عربي
Tuesday 25th of June 2019
  418
  0
  0

هل صحيح أنّ الشيعة الإمامية الإثنا عشرية هم من أتباع المعتزلة عقائدياً و فكرياً ؟

 
ادَّعى الكثير من المؤلفين الذين كتبوا في العقائد و الفرق الإسلامية بأنّ الشيعة الإمامية هم من مقلدي المعتزلة في عقائدهم و آرائهم الكلامية  ، و لا غرابة إذ نجد المستشرقين من الأجانب و الكُتّاب العرب المتأخرين يجترّون هذه المقولة الخاطئة دون تمحيص و تحقيق، خلافاً لما هو المتوقع من أصحاب القلم و الفكر ، و المؤسف حقاً أنّا نجدهم يتعاملون مع هذا الإدعاء و كأنّه من البديهيات التي لا تقبل التشكيك و النقاش .

بيد أنّ المتتبع المنصف يجد جلياً لدى مراجعته لكتب الشيعة الإمامية ، أنّ الإمامية مستقلون في تفكيرهم و آرائهم استقلالاً كاملاً في جميع الأدوار و المراحل التي مرّوا بها ، و أنّهم لا يعتمدون على غير كتاب العقل و القرآن الكريم، و سنة النبي ( صلَّى الله عليه و آله )، و الأئمة المعصومين ( عليهم السَّلام ) فيما يعتقدون به من أصول الدين ، و فيما يعملون به من فروعه .

هذا مضافاً إلى أنّ كتب الشيعة الإمامية تشهد بكلّ صراحة و وضوح على خلاف ما يدّعي هؤلاء الكُتّاب ، فالشيعة تخالف المعتزلة في آرائها أكثر من مخالفة غيرها من المذاهب الإسلامية لها ، لكنها قد تلتقي معها في بعض الأفكار أحيانا ، كما تلتقي مع الأشاعرة و المرجئة في بعض المسائل .

ثُمّ إنّ التاريخ لا يؤيد ما يدّعيه هؤلاء أبداً ، بل أنّه يثبت خلاف ذلك تماماً ، و فيما يلي نشير إلى نقاط تثبت بطلان إدعائهم :

1. إنّ الشيعة الإمامية أسبق الفرق الإسلامية ، و تاريخهم يتصل بتاريخ الإسلام منذ فجره الأول ، و الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) الذي إليه يرجع التشيع قد تكلم في التوحيد و الصفات و العدل و القَدَر ، و غير ذلك من المواضيع الكلامية و الفلسفية قبل مولد الاعتزال بعشرات السنين .

2. إنّ تاريخ نشوء و تأسيس علم الكلام يعود إلى بدايات القرن الأول ، و تحديداً ـ كما عليه جماعة من المحققين  ـ إلى عهد الإمام أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) و الأئمة المعصومين من أبنائه ( عليهم السَّلام ) ، فهم الذين وضعوا اللبان الأساسية، و القواعد الرئيسية لهذا العلم .

3. ثُمّ إنّ أصحاب أئمة أهل البيت ( عليهم السَّلام ) هم الذين تعلّموا هذا العلم، و تسلحوا بسلاحه دفاعاً عن العقيدة الإسلامية .

4. يقول السيد المرتضى : ( إنّ أصول التوحيد و العدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) ، و جميع من جاء بعده من المتكلمين قد أعتمد عليه ، و شرحوا أقواله و آراءه ، و روي عن الأئمة من أبنائه في ذلك ما لا يحصى ) .

5. و يقول العلامة المحقق آية الله الشيخ جعفر السبحاني ما ملخّصه : ( فقد أسس علم الكلام في بدايات القرن الأول الهجري ، و لم يكن تأسيسه و تدوينه إلاّ لضرورة دعت إليها حاجة المسلمين إلى صيانة دينهم، و عقيدتهم، و شريعتهم من تهاجمات الأفكار المضادّة التي شاعت إثر الاحتكاك الثقافي بين المسلمين و غيرهم، بسبب ترجمة الكتب الفلسفية، و الاعتقادية للفرس و اليونان ، فلم يجد المسلمون سبيلاً إلاّ التسلّح بالبراهين العقلية كي يصونوا بذلك معتقداتهم و يدافعوا عنها .

لكن التاريخ يشهد بأنّ قسماً كبيراً من مسائل علم الكلام حول المبدأ و المعاد ، و حول التوحيد متخذة من خطب الإمام أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) ، و أنّه هو البطل المقدام في دعم هذه الأصول و أحكامها ، و لو اعترفت المعتزلة بأنّ منهجهم الكلامي يرجع إلى علي ( عليه السَّلام ) فقد صدقوا في انتمائهم و انتسابهم إلى ذلك المنهل العذب الفيّاض ، و ليس عليّ وحده من بين أئمة أهل البيت أقام دعائم هذا العلم و أشاد بنيانه ، بل تلاه الأئمة الأخر منهم ) .

6. و يقول ابن أبي الحديد المعتزلي : ( و أمّا الحكمة و البحث في الأمور الإلهية ، فلم يكن من فنّ أحد من العرب ... و أوّل من خاض فيه من العرب علي ( عليه السَّلام ) ... و لهذا انتسب المتكلمون الذين لجّوا في بحار المعقولات إليه خاصة دون غيره ، و سموه أستاذهم و رئيسهم ، و اجتذبته كلّ فرقة من الفرق إلى نفسها ... ) .

7. و يضيف ابن أبي الحديد قائلاً : ( إنّ واصل بن عطاء الزعيم الأول للمعتزلة ، المؤسس لمذهب الاعتزال ، قد تتلمذ على أبي هاشم ، و أبو هاشم كان تلميذاً لأبيه محمد بن الحنفية ، و محمد تتلمذ على أبيه علي ( عليه السَّلام ) .

8. إذن فالشيعة الإمامية إنّما ينتمون إلى مدرسة أهل البيت ( عليهم السَّلام ) لا غير ، و يعتمدون في أخذ عقائدهم على أئمة الهدى من أهل البيت الذين أخذوا هم عن الإمام أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) ، و ذلك قبل أن يولد واصل بن عطاء بخمسين عاماً ، و قبل أن يكون للمعتزلة وجود في دنيا الإسلام  .

9. و مع ذلك فإننا نجد أنّ أكثر المؤلفين في الفرق و العقائد يدّعون أنّ الإمامية قد قلّدوا المعتزلة في عقائدهم ، و لم يُكوّنوا لأنفسهم رأياً مستقلاً فيها ، و هذا إمّا أن يعود إلى المنهجية الخاطئة في التحقيق و التأليف، و في الاعتماد على أراء أعداء الشيعة و مخالفيهم، دون تمحيص و تدقيق ، أو إلى النية السيئة التي يضمرونها تجاه الشيعة، في محاولة منهم لإنكار الحقائق الواضحة و طمسها، بغية تجريد الشيعة من خصائصهم و ميزاتهم التي يحسدونها عليها .


source : الشيخ صالح الكرباسي
  418
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      السيد محمد تقي الخونساري
      السيد محسن الأمين العاملي
      الشيخ عبد الحسين البغدادي
      الشيخ محمد جواد البلاغي
      السيد حسن الصدر
      المؤاخاة من السياسة الداخلية الحكيمة للرسول الأكرم ...
      كيف تكتب بحثا أو رسالة ماجستير أو دكتوراه
      الأدب النبوي
      ترتيلات عاشورائية.. وعطاءات المدرسة الحلِّية
      لغة القرآن إعراب سورة الكوثر

 
user comment