عربي
Thursday 27th of June 2019
  454
  0
  0

نسبية المعرفة والصوفية الجديدة لسروش

هذه المقالة اطلالة سريعة ومبسطة على نظرية ( القبض والبسط في الشريعة ) أو ( نسبية المعرفة الدينية ) والتي ظهرت في سلسلة مقالات في مجلة كيهان فرهنكي عام 1988 م لمبدعها الدكتور عبدالكريم سروش الذي هو اسم لامع في الساحة الثقافية الايرانية ، ومع جمالية أسلوبها واللفتات الدقيقة كان لتواليها النسبية الأثر الأكبر في حدوث تموجات ثقافية نقداً وقبولاً في الساحة الايرانية .

وبدءاً نشير لملاحظتين أساسييتين :-

أولا .. إن تقييم أي نظرية تتقاطع مع الدين يتكىء على رصد انطلاقها من ( النص ) أم عبر التلاقح الثقافي البشري وخبرة وإبداع صاحبها .

ثانيا .. دراسة المبررات التي تقف خلفها ، حيث يمكن الالتفات لتوضيح الأفكار في إطار صراع سياسي ولأيدلوجي ، فتحديد المبررات تتضح عبر دراسة نتائج المقولة الفكرية .

النظرية ..

عرض د. سروش نظريته في سلسلة مقالات ثم جمعها في كتاب ضخم وسنكتفي بالإشارة للعناوين ..

1/ الدين والمعرفة الدينية أمران متغايران

2/ الدين ثابت

3/ المعرفة الدينية معرفة بشرية

4/ المعارف البشرية مترابطة ومتداخلة وهي متغيرة .

وفي نهاية المطاف نرى ان معرفتنا بالدين معرفة متغيرة وغير ثابتة ، أي انعدام المرجعية ولا نهائية القراءة . ، وقد ضرب سروش مثالا للبند الأول وهو معرفة الطبيعة حيث العلم شيء وموضوعه شيء آخر ، ومع أن المثال غير دقيق إلا أنه كاف للبيان .

ثبات الدين ..

نلمح إلى أن ثبات الدين ضرورة دينية تشكل فاصلا بين ( الدخول والمروق ) لكنه ثابت عند سروش في ( اللوح المحفوظ ) ليس إلا ، وبيان هذا الثبات في اللوح عير الآتي :-

1/ تحولات العلوم تؤثر على المعرفة الدينية بناء على ترابطها بحسب سروش ، والعلوم المتداخلة بشكل أساسي في المعرفة الدينية على قسمين ، علوم تبين الدين بحد ذاته كعلم الحديث والرجال وتواتر القرآن والقراءات ، وأخرى تقدم فهما للدين ، ود. سروش يصرح بعدم ثبات المعرفة ( الفهم ) الدينية ولكنه يلمح أو لازم مقولاته عدم الثبات حتى في الدين ، إذ علم الحديث والرجال علم بشري متحول ومتغير ، أي أن الدين بحد ذاته ومتبدل ويبقى ثباته في ( اللوح المحفوظ ) .

2/ مع ملاحظة مقولة سروش ( وجوه الحاجة إلى الدين ) أي وظيفة الدين الأساسية ( الهداية والتشريع ) وليس الطب وأمثاله . ومع التسليم بوظيفة الدين الأساسية إلا انها مقولة ترمي إلى الاستغناء عن كل ما جاء في النصوص من ارشادات طبية مثلا وضم هذه المقولة إلى مقولة ( جوهر الدين وأصدافه ) والجوهر هي الأصداف العليا كالعبادة مثلا ، والأصداف هي الوسائل كالعبادات المحددة شرعا ( الصوم مثلا ) فعلى فرض بلاد نهارها ستة أشهر لما أمكن جعل رؤية الهلال مدارا للعبادات ومثل سائر الأحكام . ومع ان الإشارة إلى الجواهر ( الأهداف العليا ) ضرورية إلا أن الوسائل المحققة لها والمقررة شرعا ملزمة ، أما إذا لم تكن الوسائل مفصلة ( في الموسمات .. المتغيرات ) فلكلامه وجه لم يسلكه حتى نوحد له مخرجا ، وإلا لبحث في تأصيل القيم الشرعية بدلا من فرضية ( توقعنا نحن من الدين هي المائز للجوهر ) ثم لبحث في سبل تحديد الوسائل الثابتة ( الحدود والفرائض والمناسك ) وتجدر الاشارة مما سبق أن النسبية كما يطرحها سروش وإن تخلصت من النسبية الماركسية ( تغير الحقائق الموضوعية ) إلا أنها تماهت مع النسبيات التي أرجعت التبدلات لقصور في الادراك البشري ، نعم قد سلك مسلكا ( ألسنيا ) في تبرير النسبية .

واستند سروش إلى مقولة ترابط المعارف البشرية بشكل إن حدث أي تبدل في احدها أحدث تبدلا في الآخر واستند تفصيلا للبعد اللغوي بوصف ( النص ) هو الأساس في المعرفة الدينية .

فالمعرفة الدينية معرفة بشرية بوصفها ادراك بشري مما يجعلها مسرحا لكل الصفات الطبيعية البشرية ، ومن ثم ينطلق ليقرر ترابط العلوم من حيث النتائج بتوافقها أو بتناقضها وتكاملها مع أنها علوم مختلفة ، وهو واضح في تداخل علوم اللغة في المعرفة الدينية .

ولسنا في مقام تقييم تفصيلات النظرية ، لكن نقف عند محصلة هذه المقولة ( وهي علاقة المعارف البشرية بالمعرفة الدينية ) وقد طرح سروش أربع قنوات للتأثير ونلخصها في اثنتين :-

1/ دور المعارف البشرية في طرح الأسئلة على الدين ، وهذه المقولة مع صحتها في الجملة ، وهذا معنى ( استنطاق القرآن ) إلا أنها اطلاقية أحادية التأثير بناء على ( صمت الشريعة ) بحسب سروش خاطىء ، فالدين عنده لا يقدم معرفة إلا من خلال ( الأسئلة ) وهذا مع مخالفته للواقع إذ أنها رسالة تبشيرية ( فصمت الشريعة ) عند سروش لا تقف عند سلبية الدين ( سلخ الرسالية ) إن المعنى ( الفهم ) لا تنتجه مناهج موضوعية ثابتة ، بل هي صناعة ثقافة القارىء ونعود لهذه لاحقا ، ونلاحظ هنا :

- التفكيك بين الأسئلة والأجوبة فمع فرض كون أنها وليدة ثقافة العصر أي أن الثانية وليدة النص خلافا لسروش وهذا يتعلق بالظهور والدلالة .

- التوفيق بين المعارف الدينية وثقافى العصر ونخالف سروش في ان التوفيق ليس دائما لصالح الثقافة العصرية بناء على التفريق بين ( الظاهر ) و ( النص ) في الدين وبين ( الحقائق ) و ( النظريات ) في العلوم البشرية ، بل يمكننا القول أن ( التسليم ) وهو ركن أساسي في التدين يحدد تقديم المعرفة الدينية الواضحة على الثقافات البشرية مهما تنامى نفوذها ، ونشير من جهة ثانية أن هذه المقولة تكاد تنحصر في النصوص ذات طابع الاشارة للعلوم الطبيعية وغيرها من العلوم البشرية ( ليست من وظيفة الدين وتحديد مناهجها موكول للخبرة البشرية ) .

2/ المعارف البشرية ودورها في تطور الدلالة في النص ( الدين ) وبناء على عدم ثبات الظهور ( الدلالة ) وحجية الظهور وكلاهما صحيح لكنه لم يصل إلى نتيجة خاطئة مفادها أن التبدل الدلالي العارض للمفردات حجة في النص الديني فهذا أولا يلغي مراد المتكلم ويؤسس للعبثية والتهافت .نعم هذه المسألة بحاجة لتفصيل أكثر لا سعة للعجالة .

ونلفت للتالي :

- التفريق بين أسماء الأشياء الجزئية الخارجية (كالشمس) وبين أسماء المفاهيم والأشياء الغيبية (الغير حسية ) ففي الأولى يكفي العربي الأول معرفتها بالإشارة ( معرفة ناقصة ) وتنمو المعرفة مع تقدم العلوم البشرية ،أما الثانية مع القبول النسبي للرأي المقابل لسروش أي أن فهم العربي الأول هو الأساس ،إلا أنه غير كاف ، إذ إنما يفهمها العربي الأول عبر بيان ( الرسول المعلم ).

ونستطيع القول أن الدراسة الموضوعية لمفردات النص الديني (القرآن والسنة)يوضح معالم هذه المفردات فإذن لنا هنا ضابطة للغة في عصر النزول والدلالة المستحدثة والمكتشفة من النص .

- التفكيك بين المفردات والجمل ،حيث تنتمي الأولى للغة(المعاجم اللغوية) والثانية للثقافة ، وعليه يكون المعول في المفردات على ثقافة عصر النزول إن لم يثبت استحداث دلالة (كأسماء العبادات ) بينما تكون الجملة رهن الأفق العلمي المتاح للمتلقي حيث يعي مراد المتكلم .

درجات الوعي بالمفاهيم ليست دائما تتناقض ،بل هو بحسب مستويات الفهم البشري قد يتكامل ، أي ان كل درجة من الفهم زيادة في التفصيل والعمق والوضوح ، وكمثال إن معرفة الامام ( مفترض الطاعة ) قد تفهم في مستوى الظهور البسيط ، دون أن تتناقض مع الفهم العميق .

إن موضوعية الدلالة والمعنى أو ذاتية القارىء مفصل اساسي في الموضوع ، فسروش يرى تجدد المعنى وخلاقية القارىء للمعنى بحسب ثقافته هو ما يتيح للدين من تجدد ، بينما نرى أن اللغة كائن اجتماعي له معايير موضوعية يمكن غيرها ضبط الدلالة ، فإذن مع التسليم أن القارىء يأخذ من النص بقدر عقله لكن الحجة تكمن في الظهور النوعي المكون من اللغة ( المفردات وضوابط تركيب الجملة ) ومراد المتكلم ، كما ان الخبرة بموضوع الكلام ينتج اولا للمتلقي الفهم ، وهنا تتضح ضرورة ( الرسول المعلم ) .

كنا نأمل من سروش بذهنيته المثابرة ان يقيم نظريته من خصائص النص الديني حفظا للتناسب ناهيك عن شرعيته ، فمن المفارقات لعدم رعايته لخصوصية الدين كوحي إلهي جعل الدين حالة عبثية ، حيث لا يستطيع أن يقول لهم ما يريد أو يؤثر فيهم ، إذ البشرية يصوغون فهما له كما يريدون .إن نظريته أقامها على أسس واهية مع أنه قدم تحليلات جميلة في ثناياها جديرة بالاعجاب ونود هنا تسجيل ملاحظتين :_

الأولى : ان في حديث سروش عن تأثير المعارف البشرية على المعرفة الدينية أشار لتأثير العقد النفسية والثقافة البشرية على التفكير والادراك كحتميات ، والرؤية الدينية تراها تحديات لا حتميات بحيث يكون الانسان قادرا بعقله وإدراكه تجاوزها ولو بمعية التزكية وتذكير ( الرسول المعلم ) .

الثانية : أن مقولته تنطلق من ان الدين ( نص لغوي ) يكفي في الحصول على الفهم ( المعنى ) أن يكون الانسان عالما باللغة وهي مقولة مشتركة بين المبشرين بالمناهج الألسنية الغربية في عالمنا الاسلامي عبر مذاهبها المختلفة ، ولا ريب أن حذف المبادىء ( الفلسفية – المعارف ) عن دور الموجهات للنص التشريعي يجعل النص ضبابيا مفتوحا لكل قراءة سوى ما يريده الرب تعالى ، وتمسك سروش بتأثير المعارف البشرية على المعرفة الدينية تصنفه في المنهج التارخاني ظاهرا .

وأخيرا يمكن تسجيل انطباع رسم في المخيلة وهو ربط نسبية سروش بصوفية ابن عربي ، إلا أن صوفية سروش بثوب علماني ، حيث يشتركان في انه لا فرق بين أن تقول (الله خالق السماوات والأرض) كما يفهمها عامة الناس أو بمعنى (الله هو المادة في وحدة وجود ماركسية أو صوفية) ، لا فرق ما دامت ثقافة الانسان تصنع المعنى .

------------------


source : محمد صادق الموسوي
  454
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      الدول المسلمة تستعد لاستقبال شهر رمضان
      الشيخ محمد حسن نجف
      السيد محسن الأعرجي الكاظمي المعروف بالمحقق البغدادي
      الشهيد السيد محمد مهدي الخراساني المعروف بالشهيد ...
      حركة الإمام المهدي (عج) في سياق حركة التاريخ
      الأحاديث الشريفة عند المسلمين في الإمام المهدي (عج)
      ولادته (ع)
      فيما على الزّائر مراعاته
      في فضلِ زيارَته (عليه السلام)
      زيارة عاشوراء

 
user comment