عربي
Tuesday 20th of August 2019
  288
  0
  0

المنهج العلمي للتفسير

وهو المنهج الذي يذهب إلى استخراج جملة العلوم القديمة والحديثة من القرآن، ويرى في القرآن ميداناً يتسع للعلم الفلسفي والصناعي والإنساني في الطب والتشريع والجراحة والفلك والنجوم والهيئة وخلايا الجسم، وأصول الصناعات، ومختلف المعادن فيجعل القرآن مستوفياً بآياته لهذه الحيثيات بل متجاوزاً لها إلى العيافة والزجر والكهانة والطيرة، والضرب بالحصى، والخط على الرمل، والسحر والشعبذة مما حرمه الإسلام وعارضه القرآن.
ولعل الغزالي (ت: 505ه‍) هو أول من استوفى القول في هذا المجال، وذهب في فهم القرآن إلى "أن كل ما أشكل فهمه على النظار واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ففي القرآن إليه رموز ودلالات عليه".
وقد اعتبر جماعة من العلماء هذا تعميماً مبالغاً فيه، مما جعلهم يلجأون إلى إنكار التفسير العلمي جملة وتفصيلاً بل ويحملون على القائلين به حتى عدّ عملهم هذا من المغالاة التي لا طائل معها، بينما اعتبره الآخرون ليس بذي جدوى على القرآن، والقرآن غني عن هذا التكليف الذي يوشك أن يخرج به عن هدفه الإنساني الاجتماعي في إصلاح الحياة.
وممن اشتهر بالتفسير العلمي حتى عاد به متسماً، العالم المصري الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره (الجوهر في تفسير القرآن الكريم المشتمل على عجائب بدائع المكونات وغرائب الآيات الباهرات) فقد حشده بالعلوم الطبيعية والكونية والنفسية والصناعية، وعالج به المكتشفات والاختراعات العصرية، وتناول به الطب والتشريح والجبر والهندسة والفيزياء والكيمياء وعلم النبات والأحياء والتواريخ. فهو يضع الآية على بساط البحث أدبياً وفلسفياً وعلمياً ثم يتبعها بحكايات وأحاديث وعجائب ولطائف على حد تعبيره، ثم يسرد لازم الحكاية ومتعلقها، ومباحث العلم الحديث فيها روحياً أو جغرافياً أو فلكياً أو تشريحياً أو صناعياً أو طبياً أو هندسياً، حتى يحمل النص أكبر مما ينبغي أن يبحث عنه، بل حتى ينتقل بالقرآن من مهمته التشريعية إلى مهمات جانبية أخرى، ويقصد من وراء هذا كله إلى تيسير الفهم العصري للقرآن، أو مواكبة القرآن للعلم الحديث، أو ضرورة تلقي المسلمين لجميع هذه العلوم، أو لاعتقاده بأن القرآن بعد إشارته لهذه العلوم فهو يريد معرفتها والتخصص في جملتها، ثم يشرع في بلورة كل ذلك بأسلوب إرشادي ودعائي مطول يتوسع فيه توسعاً شاملاً، ففي حديثه عن جزء آية من قوله تعالى:
(وَمِنْ أَيَاتِهِ مَنَامُكُم بِالَّليلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ).
يبحث نوم الإنسان في الليل والنهار، وحل ابن سينا للمعضلات العلمية أثناء النوم، وما ذهبت إليه نظرية أنشتاين، والمراد الكنائي لمعنى النوم ما دام العلم قد كشفه مما يعتبره معجزة، ثم ينتقل إلى بحث ثلاث عجائب، الأولى في حياة روحية لأحلام اليقظة، يتناول بها الانتقال الفكري والتباين والنظر المضاعف مستنداً في ذلك إلى كتب روحية ومجلات علمية وأمثال ذلك، والعجيبة الثانية في اكتشاف جريمة غريبة بعد عشر سنوات عن طريق الرؤيا والأحلام، والعجيبة الثالثة في حيوان يبقى إحدى وثلاثين سنة بلا طعام أو هواء ويظل حياً، ثم يسرد بعض مقالات إخوان الصفاء في المقام إتماماً للفائدة كما يقول ويتعرض لنوم الطيور والحيوانات من هذا الخلال، ثم يبحث موضوع: كيف يمكنك أن تفسر ما تراه كل يوم من الظاهرات الكيمائية. ويعرض لكائن حي يعيش ألف سنة ثم يتبع ذلك بزيادة إيضاحية للمراد من جزء الآية، ويأتي على حياة الحبوب وأصل النبات، وإن لذلك حياة ضئيلة كحياة النائم، ثم يسرد تجارب أهل الهند قديماً، بعد كل هذا التفصيل والتشريق والتغريب يعقد عدة مباحث للموضوع نورد بعضها: الكلام على النوم وساعاته وما يناسبه، النوم وحاجة الإنسان الشديدة له، أوقات النوم وعدد ساعاته، فراش النوم، تجديد الهواء في قاعات النوم والفراش، ثم الكلام على الحركات المختلفة النافعة لصحة الإنسان تفسيراً لقوله تعالى: (وَابْتِغاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ).
إن هذا الابتغاء إنما يكون بالحركة، ويورد ما جاء في كتاب: قانون الصحة المنزلية للأستاذ (جون سايكس من مباحث تتعلق في هذا الباب) وهي: الرياضة البدنية، فوائد الرياضة البدنية، أنواع الرياضة البدنية المختلفة، العوم والتجديف، ركوب الدراجات، المشي، الجمباز، التمرينات الحربية، ركوب الخيل، الصلاة.
فهذا الجزء من الآية قد استوعب هذه العناوين، واستغرق عدة صفحات كبيرة، وعلى هذه فقس ما سواها.
وباستقراء هذا المنهج نجده يحتوي على علوم عدة، ومباحث جمة لا علاقة لأغلبها بفن التفسير، حتى يصح لنا أن نقول أن في كتاب الجواهر كل شيء إلا التفسير.
وقد سار على منواله جمع من المثقفين المعاصرين ممن يعرفون بسلامة القصد في هذا المجال، كالأستاذ عبد الرازق نوفل في القرآن والعلم الحديث، والأستاذ عبد الغني الخطيب في: أضواء من القرآن على الإنسان ونشأة الكون والحياة، والأستاذ مصطفى محمود في عدة كتب. وقد توصل الجميع في ذلك إلى عدة آراء صائبة، خلاصتها أن القرآن يواكب العلم، وهذا أمر لا ريب فيه، ولكنه ابتعاد في القرآن عن منهجه وغايته العليا. نعم يجوز لنا أن نطلق على هذا وأضرابه اسم المنهج الموضوعي، لو اختيرت مواضيع من القرآن تبحث في الكون والحياة والسماء والعالم والفلك والطب وكتبنا فيها كلا على حدة مما يعني مشاركة القرآن في إرساء قواعد هذه العلوم، وهذا مما لا مانع فيه.


source : البلاغ
  288
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      الدول المسلمة تستعد لاستقبال شهر رمضان
      الشيخ محمد حسن نجف
      السيد محسن الأعرجي الكاظمي المعروف بالمحقق البغدادي
      الشهيد السيد محمد مهدي الخراساني المعروف بالشهيد ...
      حركة الإمام المهدي (عج) في سياق حركة التاريخ
      الأحاديث الشريفة عند المسلمين في الإمام المهدي (عج)
      ولادته (ع)
      فيما على الزّائر مراعاته
      في فضلِ زيارَته (عليه السلام)
      زيارة عاشوراء

 
user comment