|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
مسؤوليتنا في مجال الثقافة/2
أشكر الله سبحانه وتعالى الذي وفقني مرّة ثانية للبحث مع جمع من أساتذة الجامعة الأعزاء، وقد تعرّضنا في الجلسة السابقة للبحث عن المسؤولية الملقاة على عاتقنا، وذكرنا أنّه لا بدّ لنا للقيام بأيّ حركة ثقافية أن نمتلك مجموعة من التحليلات والمعارف الأولية، ومن جملتها تحليل الوضع الراهن، فعلى الرغم من الشعور بالمسؤولية في الجملة ـ وقد دفعنا هذا الشعور لنجتمع حول بعضنا ونشكل حركة جماعية ـ لا بدّ أن نمتلك تحليلاً أوضح للشرائط السياسية والاجتماعية للثورة الإسلاميّة وماضيها، ليكون إحساسنا بالمسؤولية أكبر بكثير، فكلّما كانت رؤيتنا للأوضاع الراهنة أوضح أمكننا أن نسير بخطى ثابتة أكثر نحو الهدف المطلوب. ويمكن أن يعقد لهذه المسألة بحث مفصل إلا أن الوقت لا يسمح بذلك فلذا نكتفي بإشارة إجماليّة في حدود هذه الجلسة. عرض لأوضاع إيران قبل شهر (بهمن) سنة 1357هـ .ش:بدأت هذه الحركة سنة (1342هـ .ش 1964م) أي قبل خمس عشرة سنة من انتصار الثورة الإسلامية. وقد مرّت إيران في هذه الخمس عشرة سنة بظروف صعبةٍ جداً، فكان عدم الاستقرار مسيطراً على جميع شؤون البلاد، من الاضطراب الاقتصادي والفساد الإداري والتحلل الخُلقي في بلاط الشاه وجميع مؤسساته؛ فالرشوة إلى أقصى حدودها، واختلاف الطبقات فاحش جداً وأشياء كثيرة من هذا القبيل أدّت إلى تذمّر الناس، وكانت قوى الاستعمار ـ وبالخصوص أميركا ـ تتدخل في جميع شؤون البلاد الاجتماعية، حيث كانت أعلى المراكز ومناصب البلاد تحت سيطرة الأمريكان، ويمكن القول بأن السفارة الأمريكية كانت تحكم البلاد بشكل عملي، وكانوا يحقِّرون أعلى الشخصّيات في البلد، ممّا أدّى إلى شعور الناس بعقدة الحقارة، وأنّ الأمريكيين أُناس متحضرون ونحن أُناس متخلفون متأخرون، أضف إلى ذلك أيضاً السياسة التعسفية المتبعة آنذاك والتي أخذت تتسع وتقوى رويداً رويداً، وهي سياسة مكافحة الدين، فوصل الأمر بهم إلى محاربة جميع المقدسات الدينية بشكلٍ رسمي وعلني. والملاحظ لهذه الظروف والشرائط لا يستبعد ظهور تحول كبير يشمل كلّ المناطق. الآفة الكبرى في العهد الملكي (الشاهنشاهي) :أعتقد أننا إذا أردنا أن نحلّل تلك الأوضاع السائدة في ذلك العهد، لوجدنا أن أكبر آفة ومصيبة قامت بها السياسة الاستعمارية الحاكمة لاسيما في الخمسين أو الستين سنة من النظام البهلوي، هي أنهم استطاعوا أن يُبعدوا جماهير الشعب المسلم والمتدينين عن الساحة السياسة، وهذا في الواقع بلاء عظيم حلّ بشعبنا، حيث جعلوا جميع أعمال الدولة السياسية والاجتماعية تحت تصرف مجموعة هي على حد تعبيرهم (النخبة) من الناس، ولعلّ ثمانين في المائة من هذه النخبة خريجو الجامعات الأمريكية أو الإيرانية التي تحت إشراف الأمريكيين، وكان من جملة الجامعات جامعة شيراز ومعهد مديرية طهران (دانشكده مديريت تهران) وهي جامعة الإمام الصادق ^ حالياً، فكان يتمّ تعيين رئيس جامعة شيراز بموافقة السفارة الأمريكية، ويعطى البرامج الدراسية للجامعة، وكثير من الجامعات الأُخرى كانت توضع برامجها بشكل غير مباشر بواسطة الأمريكيين. وعلى كلّ حال، فقد كان رجال سياسة الدولة من هذه النخبة الذين تعهَّد الأمريكيون بتربية الأكثرية الساحقة منهم، وهذه السياسة المدبّرة والمبرمجة الإنجليزية الأصل قد تعلمها الأمريكيون منهم، فيأخذون نخبة ومتفوقي البلد ويتعهّدونهم بالتربية والتعليم، ويقومون بشكل غير مباشر بإلقاء المطالب التي يريدونها، وبغسل الأدمغة ـ بحسب الاصطلاح الدارج ـ ومن خلال ذلك يثبتون تواجدهم ويديرون شؤون البلد التي تحت سلطتهم أطول مدّة ممكنة. وكانت نتيجة هذه السياسة أن أُبعدت مجاميع الشعب المسلم عن الساحة، وبالتالي لم يكن لهم أي دور في إدارة شؤون البلد. نعم، لقد كان المجلس هو المكان الوحيد الذي يوجد فيه للناس دور ظاهري حيث كانت لائحة النواب تُعيَّن من بلاط الشاه ثم تؤيد من السفارة الأمريكية، وهذه اللائحة هي التي تخرج من صناديق الاقتراع ولا ينبغي لنا غضّ الطرف عن بعض المنتخبين في ذلك العهد، حيث لم يكونوا راضين عن تلك السياسة الحاكمة، ولم يكونوا مستعدّين أبداً للتعامل معها، وقد صمَّموا على تحدّيها فقاموا بتشكيل بعض الأحزاب، من جملتها حزب الجمهور (توده)، وقد كان هذا الحزب في بعض مراحله داعياً للشيوعية ولتبديل إيران إلى أحد بلدان الاتحاد السوفيتي، ولكن كان بينهم بعض الأشخاص الصادقين يريدون خلاص البلاد من نَيْر السلطة الانجليزية والأمريكية، فلم يجدوا حلّاً إلا التعلق بالاتحاد السوفياتي، بمعنى أنّهم فهموا كما أُلقي في روعهم من دعايات، بأنّ إيران وجميع دول العالم الثالث ليس لهم إلا أحد حلّين: إما أن ينضمّوا تحت لواء أمريكا أو تحت لواء الاتحاد السوفياتي، ولا يوجد خيار ثالث لتحدّي الآخرين، وعلى كلّ حال، فقد شكّل عدد من المنتخبين مجموعة باسم حزب الجمهور (توده). وأودّ التنبيه إلى خطر هذا الحزب حالياً فإنّهم يغتنمون الفرصة لتجديد وضعهم السابق. ومن جملة الأحزاب اليسارية ـ غير حزب الجمهور ـ كان هناك مجموعات أُخرى نحو ميلشيات (مجاهدي خلق)، حزب العمال، حزب الحرّية وأنواع من المجموعات والأحزاب المحلية في مناطق كردستان، آذربيجان، تركمنستان وخوزستان ومناطق أخرى، ويجمع هذه الأحزاب وجه مشترك، وهو الميول الماركسية،كما أنّه لا بدّ من التنويه إلى أنّ بعض هذه المجموعات وإن كانت تحمل اسم الحزب إلا أنّها لم تتجاوز أكثر من عشرة أو عشرين عضواً فقط. وكان هناك في مقابل هذه الأحزاب مجموعة أُخرى من الأحزاب اليمينية المؤيدة للنظام والحكومة، وتعتبر من أتباع الغرب. هذا وضع الأحزاب اليسارية واليمينية، وأما المتديِّنون فحاولوا أن يبعدوهم بشتى الحيَل والطرق عن الساحة السياسية، وكانت دعايتهم التي يروِّجون لها دائماً هي أن على المتدين أن لا يتدخل بالأُمور السياسية. ولا زلت أذكر جيداً عندما كانوا يريدون أن يتهموا مُعمّماً ما، ليصبح اسمه منبوذاً وغير مرغوب فيه، كانوا يقولون: فلان المعمّم سياسي، فكانت الثقافة السائدة تَعتبر أن السياسة للمعمّم عار وعيب؛ ولذا كنّا نجد المتدينين وعلى رأسهم علماء الدين يتجنبون الخوض في المسائل السياسية، وبقي الحال على ما هو عليه، إلى أن قام بعض المتديّنين تأسياً ببعض الدول الإسلاميّة ولعوامل أُخرى، بتشكيل مجموعات سياسية صغيرة، ومن تلك المجموعات مجموعة مشهورة باسم >فدائيو الإسلام<، وعلى رغم صغر هذه المجموعة فإنّها كانت فعالة ودؤوبة على العمل. وكنموذج آخر لهذه المجموعات حزب الأُمم الإسلاميّة (حزب ملل إسلامي) الذي أُنشئ بعد الانقلاب العسكري في 28 من شهر مرداد سنة 1332 هـ ش، فهؤلاء أيضاً لم يكن عددهم كبيراً وبالتالي ظهر أمرهم وانتهوا. وفي ذلك الوقت الذي كانت النشاطات السياسية للمرحوم آية الله الكاشاني في أوجها، أسّس (شمس قنات آبادي) مجموعةَ مجاهدي الإسلام، تفرّع عنها مؤسسة مجاهدي خلق، المعروفة اليوم باسم جماعة المنافقين، وصارت رغبات مجاهدي خلق ـ كما تعلمون ـ وميولاتهم السياسية كلها ماركسية، إلى أن انتهى بهم الأمر للوقوع بحبائل أمريكا والغرب. كان هذا عرض للساحة السياسية في البلد، وللأحزاب المحدودة والجماعات ذات النشاط قبل انتصار الثورة الإسلامية، وأمّا جماهير الشعب المسلم الغيور، الذي كان يشكل أكثر من تسعين بالمائة من عدد السكان، فقد أُبعدت بشكل كامل عن الساحة السياسية، وكان من بين هذه الجماهير الغيورة عدد لا يستهان به مطلع على حقيقة الأوضاع مدرك لما يجري حوله، ولذا كانوا متأذّين ومغتمّين كثيراً من وضع البلاد، لذلك لم يستطيعوا القيام بأيّ حركة، بل ولم يكن عندهم أمل بذلك. وكانت جماعة نهضة الحرية (آزادي) من بين المجموعات الإسلاميّة في ذلك العهد، فقد كانت هذه النهضة متعلقة بالإسلام، رافضة للنظام الحاكم، وفي نفس الوقت لا تميل إلى جناح المجموعة اليسارية الماركسية، وهذه النهضة لم تكن إلا مجموعة من الشباب المسلم تكاتفوا وبدؤوا بالعمل الجماعي، ومن المؤسسين لهذه النهضة المهندس بازرگان والدكتور يد الله سحابي. وقد بنى المهندس بازرگان المسجد للمعهد الفني في جامعة طهران، وكانوا يصدرون بعض المجلات بين حين وآخر، وعلى سبيل المثال كانوا يصدرون مجلة (گنج شايگان)، وهذه النهضة كانت تماماً كمنظمة مجاهدي خلق في انطلاقتهم الأولى، متعلقين بالإسلام ومن أهل الصلاة والصيام، بل وبعضهم كان من الذين يتهجدون في الأسحار، فأصاب هذه النهضة ما أصاب مجاهدي خلق حيث سقطوا في متاهات الانحراف، إذ كان تشخيصهم بأنّه لكي يحافظوا على سلامتهم وموقعهم السياسي، عليهم أن ينخرطوا مع أعضاء جبهة الأُمة، التي كانوا يعتبرونها أسلم خط من بين النخب السياسية. هذه نبذة عن الوضع السياسي في إيران قبل انتصار الثورة الإسلامية. استراتيجية الإمام الخميني + لإحداث التغيير السياسي:لقد أدرك الإمام الخميني + ـ على ما كان يمتلكه من خصائص وفراسة وبعد نظر في المسائل السياسية ـ أنّ هذه النشاطات السياسية التي تقوم بها المجموعات المختلفة لم تؤدِّ إلى نتيجة، وإذا أََوصَلَتْ إلى نتيجةٍ ما فإنّها لا تصبّ بمصلحة الإسلام، حتى من أُولئك الذين يعملون باِسم الإسلام، والحلّ المثمر الذي كان يراه الإمام +، هو نزول الجماهير المسلمة إلى الساحة السياسية، وأنّ هذه الأحزاب والمجموعات لا تستطيع أن تشكّل حركة إسلامية قويّة وكبيرة تنتهي إلى بناء حكومة إسلامية. ومازالت فرضيّة الإمام + غير مقبولة في فلسفة السياسية المعاصرة، حيث يعتقدون بأنّ النشاطات السياسية لكي تؤديّ إلى نتيجة مثمرة عليها أن تتقولب ضمن تشكيلات حزبية وما يتضمنه الحزب من نُظُم وروابط خاصة، وأمّا الحركة التي قام بها الإمام + ـ حيث يكون لعموم الشعب دورٌ فيها، فيشعرون بالمسؤولية ويتحرّكون دفعة واحدة لتأدية وظيفتهم ـ لم تكن مطروحة في العلوم السياسية والفرضيات الكلاسيكية، ولو أراد الإمام أن يطرح اعتقاده بشكل نظريّة علمية ويستدل على صحته لَمَا لاقى أُذُناً صاغية، إلا أنّه قام بتطبيقه عملياً وصمَّم على جذب الشعب إلى الساحة، وأوجد ذلك الشعور العظيم بالمسؤولية في نفوسهم، وأنّ لكلّ مسلم حقّ التدخل في مسائل بلده السياسية، فكان عمله هذا كبقيّة أعماله وأفكاره ابتكاريّاً ولو اتبع غير ذلك لَمَا استطاع أن يُوجِد أيّ تحوّل يمكن أن يُذكر. ومن خلال ما قام به من إدخال جماهير الشعب في المعترك السياسي، استطاع أن يوجد نهضة عظيمة لا يقدر على تحقيقها أيّ حزب وأيّ مجموعة سياسية، يسارية كانت أم يمينية، شعبية كانت أم مذهبية؛ وقد اعترف بذلك كلّ من العدو والصديق. نعم، لقد شخّص الإمام + تلك الطاقات الكامنة في جماهير الشعب العظيمة، واستفاد من دوافعهم الإسلاميّة والدينية ليصبَّ هذا المسير الهادف في الساحة العامة. ومازلنا نذكر كيف استطاع الإمام أن يحوّل الشباب العاطلين عن العمل، المتسكّعين في الطرقات إلى رجال هادفين يدخلون في مسير الثورة، يكشفون عن صدورهم وفي وسط الشوارع يصرخون بوجه جنود الشاه: أطلقوا النار... إرموا... إرموا... فالإمام + عندما أيقظ في النفوس حِسَّ المسؤولية الدينية، وعلى ما كان يتمتع به من نيّة خالصة لله سبحانه، استطاع ـ بدل أن تكون الروابط محدودة وحزبية جافة ـ أن يوجد علاقة عميقة عاطفية مع جميع أفراد الشعب، وقد عشقه الجميع فعلاً، وكانوا يحومون حوله كما تحوم الفراشات حول النور، ومازلنا نشاهد آثار هذا الغرس العاطفي، فإنّه وبعد مرور سنوات على رحيله كلّما ذكر اسم الإمام لا نرى إلا الاحترام والتبجيل الخاص. إذا كانت حركة الإمام حركة خارجة عن المعادلات والأُطر السياسية الرائجة، ففي ذلك الزمان الذي بدأت فيه التظاهرات الشعبية سنه 1356هـ ش ]1977م[ لم يكن يظن أفضل المحلِّلين والمفكرين السياسيين أنّ هذه الحركة ستعطي ثمارها في أقل من عشرين سنة، وتتوج بالانتصار، وأعني بهؤلاء أمثال الشهيد الدكتور بهشتي الذي لم يكن رجلاً عادياً مفتقداً للتحليلات السياسية، حيث كان يظن في أواخر مراحل الثورة قبل الانتصار أنّه علينا أن ننتظر عشرين سنة ثانية، ولكنّا شاهدنا بأُمِّ أعيننا كيف آتت حركة الإمام أُكُلها في ظرف سنة واحدة وتُوِّجت الثورة بالانتصار. وأنا وكثير ممّن هو أكبر منّي لم نكن نصدّق ذلك اليوم الذي كان أشبه بالحلم والخيال، وما كنّا مبالغين لو قلنا: إنّ انتصار الثورة الإسلاميّة سنة 1357هـ كان معجزة إلهية. بعد انتصار الثورة، قامت تلك المجموعات الصغيرة المفسدة، التي لم يبقَ لها بين الشعب موطئ قدم، بالقيام ببعض الحركات الإرهابية وغير المنطقيّة، ممّا أدّى إلى تصفية وجودها من الساحة أو الفرار من هذا البلد، وأمّا باقي المجموعات فبقيت موجودة مثل حزب الجمهور (توده)، ميليشيات فدائيي خلق، الحزب القومي الإيراني (بان إيرانيست ها)، جبهة الشعب، ونهضة الحرية، وبقي لها النشاط والتأثير بعد انتصار الثورة ولم يتعرض أتباعها للأذى، وكانت جميع أموالهم وأرواحهم وأعراضهم محفوظة. هذا العرض ليس إلا مروراً على الأحوال التي سبقت انتصار الثورة، وهو بمثابة مقدمة للبحث الأصلي الذي أُحبّ التأكيد عليه في هذا القسم. مدى التزام مسؤولي النظام الإسلامي بالأفكار والقيم الإسلاميّة الأصيلة:بعد انتصار الثورة سوف تطرح وبشكل طبيعي مسألة إدارة البلد والتشكيلات الحكومية. وقد شكلت أوّل دولة بصورة مؤقتة برئاسة المهندس بازرگان، وجاء بعده أفراد ورؤساء آخرون؛ وإذا غضضنا النظر عن النقائص والإشكالات الطبيعية الناشئة من قلة تجربة رجال الدولة، ومن الأوضاع والظروف المرافقة للأيام والسنوات الأولى لأي ثورة وحكومة جديدة، فسوف يُطرح موضوع مهم وهو: هل أنّ جميع أعضاء الحكومة والمدراء كانوا يفكرون كما كان يفكر الإمام +؟ وهل كانوا يرون دور الدين في المجتمع كما كان يراه الإمام؟ لقد كان من بين رجال السياسة في الطبقة الأُولى للدولة ومن بين المخططين في ذلك الوقت أشخاص أمثال الشهيد بهشتي والشهيد مطهري والشهيد باهنر وعدد آخر غيرهم ممّن ترعرع سنوات في كنف الإمام، وعلى اطّلاع كامل بأفكاره وآرائه، علاوة على ما يمتلكونه من خبرة جرّاء مطالعاتهم العميقة والوسيعة في المعارف والمصادر الإسلامية، مكّنتهم من الحصول على معرفة عميقة بمباني الإسلام وأحكامه؛ هكذا أشخاص يعرفون فكر الإمام ونهجه، ويعتقدون به تمام الاعتقاد، وما كانوا يتمنونه هو نفس ما كان يسعى إليه الإمام. ولكن الحسرة والفاجعة أنّ الأعداء اغتالوا هؤلاء الأشخاص في السنة الأولى والثانية لانتصار الثورة، فبدؤوا باغتيال الشهيد مطهري، ثم انتقلوا إلى فاجعة السابع من شهر تير، ومن ثم إلى واقعة الثامن من شهر شهريور، وهكذا حوادث أُخرى أسفرت عن فقدان أكثر الأفراد الذين يعرفون جيداً أفكار الإمام وأهدافه ويعتقدون بها، وكانوا يديرون المراكز السياسية الحسّاسة ويضعون القوانين للبلد، فقد استطاع العدو تشخيص هذه الوجوه النيّرة قبل أن نتعرّف عليها نحن، وبادر إلى اغتيالها واحدة تلو الأخرى. وأمّا جميع الأشخاص الذين استلموا المناصب الحسّاسة بعد حادثة الثامن من شهر شهريور ورئاسة الشهيد باهنر، فإنّهم أشخاص جدد لا يعرفون أفكار الإمام بذلك المستوى الرفيع، ولم يُعبّؤوا أنفسهم إلى ذلك الحدّ روحياً ومعنوياً، وفي نفس الوقت كانوا متأثرين ـ بدرجات متفاوتة ـ بثقافة الغرب وتعليماته، وبعيدين عن الثقافة والمعارف الإسلاميّة، وما فتئ البُعد يزداد يوماً بعد يوم من مسؤولٍ إلى مسؤول آخر. ولكن في الفترة التي كان فيها الإمام + حيّاً ولِمَا كان يمتلكه من العظمة الروحية والسيطرة المعنوية والملكوتية المخِّيمة على الجميع، لم يكن أحد يجرؤ على إظهار نواياه القلبية واعتقاداته الباطنية إلا القليل القليل، فلم تكن الأرضية مهيّئة للأشخاص الذين يخالفون الإسلام ونهج الإمام ومبانيه مخالفة مبدئية عميقة. من الطبيعي بعد رحلة الإمام أن يزداد البعد والفاصلة عن نهج الإمام وتفكيره، حيث لم يعد ذلك المربّي موجوداً، وفقدت تلك السيطرة الروحية والمعنوية ـ تلك الشخصية التي واجهت ما يقارب الثمانين سنة الحوادثَ السياسية والاجتماعية المرّة منها والعذبة، والتي بَنت نفسها بالمجاهدات النفسانية والروحية والتي تصحب معها تجربة قيمة وهي الجهاد طيلة ثلاثين سنة.
وكل من يأتي بعد الإمام + مهما جاهد نفسه، ومهما كان يمتلك من تجارب وكفاءات، فإنّه لا يصبح كالإمام، وهذا عامل من العوامل الأُخرى التي لا يسعنا التعرض لها، أدى إلى أن تبرد حرارة القيم والأفكار الإسلاميّة شيئاً فشيئاً ويوماً بعد يوم. ونحن مكلّفون بتعيين المواقع الإستراتيجية والحلول المناسبة للحدّ من هذه الظاهرة الموجودة.
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| Copyright © 2004-2011 ERFAN.IR | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||