عربي
Monday 17th of June 2019
  312
  0
  0

من أين تبدأ العبادة بصورة عامة؟

من أين تبدأ العبادة بصورة عامة؟

 تبدأ العبادة من الشعور بالفقد، وانفتاح فرصة الأخذ أخذاً لا عن مقاومة ولا مساومة، إنما عن تذلل واستكانة، وخضوع وتسليم. صاحب الشعور بالغنى لا يجد من شعوره هذا ما يقوم سببا لعبادة الغير. ولو كان شعور بفقر ليس معه شعور بغنى الغير، أو بعطائه، ودفعه ومنعه، وأن اللواذ به فيه حمى ولو من سطوته; لم يكن للمرء من شعوره ذاك بفقره ما يجعله يلوذ بالغير ويتطلب رضاه ولو بذلته، ومتابعة أمره ونهيه.

 

وحيث يكون الشعور بالفقد وانفتاح فرصة الأخذ لا يفرّق فيه ليضع صاحبه على طريق عبادة الغير، أن يكون تسرُّبه إلى النفس من وحي عقل أو وهم. فكلّما تمكّن الشعور في النفس بأن للغير جمالاً لا تجده، أو قوة لا تملكها، أو خيراً لا تتوفر عليه، أو وجوداً أكمل أو حياة أشد وأدوم مما هي عليه، وأنها لا تصل إلى شيء من ذلك إلاّ بموافقتها لارادته، والدخول في طاعته لم تمتنع من ذلك، ولم تتريث في قبوله. ومن أين لها أن تتمنع أو تتريث، والسبب في داخلها من حب الكمال والخير لذاتها قاض بأن تندفع في هذا الطريق؟!

 

نعم قد تنفصل في شعورها المصلحةُ عن الكمال، والخيرُ عن السمو، فتستبدلُ الذي هو أدنى بالذي هوخير، وتتسقط مواطن الشهوات متحدرة عن مراتب الكمال، ولكنها وهي تذل للهدف الكبير، أو الغرض الصغير إنما تذل من شعور بحاجتها وشعور بغنى غيرها.

 

إذا كانت عبادة فلا يفرّق في سرّها ومنطلقها بين نفس واقعت الحقيقة، ورأت بصيرة أن منتهى كل خير، وكل قوة وكمال للّه، فلم تعبد غيره ولم تتعلق بسواه، وبين نفس قصر من وراء شعورها النظر ووقفت رؤية صاحبها عند الأسباب القريبة فتشبثت بها على أنها مصدر العطاء والمنع، فكان ولاؤه لها، وتذلُّله بين يديها. الشعور المحرك هناك محرك هنا، والدافع الفطري العريض للعبادة مشترك في الحالتين. الكل شاعر بفقر، والكل طالب غنىً والكل يرى في معبوده الغني الذي يفقده، وقضاء الحاجة التي يطلبها. والتفاوت أن الرؤية انطلقت من عقل أو وهم، وصارت إلى حقيقة أو خيال.

 

ولذلك يكون من همّ الطغاة ـ وهو دأبهم ـ أن يخلقوا وهماً مستوليا في نفوس الآخرين بعظمتهم وقدرتهم على النفع والضر والتحكم في مصائر الأشياء والأحداث، وأن يحولوا بين النّاس وبين رؤية الحقيقة; رؤية أنفسهم، رؤية الطاغية، رؤية اللّه العظيم.

 

﴿وَنادى فِرعَونُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الأنْهارُ تَجري من تَحْتي أفَلا تُبْصِرُون﴾(1)، ﴿وَقالَ فِرْعَونُ يا أيُّها الملأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنَ إله غَيْري....﴾(2)، ﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذي حاجَّ إبراهيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللّهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهيمُ ربّيَّ الّذي يُحْيي ويُميتُ قالَ أنا اُحْيي وَاُميت...﴾(3).

 

أ ـ من أين تبدأ عبادة اللّه؟

﴿فَاَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنيفاً فِطْرَةَ اللّهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾(4).

 

النفس الانسانية في تكوينها الفطري، وعجينة معنوياتها على مستوى الأصل من الخلقة، مدعوة ومن داخلها إلى الارتباط بالكامل المطلق والصمد الذي يحتاج إليه كل شيء، ولا يحتاج إلى شيء، ويقدر على كل شيء ولا يقدر عليه شيء. وإن تفرِّط في هذا الارتباط لا تجد لها أمنا، ولا تفقه لوجودها معنى، ولا تطمئن على حاضر لها ولا مصير. ومن غير حاجة إلى رويّة، وحيث لا شبهات تثار، لا ترى في من لم يكن ثم يكون، في من يجيء مضطراً، ويذهب مقهوراً إلها حقّاً، ولا في أيّ من المحدودين كل المحدودين ربّاً صدقاً.

 

فالفطرة على هذا منطلق إلى اللّه، ونافذة تستضيء بها النفس درب بارئها، وحنين من الداخل إلى مصدر الوجود والحياة، ونداء للحق في وجدان الانسان، رحمة به وحجة عليه وهو ثابت في النفس وإن وقعت في غيبوبة قد تطول وقد تقصر، تأتيها من متابعة هوى وخداع شيطان.

 

هكذا يبدأ الايمان باللّه تبارك وتعالى، وعبادة العباد له من شعور فطريّ أوّلي بالعبودية التكوينية له، والحاجة إلى التعلق به، وطلب الرضى والاطمئنان بالانشداد إليه.

 

ويأتي دعم الفطرة من تأمل العقل واعماله منطقيته، ﴿الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العالَمينَ * الرَّحمنِ الرَّحيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدّينِ * إيّاك نَعْبُدُ وَإيّاك نَسْتَعينُ...﴾(5).

 

الآيات الكريمة ناطقة بما الهمه اللّه العقل من طريق لقصر العبادة عليه سبحانه; فبعد الربوبيّة التكوينية الشاملة، وعموم الرّحمة ودوامها، والمالكيّة المتفردة ليوم الجزاء، وانتهاء كل فعل جميل اختياري إليه تبارك وتعالى مما يجعل الحمد له وحده تأتي العبادة مترتبة ترتباً عقليّاً لا تردد فيه، مقصورة عليه جلَّ حمده; إذ لا منشأ من مناشئ العبادة إلاّ وهو له لا لسواه. فلمن يكون الشوق والحب؟ إلاّ للكامل بلا حدود. وبمن يتعلق الرجاء؟ إلاّ بالمالك الجواد على الاطلاق، وممن يخاف؟ إلا من القادر العادل بلا نهاية.

 

نعم يقول العقل مع الآية الكريمة وبلغة منطقها: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللّهِ أبْغي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيء﴾(6) يقول ان كل الأشياء وهي مربوبة للّه، سائرة في خط تدبيره، مقهورة لارادته لا يكون منها ما هو ربٌّ ومرجع ومعبود، وإن عليها جميعاً أن تسجد له وتسبح بحمده وأن تعنو بوجهها خاضعة لربوبيته وعظمته ما وسعها الادراك، وأمكنها الشعور.

 

ب ـ من أين تبدأ عبادة الطاغوت؟

﴿فَلا تَغُرّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنيا وَلا يَغُرّنَّكُمْ بِاللّهِ الغَرُور﴾(7).

﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهُمْ كانوا قَوماً فاسِقين﴾(8).

﴿أمَّنْ هذا الّذي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دونِ الرَّحمنِ إنِ الكافِرُونَ إلاّ في غُرور﴾(9)

 

الاستغفال والتغرير الذي تشارك فيه الدُّنيا بلذائذها: مطعمها ومشربها ومنكحها وزينتها ومواقعها وشهرتها، والشيطان بحبائله وحيله وجنده من طواغيت الانس والجن; نجاحه يلفت نظر النفس لأمور غير مركزية عن اُمور مركزيّة، ولحقائق صغيرة ومحدودة بل وأوهام عن حقائق كبرى ومطلقة، فلا يكون لها حضورها الفاعل في الذات الانسانيّة وإن كانت تستبطنها ولا تنفك عنها. والانسان الواقع فريسة لهذه العمليّة يظل مبهوراً بما غرر به، مكبراً اياه، مستعظماً له لا يرى على مستوى المعايشة النفسية المفصولة عن وعي العقل، وهدى الفطرة الكبير حقّاً والعظيم حقّاً ليسقط في عينه ما أكبره تحت تأثير المؤثرات العارضة، ويذهب عنه بريقه الكاذب. إنه يظلّ ملهوّاً مخموراً غافلا ناسياً حقيقة ذاته، وكرامته، ونداء فطرته، وصوت عقله وهي أمور من صميم الذات ونسيجها الأصل. إنَّ عملية التغرير تذهب به بعيداً عن نفسه ودوره وهدفه... عن مبدئه ومصيره، وتجعله مشدوداً بكلّه لما تريد تكبيره وتعظيمه وتهويله.

 

والطغاة دورهم كبير في استخفاف العقول والأحلام، وجعل الأتباع لا يفكّرون حين يقفون أمام ما يراد لهم أن يصدقوا به أويكذبوه، أن يستحسنوه أو يستقبحوه، أن يكونوا معه أو عليه ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ انَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقينَ﴾(10).

 

وفريسة الشيطان والدُّنيا والطغاة لا يشفع له في مقام الاعتذار ان كان مستهدفاً لعمليّة التغرير والاستخفاف من قوى تعرف من أين تؤكل الكتف.

 

إنه مع قابليته أن يعطي رد فعل مجاوب، يجد القابليّة لاعطاء ردِّ فعل معاند. يهيّئ له ذلك ماله من رسول في الباطن ـ عقله وفطرته ـ ودعوة إلى اللّه في الخارج من أنبيائه ورسله، وما أنزل اللّه من كتب، وما بثّ من آيات في الآفاق والأنفس، وما جعله مشهوداً من أمر الحياة والموت، وتحوُّل الأحوال مما يأتي على كلّ شيء من زينة الحياة وبهجتها، ومن قوى الطواغيت وزهرة دنياهم. ويُمكِّنُه من أن يقول نعم أو لا للشيطان وجنده الغاوين، أن جُعل حرّاً في اختياره، غير مجبور ولا مقهور في قرار انتمائه.

 

﴿إنْ هِيَ إلاّ أسْماءٌ سَمّيْتُموها أنْتُمْ وَآباؤكُمْ ما أنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلطان إنْ يَتّبِعُونَ إلاّ الظَنَّ وَما تهوى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الهُدى﴾(11).

 

إنّهم يتحملون مسؤوليتهم في متابعتهم الظنَّ وما تهوى الأنفس، كيف لا وقد جاءهم من ربهم الهدى؟!

 


--------------------------------------------------------------------------------

1- الزخرف: 51.

2- القصص: 38.

3- البقرة: 258.

4- الروم: 30.

5- الحمد: 1 ـ 4.

6- الانعام: 164.

7- لقمان: 33.

8- الزخرف: 54.

9- تبارك: 20.

10- الزخرف: 54.

11- النجم: 23.


source : هدی القران
  312
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      الدول المسلمة تستعد لاستقبال شهر رمضان
      الشيخ محمد حسن نجف
      السيد محسن الأعرجي الكاظمي المعروف بالمحقق البغدادي
      الشهيد السيد محمد مهدي الخراساني المعروف بالشهيد ...
      حركة الإمام المهدي (عج) في سياق حركة التاريخ
      الأحاديث الشريفة عند المسلمين في الإمام المهدي (عج)
      ولادته (ع)
      فيما على الزّائر مراعاته
      في فضلِ زيارَته (عليه السلام)
      زيارة عاشوراء

 
user comment