Wednesday 08th 2012
قال الامام علي (عليه السلام) : إِنَّ هذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الاَْبْدَانُ ، فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكْمَةِ. نهج البلاغة / حكمة 87
 
بحث


شعر الیوم
 
شعر الإمام الحسن ( عليه السلام )
هناك مجموعة من أبيات الشعر منسوبة إلى الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، نذكر منها :
1ـ قدّم لنفسك :




قدّم لنفسك ما استعطت من التقى


إنّ المنيـة نازل بـك يا فتى




أصـبحت ذا
  المقالات
1389/5/20 08:46:10 ارسال به دوستان    چاپ کد مطلب : 20393
تعداد بازدید : 73

حدود الجاذبة والطاردة (العنف والتسامح) في الإسلام (3)

حدود الجاذبة والطاردة

(العنف والتسامح) في الإسلام (3)

لمحة عن الأبحاث السابقة:

تعرّضنا في البحثين السابقين لمطالب تتعلّق بالجاذبة والطاردة في الإسلام وحدودهما، وكان أكثرها مقدّمة للدخول في البحث الأصلي؛ وقد أكّدنا في البحث السابق على أمر، وهو أنّ الإنسان بما أنّه موجود متكامل، يواجه في مسيرته التكاملية مجموعتين من العوامل، وهما: العوامل المفيدة والعوامل المضرّة، وهو بحاجة مثل جميع الموجودات الحيّة إلى جذب العوامل المفيدة، وطرد تلك العوامل المضرّة، ولكي يتأتّى له هذا العمل بشكل صحيح فإنّ عليه:

أولاً: أن يعرف جيداً هاتين المجموعتين، ويميّز بينهما بشكل دقيق، وتكون هذه المعرفة بمثابة الخطوة الأولى في حركته، وينبغي أن تكون عملية الجذب والطرد هذه بإرادته واختياره، وأن لا يكون مجبوراً عليها.

ثانياً: أن يقوّي إرادته جيداً ليستطيع القيام بالأعمال المفيدة وترك الأعمال المضرة، ويكون ذلك بمثابة الخطوة الثانية له، إذ من الواضح أنّ الإنسان لا يلتذّ ولا يتعلّق بكلّ ما هو مفيد ونافع له، كما أنّه لا ينفر ولا يكره كلّ ما هو



مضرّ له، بل كثيراً ما يكون الأمر على العكس تماماً، فيكره ما هو مفيد له قطعاً، ويعشق ويرغب ما هو مضرّ له جدا، كالذي نراه عند بعض الناس من تعلقهم بالتدخين أو بالخمر أو غير ذلك من المسائل الضارّة، والمهمّ هو بيان أنّ للمعرفة دوراً أساسياً في مسألة الجذب والطرد، وكذلك هناك دور أساس لقوّة إرادة الإنسان.

المرجع في تشخيص العوامل المفيدة والمضرّة في التكامل الروحي:

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: أننا في عملية بناء النفس والتكامل الروحي نحتاج إلى مرجع يشخص لنا كلاً من العوامل المفيدة، والعوامل المضرّة في هذا التكامل، لكي يتأتّى لنا جذب العوامل الأُولى وطرد العوامل الثانية، فأيّ مرجع يمكن له أن يقوم بهذا الدور؟ وأيّ مرجع يشخص لنا الأساليب التي تقوّي لدينا الإرادة أيضاً؟

يعتقد المسلمون المتدينون بأنّ الله سبحانه وتعالى يحلّ لهم هذه المشكلة، لأنه هو الذي خلق الإنسان ويعرف تماماً قوانين وخصائص روحه وجسمه، وتأثيرهما على بعضهما البعض، ويعلم أيضاً ما هي الأشياء المفيدة له وما هي الأشياء المضرّة، ويعلم بالأُمور التي تقوّي أو تضعف الإرادة الإنسانية في مسائل الجذب والطرد المعنوي؛ وقد حلّ هذه المشكلة بإرساله الأنبياء والرسل، بل ليست فلسفة بعثة الأنبياء إلا هذا الأمر، وليس الدين ولا مجموعة التعاليم والقوانين والأحكام الموجودة فيه إلا بياناً وتفريقاً لما هو نافع للإنسان ومقوّ لإرادته عمّا هو ضارّ له ومضعف لإرادته؛ وإذا أراد الإنسان أن يصل إلى الكمال المعنوي والروحي، ويميّز العوامل المفيدة عن المضرّة، فعليه أن يسأل الدين والأنبياء عن ذلك.

سياسة الإسلام العامة في تبليغ الدين:

أما الآن فقد جاء دور هذا السؤال، وهو: ما الذي ينبغي فعله لجذب الناس إلى الدين؟ لأنّه لا يكفي أن تكون تعاليم وأساليب التكامل الروحي للإنسان بيد الأنبياء فقط، بل لا بدّ  من التفكير جيداً كيف نوصل ذلك إلى الناس، وكيف يلتزمون به؟ وفي هذا المجال يطرح بحث الجاذبة والطاردة بمعناه الثالث المتقدم، وهو السؤال عن الأساليب التي اتبعها الأنبياء لدعوة الناس إلى الدين، وحثّهم على الالتزام به، فهل استعملوا فقط السياسة والأساليب الجاذبة، ليدخلوا الناس في الدين عبر التسامح والرحمة والليونة، أو أنهم استفادوا من الأساليب الطاردة والخشونة والقوّة، أو أنهم استعملوا واستفادوا من السياستين والأُسلوبين معاً؟

والخلاصة أنّه هل هناك قاعدة وقانون خاص في هذا المجال أولا؟ وإذا أردنا التعرّض لهذه المسألة بشكل جامع وكامل فسنحتاج إلى جلسات متعددة، ولا يتلاءم ذلك مع البرنامج الموضوع لهذه الجلسات، فلذا سنسعى قدر الإمكان لبيان خلاصة ما يتعلق ببحثنا هذا.

ألف ـ الاستفادة من البرهان والموعظة:

المرحلة الأُولى في عمل الأنبياء هي دعوة الناس، فلا بدّ لهم أن يقوموا بعمل يسمع فيه الناس كلامهم، ومن ثمّ تأتي مرحلة أن يلتزم الناس أو لا يلتزموا بما يقوله الأنبياء، وفي مرحلة الدعوة هذه لا يستعمل الأنبياء إلا المنطق والاستدلال والبرهان {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ}([1])، ولكي تكون الدعوة جاذبة لا بدّ  أن تطرح بالحكمة والدليل والمنطق، ولا مجال لاستعمال السياسة الطاردة في هذه المرحلة أبداً.

ولكننا إذا نظرنا إلى الواقع الموجود فسنرى أنّه لا يقدر الجميع على إدراك الحكمة والأدلة والبراهين الفلسفية والمنطقية. وإذا رجعنا إلى أنفسنا أيضاً فسنرى أنّنا ترعرعنا على دين الإسلام وعلى مذهب يدعى التشيّع وقبلناه، من دون أن نبحث عن ذلك بالأدلة والبراهين العقلية، وجُلّ الناس يتأثرون بالعوامل الاجتماعية كتربية الوالدين، وتعليمات الأساتذة والمدارس، والأجواء المحيطة وأمثال ذلك، ممّا يؤدّي إلى قبول الإسلام مثلاً دون أن يسأل عن الدليل على صِحته وعدمه، نعم قد يسمع بعض الأدلة من عالم أو خطيب أو غير ذلك، ولكن هذا غير ما نريد قوله، وهو أنّ الأكثر ليس عنده رغبة أو دافع للبحث والتحقيق عن الدين والمذهب، وإنّما يتفاعل مع الأحاسيس والعواطف، ويتعلّق بالمسائل المادية والظاهرية دون سعيه لإقامة البراهين.

والمحرّك الأصلي لنوع الناس هو: المنفعة والضرر، والرغبة والرهبة، ويعبِّر عن هذا المحرّك في الثقافة الإسلاميّة (بالخوف والرجاء) بمعنى أنّه لا بدّ  من وجود شيء يحرّك نحو الفعل أو يطرده عنه، كأن يكون هناك مال أو شهرة أو مقام أو أيّ مرغّب آخر، أو يكون هناك حبس أو جلد أو غرامة مالية أو أيّ مخوف آخر، عند ذلك تبدأ فعالية الإنسان، بل في مقام الدراسة والتحصيل نرى أنّ الشخص يدرس عادة إما ليحصل على عمل مهمّ، أو وظيفة مرغبة، أو لكي ينافس أصدقاءه ورفاقه ولا يتأخّر عنهم، أو لأنّه لا يتحمل ملامة الأهل وعتاب الوالدين، وبما أن نوع الإنسان من هذا القبيل، قام القرآن الكريم بطرح الموعظة إلى جانب الحكمة والمنطق والاستدلال {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ}([2]) فتنصبّ الموعظة على تشخيص الأُمور بأنّ هذه الفوائد تترتب على هذا الفعل أو الترك، وهذه المضارّ تترتّب على ذاك الفعل أو الترك، والمتتبع لأوصاف الأنبياء يجد أنّ القرآن الكريم قد وصفهم بأنهم مبشّرين ومنذرين وما أرسلوا إلّا لأجل ذلك، { وَمَا نُرْسِلُ المُرسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ }([3]).

فالأنبياء ^ لا يُكلّفون في مقام الدعوة بإقامة البراهين والاستدلالات، بل يقولون للناس ـ لما عليه نوعهم ـ : إنّكم إذا قبلتم دعوتنا والتزمتم بها فسوف تدخلون الجنّة ولكم نِعم لا تعدُّ ولا تحصى، وأما إذا لم تقبلوها فإنّ الله قد أعدّ جهنّم وأنواع العذاب للكافرين، عند ذلك يضطرب الإنسان، ويقوى فيه الحافز خصوصاً عندما يكون قد سمع بعض الحوادث الواقعية والعملية، ولذلك يقوم القرآن بنقل ما جرى مع الأُمم السابقة وكيف كانت عاقبتهم، وماذا حلّ بهم من بلاء وعذاب، ويؤكّد على أن ينتبه الإنسان، وليكُنْ متيقظاً أن لا يحلّ به ما حلّ بهم، وتكون له نفس العاقبة. والملاحظ أنّ حالة الخوف من الضرر تحرّك الإنسان نحو الفعل أو الترك بشكل أكبر من حالة الرجاء والوعد بالمنفعة، فعلى سبيل المثال: إذا قلنا لشخص غنيّ ومتنعم في الدنيا: إنّك إذا قمت بهذا العمل سوف تزداد عليك النِعَم وتحصل على مقام أرفع وشهرة أكبر و... فمن الممكن أن لا نرى منه أيّ اهتمام بذلك، ويقول: عندي من النِعَم ما يكفيني ولا رغبة لي في أكثر من ذلك، ولكن إذا قلنا له: إنّك إذا لم تقم بهذا العمل فسوف يقلّ مالك وتنقص هذه النِعَم التي أنت عليها، فسوف يتحرّك لدفع هذا الضرر، والضرر بالنسبة له مرفوض قطعاً، بخلاف مسألة الرجاء وازدياد النِعَم، ولعله لهذه النكتة يؤكّد القرآن على عنصر الإنذار أكثر من عنصر التبشير، وإن تقارنا في مواضع جمّة {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ}([4]).

وعلى هذا، فقد اتضح أنّ القوّة الجاذبة تتكاتف مع القوّة الطاردة في ابتداء الدعوة، فتطرح الحكمة والبراهين معضودة بالوعد في الجنّة والتخويف من النار، وقد كان وصف الجنّة والنار خصوصاً في الروايات جاذباً قويّاً ومحرّكاً شديداً نحو الجنّة، ومرعباً مخيفاً من النار وأهوالها.

ب ـ الموعظة وصفتها:

ونلاحظ وجود نكتة في الآية، وهي بعد أن انتهت مرحلة الحكمة وجاء دور الموعظة، لا بدّ لهذه الموعظة أن تكون حسنة، فالموعظة ـ كما أشرنا ـ تشتمل على عنصر التبشير وكذلك على عنصر الإنذار، وهذا الأخير يحتوي على الخوف والوعيد والتهديد، ولكن مع ذلك لا بدّ  للواعظ أن يبيّن هذا العنصر بشكل يؤثر في القلوب ويأخذ مكانه منها، حتى ولو كان المخاطب شخصاً فاسداً مثل فرعون، ويقول الله للنبي موسى وأخيه هارون : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى *  فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى }([5])، فإنّ فرعون طاغٍ وعاتٍ يجب أن تعظوه بشكل «يخشى» منه، وهذا هو عنصر الإنذار، ولكن مع ذلك عليكما بيان مقولتكما المشتملة على التهديد والوعيد بطريقة وأُسلوب ليّن وملائم، ولا ينبغي أن تواجهاه في بداية الأمر بالخشونة والقسوة. وإذا أردنا استعمال الأُسلوب الحادّ والصراخ في بداية الدعوة، فإننا لا نرى مدعوَّنا إلا واضعاً أصابعه في أذنيه غير مستعدّ لسماع أيّ كلمة منّا، ولا يُصدّق ذهنه دعوتنا أبداً، ولكن إذا طرحنا نفس هذا الكلام الذي يحتوي على القوّة الطاردة والتهديد بأُسلوب هادئ وملائم جذّاب فإنه سيؤثر ويوصل إلى النتيجة المطلوبة أحياناً.

ج ـ المناظرة:

ثم بعد أن ذكرت الآية الكريمة الحكمة والموعظة الحسنة تعرّضت لذكر المجادلة، { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهتَدِين}([6]). ولكي تتأتّى لك هدايتهم إلى الصراط المستقيم عليك أن تناظرهم وتعقد معهم الأبحاث، ولكن مع ذلك لا بدّ  من استعمال أحسن وأجمل أساليب البحث، وإذا انتصرت على خصمك في مقام البحث والمناظرة فلا تخرج عن الإنصاف والأدب والنزاهة، ولا تستفد من المغالطات للفوز عليه، ولا يكن أكبر همّك أن تسقط خصمك في حلبة البحث، بل لا بدّ  أن يكون جلّ سعيك لإقناعه وإيصال الحقيقة إليه.

السبب في عدم استعمال القوّة الطاردة في مقام الدعوة:

وعليه يمكن القول بأنّه لا مجال للقوّة الطاردة وللخشونة في مقام الدعوة بجميع مراحلها، سواء كانت مرحلة الحكمة أم الموعظة أم المجادلة، ومن الممكن أن تكون الموعظة في مجال عنصر الإنذار، ويكون الحديث عن جهنم والعذاب، ومع ذلك لا بدّ أن يكون لحن الكلام جذّاباً، يلفت انتباه الطرف المقابل ويدفعه للتفكير بمحتواه، وعندما يكون الكلام بهذا الأُسلوب، سيفكّر السامع بالمحتوى ويقول في نفسه: «إنّه قد يكون الكلام عن العذاب وجهنّم أمراً ممكنا، فلماذا لا أتحقّق من الخبر وأرى ما هي حقيقته؟»، خصوصاً بعد ملاحظة هذه النكتة الموجودة في مسألة النفع والضرر، وهي أنَّ المحرّك والباعث ليس ناتجاً عن احتمال النفع والضرر فقط، بل هو حصيلة ضرب الاحتمال بالمحتمل، وهذا يعني أنّه من الممكن في بعض الموارد أن يكون احتمال النفع أو الضرر قليلاً ولا يُرتّب عليه الأثر عادة، ولكن إذا ضممنا إلى ذلك قوّة المحتمل وأهميته سوف يؤدّي إلى التحرّك والانبعاث وترتيب الأثر.

فعلى سبيل المثال لو أخبرنا طفل عمره خمس سنوات بوجود سلك كهربائي على الدرج وقال: انتبهوا ولا تدوسوا عليه أثناء صعودكم. فالاحتمال في هذه المسألة ضعيف جداً، لأنّ طفلاً بعمر خمس سنوات لا يعرف السلك الكهربائي عادة، ولا يميّز بينه وبين سلك التلفون، وكيف علم بأنّ هذا السلك متّصل بالكهرباء، وأنّه ليس مجرّد سلك مقطوع؟ فإنّ كلّ ذلك يجعل الاحتمال ضعيفاً جداً، ولكن من ناحية المحتمل والإخبار عن الكهرباء التي فيها الموت والحياة، فإنّه قويّ جدا ولقوّة هذا المحتمل نصعد الدرج حذرين مراقبين ذلك السلك جيداً ونعبر عنه باحتياط كامل.

وفي مجال بحثنا، نرى المحتمل قويّاً جداً أيضاً، بل هو أقوى من مسألة الموت والحياة وأرفع من ذلك بدرجات لأنّه إخبار عن عذاب أبديّ وعن خلود في النار، ويمكن لنا طرح عنصر الإنذار هذا بما فيه من الحديث عن العذاب وعن جهنّم، بأُسلوب ملائم ولهجة ليّنة، وبقلب صادق غيور على الناس حريص على مصالحهم، وعند ذلك لا يستبعد أن يستمع الناس إلينا ويتأثروا بذلك أيضاً.

تعاطي الإسلام مع السلوك الشخصي:

وأما بالنسبة للبحث عن المجتمع وسلوك الأفراد فيه ومدى تأثيرهم عليه، فالأمر مختلف، فإذا ما كان العمل الصادر من الشخص سرّياً وكان نفعه أو ضرره شخصيّاً، راجعاً إليه فقط وغير مؤثّر على المجتمع، عندما يُطرح هذا السؤال وهو كيف يتعامل الإسلام مع هكذا سلوك؟ فمن يقوم في آناء الليل يصلي أو يقوم بشرب الخمر، والعياذ بالله، من دون أن يطّلع على صلاته أو شربه أحد، فالنفع والضرر في هذين الموردين شخصي لا يعود على المجتمع بشيء، والإسلام في هكذا موارد يستعمل القوّة الجاذبة لا غير، فيقوم بذكر فوائد وآثار صلاة الليل، وضرر ومساوئ شرب الخمر، حتى يوجد الباعث لأداء صلاة الليل، والحافز على ترك شرب الخمر، طبعا عبر الاستفادة من الأُسلوب الحسن والكلام المناسب والنصيحة الأخوية، ولا يسمح الإسلام باستعمال القوّة الطاردة مع من يشرب الخمر في سريّة تامة، حيث إنّ ضرر ذلك شخصي، ولا يجوز استعمال القوّة والخشونة معه أبداً، وإذا اطَّلع أحد على فعله فليس له الحقّ أن يقول له: إنّني رأيتك تفعل هذه المعصية، فضلاً عن إفشاء ذلك للآخرين؛ لأنّ هذه المعصية كانت بالسرّ وليس لأحد الحقّ في إفشائها، ولعلّه إذا قيل له بأنّك تفعل هذه المعصية، أوجد فيه ردّة فعل سلبيّة، ولقال في نفسه: بما أنّ الناس قد اطّلعوا على ما أفعل، فلا فرق بين أن أقوم به في السرّ أو في العلانية، ولذا نجد أنّ الإسلام يمنع عن فضح هكذا شخص وإفشاء سرّه، فكيف يأمر بالتعاطي الطردي والمعاقبة والشدّة معه؟! طبعاً لا يأمر بذلك، وإنما يوصي بنصيحته وأن يطّلع على مساوئ ومضارّ عمله بشكل غير مباشر، ومن دون أن يعلم بأنّ أحداً قد أطلع على معصيته، فلعلّه يقلع عن ذلك ويتوب إلى ربّه.

تعاطي الإسلام مع السلوك الإجتماعي:

هناك بعض الأعمال القبيحة يتعدى الضرر فيها نفس الشخص ليسري ويؤذي المجتمع كلّه، وتارة يكون هذا التأثير مباشرةً، وطوراً لا يكون كذلك، وأما المثال الأوّل فواضح، وهو كما لو قام شخص بضرب وشتم أو ظلم بعض الناس وغصب حقوقهم بالقوّة؛ وأما في مجال تأثير الأفراد على المجتمع بشكل غير مباشر، فإنّه قد يناقش في بعض الموارد وفي سعة وحدود هذا التأثير، ولكن لا شك بوجود موارد تبدو غير مؤثرة على المجتمع، ولكن من خلال التأمل والتدقيق نجد أن لها تأثيراً على بقية الأفراد في المجتمع، كما لو قام أحد الناس بعمل قبيح على مرأى منهم، فإنّ ذلك يعتبر تلقيناً وتعليماً غير مباشر للناس، ومؤدّياً لزوال قبح العمل شيئاً فشيئاً من أذهانهم، كما لو كذب الأب على بعض الناس في  محضر أولاده، فإنّ ذلك يعتبر تلقيناً بشكل غير مباشر للأولاد بأنّ الكذب ليس بقبيح، إذ لو كان قبيحاً لما فعله الأب.

وأما موقف الإسلام من هذه الأعمال فهو لِمَا يراه من تأثير لها على الساحة والمجتمع، فإنّه ينهى عن التجاهر بالفسق، ويمنع عن إجراء بعض الأعمال علانيةً، وأما إذا صدرت من الشخص بالخفاء والسرّ من دون أن يطّلع عليها أحد فتكون معصية لا أكثر، ولا يكون فاعلها قد ارتكب ذنباً حقوقياً ولذا لا تتعرّض له الحكومة الإسلاميّة بأذى، ولكن لو قام بنفس العمل أمام مرأى وأعين الناس، فهذا يكون ذنباً حقوقياً، علاوةً على كونه معصية وستتعرّض له الحكومة الإسلاميّة بالعقوبة وبالمجازاة.

وعلى كلّ حال، يحكم جميع العقلاء في العالم بلزوم وجود قوّة قاهرة اجتماعية اسمها الحكومة، وظيفتها منع ومعاقبة الأشخاص الذين يقومون بأعمال تعتبر تعديّاً على حقوق الآخرين، ويكون تأثيره على الآخرين بشكل مباشر، وهذا أمر جرى عليه كلّ العقلاء، ولا اختصاص له بالإسلام أو بالأديان الإلهية، ولكن عندما يكون الضرر معنوياً على المجتمع كما في بعض الموارد، يفترق الإسلام بفارق أساس عن النظم الديمقراطية والليبرالية، فالإسلام يُجوِّز للحكومة الإسلامية، بل يكلّفها بالتدخل والحدّ من الضرر المعنوي، بينما نرى بقيّة النظم ساكتة عن ذلك، وعلى سبيل المثال يحكم النظام الديمقراطي أو الليبرالي على ظهور شخص في الشارع بلباس لا يتناسب ولا يتلاءم مع المجتمع بأنه تصرف فردي، وليس لأحد التعرّض له بسوء، بينما الإسلام يمنع هذا العمل بشدّة لِمَا له من الآثار السلبيّة والتخريبية على المعنويات، ويعتبر من يقوم بذلك متجاوزاً لحكمه مذنباً لا بدّ من معاقبته.

القوانين الجزائيّة سبب للنَظْم الاجتماعي:

لا يوجد أيّ خلاف حول ضرورة وجود الحكومة للحدّ من الأعمال التي تضرّ بالمجتمع وتضيّع حقوق الآخرين، وتحتاج الحكومة بشكل بديهي لوضع القوانين حتى يمكن لها القيام بوظيفتها بشكل صحيح، وتقسَّم القوانين الموجودة في المجتمع ـ في إحدى تقسيماتها ـ إلى قسمين: القوانين المدنية (الحقوق المدنية)، والقوانين الجزائية.

وتقوم القوانين المدنية ببيان حقوق وحريات أفراد المجتمع: من زواج وطلاق وإرث وأمثال ذلك، وأما القوانين الجزائية فهي ترجع إلى التخلف عن القوانين المدنية، بمعنى أنّه بعد أن وضعت الحقوق المدنية وعُيّنت حدود وحريات الأفراد، يأتي دور القوانين الجزائية لتضع الجزاء والعقوبات على كلّ من يتخلف عن الحقوق المدنية ولم يراع الحدود المعينة والحريات المذكورة، ويعتبر وضع هذه القوانين الجزائية وتنفيذها من أهم الأعمال والوظائف الملقاة على الحكومة والدولة، ويكون ذلك عاملاً مهمّاً لإيجاد النَظْم والاستقرار والأمن الاجتماعي، وأما إذا اقتصرت الدولة على وضع الحقوق المدنية وتعيين حرّيات المواطنين فقط، دون أن تراعي مسألة وضع القوانين الجزائيّة وتنفيذها، فسوف لا تطبّق القوانين المدنية وسيحدث الكثير من المخالفات والتجاوزات، وعدم رعاية حقوق الآخرين، ولو لم يكن هناك ضريبة على مخالفة نظام السَير، ولم يكن هناك مراقب لتنفيذ وإجراء هذا النظام كالشرطي، فسنرى التجاوزات الكثيرة، فلا نجد من يقف على ضوء الإشارة الحمراء، ولا من يراعي عدم الوقوف في بعض الأماكن، وهكذا يختلّ كلّ نظام السَير في البلد، وإنما الذي يمنع اللصوص والقتلة من التمادي في تجاوزاتهم هو الخوف من الحبس والإعدام، ولولا ذلك لكثر القتل والسرقة في البلد، وعلى هذا الأساس نجد أنّ من أهم أعمال الدول وضع القوانين الجزائية وتنفيذها، ولولا ذلك لم يكن هناك معنى للدولة ولا للنظام الاجتماعي.

القوانين الجزائية والقوّة الطاردة:

إنّ تنفيذ وإجراء القوانين الجزائية يستتبع وجود القوّة الطاردة، ولا أظن أن أحداً يعجبه الحبس أو الجلد أو الإعدام، لأن ماهية وطبيعة هذه الأعمال خشنة ومرّة، حتى ولو كان الذي ينفذها بشوشاً ورحب الصدر، فلو قال القاضي وهو يبتسم وبأُسلوب هادئ ومؤدّب لشخص قد تجاوز بعض الحقوق: رجاءً عليك أن تبقى في هذه الغرفة خمس عشرة سنة؛ أو رجاءً، اكشف عن جسمك فإننا سنجلدك مائة جلدة، أو رجاءً ضع رأسك على المقصلة فإننا نريد قطع رأسك؛ فإنّ هذا الأُسلوب الهادئ والاحترام والابتسامة وكلّ ذلك لن يغيّر من خشونة تلك الأعمال، فإنها بطبيعتها وذاتها خشنة، حيث إنّه لا أحد يحبّ أن يبقى في السجن ولو يوماً واحداً، ولا أحد يفرح بالجلد أو بقطع رأسه، بل حتى تلك الضريبة التي يفرضها شرطي السَير على المخالف، ومهما كان الشرطي مؤدّباً في تعاطيه ومهما أبدى المخالف من سعة صدر واعتراف بالخطأ، مع ذلك كلّه يبقى منزعجاً ولو قلبيّاً من الضريبة ومن الشرطي؛ إذاً لا شك بوجود القوّة الطاردة والخشونة الذاتية في القوانين الجزائية، وكذلك لا شك أنّ فلسفة وجود الحكومات هو وجود هذه القوانين الجزائية، وعلى هذا الأساس، يوجد في كلّ حكومة مجموعة من القوانين الجزائية، وهذه القوانين بطبيعتها وماهيتها خشنة ودافعة، فكلّ حكومة تمتلك بشكل إلزامي لمجموعة من القوى الطاردة في قوانينها.

قد يقال: إنّ اصطلاح العنف لا يستعمل إلّا في الموارد التي تؤدّي إلى الألم والتعذيب الجسمي: كالضرب والجلد وقطع اليد، ولو سلمنا بذلك فعلى الأقل يوجد قوّة دافعة في بعض الموارد كأمثال الضريبة المالية والحبس وأمثالها حيث لا ضرر على الجسم، ولا يرضى بل يشمئزّ المعاقَب والمجازى من الأحكام الصادرة في حقه، فإذا لم يطلق عليها اسم العنف في القوانين فهي على الأقل قوانين دافعة.

والنتيجة التي وصلنا إليها هي: أنّ قوام الحكومة بوجود القوانين الجزائية، وهذه القوانين ملازمة للعنف أو الطرد، ولا يعقل قيام الحكومة على أساس القوى الجاذبة فقط، لأنّ تشكيل هكذا حكومة يعتبر لغواً، حيث إنّ إحدى الفلسفات والعِلل الأصلية لتشكيل الحكومات: أنّها تقوم بدفع كلّ من تجده مُعرضاً عن العمل بالقوانين وإلزامه على التقيّد بها، حتى ولو أدّى ذلك الطرد والإلزام إلى استعمال القوّة والعنف، ومن الطبيعي أنّ لاستعمال القوّة مراتب ودرجات، فقد يكون بدفع ضريبة وقد يكون سجناً، وقد يصل أحياناً إلى الجلد أو النفي والتبعيد، وقد ينجرّ الأمر لتنفيذ حكم الإعدام.

الدقّة في تفكيك البُعد الشخصي والبُعد الاجتماعي للعمل:

تبين أنّ الاستفادة واستعمال القوّة الطاردة إنّما هو في الموارد التي يُتخلّف فيها عن القوانين الاجتماعية، ولا يحقّ للدولة استعمالها وتطبيق العقوبات طالما ينحصر العامل في دائرته الشخصية ولم يتعداها إلى الناحية الاجتماعية، ولكن لو أنّ شخصاً أذنب في الخلوة والسرّ، ولم يكن قاصداً أن يطّلع على ذنبه أحد، ثم صادف أن اطّلع عليه بعض الناس، واشتكوا عليه وثبتت معصيته أمام القاضي، فعند ذلك يحكم الإسلام بلزوم معاقبته رغم كونه لم يكن قاصداً ومريداً لإظهار هذا الذنب، والسرّ في ذلك: أنّ هذا العمل دخل في جنبته وبُعده الاجتماعي، واطلع عليه بطريقة أو بأخرى بعض الناس، وقد يترتب الضرر الاجتماعي على عمله حتى ولو لم يكن قاصداً، ولا تحاسب الحكومة على القصد والنوايا وإنما تحاسب على العمل إذا كان له ضرر اجتماعي؛ بل لو أنّ شخصاً اعترف وأقرّ على نفسه بأنّه ارتكب ذنباً، فسوف يكون مصداقاً للذين يحبون أن تشيع الفاحشة، وهذا أمر محرّم وممنوع في القوانين الإسلاميّة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ([7]).

تعاطي الإسلام مع الدول غير الإسلاميّة وأتباعها:

ويطرح بحث الجاذبة والطاردة في الإسلام في دائرة تعاطيه مع الأشخاص الخارجين عن الحدود الجغرافية للبلد الإسلامي، وهذا بحث مهم وكبير يحتاج إلى الكثير من الوقت، فلذا نقتصر على بيانه بشكل إجمالي:

لا يخلو وضع الأشخاص الخارجين عن دائرة الحكومة الإسلاميّة من أحد حالتين: فإما أن يكونوا أشخاصاً يتربّصون الدوائر بالحكومة الإسلاميّة ويهدفون إلى إضعافها بشتى الطرق، أو ليسوا كذلك، وبعبارة أُخرى: إما أنهم أشخاص يعادون المسلمين والحكومة الإسلاميّة ويريدون إيذاءهم، أو أنهم ليسوا كذلك.

 فإذا كانوا من الصنف الثاني الذي ليس عنده عداء مع المسلمين، ولا يريد إيذاءهم ولا إضعاف الحكومة الإسلامية، فالمسلمون مأمورون بمراعاة العدل والإحسان معهم، وعدم الاعتداء عليهم ولا مصادرةِ حقوقهم: { لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ }([8])؛ وطالما لا يعادون الإسلام ولا يتآمرون عليه، فلا تجوز أذيتهم بل على المسلمين أن يتعاملوا بإحسان، ويوصي الإسلام في بعض الموارد بالرحمة واللطف بهم لعلّهم ينجذبون إليه، فمن موارد صرف الزكاة الكفار المجاورون للبلد الإسلامي، وقد عبر الاصطلاح القرآني عنهم بـ «المؤلفة قلوبهم» فلعلّ إعطاء الأموال لهم يوجب ميلهم إلى الإسلام، أو على الأقل يوجب نوعاً من المحبّة للمسلمين فلا يسمحون للكفار المحاربين بالتوغّل من جهتهم لضرب المسلمين. إذاً يمكن القول بأنّ حكم الإسلام في التعاطي مع هذا الصنف الثاني هو عدم جواز استعمال العنف والقوة الطاردة، بل لا بدّ  من استعمال قوّة الجذب معهم.

أما الصنف الأوّل من الكفّار المعاندين والمحاربين للإسلام والمتآمرين عليه، فإنّ حكم الإسلام تجاههم قاطع وحازم حيث يوجب استعمال قوّة الطرد، ولا يسمح لهم بأيّ تحرّك ضدّه، ويحرّم أيضاً التعامل معهم: { إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلّهمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }([9]).

وأؤكد مرة ثانية على أنّ حكم الإسلام باستعمال قوّة الطرد مخصوص بالأشخاص الذين يعادون ويحاربون الإسلام بشكل رسمي وعلني، وأما غيرهم فالحكم يختلف تماماً، ويقول القرآن الكريم بأنه إذا كان هناك معركة بين المسلمين والمشركين، وظهر في ساحة المعركة من صف المشركين شخص يرفع علماً أبيض مثلاً أو أيّ شيء آخر يريد أن يصل إلى جهة المسلمين وعنده أسئلة علمية، وهو واقعاً لا يعلم بأنّ الإسلام حقّ أو لا، وأنّ الحرب ضدّهم صحيحة أو لا، فعلى المسلمين أن يرسلوا ـ مع تمام الحيطة والحذر ـ من يأتي به إلى معسكر المسلمين، ويتحدثوا معه ويجيبوه على أسئلته، وعليهم أن يسعوا جهدهم لإقناعه بالأدلة والبراهين، فإذا اقتنع فبها ونعمت، وإلا فعليهم إرجاعه إلى مكانه الأصلي بعيداً عن مرمى جيوش المسلمين، وعند ذلك إذا صمّم على محاربة المسلمين قاتلوه وحاربوه، وإلا تركوه يذهب أين ما يشاء: { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ }([10])، ففي أيّ نظام حقوقي نرى هكذا مسألة؟ نعم الإسلام هو الذي يقول إنّ على العالِم والجامعي المسلم أن يجيب على أسئلة الكفّار المعاندين حتى ولو كانوا في ساحة المعركة، ومن قال بأنّ الإسلام لا يسمح بالأسئلة والتفاهم وأنه لا يجيب إلّا بالطعن والمحاربة؟! الإسلام الذي يأمر بهكذا تعامل رفيع مع المشرك المحارب الشاهر لسلاح العداء، فيكف به مع المسلمين أنفسهم؟

إذاً فالسياسة الأُولى للإسلام تبدأ بالحكمة والإعتماد على البرهان، ثم الموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وأما ذلك الشخص الذي أُفحم في البحث العلمي ولم يبدِ أيّ جواب ومع ذلك يصرّ على محاربة الإسلام، ويتآمر عليه ويسعى لتضعيف النظام الإسلامي، فلا بدّ من مقابلته بالشدة والحزم، ولا مجال للتساهل والتسامح معه أبداً.

رأي الإسلام في مجال الأعمال والقوى الطاردة:

الإسلام إذاً يأمر باستعمال العنف والقوة الطاردة في مجالين:

الأوّل: في دائرة المجتمع الإسلامي وداخله، مع المسلمين وغيرهم أيضاً فيما لو تجاوزوا القوانين المدنية وتعدوا على حقوق الآخرين، وظلموا وعتوا في الأرض مفسدين.

والثاني: في الدائرة الخارجة عن حدود الحكومة الإسلامية، مع من نوى العداء للإسلام وتآمر عليه.

وأما بالنسبة لنوع العقوبة التي ينبغي تنفيذها وتطبيقها على المتخلفين عن القانون والمتجاوزين لحقوق الآخرين، فلا يدركها العقل في كثير من الموارد، فلذا يكون المعيّن والمشخص لها هو الله سبحانه وتعالى بشكل مباشر، وبعد أن يتم تعيين نوع المجازاة تُنفَّذ بحقّ المتخلفين بشدة وعلى أكمل وجه، ويقول القرآن عند تحديده لجزاء فاعلي الفحشاء ومسبّبي الفساد: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ }([11]). فإنّه لا بدّ  من قمع هذا العاصي المتخلّف عن الحكم الإلهي بشدّة، ولا ينبغي أن ينظر إليه أيُّ مسلم معتقد بالله وبيوم القيامة بعين الرأفة والرحمة، وليشهد هذه الشدّة والمجازاة طائفة من المؤمنين ليروا الآلام التي يتحمّلها المتخلف، وكيف يُراق ماء وجهه في المجتمع، لكي لا يجرؤ أحد بعد ذلك على ارتكاب مثل هذا العمل.

خلاصة الكلام في الجاذبة والطاردة في الإسلام:

والنتيجة الأخيرة في هذا القسم من البحث هي: أنّ حدود الجاذبة والطاردة في الإسلام عبارة عن الاستفادة من القوّة الطاردة في مجالين فحسب، وهما مجال المجتمع الإسلامي مع من يتعدى على حقوق الآخرين المادية أو المعنوية بشكل مباشر أو غير مباشر، والمجال الخارج عن المجتمع الإسلامي مع من يعادي الإسلام وينوي الإضرار بالمجتمع الإسلامي ويتآمر عليه، وأما في غير هذين المجالين فلا بدّ من الاستفادة من القوّة الجاذبة بالخصوص، أو من القوّة الطاردة المترافقة والمتعاضدة مع القوّة الجاذبة بالأُسلوب وباللهجة المناسبة التي يمكن لها أن تقلّل من حدِّية الطرد، كما أن المعيّن والمحدّد لنوع العنف والطرد ولحدودهما في كثير من تلك الموارد هو الله سبحانه وتعالى، إما مباشرة أو ببيان القواعد الكلية لها: وفي كلتا الحالتين لا يجوز تعدّي هذه الحدود عند تنفيذ الطرد والخشونة: { تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }([12]).

وفي ختام هذا البحث نُذكِّر قليلاً ببعض الأُمور التي مرّت في البحث الماضي. حيث قلنا: إنّ البحث حول الجاذبة والطاردة في الإسلام يمكن أن يفرض على ثلاثة أشكال:

1 ــ هل جعلت مجموعة المعارف والأحكام الإسلاميّة على نحو تجذب بعض العناصر للمتدينين بها، أو تطرد بعض العناصر عنهم، أو أنّها تطرد وتجذب معا؟

2 ـ هل جعلت مجموعة المعارف والأحكام على نحو تكون جاذبة لنوع الناس، أو تكون دافعة لهم؟

3 ـ هل الإسلام في مقام الدعوة إليه يأمر المسلمين باستعمال الأساليب الجاذبة فقط، أو باستعمال الأساليب الطاردة فقط، أو استعمال كلا النوعين؟

وقد كان أكثر بحثنا منصباً على السؤال الثالث، ولم نتعرّض للسؤالين الأولين بشكل مفصل ودقيق، ولكن مع ذلك ننهي البحث عن الجاذبة والطاردة في الإسلام، آملين أن تسمح لنا الفرصة فيما بعد لإكماله، وننتقل في الجلسات المقبلة إلى بحث جديد من الأبحاث المهمة والحساسة الأُخرى.

سؤال وجواب:

السؤال: لقد ذكر في طيّات البحث عن الجاذبة والطاردة في الإسلام كلمة (الخشونة)، ويقع البحث في استعمال هذه الكلمة وهذا المفهوم من جهتين:

الجهة الأولى: هل ورد هذا المفهوم في القرآن الكريم والروايات حتى نعتبره اصطلاحاً دينياً؟

والجواب على ما يبدو بالنفي؛ لأنّ هذه الكلمة لم تستعمل قطعا في القرآن الكريم، ولعلّها غير موجودة في الروايات أيضاً، وإذا استعملت فذلك استعمال نادرٌ جداً، والخلاصة أن العنف لم يطرح بعنوان فضيلة من الفضائل في الثقافة الإسلامية، وكذلك الأمر في اللغة الفارسية، حيث إنّ مفهوم (الخشونة) العنف لا يحمل في مضمونه قيمة إيجابية ويستعمل في موارد عدم الرحمة، وهذا المفهوم يختلف عن مفهوم الحزم والشدّة، ومفهوم الحزم مفهوم قيمي إيجابي لا يرادف مفهوم العنف السلبي، فعلى سبيل المثال، من الممكن أن نجد قائد جيش حازماً غير خشن، وقد يكون خشناً غير حازم، والحزم والخشونة مفهومان متفاوتان لا يصحّ استعمال أحدهما مكان الآخر، بل قد يقوم الإنسان بعمل عاطفي (كالتقبيل بعنف) بأُسلوب خشن.

الجهة الثانية: إذا فرضنا وسلّمنا وجود اصطلاح العنف في القرآن والروايات والثقافة الإسلامية، وإذا قبلنا أيضاً أنّ مفهوم العنف مرادف لمفهوم الحزم وله قيمة إيجابية، لكن مع ملاحظة الظروف المحيطة والمسائل الموجودة، نجد أن هناك مانعاً من جهة العقل ومن جهة النقل أيضا عن استعمال هذا المفهوم، وأنّه لا بدّ  من استعمال مفهوم آخر مكانه.

أما من الناحية العقلية فالعقل يقول: عندما يكون استعمال العنف (الخشونة) في المجتمع لا يُفهم منها إلّا المعنى السلبي، وأنها مرادفة لعدم الرحمة، وسيؤدّي من دون قصد إلى إيجاد حالة الطرد والنفور عند سماع هذه الكلمة، بينما يمكن تجاوز المشكلة بسهولة باستعمال مفهوم آخر يؤدّي نفس المعنى ويكون مفهوماً قيماً إيجابياً، فلا بدّ من اختيار المفهوم الثاني دون مفهوم العنف (الخشونة).

وأما من الناحية النقلية، فالقرآن الكريم يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }([13])، فعندما كان الأعداء يستفيدون من هذا التعبير (راعنا) بشكل سيّئ، جاء القرآن ليقول للمسلمين إنّكم تستطيعون أداء نفس المفهوم بتعبير آخر وهو (انظرنا) وتقطعوا الطريق على سوء استفادة الأعداء.

إذاً يفرض بحث العنف ( الخشونة) في مقامين:

الأوّل: في مقام الحسن والقبح الفعلي.

الثاني: في مقام الحسن والقبح الفاعلي.

فالبحث عن الذبح مثلاً بحث عن فعل بطبيعته فيه عنف وخشونة، فقطع رأس الدجاج أو الخروف بطبيعته وماهيته فعل خشن؛ ولكن إذا ما تعرّضنا للبحث عن الذي يقوم بهذا الذبح (فاعل الذبح)، نرى أنّه يقوم بالذبح بصورة خشنة وقاسية، وطوراً يقوم به بأُسلوب لا يتّصف بالخشونة، وإنما ذكرنا هذا المثال للإشارة إلى أنّ بحثنا في المجال الثاني وهو العنف  الفاعلي، لا العنف الفعلي، فلا ينبغي لنا أن نظهر أحكام الإسلام عند تنفيذها بصورة خشنة، تماماً كالرسول الأكرم | الذي بعث رحمة للعالمين وكان على خلق عظيم، فإنّه على ما يتحلى به من الصفات السامية كان يواجه الكفار بحزم وشدة من دون أن يكون هناك خشونة أو عنف في فعله وتصرفه.

وخلاصة السؤال هي: أنّه لماذا نصرّ على استعمال كلمة العنف ونوجد الحالة الطاردة بهذا الاستعمال، ونترك المجال لسوء استغلال الأعداء لهذا المفهوم الحامل للقيمة السلبية، والذي يرادف في كلّ المجتمعات معنى عدم الرحمة، مع أنّه وبكلّ سهولة يمكن لنا تبديل هذا التعبير وتحلّ كلّ المشاكل الناجمة عنه؟

الجواب:

بعض الأمور التي ينبغي ذكرها في مقام الجواب، كنا قد تعرّضنا لها في مناظرة تلفزيونية حول بحث العنف (الخشونة)، يمكن مراجعة هذه المسائل حيث إنّها طبعت في مجلة (پرتو) ـ أي الشعاع ـ الأسبوعية ([14]).

ولكن يمكن الإشارة في هذا المقام إلى أنّ كلمة >العنف < تارةً يبحث في معناها في ثقافتنا، وطوراً يبحث في معناها عند الثقافات والأعراف المختلفة، فأمّا في مجال ثقافتنا نحن، فقد يُدعى أنّها مرادفة لعدم الرحمة، وعلينا في تحقيق هذا المدعى، أن نرى ما معنى مفهوم الرحمة لكي يتضح المفهوم المقابل له وهو عدم الرحمة والخشونة، ولو سلّمنا أنّ مفهوم العنف يطلق ويراد منه غالباً عدم الرحمة، ولكن الأمر ليس كذلك في الثقافات والأعراف الأُخرى، ففي عرف الحقوق والسياسة ـ مثلاً ـ لا تعني كلمة العنف والخشونة عدمَ الرحمة، فإنّ هذه الكلمة العنف (الخشوة) عربية الأصل، وإذا راجعنا كتب اللغة والقواميس العربية، لا نجدهم أبداً يفسّرون العنف والخشونة بعدم الرحمة، بل يقولون: إن الخشن ضد اللين، والليونة تأتي بمعنى النعومة والطراوة أحياناً.

وإذا قيل: إنّه عندما تنتقل المفاهيم من العلوم الفيزيائية والطبيعة إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية يطرأ عليها عادة بعض التغيير ويصبح لها مصاديق جديدة، قلنا هذا صحيح، ولكن تبقى أُصول وجذور المعنى اللغوي محفوظة فيها أيضاً.

وأما ما قيل في ضمن السؤال ومقدمته، من أنّ كلمة العنف لم تستعمل قطعاً في القرآن الكريم، وكان استعمالها في الروايات نادراً جداً، وأنّ هذا المفهوم لم يطرح بعنوان فضيلة من الفضائل في الثقافة القرآنية والروائية، فإنّ هذه دعاوى باطلة، ففي القرآن وإن لم نجد هذه المادة (خ ـ ش ـ ن) ولكن هناك كلمات قد استعملت في القرآن وهي مرادفة لكلمة الخشونة، ولا مانع من جهة قواعد اللغة والبلاغة والأدب أن توضع إحدى الكلمات المترادفة مكان الأُخرى، وإذا دللنا على الكلمة المرادفة للخشونة في القرآن والروايات لا يمكن الادعاء بعد ذلك بأنّ مفهوم العنف غير مستعمل في القرآن الكريم؛ والكلمة المرادفة للخشونة التي وردت في الكتاب العزيز هي كلمة (الغلظة) من مادة (غ ـ ل ـ ظ) وهي في قولة تعالى: { وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً }([15]) وفي تعبير آخر { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }([16])  وفي تعبير ثالث يقول: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ }([17]) وفي موضع رابع: { عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ }([18]).

والخلاصة: أنّ مادة (غ ـ ل ـ ظ) وردت في الكتاب الكريم ثلاث عشرة مرّة، والغلظة مرادفة للخشونة ولهما معنى واحد، وكذلك نجد أن القرآن قد استعمل في مورد واحد مفهوم الرحمة في مقابل مفهوم الشدة: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } ([19]).

وأما من ناحية الروايات فنقول: إن مادة (خ ـ ش ـ ن) وردت فيه الروايات، وذكرت في بعض الموارد بعنوان أنّها فضيلة، كما في وصف أمير المؤمنين علي × بأنه: >خشن في ذات الله<([20])، وكما وصف نفسه × في كتاب بعثه إلى معاوية بن أبي سفيان > ... وإني لو قتلت في ذات الله وحييتُ ثم قتلتُ ثم حييتُ سبعين مرّة لم أربع([21] ) عن الشدّة في ذات الله والجهاد لأعداء الله<([22])، وفي كتاب له × يوصي بعض عماله > ... فاستعن بالله على ما أهمك، واخلط الشدة بضغث من اللين، وارفق ما كان الرفق أرفق، واعتزم بالشدة حتى لا تغني عنك إلا الشدة ...<([23]).

 كان هذا تحقيقاً للكلمات في اللغة والآيات والروايات، اتضح من خلاله بطلان الدعوى المذكورة في السؤال.

وإذا غضضنا النظر عن البحث اللغوي وموارد الاستعمال، فإنّ لنا أن نسأل عن معنى الخشونة، وهل تعني حقاً عدم الرحمة؟ فلو حكمت قوانين الإسلام الجزائية، على شخص ارتكب ذنباً معيناً بقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وأصبح بعد تنفيذ الحكم منبوذاً في المجتمع، فهل يعتبر ذلك الحكم رحمة أو لا رحمة فيه، وكذلك يوجد في قوانين الإسلام حكم بإشعال النار وإلقاء العاصي فيها، أو تكبّل يداه ورجلاه ويرمى من شاهق، أو لأجل سرقته ديناراً من ذهب يحكم بقطع أصابع يده الأربعة، فهل هذه الأعمال تعتبر رحمة أو لا رحمة فيها؟

وقد ميّز في السؤال بدقة بين العنف الفعلي و العنف الفاعلي، وبين الحسن والقبح الفعلي والحسن والقبح الفاعلي، وقيل كذلك بالفرق بين الحزم والخشونة، ولو أنّ الشرطي إذا ضبط شخصاً يعبر بسيارته من دون مراعاة الإشارة الحمراء، وتعامل معه بكلّ احترام وأدب وقال له بابتسامه: عليك أن تدفع خمسة آلاف تومان غرامة وجزاء لتخلّفك، فإنّ عمل الشرطي هذا حازم وليس فيه خشونة؛ ولكن نقول إنّ عمدة البحث في أنّ العقوبات الموجودة في الإسلام ليست حازمة فحسب، بل بعض منها وبطبيعته وماهيته خشنة وعنيفة، فمثلاً عمل الجلاد عندما يفصل الرأس عن الجسد بسيفه القاطع ويفور الدم، عمل بطبيعته وماهيته خشن، ولا يمكن أن ينفذ عمله هذا بطلاقة وجه وابتسامة وانشراح، والمشهد الذي يتجلّى أثناء تنفيذ هذا الحكم لا يتحمّله كثير من الناس، (ويغيب البعض عن الوعي، وينسون الضحك والإبتسامة وأمثال ذلك)، عندها كيف نقول إنّ هذا الحكم ينبغي أن ينفّذ بحزم ولكن بأُسلوب هادئ؟! كيف يتصوّر قطع الرأس وفصله عن الجسد مترافقاً مع الابتسامة؟! إنّ طبيعة هذا العمل خشنة، وطبيعة الجلاد المنفّذ له عنيفة أيضاً، ولا معنى للتفكيك بين العنف الفعلي و العنف الفاعلي في هكذا أفعال.

أضف إلى ذلك: أنّ الأشخاص الذين أوردوا هذا الإشكال على الإسلام، لا يعترضون في مورد العنف الفاعلي، وإنما وبطريق الصدفة يعترضون على العنف الفعلي، وأنّ هذه الأعمال الموجودة في الإسلام أعمال خشنة لا بدّ  أن تلغى بنظرهم، ولا تحلّ المشكلة إذا قمنا بتنفيذها بأسلوب هادئ وليّن، كما لا يصح الجواب بأنّ هذه الأعمال حازمة وليست عنيفة، بل الإشكال منصبّ عندهم على نفس هذه العقوبة، ويرجع أساسه إلى ما ورد في بلاغ لجنة حقوق الإنسان، حيث ورد من ضمن بنوده إلزام الدوَل على حذف العقوبة الخشنة مطلقاً، والمصداق الأبرز الذي أكّدوا على حذفه هو عقوبة الإعدام وأمثاله كقطع اليد والجَلْد وكلّ ما ينال من جسد الإنسان، وعندما تقوم بعض الدوَل ـ وعلى رأسها أمريكا ـ بطرح مسألة حقوق الإنسان، يتّهمون الجمهورية الإسلاميّة بعدم احترامها لهذه الحقوق، وهم لا يعترضون علينا بأنّنا لماذا لا نبتسم عند تنفيذ العقوبة، ولماذا ونقطِّب الجبين؟ وإنما اعتراضهم على أصل وجود هذه العقوبة عندنا، وهم يقولون إنّ هذه الأنواع من العقوبات تتعلّق بالعهود القديمة، حيث لم يكن البشر متمدّنين ومتطوّرين، وحيث كانت الصراعات بين القبائل والدول، وكانت الغارات والقتل والسلب، وأما إنسان هذا العصر فقد تطور كثيراً، وأصبح الناس يحترمون بعضهم، (وإذا أرادوا على سبيل المثال أن يرموا القنبلة الذرية على منطقة ما، فإنهم يرمونها بشكل هادئ ومهذّب وهدوء تام!)، وإذا تطوّر الإنسان لهذا الحد فلا معنى لهذه العقوبة الخشنة من إعدام وقطع وجلد وغيره.

نعم، لقد أثّرت هذه الأفكار وهذه الدعايات على كثير من الناس، ووصل الأمر بأنّ يكتب جرّاءها بعض المعمّمين في مجلّاتهم بأنّ هذه العقوبة الموجودة في الإسلام خشنة وغير إنسانيّة فلا بدّ من إلغائها. علماً بأنّ هذه الآراء ليست جديدة علينا، بل ما زلنا نذكر بيان بعض الحقوقيين في «جبهة الشعب» حيث ذكروا فيه أنّ قوانين الإسلام في القِصاص خشنة وغير إنسانية ولا بدّ من تغييرها أو حذفها، وقد تصدى لهم الإمام الخميني + وحكم بارتدادهم عن الإسلام، وقبعوا في أوكارهم ـ جرّاء هذا التصدّي ـ سنوات طويلة، ولكن يطرح في هذه الآونة ومن جديد كلام وقح للغاية، فيه جرأة كبيرة على الإسلام، يطرحونه وبشكل حرّ وواضح في المجلات والصحف والمراكز العامة.

والخلاصة: أنهم لا يعترضون على نفس الفاعل والمنفّذ لهذه الأحكام، ولماذا لا يبتسم ولا يكون مؤدّباً أثناء تنفيذه للحكم، وإنما يعترضون على نفس هذه الأعمال والعقوبات، ويعتبرونها خشنة وغير إنسانية.

والسؤال المهم هو: هل لا بدّ  من حذف هذه العقوبات التي يعتبرونها عنيفة، أو أنّه لا مجال لحذفها أبداً؟ فهم يقولون بضرورة إلغاء أيّ نوع من أنواع العنف، ويقصدون من العنف خصوص هذه الأعمال من الإعدام والقصاص والجلد، ونحن في مقام نفي كلامهم والردّ عليه، مضطرّون لاستعمال نفس الكلمة وأنه لا بدّ  من وجود العنف في المجتمع، ولا مجال لإلغائها، وطبيعي أننا نقصد من العنف الإعدام والقصاص والجَلْد، وليس عندنا أيّ داع لاستعمال هذه الكلمة أبداً، ولكن عندما وردت في بلاغ لجنة حقوق الإنسان، وصرنا بصدد الردّ عليها وعلى من يتمسّك بمقولتها، اضطررنا لاستعمال نفس الكلمة، وأنّ هذه الأعمال التي تعتبر بنظرهم خشنة لا بدّ من وجودها.

ودليلنا على ذلك ما جاء في صريح القرآن الكريم، ونحن إما أن نتمسك بما ورد في كتاب الله، أو ـ والعياذ بالله ـ نرفضه ونتمسك بما جاء في بلاغ لجنة حقوق الإنسان، ولا أظن أنّ مسلماً حقيقياً يرفض كتاب الله ويتّهمه لأجل ما ورد في بلاغ لجنة حقوق الإنسان، يقول القرآن الكريم: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ  فِي دِينِ اللهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ }([24])، وهذه الآية صريحة بأنه ليس للمؤمن بالله واليوم الآخر أن يرأف بالزاني أو بالزانية، وليس له أن يرحمهم، والقرآن يقول إنّ على المؤمن أن لا يرحم في هكذا مواضع، وعدم الرحمة في المورد الذي يستحق فيه الشخص ذلك لا تساوي الظلم أبداً، وعلى كلّ حال، فالمسلم إما أن يقبل القرآن الكريم ومن ضمنه هذه الآية ويعمل بها، أو أن يقبل ما تقوله لجنة حقوق الإنسان ويدافع عنها.

ومن الأمثلة الأُخرى في القرآن الكريم هو قوله تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }([25])،  وهذا الحكم بنظر لجنة حقوق الإنسان حكم غير إنساني ووحشي وعلى المسلم أن يختار إما القرآن أو ما تفرضه لجنة حقوق البشر. وأما رأي القرآن من ناحية أصل القوانين الجزائية فهو قوله: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}([26])، فضمان حياة المجتمع وسلامته بالعقوبة، وعقوبة القاتل ـ مثلاً ـ هي الإعدام، بينما اللجنة المذكورة تعتبر هذا الحكم غير إنساني وينبغي أن يُلغى.

وفي الواقع أنّ الذي يجري اليوم هو عبارة عن مؤامرة ثقافية، ويهدفون من وراء هذه الغوغاء والدعايات المكثفة وإثارة الضجيج حول الأحكام الإسلامية، التأثير علينا سلبياً، والضغوط على مراجعنا العظام لسحب هذه القوانين؛ وعلينا في مقابل هذه السياسة أن نصرّ على موقف الإسلام بحزم وحدّيّة، ونقول لهم: نعم يوجد في الإسلام حكم الإعدام وقطع اليد والرِجل وحكم الرجم وغير ذلك، وإذا أطلقتم على هذه الأعمال اسم الخشونة، فنحن عندنا خشونة في الإسلام، ولا نخاف ولا نهتمّ من أن تطلقوا علينا اسم الوحشيين أيضا، ولا نريد أن نلعب معكم على حبال الألفاظ، فإنّنا تابعون للقرآن وهو يجوّز بل يوجب هذه الأعمال التي تعتبرها لجنة الحقوق أعمالاً وحشيّة وعنيفة، والقرآن يأمر المسلمين بأن يكونوا أشداء على الكفار وأن يكونوا غليظين وخشنين معهم {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً}([27])، ولاحظوا دقيقَ قوله تعالى: (فيكم) ولم يقل: (في عملكم)، وهذا يعني أنّه لا بدّ  من تحسّس العنف في وجودكم عندما تتعاطون معهم، ولتشعروهم بأنكم أشخاص لا تتأثرون بالعواطف والأحاسيس، وإذا صدر تجاهكم أيّ مخالفة فإنكم ستواجهون المخالف بشدّة ولن ترحموه، وإذا كنا نؤمن بالقرآن فلا بدّ من التصريح بوجود هذه القوانين فيه، ولا نخاف من أحد أبدا‌ً {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً}([28]) وإذا كنا نخاف من التصريح بحكم الله والقرآن، فعلى الأقل نسكت ولا نتكلم، لا أن نؤيّد كلامهم بكتابة المقالات وإلقاء الخطب بما يرجع نفعه عليهم. وكثير من الأشخاص لا يملكون الشجاعة والجرأة على الدخول في هذه الأبحاث، ولكن هناك من يخوض فيها ويبلّغ أحكام الله ولا يخاف عتاباً ولا ملامة : {يُجاهِدُون في سَبيلِ اللهِ ولا يَخافُونَ لومَةَ لائِمٍ}([29]).

وأما جواب البعض بأنّ أحكام الإسلام جازمة وليست خشنة، فإنه لا يصلح جواباً لِلَجْنَة حقوق الإنسان التي تعتبر أن معاقبة الإسلام للمجرمين خشنة لا بدّ أن تلغى، والجواب الصحيح أن نقول لهم: إنّ معاقبة الإسلام للمجرمين خشنة ولا بدّ أن تبقى، ونحن لا يمكننا الإيمان ببعض آيات الله ورفض بعض آخر إرضاءً لِلَجْنَة الحقوق، فإنّ الإيمان ببعضه والكفر ببعض آخر كفر حقيقي: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِيناً}([30])، والمؤمن الواقعي لا يبيع دينه برفض بعض أحكام الله إرضاءً لِلَجْنَة الحقوق، ولو كان لا بدّ من غضّ النظر عن بعض الأحكام التي لا تتلاءم مع بعض الناس، لَمَا تعرّض الرسول الأكرم | للات والعزّى ولَمَا حطّم أصنام مكّة، ولكن القرآن يأمرنا أن نتبرّأ علناً من الكفار ودينهم، وأن نستعمل الأُسلوب الدافع في كلامنا وتعاطينا معهم، ويأمرنا بالإقتداء بالنبي إبراهيم ×: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ}([31])، فكيف كان عمله هو والذين معه لنقتدي به؟ يجيب القرآن في تكملة الآية: { إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا  بِكُمْ }، فالقرآن يأمرنا صريحا بالاقتداء بإبراهيم ×، حيث وقف أمام الناس وقال بصراحة:

أنا بريء منكم، أنا بريء من آلهتكم، ولم يقل القرآن بلزوم احترام عادات وتقاليد الناس، واحترام أصنامهم لأنها محترمة ومقبولة عندهم!

 كلّا لم يسمح بذلك لأحد من المسلمين، بل يقول بحزم بضرورة الوقوف أمام الأصنام لإسقاطها، ولم يكتف القرآن بذلك بل أضاف بعض التعاليم أيضا وأنه علينا أن نحتّد مع الكفار في كلامنا أكثر من ذلك، ونقول لهم: { وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ}. وطالما تحملون هذه الأفكار فنحن أعداء لكم ولا نهاية لهذه العداوة، ولا بدّ أن نقول لهم: الموت لكم ولأصنامكم {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}([32]).

هذا هو رأي القرآن الصريح ـ وليس رأيي الشخصي ـ يفرض علينا أن نضمر لهم الكره والبغض في قلوبنا ما داموا غير مؤمنين بالله، وتزداد روعة التعبير القرآني في الاستثناء المذكور في الآية، فبعد أن أمرنا بالاقتداء بإبراهيم × استثنى من عمله × شيئاً واحداً لا ينبغي لنا أن نتبعه فيه هو: { إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ}، فإن إبراهيم × كان حازماً مع الكفار، إلّا أنّه أبدى في كلامه مع أبيه آزر بعض الليونة والملاطفة، وأنّه سيستغفر له الله، والقرآن قد استثنى هذا العمل من أعمال إبراهيم × التي أمرنا بالاقتداء بها، فلا يعد أحداً من الكفار بأنّه سيستغفر له الله. فمعنى الآية القرآنية صريح جداً، ولا يقبل أيّ تفسير أو تأويل آخر، إلّا تفسيراً واحداً وهو تحريفها أو حذفها من القرآن لأجل إرضاء المؤسّسات العالمية!!

فعلينا أن نشخّص تكليفنا في هذه المسألة: إما أن نكون أتباع القرآن الكريم، أو أتباع لَجْنَة حقوق البشر، وبما أننا متّبعون للقرآن حتماً، فعلينا أن نؤمن بكلّ ما جاء فيه، لا أن نؤمن ببعض الآيات التي تنسجم مع ما تقرّره لَجْنَة حقوق الإنسان، ونكفر ببعض الآيات التي تخالف ما تقرّه اللجنة؛ لأنّ ذلك عين الكفر الحقيقي، ونحن نؤمن بما ورد في كتاب الله من القِصاص من الإعدام وقطع اليد والجلد وغيره رغم مخالفة ذلك لكلّ لِجَان العالمَ، ونؤمن بأنّ { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ...}([33])من القرآن، ونؤمن كذلك بأنّ { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ...}([34]) من القرآن أيضاً، ولا بدّ أن نعمل بكلا الآيتين معاً، وإذا كنّا نؤمن بأنّ الله {أرحم الراحمين}، فإننا نؤمن أيضاً بأنّه {شديدُ العقاب}، ولا يصح قبول الموارد التي يكون فيها الله {أرحم الراحمين}، ونرفض تلك الموارد التي يكون فيها «شديد العقاب»، بل الحق أن الله >أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة< وأنّه >أشدّ المعاقبين في موضع النَّكال والنقمة<([35]) كما ورد في دعاء الإفتتاح.

ومن الضعف أن نخفي حقائق الإسلام، ومن الجبن أن لا نظهرها كما وردت في القرآن الكريم، لماذا نخاف من ذكرها كما هي عليه؟ وقد كان الإمام + يشير إلى هذا الأمر عندما كان يقول: «لا تخافوا مما يتهمونكم به من العنف والتحجّر». والإسلام الذي ندعو الناس إليه كلّ لا يتجزّأ، ومجموعة متكاملة من الأحكام، ومن جملتها هذه المجازاة التي لا تنسجم مع ما في لِجْنَة حقوق الإنسان. ونحن لا نقدر أن ندعو الناس إلى القرآن الكريم ونستثني منه بعض الآيات.

سؤال وجواب آخر:

السؤال:

أوّلاً: نحن نعلم أنّ القرآن والدين الإسلامي لم ينـزلا في ليلة واحدة، وإنما نزلا بالتدريج وعلى مقدار فهم الناس والمستوى الاجتماعي الذي كان يخاطبه الرسول |.

ثانياً: نحن نعيش في الجمهورية الإسلاميّة التي يؤمن أكثر من تسعين بالمائة من سكانها بالدين الإسلامي، فلذا نحن ملزمون بقبول هذا الدين بكامله ومن دون أيّ نقصان، وهذا لا كلام فيه، وإنما الكلام في أنّ الثورة الإسلاميّة جاءت لتحيي الإسلام من جديد بعد أن كاد لا يُعرف منه إلا اسمه، وصارت وظيفتنا الآن تعريف الإسلام للعَالم ودعوتهم إليه، ولكن نلاحظ من جهة ثانية ما عليه الغرب من القدرات والوسائل الإعلامية، فقد استطاع تشويه صورة الإسلام في العالم، وإعطاء صورة عنه بأنه دين خشن ومتحجّر، وأنّ المسلمين ـ خصوصاً الإيرانيين ـ إرهابيون متحجرون خشنون وغير منطقيين.

وفي هكذا ظروف وأجواء لا يمكن تطبيق كلّ أحكام الإسلام بحذافيرها في المجتمع، لأننا إذا أردنا أن ننفذ حكم الإعدام بالقاتل، أو رجم الزانية المحصنة، فسوف يكون لعملنا أثر سلبي وصدى سيّئ في أفكار عموم الناس في العالم، وتستطيع وكالات الإعلام الغربية من التقاط الصور والأفلام عمّا يجري عندنا وتعرضه بصورة بشعة في المرأى العالمي، لتعطي الانطباعات السيئة عن الإسلام، وبالتالي لم يعد بمقدورنا إيصال الإسلام إليهم، ولم نجد هناك من يرغب به ويميل إليه، والسؤال هو: ألا تصلح كلّ هذه المسائل والأمور أن تكون سبباً للتغيير ببعض الأحكام الإسلامية، حفاظاً على المصلحة الأهم من حفظ الإسلام ونشره مثلاً؟ فعلى سبيل المثال نقوم بتغيير دية القتل، حيث كان الحكم الأوّلي دفع مائة جمل دية مسلَّمة لأهل المقتول، ونجعل الديّة الآن سبعة ملايين تومان مثلاً، فهل نقدر على تغيير بعض الأحكام بصورة عصرية نستطيع من خلالها جذب الناس إلى الإسلام، ونمنع في نفس الوقت من إعطاء صورة بشعة عن الإسلام؟

الجواب:

إنّ كلّ جملة من هذا السؤال تحتاج إلى بحث على حدة، ولكن نبيّن بعض المطالب بالقدر الممكن في هذا المجال.

أما بالنسبة لما ورد في السؤال من أنّ أكثر من تسعين في المائة من شعب الجمهورية الإسلاميّة يعتنق الإسلام، ولا خوف عليهم من الإنحراف أبداً، فإنها دعوى على خلاف الحقيقة. فإنّه لم يمضِ وقت طويل على عمر الثورة وإذا بنا نرى كلمات الإمام + تبثّ عبر وسائل الإعلام محرّفةً أحياناً بالزيادة والنقصان، وقد شاهدت ذلك وللأسف بأمّ عيني، وتطبع بعض المقالات التي تخالف صريح القرآن في صحيفة لرجل معمّم!!

 والخلاصة: أننا نخاف على شبابنا في هذا البلد، من ناحية تبليغ الإسلام لهم وأن لا يكون إسلاماً محرّفاً، لما يقومون به من التشكيك وبثّ الشبهات في نفوسهم بالوسائل المختلفة والأساليب المتعددة.

وأما بالنسبة لما ورد في السؤال من أنّ الإسلام لم يُعرّف إلى الآن للغرب، ووظيفتنا الآن إيصاله إليهم، فهذا باطل أيضاً؛ لأنّ القرآن الكريم قد تُرجم في هذا العصر إلى أغلب اللغات العالمية الحيّة، وأصبح كلّ شيء بمتناول أيدي جميع الناس بعد وجود وسائل الإعلام على أنواعها، من راديو وتلفاز وأقمار اصطناعية وإنترنت، فلا يمكننا أبداً القول بأنهم لا يعرفون الإسلام، خصوصاً مع وجود هذه الحملة على الإسلام في الإذاعات والمحطات الإعلامية ولا سيما الصهيونية منها. فقد عُرّف الإسلام لكلّ العالم بأنه مجحف بحقوق المرأة، وأينما ذهبتم ستجدون من يقول لكم إنّ في الإسلام تفكيكاً وتبعيضاً بين حقوق المرأة والرجل، وقد طرح نفس هذا البحث معي في كثير من دول العالم، وقد أجريت معي في جنوب التشيلي مقابلة تلفزيونية حيّة وعلى الراديو أيضاً حول هذه المواضيع.

 والخلاصة هي أنّ الكلام عن وجود أشخاص في العالم لا يعرفون عن الإسلام شيئاً ونحن نريد تعريفه لهم، غير تام.

ولكن لو فرضنا وجود هكذا أشخاص، وأردنا أن نعرفهم على الإسلام، فإننا لا نبدأ معهم بتعريفهم على أحكام الإسلام الجزائية، وأنّ في الإسلام إعداماً للقاتل وقطعاً ليد السارق وجلداً للزاني وما شابه ذلك، وهذا أمر بديهي جدا، بل نبدأ معهم بالبحث والدعوة إلى مبادئ الإسلام وأُصوله كالتوحيد والنبوة والمعاد ثم بعد أن تقوى هذه الأُصول في قلوبهم تندرج معهم بتوضيح وذكر المسائل الأُخرى، بل نحن في بداية دعوتهم نقتصر على أن يتشهدوا الشهادتين فقط ويعتنقوا الإسلام بذلك، أو على أن يمتثلوا حكم الصلاة من بين جميع الأحكام الإسلامية؛ والخلاصة أننا نسعى لجذبهم إلى الإسلام بالمقدار الضروري واللازم، وبعد ذلك نقول لهم الأحكام الأُخرى بالتدريج وبالقدر الذي يمكن لهم امتثاله، وهذه السياسة التدريجية في بيان الأحكام عامة لكلّ الناس باستثناء المسلمين.

وهذا الجواب الذي تقدّم منَّا كان على فرض وجود هكذا أشخاص، وأما إذا أردنا أن نعطي الحكم الكلي للسؤال المتقدم: فإنه إذا أدّى إجراء أحد أحكام الإسلام، في ظروف خاصة ومكان وزمان خاص أيضاً، تضرّر الإسلام والمجتمع الإسلامي وإلى خسارة كبيرة لا تعوّض أبداً، فإن لولي أمر المسلمين فقط الحقّ في إعمال ولايته، وأن يحكم على طبق العناوين الثانوية ـ التي هي ضمن الأحكام الإسلاميّة ـ بتعطيل هذا الحكم بشكل مؤقت، وهذا الأمر خاص بالولي الفقيه وليس لأحد البتة أن يقوم بهكذا عمل.

والنكتة المهمة التي ينبغي التأمل فيها جيداً، هي التمييز بين الحكم الذي يُعطّل بشكل مؤقت لوجود بعض المصالح الأهم، وبين إنكار الحكم من أساسه والقول بأنه غير موجود في الإسلام، أو القول بأنّ هذا الحكم كان موجوداً في الإسلام ولكن من الآن فصاعداً يعتبر محذوفاً وغير موجود فيه، فإن بين هذين الأمرين بوناً شاسعاً. كما أنّ تعطيل الحكم الإسلامي بشكل مؤقت لا يختص بالأحكام الجزائية، بل يمكن أن يكون في الأحكام العبادية أيضاً، وقد شاهدنا ما قام به الإمام الخميني (رضوان الله عليه) من تعطيل لفريضة الحج ـ الذي هو من العبادات الإسلاميّة المهمّة ـ عدة سنوات وذلك لوجود بعض المصالح، فتعطيل الحكم بشكل مؤقت شيء، وإنكاره من الأساس شيء آخر، وللولي أن يقول: بناء على بعض المصالح لا ننفّذ هذا الحكم حالياً، وأما أن يقال بأنه لا يوجد في الإسلام حكم الإعدام أو الرجم، أو أنّ هذا الحكم كان خاصاً بالناس غير المتحضرين، وبأولئك الذين كانوا يعيشون في شبه الجزيرة العربية، فإنه قول لا يعني إلا إنكاراً وقِحاً لحكم الإسلام القطعي، وهذا ما لا يحق لأحد القيام به حتى شخص الرسول الأكرم |.

ذكر نموذج تاريخي:

 وهذا المثال يفيد في ترسيخ الفكرة في الأذهان: لقد كان المسلمون في صدر الإسلام وفي بداية الدعوة الإسلاميّة يواجهون مشاكل صعبة للغاية، وفي الأثناء جاء أهل الطائف ـ وكانوا يُعدّون من الأغنياء ـ واقترحوا على الرسول الأكرم | بأنهم مستعدون لقبول الإسلام ومساعدة الرسول وحمايته والدفاع عنه، وأنهم حاضرون لقول الشهادتين ودفع الزكاة، وترك عبادة الأصنام، وكلّ الأعمال القبيحة، ولكن بشرط واحد فقط هو: أن يعفوهم من السجود على الأرض؛ لأنهم لا يتحملون هذا العمل.

فلو لاحظنا الظروف في ذلك الوقت، حيث كان عدد المسلمين قليلاً جداً، وكان وضعهم الاقتصادي سيّئاً للغاية، فهم بحاجة إلى المال والعدد من أجل نشر الدعوة والحفاظ عليها، ثم جاء عدد لا يستهان به كمّاً وكيفاً ليعرض إسلامه على الرسول، ويمشي معه مائة خطوة إلى الأمام في تطبيق أحكام الإسلام، وليس عندهم إلّا حكم واحد ـ يبدو أنّه أمر بسيط بحسب الظاهر ـ لا يريدون امتثاله، وبعد ملاحظة كلّ هذه الظروف، نجد القرآن الكريم يقول ـ وبعد أن كاد الرسول، على ما هو عليه من المقام الرفيع، أن يتردد في اقتراحهم، لا أنّه يتردد في قبول اقتراحهم، بل هو أراد أن يردّ هذا الاقتراح ولكن كاد أن يُظهِرَ في قلبه شيئاً قليلاً جداً من المرونة إلى اقتراحهم ـ :{ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً }([36])، وماذا يحصل فيما لو أظهر بعض المرونة إلى اقتراحهم؟

 فجاء الجواب شديد اللهجة جداً من القرآن الكريم: { إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً }([37])، وهذا يعني أنّه لو ظهر بعض المرونة إليهم لكان عذابك مضاعفاً في الدنيا والآخرة، وليس لك عون ولا منقذ ولا نصير، فعندما يصل الأمر إلى إنكار الدين أو التساهل في أحكامه، فإنه أمر خطير لا يسمح لي ولا لكم ولا لشخص الرسول بذلك، ولو فرضنا ـ ولو من باب فرض المحال ـ أن صدر ذلك من الرسول فإن التعاطي معه سيكون حازماً وشديداً، لأنه لا لعب ولا تهاون في هذه المسائل الخطرة.

وأما مسألة الديّة التي ذكرت في السؤال، والدعوة إلى إيجاد معادل لها هذه الأيام خلاف ما كان يفرض في ذلك الوقت، فإننا نقول إن الديّة منصوص عليها في الروايات، وليست من ابتكار العلماء، وقد جاء التعيين بالجمل في ذلك الوقت مع أنّه كان بالإمكان التعيين بالذهب والفضة الموجودين حينها أيضاً، فلذا لا يمكن تغييرها أو إيجاد المعادل الجديد.



[1] ) سورة النحل: 125.

[2] ) سورة النحل: 125.

[3] ) سورة الأنعام: 48.

[4] ) سورة فاطر: 24.

[5] ) سورة طه: 43 ـ 44.

[6]) سورة النحل: 125.

[7] ) سورة النور: 19.

[8] ) سورة الممتحنة: 8.

[9] ) سورة الممتحنة: 9.

[10] ) سورة التوبة: 6.

[11] ) سورة النور: 2.

[12] ) سورة البقرة: 229.

[13] ) سورة البقرة: 104.

[14] ) من المقرر أن تطبع مؤسسة التلفزيون في الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذه المناظرة، وتنشر على شكل كتاب.

[15] )  سورة التوبة: 123. 

[16] ) سورة التحريم: 9. 

[17] ) سورة آل عمران: 159.

[18] ) سورة التحريم: 6.

[19] )  سورة الفتح: 29.

[20] ) بحار الأنوار: ج 21، ص 385، باب 36، الحديث العاشر.

[21] ) أتوقف.

[22] ) بحار الأنوار: ج 33، ص 104، باب 16، الحديث 407.

[23] ) نهج البلاغة، الكتاب 46.

[24] )  سورة النور: 2.

[25] )  سورة المائدة: 38.

[26] ) سورة البقرة: 179.

[27] ) سورة التوبة: 123.

[28] ) سورة الأحزاب: 39.

[29] ) سورة المائدة: 54.

[30] )  سورة النساء: 150 ـ 151.

[31] ) سورة الممتحنة: 4.

[32] )  سورة الأنبياء: 67.

[33] )  سورة النحل: 125.

[34] ) سورة الأنفال: 39.

  [35] ) راجع مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي، وإقبال الأعمال للسيد ابن طاووس، ومفاتيح الجنان للشيخ القمي: دعاء الأمير × في ليالي شهر رمضان.

[36])) و (2) سورة الإسراء: 72 و 75.

 

commentUser
الاسم
البريدالإلكتروني
comment *
 relateArticle 
 moreVisitFromCategoryOf " المقالات "  
Copyright © 2004-2011 ERFAN.IR