عربي
Monday 20th of May 2019
  319
  0
  0

الـواحِدُ الأحـد

الـواحِدُ الأحـد

قال تعالى: ﴿قل إنما أنا منذر وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.(1)

 

وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. (2)

 

 


أما المتكلمون فإنهم لا يرون أنَّ اللفظين مترادفان ومتساويان بل بينهما فارق كبير نشير إليه بإيجاز.

 

الفرق بين الواحد والأحد

قال الشيخ السبحاني حفظه الله تعالى في كتاب الإلهيات:

" إنَّ التوحيد الذاتي يفسر بمعنيين:

الأول: إنَّه واحد لا مثيل له.

الثاني: إنَّه أحد لا جزء له.

 

ويُعبَّر عن الأول بالتوحيد الواحدي، وعن الثاني بالتوحيد الأحدي، وقد أشار سبحانه إليهما في سورة الإخلاص فقال في صدر السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ هادفاً إلى أنَّه بسيط لا جزء له، وقال في ختامها ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ بمعنى لا ثاني له، وقد فسِّرت الآيتان على النحو الذي ذكرناه دفعاً للزوم التكرار."(4)

 

وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام في رواية لكلا الأمرين كاشفاً الاختلاف بين هذين اللفظين،وإليك الرواية كما رواها الصدوق:

إنَّ أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين أتقول: إنَّ الله واحد؟

قال: فحمل الناس عليه، قالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب.

 

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: دعوه، فإنَّ الذي يريده الإعرابي هو الذي نريده من القوم، ثم قال:

 

يا أعرابي: إنَّ القول في أنَّ الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ، و وجهان يثبتان فيه، فأما اللذان لا يجوزان عليه، فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا مالا يجوز، لأنَّ مالا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنَّه كفر من قال: ثالث ثلاثة. وقول القائل: هو واحد من الناس، يريد به النوع من الجنس، فبهذا مالا يجوز عليه لأنَّه تشبيه، وجلّ ربنا عن ذلك و تعالى.

 

وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء، كذلك ربنا، وقول القائل: إنَّه عزّ وجلّ أحدي المعنى، يعنى به أنَّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا عزَّ وجل َّ. (5)

 

مِن تجليات الواحدية والأحدية

كل ما في الكون من نظم وإتقان في المخلوقات لآيات وعلامات ودلائل على وحدانية الله تعالى وأحديته سبحانه، ونعم ما قال الشاعر في هذا الصدد:

 

وفي كل شيء له آية تدل على أنَّه واحد فإنَّ من أبرز البراهين الكلامية في إثبات خالق ٍ قادرٍ واحدٍ أحديٍ لا نظير له ولا شبيه، وانَّه قديم لا جزء له ولا تركيب ليحتاج إلى أجزاءه وأبعاضه، هو برهان النظم، وهذا تقريبه: " إنَّ الانسجام السائد على العالم، والإتصال البديع بين أجزائه، فيستدل بالانسجام والاتصال على أنَّ ذاك النظام المتصل المنسجم إبداع عقلٍ كبير وعلم ٍ واسع، ولولا وجوده لما تحقق ذلك النظام المعجب المتصل التناسق.

 

إنَّ الأبحاث العلمية كشفت عن الاتصال الوثيق بين جميع أجزاء العالم وتأثير الكل في الكل، وحتى صفصفة أوراق الشجر غير منقطعة عن الريح العاصف في أقاصي بقاع الأرض، وحتى إنَّ النجوم البعيدة التي تحسب مسافاتها بالسنين الضوئية، مؤثرة في حياة النبات والحيوان والإنسان، وهذا الانسجام الوثيق الذي جعل العالم كمعمل كبير يشدّ بعضه بعضاً، أدل دليل على تدخل عقل كبير في إبداعه وإيجاده بحيث جعل الكل منسجماً مع الكل.

 

وبعبارة واضحة: إنَّ الضبط والتوازن في الكون السائدين على الطبيعة أوضح دليل على تدخل عقل ٍ كبيرٍ في طروئهما، ولأجل أنْ يتبين ملامح هذا التقريب نأتي بأمثله:

 

أ- إنَّ حياة كل نبات تعتمد على مقدار صغير من غاز ثاني أوكسيد الكاربون الذي يتجزأ بواسطة أوراق هذا النبات إلى كاربون وأكسيجين، ثم يحتفظ النبات بالكاربون ليصنع منه ومن غيره من المواد، الفواكه والأثمار والأزهار ويلفظ الأوكسجين الذي نستنشقه في عملية الشهيق والزفير الأساسية في حياة الإنسان.

 

ولو أنَّ الحيوانات لم تقم بوظيفتها في دفع ثاني أوكسيد الكاربون أو لم يلفظ النبات الأكسجين، لإنقلب التوازن في الطبيعة واستنفذت الحياة الحيوانية، أو النباتية كل الأكسجين أو كل ثاني أوكسيد الكربون، وذوى النبات ومات الإنسان.

 

فمن ذا الذي أقام مثل هذه العلاقة بين النبات والحيوان وأوجد هذا النظام التبادلي بين هذين العالمين المتباينين ؟ ألا يدل ذلك على وجود فاعلٍ مدبر ٍ وراء ظواهر الطبيعة هو الذي أقام مثل هذا التوازن ؟

 

ب- كان ملاحو السفن الكبيرة في العهود الماضية يصابون بمرض الإسقربوط (وهو من أمراض سوء التغذية وينشأ عن نقص فيتامين (ث)، ولكن أحد الرحالة اكتشف دواء ً بسيطاً لذلك المرض وهو عصير الليمون، ترى من أين نشأت هذه العلاقة بين الفواكه التي تحتوي على فيتامين (ث) وهذا المرض، ألا يدل ذلك على أنَّ خالق الداء خلق الدواء المناسب له، ولولا هذا التوازن لعمت الكارثة وانعدم النوع الإنساني وغاب كلية عن وجه البسيطة. (6)

 

﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾(7) وقال تعالى ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾(8).

 

قال تعالى ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾. (9)

 

الأوحدي من البشر

يقول المناوي صاحب كتاب الفيض القدير، مشيراً إلى حظِّ العبد من هذه الصفة النورانية الإلهية، ومن عرف أنه - سبحانه - الواحد أفرد قلبه له فلا يرى في الدارين إلا هو وبه يتضح التخلق فيكون واحداً في عمره بل في دهره وبين أبناء جنسه.

 

إذا كان من تهواه في الحسن واحداً فكن واحداً في الحب إن كنت تهواه (10)

 

فمن رأى تفرد الله تعالى في كل أمرٍ وفي كل كمالٍ وجمالٍ،انجذب لا محالة نحو تلك الكمالات الفريدة والمنقطعة النظير والشبيه وجعل من نفسه فرداًَ لا ثاني له في كمالاته، ولا يرقى إليه طير في سجاياه ومكارم أخلاقه، فهو لم يكتف بالتخلي عن جميع الرذائل والمفاسد والعيوب، بل تحلَّى بكل كمال وأدب، ولم يكتف بالمكارم والخلق إلا بأفضلها وأرقاها من كل مرتبة وصفة وسجية، فكان أصبر الناس، وأحلمهم، وأكرمهم، وأشجعهم، وأزهدهم، وأتقاهم، وأورعهم، وهكذا في كل صفة، وقد حثّ أئمة أهل البيت عليهم السلام شيعتهم ومواليهم على الاتصاف بتلك الحصص الراقية والمقامات العالية من المكارم والآداب وقالوا أن أولئك هم الشيع الخلص المخلصون، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: ليس من شيعتنا من يكون في مصر يكون فيه مائة ألف ويكون في المصر أورع منه. (11)

 

فالرواية قد فرضت أنَّ في ذلك المصر أهل الورع والتقوى ولكن الشيعي الكامل هو من كان ممن يشار إليه من شدَّة تقواه وورعه وسمو مكارمه وسجاياه. وكان أورعهم واتقاهم.

 

وإذا سبرت التاريخ وجدت هناك ثلة قليلة قد جعلوا هذه الرواية وأمثالها منارًا لحياتهم، فكانوا في مضمار سباق القرب والرضوان الإلهي، قال تعالى مادحاً أولئك الأبطال ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾.(12)

 

واذكر لك بعض النماذج من أولئك الأبطال الذين نالوا مرتبة العصمة والطهارة بجهود وإرادات صلبة تجعل من الحديد طيناً.

 

السائل الغير المؤدَّب

وزَّع الشيخ جعفر كاشف الغطاء يوماً مبلغاً على فقراء أصفهان، وبعد نفاذ المال أًمَّ المصلين.. وبين الصلاتين وفيما كان الناس منشغلين بالتعقيب جاء سيد فقير وقليل الأدب ووقف مقابل الإمام قائلاً: أيها الشيخ أعطني مال جدي، الخمس.

 

قال الشيخ: تأخَّرت قليلاً وللأسف لم يبقَ شيء.

 

فما كان من هذا السيد الغير المؤدب إلا أنْ تفل على لحية الشيخ بكل وقاحة..، أما الإمام فأنَّه ليس فقط لم يصدر عنه أي رد فعل ٍ قاس ٍ.. بل نهض وامسك طرف ثوبه ومشى بين المصلين وهو يقول: كل شخص يحب لحية الشيخ، فليساعد السيد وكان الناس قد شاهدوا ما جرى فامتثلوا وملأوا طرف ثوب الشيخ مالاً.. ثم جاء الشيخ وقدم ذلك كله إلى السيد ووقف يصلي العصر. (13)

 

قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ {133} الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.(14)

 

الشيخ عباس القمي

يقول أحد العلماء المعاصرين: عندما كنتُ في بداية دراستي، وفي مرحلة المقدمات، كنت اسمع كثيراً اسم المحدث القمي في مجلس والدي المعظم، مقروناً بالإجلال، وعندما تشرفت بالإقامة في مشهد للدراسة، اعتبرت أنَّ زيارته غنيمة كبرى، وطيلة عدة سنوات من معاشرة هذا العالم المؤمن وبعد التعرف إلى مراتب علمه وعمله وعبادته وتقواه عن قرب كان إكباري له يزداد يوماً بعد يوم..

 

في أحد الشهور الرمضانية طلبتُ -منه- مع عدة من الأصدقاء – أنْ يَمُنَّ على المؤمنين والمحبين بإقامة صلاة الجماعة في مسجد " كوهر شاد" وبعد إصرار وإلحاح، فبل هذا الاقتراح.. وأقام صلاة الظهر والعصر لعدة أيام في أحد أقسام المسجد..

 

وكان عدد المصلين يزداد يوماً بعد يوم.. ولم تمض عشرة أيام حتى كان الخبر قد انتشر وأصبح عدد الحضور كبيراً جداً وغير اعتيادي..

 

وذات يوم بعد إتمام صلاة الظهر قال لي وكنتُ قريباً منه.. أنا لا استطيع اليوم أنْ أصلي العصر، ثم ذهب ولم يعد تلك السنة إلى صلاة الجماعة.. وعندما إلتقيته وسألته عن سبب ترك صلاة الجماعة.

 

قال: الحقيقة إنِّي في ركوع الركعة الرابعة سمعت صوت المقتدين خلفي يقولون "يا الله، يا الله، إنَّ الله مع الصابرين" وكان الصوت يأتي من مكان بعيد جداً.. جعلني هذا أنتبه إلى زيادة عدد المصلين بنسبة كبيرة، ففرحت لأنَّ المجتمعين كثيرون إلى هذا الحد.. وبناءً عليه فلستُ أهلاً للإمامة.(15)

 

والطريف أنَّ المحدث القمي هو ذلك الذي كان في النجف الأشرف في إحدى ليالي الجمعة يقرأ سورة " يس " بعد صلاة الليل وعندما وصل إلى هذه الآية الشريفة ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾(16) كرر تلك الآية عدة مرات، ثم جعل يكرر قوله: أعوذ بالله من النار ويتغير حاله جداً بحيث أنَّه لم يستطع إكمال السورة وبقي كذلك حتى أذان الصبح فقام إلى الصلاة..

 

نعم على رغم من هذه التقوى والإيمان الصادق بالله، والخشية منه سبحانه، لا يرى لنفسه أهلاً لإقامة الجماعة.. ويعتزلها.. هذا هو الإنسان المخلص الذي ملك نفسه، وبكلمة العالم الرباني وأمثاله..(17)

 

فهو من مصاديق قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾(18)

 

إلهي اجعل همِّي همَّاً واحداً

قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.(19)

 

من أجلى مشخصات أولئك الأوحدين من البشر أنْ أخرجوا كل همٍ وغمٍ وتعلقٍ دنيوي من سرائرهم وعقولهم ووجودهم، بل قد تنزَّهوا حتى من التعلقات الأخروية من قبيل الجنة والميل إلى نعيمها، وتفردوا بهَمٍّ واحدٍ وهو وصال الله تعالى، ففرشوا وجوهم على أعتاب بابه، شاكرين مولاهم أنْ أتاح لهم فرصة الشهود، والأنس بمناجاته ودعائه دون سائر خلقه، فهم يفرحون بالموت على خلاف سائر البشر، إذ أنَّه طريق الوصال والقرب، والتشرف باللقاء، كما في الخبر عن أمير المؤمنين عليه السلام: " لمّا أراد الله عزّ وجلّ قبض روح إبراهيم " عليه السلام " هبط إليه ملك الموت فقال: السلام عليك يا إبراهيم.

 

فقال: وعليك السلام يا ملك الموت، أداع أم ناع ؟

قال: بل ناع يا إبراهيم فأجب.

فقال إبراهيم: هل رأيت خليلاً يميت خليله ؟

قال فرجع ملك الموت، حتى وقف بين يدي الله جلّ جلاله، فقال: إلهى قد سمعت ما قال خليلك إبراهيم.

فقال الله عزّ وجلّ: يا ملك الموت اذهب إليه فقل له: هل رأيت حبيباً يكره لقاء حبيبه: إنَّْ الحبيب يحب لقاء حبيبه. (20)

 

فأولئك تيقنوا أنَّ الذي يمنع الأنس من القرب والوصال، وكشف ستار الملكوت، والنظر إلى ما لا يراه العيون، هو هذه الانشغالات والذنوب، فتجردوا من تلك الموانع والعيوب والهموم، فكان لهم ما يأملون.

ويؤيد ذلك ما ذكرناه سابقاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: لو لا أنَّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء. (21)

 

فالعلاّمة المجلسي يستظهر بحق من هذا الحديث أنَّ القلوب لها القابلية والاستعداد التام للنظر إلى ملكوت السموات والأرض إلا أنَّ المانع من ذلك هو ما يوجده الإنسان بفعاله وهفواته.(22)

 

ينقل عن الشبلي أنَّه قال: استنار قلبي يوماً فشهدت ملكوت السماوات والأرض، فوقعت مني هفوة فحجبت عن شهود ذلك، فعجبت كيف حجبني هذا الأمر الصغير عن هذا الأمر الكبير.

فقيل لي: البصيرة كالبصر أدنى شئ يحلُّ فيها يعطِّل النظر.(23)

 

ولهذا تجد الحث الدائم عن التخلِّي عن الهموم إلا همَّاً واحداً، والأخبار في ذلك كثيرة نورد بعضاً منها:

 

أ- جاء في الخبر: يا عيسى: أرفق بالضعيف وارفع طرفك الكليل إلى السماء وادعني فإني منك قريب ولا تدعني إلا متضرعا إلي وهمك هما واحدا فإنك متى تدعني كذلك أجبك.(24)

 

ب- وفي الحديث القدسي: يا أحمد: اجعل همَّك همَّاً واحداً، واجعل لسانك لساناً واحداً، واجعل بدنك حياً لا تغفل أبداً من غفل لا أبالي بأيِّ وادٍِ هلك.

يا أحمد استعمل عقلك قبل أنْ يذهب، مَنْ استعمل عقله لا يخطئ ولا يطغى..(25)

 

ج- عن فضيل بن يسار قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام في مرضة مرضها..

فقال: يا فضيل إنَّني كثيراً ما أقول: ما على رجل عرّفه الله هذا الأمر لو كان في رأس جبل حتى يأتيه الموت.

يا فضيل بن يسار: إنَّ الناس أخذوا يميناً وشمالاً، وإنَّا وشيعتنا هدينا الصراط المستقيم.

يا فضيل بن يسار: إنَّ المؤمن لو أصبح له ما بين المشرق والمغرب كان ذلك خيراً له ولو أصبح مقطعاً أعضاؤه كان ذلك خيراً له.

يا فضيل بن يسار: إنَّ الله لا يفعل بالمؤمن إلا ما هو خير له.

يا فضيل ابن يسار: لو عدلت الدنيا عند الله عزّ وجلّ جناح بعوضة ما سقى عدوه منها شربة ماء.

يا فضيل بن يسار: إنَّه مَنْ كان همَّه همَّاً واحداً كفاه الله همَّه، ومَنْ كان همَّه في كل وادٍ لم يبالِ الله بأيِّ وادٍ هلك. (26)

 

أيها المتعب جهلاً نفسه  تطلب الدنيا حريصاً جاهدًا

لا لك الدنيا ولا أنت لها  فاجعل الهمين همّاً واحداً (27)

 

المصدر: التخلق بأسماء الله

--------------------------------------------------------------------------------

1- وسائل الشيعة- الشيخ الحر العاملي ج 17، ص207- 212، ح1.

2- المصباح- الكفعمي، ص480.

3- سورة ص: الآية 65.

4- سورة التوحيد: الآية 1.

5- تفسير غريب القرآن- فخر الدين الطريحي، ص 183. وراجع: مختار الصحاح، محمد بن عبد القادر، ص12- القاموس المحيط، الفيروز آبادي ج 1، ص273. ولسان العرب- ابن منظور ج 3، ص 70.... ومجمع البحرين- الشيخ الطريحي ج 1، ص 42.

6- سورة التوحيد: الآية 4.

7- الإلهيات- الشيخ جعفر السبحاني، ص 355.

8- التوحيد- الشيخ الصدوق، ص 83- 84، ح3. ولا يخفى عليك أيها القارئ الكريم أنَّ التعرض لأدلة أنَّه تعالى واحد أحد خارج من غرض الكتاب، إلا أنَّه يمكنك معرفة الأدلة والبراهين على ذلك من خلال مراجعة كتاب الإلهيات للعلامة الشيخ جعفر السبحاني، ص 353- 374. أو غيره من الكتب الكلامية.

9- الإلهيات- الشيخ جعفر السبحاني، ص 43- 44، برهان النظم بتقرير ثان. ولمزيد من الأمثلة راجع المصدر.

10- سورة الرعد: الآية 16.

11- سورة المؤمنون: الآية 117.

12- سورة الشورى: الآية 11.

13- فيض القدير شرح الجامع الصغير- المناوي ج 2، ص 627.

14- وسائل الشيعة- السيخ الحر العاملي ج15، ص 247، ح18.

15- سورة الواقعة: الآية 10- 14.

16- سيماء الصالحين- رضا مختاري، ص 282- 283.

17- سورة آل عمران: الآية 133- 134.

18- سيماء الصالحين- رضا مخناري، ص 120.

19- سورة يس: الآية 63.

20- سيماء الصالحين- رضا المختاري، ص 120- 121.

21- سورة آل عمران: الآية 191- 195.

22- سورة التوبة: الآية 24.

23- علل الشرائع- الشيخ الصدوق ج 1، ص 36، ح 9.

24- بحار الأنوار- العلامة المجلسي ج 76، ص161.

25- راجع المصدر السابق.

26- فيض القدير شرح الجامع الصغير- المناوي ج 1، ص 335.

27- الكافي- الشيخ الكليني ج 8، ص 133، ح103.


source : هدی القران
  319
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      الدول المسلمة تستعد لاستقبال شهر رمضان
      الشيخ محمد حسن نجف
      السيد محسن الأعرجي الكاظمي المعروف بالمحقق البغدادي
      الشهيد السيد محمد مهدي الخراساني المعروف بالشهيد ...
      حركة الإمام المهدي (عج) في سياق حركة التاريخ
      الأحاديث الشريفة عند المسلمين في الإمام المهدي (عج)
      ولادته (ع)
      فيما على الزّائر مراعاته
      في فضلِ زيارَته (عليه السلام)
      زيارة عاشوراء

آخر المقالات

      الدول المسلمة تستعد لاستقبال شهر رمضان
      الشيخ محمد حسن نجف
      السيد محسن الأعرجي الكاظمي المعروف بالمحقق البغدادي
      الشهيد السيد محمد مهدي الخراساني المعروف بالشهيد ...
      حركة الإمام المهدي (عج) في سياق حركة التاريخ
      الأحاديث الشريفة عند المسلمين في الإمام المهدي (عج)
      ولادته (ع)
      فيما على الزّائر مراعاته
      في فضلِ زيارَته (عليه السلام)
      زيارة عاشوراء

 
user comment