عربي
Thursday 27th of June 2019
  358
  0
  0

الآداب النفسية للتفسير

 الآداب النفسية للتفسير
 
والمراد بالآداب النفسية مجموعة الصفات والملكات التي يتنامى بها الكمال الذاتي في تهذيب النفس وصيانتها عن الزيغ والانحراف بحيث يطمئن معها الى الجانب الروحي عند الانسان فضلاً عما يتمتع به من حيطة وحذر، وما يناسب ذلك إصلاح السريرة، ولزوم الطاعة ونقاء الضمير، مما يهيء للنفس التدبر في القرآن، والتفكر في أسراره، من صحة في الاعتقاد، وإخلاص في النية، وتفويض الأمور الى اللّه، وطلب العون منه في مجال المعرفة والكشف والأستزادة العلمية.
إن ما يكون بهذا السبيل يمكن إجمال معالمه بالمؤشرات الآتية على سبيل المثال والنموذج لا الحصر والاستقصاء.
أ- صحة الاعتقاد:
وهذا أمر ضروري تمليه طبيعة الإيمان بأن القرآن هو الكتاب المنزل على نبيه المرسل دون زيادة أو نقصان، والنظر اليه بمنظور مقدس، ليكون الباحث في مضامينه مفسراً جادّاً، تنبعث عقيدته من داخل النفس الانسانية فيصبح ما يخطه يمينه نابعاً من صميم ضميره، حقيقة لاتقبل جدلاً، وعقيدة لا يداخلها ريب، يعمل بهديها ويستضاء بألقها. أما الغوغائية في التفسير والتي لا تمت الى العقيدة بصلة الوعي الهادف فهي نوع من الهذر والثرثرة يعبر بهما عن ثقافة سطحية تعتمد التحريف تارة، والتضليل تارة أخرى، ويكون همها خلط الحابل بالنابل، وهدفها إلقاء الحبل على الغارب، دون أداء أمانة او تحمل مسؤولية، وهنا يكمن الخطر الهدام الذي يهدد تراث الأمية ويستهدف مجدها الشامخ، لهذا يجب مراعاة ذلك بل مجابهته بالتحرز من كيد المنحرفين، وجملة من شبهات المستشرقين، وكثير من حملات ذوي العاهات النفسية والفكرية ممن يديفون السم بالعسل.
ب- الأخلاص والتفويض:
وإذا كان الاعتقاد خالصاً من كل شائبة، جاء إخلاص النية مكملاً للنفس الانسانية من كل نقيصة، لا سيما اذا إقترن الاخلاص بالتوكل على اللّه والتفويض اليه، بتخليص النفس من الآفات والدواعي، وليتسم العمل بصحة الخاطر والفطرة، ونقاء القلب والسريرة، وأبرز مظاهر ذلك الحريجة في الدين، الورع عن المعاصي، والزهد في الدنيا، والتوجه نحو اللّه في السرّاء والضراء، وهذا ما يهب الانسان من المواهب معيناً لاينضب، فقد ورد في الأثر: «العلم نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء»على أن يكون هذا القلب مجانباً لهواه، متبعاً لأمر مولاه، متفقهاً في الكتاب للّه، يعمل بعلمه، ويعلمه غيره، فعن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) أنه قال: «من تعلم العلم، وعمل به، وعلم للّه: دعي في ملكوت السماوات عظيماً، فقيل: تعلم للّه وعمل للّه وعلم للّه».
ج- التدبر والتفكر:
التدبر في آيات القرآن، والتفكر بمعانيه ومراميه، من أبرز سمات المفسر الهادف، فكل آيات القرآن تدعو الى التدبر، وكل معانيه تستأهل التفكر، وبهما يستعصم المفسر من الخطأ في التفسير، ويتحرز عن الاسفاف في التقرير، فتكون أحكامه عن بصيرة، وتصدر أراؤه عن دراية، إذ طبيعة التدبر الواعي والتفكر الجاد مصاحبة التأمل واليقظة والترصد، وكل أولئك مؤشرات دقيقة تستفرع الجهد، وتتحكم في الاجتهاد، وإذا استفرغ المفسر جهده، وأقام على الاجتهاد حقائق ما يتوصل اليه، كانت النتائج أكثر أصالة، والآراء أسد تصويباً، ووصل التفسير الى الكشف مراد اللّه.
علم الموهبة:
وقد رجح السيوطي (ت:911) هجري أن يتمتع المفسر نفسياً بعلم الموهبة، وهو ليس من العلوم المكتسبة، ولا من الفنون التعليمية المحصلة، وانما المراد به الفيض الرباني والعلم الديني استناداً الى قوله تعالى: {وعملنهُ من لدنَّا عِلماً} واليه الاشارة بحديث: «من عمل بما علم، ورثه اللّه علم مالم يعلم» وهو بهذا علم يورثه اللّه تعالى لمن عمل بما علم.
ولعل المراد بعلم الموهبة: الايحاءات التي تعترض خاطر الانسان وتحتشد في ذهنه، فيصيبها في تفسيره دون تلقيها من أحد، أو أكتسابها من جهة، بل هي إنقداح بالفكر، وبداهة من الفطرة تشق طريقها الى النفس إستئناساً بشفافيتها ونقائها، ويكون مصدر ذلك حينئذ هو اللّه تعالى بالموهبة والايحاء، لا بالكسب والمعرفة، ولا يتأتى ذلك لكل فرد، ولا يفوز به الا الصفوة المختارة في كل جيل، وملاك ذلك هو الصفاء الروحي والتوجه نحو الله.

 


source : محمد حسين الصغير
  358
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      الدول المسلمة تستعد لاستقبال شهر رمضان
      الشيخ محمد حسن نجف
      السيد محسن الأعرجي الكاظمي المعروف بالمحقق البغدادي
      الشهيد السيد محمد مهدي الخراساني المعروف بالشهيد ...
      حركة الإمام المهدي (عج) في سياق حركة التاريخ
      الأحاديث الشريفة عند المسلمين في الإمام المهدي (عج)
      ولادته (ع)
      فيما على الزّائر مراعاته
      في فضلِ زيارَته (عليه السلام)
      زيارة عاشوراء

 
user comment