان للشّيخ أبي الحسن الأشعري دور مؤثّر في تأليب العامّة و الخاصّة على المعتزلة ، فإنّه كان معتزليّاً عارفاً بسلاح العقل والمنطق. فقد رجع عن المعتزلة لأجل أنّه رأى الهوّة السحيقة بين أهل السنّة و أهل الاعتزال ، فأراد أن يتّخذ طريقاً وسطاً بين المذهبين ، ولكنّه بدلاً من أن يستعمل ذلك السِّلاح في نصرة الدّين قام بمقاومة الاعتزال وهدمه ، ولم يفعل ذلك إلاّ مجاراة للرأي العامّ و طمعاً في كسب عطفهم و تأييدهم ، وبالتالي خضع للقوى الرجعية إلى حدّ كبير ، فأمضى كلّ ما كان عليه الحنابلة من مسألة القدر والرّؤية بحرفيتّها.
    9 ـ إنّ جنوح السّلطة إلى أصحاب الحديث من عصر المتوكِّل إلى آخر العبّاسيّين وتولّيهم عن المعتزلة دعاة العدل والتّوحيد ، لم يكن خالياً عن الأهداف السياسيّة الّتي كانت لمصالح عروشهم وحكومتهم ، لأنّ من مبادىء أهل الحديث وجوب إطاعة السّلطان الجائر و حرمة الخروج عليه و وجوب الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر إلى غير ذلك من الأحكام الّتي ذكرها إمام الحنابلة في عقيدة أهل الحديث ، ومن المعلوم أنّ هذا هو ما تتوخّاه السّلطة ، فإنّ في ذلك دعماً لجورها و استبدادها.
    وأين هذا من القول بالعدل والدعوة إلى التفكّر و وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و وجوب الخروج على السلطان الجائر و نصب الإمام العادل ، إلى غير ذلك من الأُصول الّتي كانت المعتزلة تتبنّاه ولم تكن لصالح الحكومة.
    هذا و ذاك صار سبباً لرجوع السّلطة إلى أهل الحديث و تقديمهم على المعتزلة.
    10 ـ إنّ للّه سبحانه سنّة في الأقوام و الأُمم عبّر عنها في الكتاب العزيز بقوله:
( وتلك الأيّام نداولها بين النّاس ) ( آل عمران / 140 ) فلا ترى أُمّة في ذروة العزِّ دائماً ولا في حضيض الذلّ كذلك. نعم لتحقّق السنّة و تبلورها في المجتمع أسباب وعلل ربّما يكون ما ذكرنا من الأسباب بعضها.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ المعتزلة لحسن زهدي جار الله: ص 252.


--------------------------------------------------------------------------------

(465)

2 ـ الآثار الباقية من المعتزلة. (1)
    كان مشايخ الاعتزال و أئمّتهم ذوي قرائح خصبة ، وكفاءات خاصّة في نضد القريض و ارتجال الخطب. فكان إلقاء الكلام على الوجه البليغ ، المطابق لمقتضى الحال ، أحد أسلحتهم الفتّاكة في باب المناظرة. ومن المحتمل أيضاً أنّ تسمية علم الكلام به لأنّ المعتزلة هم الأُسس لتدوين علم الكلام بين أهل السنّة ، وبما أنّهم قد بلغوا الذّروة والسّنام في البلاغة والفصاحة و إلقاء الكلام ، سمّيت صناعتهم بأوصافهم و خصوصيّاتهم ، فأطلقوا على منهجهم الفكري لفظ الكلام و علمه. ويظهر ذلك من الرّجوع إلى تاريخ حياتهم ، وقد عرفت أنّ واصل بن عطاء مع أنّه كان به لثغة بالرّاء ولكن كان يتجنّب عن الراء في خطبه ، فيتكلّم بالقمح مكان البُرّ ، والغيث مكان المطر. ولم يكن التفوّق في البلاغة مختصّاً به ، بل هو الغالب على أئمّة المعتزلة. فلا عجب لأن يتركوا كتباً قيّمةً في مجالات العقيدة والأدب والتفسير ، غير أنّ الدهر لعب بكتبهم ،


--------------------------------------------------------------------------------

1 ـ هذا هو البحث الثاني الذي وعدنا به في صدر خاتمة المطاف.


--------------------------------------------------------------------------------

(466)

    وأعان على حرقها و إعدامها خصماؤهم ، فلم يصل إلينا إلاّ النّزر القليل الّذي حفظته الصدفة. و نذكر من آثار المعتزلة ما طبع و نشر ، وأمّا المخطوطة منها الموجودة في المكتبات العالميّة فهي على عاتق الفهارس ، ولو قمنا به لطال بنا المقام فنذكر المطبوع حسب التّسلسل التّاريخي للتأليف.
    1 ـ « المعيار والموازنة » لأبي جعفر الاسكافي ( م 240 ) ، في فضائل الإمام أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ تحقيق محمد باقر المحمودي ، طبع في بيروت / 1402.
    2 ـ « درّة التنزيل و غرّة التأويل » له أيضاً طبع في مطبعة السعادة ، عام ( 1326هـ ).
    3 ـ « البيان و التبيين » لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( م 255هـ ) في أربعة أجزاء ، طبع عدّة مرّات ، آخرها طبعة دار الفكر عام 1968.
    4 ـ « المحاسن والاضداد » له أيضاً طبع في القاهرة ( عام 1331هـ ).
    5 ـ « الفصول المختارة من كتب الجاحظ » جمعها الإمام عبيد الله بن حسّان ، طبع على هامش « الكامل » للمبّرد في القاهرة ، ( عام 1324هـ ).
    6 ـ « العثمانيّة » تحقيق محمّد هارون المصري طبع مصر ، واستقصى المحقّق ما بثّه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة من كتاب ( نقض العثمانية ) لأبي جعفر الاسكافي ، فجمعه وطبعه في آخر « العثمانيّة » فجاء الكتاب ونقضه في مجلّد واحد. وتعرّفت على شأن الكتاب في ترجمة الجاحظ.
    7 ـ « رسائل الجاحظ » في جزءين ، تحقيق عبدالسلام هارون ، طبع في القاهرة عام ( 1964م ).
    8 ـ « البخلاء » له أيضاً ، تحقيق طه الحاجزي ، طبع في مصر.
    9 ـ « الانتصار » في الردّ على ابن الرّاوندي ، تأليف أبي الحسين المعروف بالخيّاط ،


--------------------------------------------------------------------------------

(467)

    طبع مع مقدّمة و تحقيق وتعليق للدكتور نيبرج الاستاذ بجامعة ( آبسالة ) في ( مملكة السويد ). وفي آخره قائمة لفهرس الكتب المذكورة في هذا الكتاب أكثرها للمعتزلة يبلغ عددها أربعين كتاباً (1).
    10 ـ « فضل الاعتزال أو ذكر المعتزلة » لأبي القاسم البلخي ( م 317 أو 319 هـ ) تحقيق فؤاد سيّد ، طبع الدّار التونسية ، عام ( 1406هـ ).
    11 ـ « شرح الأُصول الخمسة » لقاضي القضاة عبدالجبّار بن أحمد ( 415هـ ). حقّقه وقدّم له الدّكتور عبدالكريم عثمان ، المطبوع بمصر ، عام ( 1364هـ ) ، في ( 804 ) صفحة وراء الفهارس وهو أجمع كتاب لتبيين الأُصول الخمسة الّتي تتبنّاها المعتزلة في مجال العقائد.
    12 ـ « المغني » له أيضاً ، وهو إملاء القاضي لتلاميذه ، وقد طبع منه لحدّ الآن أربعة عشر جزءاً وهو في عشرين جزءاً ، وقد اكتشفته البعثة العلميّة المصريّة باليمن ، وهو أبسط كتاب للمعتزلة في مجال الكلام ، والجزء الأخير منه في الإمامة ، الّذي نقضه السيّد المرتضى بكتاب أسماه ب ـ « الشافي » ولخّصة الشيخ الطُّوسي ، والأصل والملخّص مطبوعان.
    13 ـ « تنزيه القرآن عن المطاعن » طبع عن النسخة المخطوطة بدار الكتب المصريّة. له أيضاً ما يلي:
    14 ـ « متشابه القرآن » له في جزءين. طبع في القاهرة ، دار التراث ، تحقيق الدكتور عدنان زرزور.
    15 ـ « المجموع المحيط بالتكليف له ».
    16 ـ « المختصر في أُصول الدّين » من رسائل العدل والتوحيد تحقيق محمد عمارة.


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ الانتصار: قسم الفهرس ، ص 249 ـ 252.


--------------------------------------------------------------------------------

(468)

    17 ـ « طبقات المعتزلة » له أيضاً ، تحقيق فؤاد سيّد ، طبع الدار التونسية ، عام ( 1406هـ ).
    18 ـ « ديوان الأُصول في التوحيد » لأبي رشيد سعيد بن محمّد النيسابوري رئيس المعتزلة بعد القاضي عبدالجبّار ، طبع مصر ، عام ( 1968م ) ، تحقيق محمّد عبدالهادي أبو ريدة ، وقد تبعنا في نسبة الكتاب إليه ، رأي محقِّق الكتاب.
    19 ـ « الطبقتان الحادية عشرة والثانية عشرة من طبقات المعتزلة » لأبي السعد المحسن بن محمّد كلام الجشمي البيهقي ( م 494 هـ ) ، وكأنّه ذيل لكتاب « طبقات المعتزلة » للقاضي حيث ترجم فيه الطبقتين الحادية عشرة والثانية عشرة من المعتزلة ، تحقيق فؤاد سيّد ، طبع الدّار التونسية ، وهو جزء من كتابه « شرح العيون ».
    20 ـ « رسالة إبليس إلى إخوانه المناحيس » له أيضاً ، تحقيق حسين المدرسي الطباطبائي ، طبع عام ( 1406 ) ، وقد ألّفه بصورة روائيّة على النهج المعروف اليوم.
    21 ـ « تفسير الكشّاف » للشّيخ محمود بن عمر بن محمود الزمخشري ( م 538 هـ ) وقد طبع عدّة مرّات ، وهو أحد التفاسير الّتي يرجع إليها جميع المسلمين في الوقوف على بلاغة القرآن ، ولا يزال إلى اليوم ينظر إليه كأحد التفاسير المهمّة ، وقد أدرج في تفسيره حسب تناسب الآيات آراء المعتزلة و أخضع الآيات لتلك المبادىء. وله أيضاً ما يلي:
    22 ـ « أساس البلاغة » في اللّغة ، طبع في مصر.
    23 ـ « أطواق الذهب في المواعظ والخطب » تحتوي مائة مقالة في النصايح ، طبع في مصر و بيروت و استنبول.
    24 ـ « عجب العجاب في شرح لامية العرب » طبع في القاهرة و استنبول.
    25 ـ « الانموذج » طبع في ايران مع شرح عبدالغني الأردبيلي.
    26 ـ « الجبال و الأمكنة والمياه » طبع في ليدن.
    27 ـ « ربيع الأبرار و نصوص الأخبار ».
    28 ـ « الفائق في غريب الحديث » طبع في حيدرآباد.


--------------------------------------------------------------------------------

(469)

    29 ـ « الكلم النوابغ أو نوابغ الكلم » طبع في القاهرة و بيروت.
    30 ـ « المفصّل في صناعة الإعراب » طبع في مصر و غيرها.
    31 ـ « مقدّمة الأدب » في اللّغة ، طبع في ليبسيك.
    32 ـ « شرح نهج البلاغة » لعز الدين عبدالحميد بن أبي الحديد البغدادي المدائني ( م655هـ ) وهو أعظم الشّروح و أطولها و أشملها بالعلوم والآداب والتّاريخ والمعارف ، ألّفه لمؤيّد الدّين محمد بن أحمد بن العلقمي وزير المستعصم بالله آخر الخلفاء والملوك العبّاسيّين ، وكان له كتب فيها عشرة آلاف مجلّد من نفاس الكتب (1) طبع في عشرين جزءاً بتحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم في القاهرة.
    33 ـ « طبقات المعتزلة » لأحمد بن يحيى بن المرتضى أحد أئمّة الزّيدية ، ولد عام ( م 764هـ ) وتوفّي بظفار عام ( 840هـ ) ، وهو جزء من كتابه الآخر « المنية والأمل » في شرح كتاب الملل والنحل.
    34 ـ البحر الزخّار دورة فقهية على مذهب الإمام زيد طبع في ستة أجزاء.
    35 ـ « كتاب الأساس لعقائد الأكياس » تأليف القاسم بن محمّد بن علىّ الزيديّ العلويّ ( م 1029هـ ). حقّقه و قدّم له الدكتور البيرنصري نادر ، طبع دار الطليعة بيروت ، عام 1980.
    36 ـ « العلم الشامخ في إيثار الحقّ على الآباء والمشايخ » للشيخ صالح المقبلي ( م 1108 هـ ) ، طبع القاهرة عام ( 1331هـ ) (2).
    هذه هي المعتزلة و تأريخها ، هذه تعاليمها و مشايخها و آثارها ، فمن أراد الكتابة


--------------------------------------------------------------------------------

    1 ـ مقدمة نهج البلاغة ، بقلم المحقق.
    2 ـ ولعل الفائت منّي أكثر من المذكور ، والتكليف على حدّ المقدور ، وقد اكتفينا بذكر ما وقفنا على المطبوع من كتبهم ، أمّا المخطوط منها فحدّث عنه ولا حرج ، يقف عليها من راجع فهرس مخطوطات المكتبة المتوكلية في جامع صنعاء باليمن ، وقد صور أكثرها دار الكتب المصرية ونشر قسماً كبيراً منها.


--------------------------------------------------------------------------------

(470)

    عن المعتزلة فعليه الرجوع إلى هذه المصادر وإن كانت قليلة ، لكنّها تغنيه عن الرجوع إلى كتب خصمائهم كـ « الفرق بين الفرق » للبغدادي ، فإنّه أخذ ما أخذه عن خصمهم ابن الراونديّ فنسب إليهم فى كتابه فضائح لا يمكن الرّكون عليه ، فإنّ الخصم لا يصدّق في النّسبة والنقل.
    نعم ، كان انقراض المعتزلة انهزاماً لدعاة الحرّيّة و انتصاراً للتحجّر و تقوية لقوى الجهل والأُميّة ، ولو كانت الحرّيّة سائدة على الأُمّة الإسلاميّة لكان الوضع غير ما نشاهده بين الأُمّة ، والحكم لله العليّ القدير.
    بلغ الكلام إلى هنا و فرغنا من تأليف هذا الجزء و ترصيفه و تبييضه يوم الجمعة يوم تحرير القدس العالمي التاسع والعشرين من شهر رمضان من شهور عام 1409هـ / ق.

والحمدللّه أوّلاً و آخراً و ظاهراً و باطناً.

 


source : http://aqedaty.net
  2145
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      السيد محمد تقي الخونساري
      السيد محسن الأمين العاملي
      الشيخ عبد الحسين البغدادي
      الشيخ محمد جواد البلاغي
      السيد حسن الصدر
      المؤاخاة من السياسة الداخلية الحكيمة للرسول الأكرم ...
      كيف تكتب بحثا أو رسالة ماجستير أو دكتوراه
      الأدب النبوي
      ترتيلات عاشورائية.. وعطاءات المدرسة الحلِّية
      لغة القرآن إعراب سورة الكوثر

 
user comment