|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
حفظ التعادل النسبي بين عوامل الهداية والانحراف في كلّ عصرحفظ التعادل النسبي بين عوامل الهداية والانحراف في كلّ عصر:المطلب الذي ينبغي أن نعرفه هو ما تقتضيه الحكمة الإلهية البالغة في كلّ عصر، ففي كلّ زمان تزداد فيه الانحرافات الفكرية ويكثر الانحطاط والفساد الأخلاقي، تزداد في المقابل وتكثر الفرص الحديثة لهداية البشر وإصلاحهم، والله سبحانه وتعالى يحافظ على التوازن دائماً بين الصلاح والفساد والهداية والضلال، ولا يترك المجال أبداً للفساد والضلال أن يتغلّبا على المجتمع بحيث يحجبان ويسدّان الطريق عمّن يريد الوصول إلى الهداية والصلاح، فما أوجدته وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة من فرص جديدة للإفساد والتضليل، أوجدت في المقابل فرَصاً جديدة لإصلاح البشر وهدايتهم بشكل لم يكن له نظير من قبل، ونرى اليوم أشخاصاً كثيرين قد تعرفوا على الإسلام واعتنقوه كذلك من خلال الإنترنت. فكما أن الراديو والتلفزيون وأفلام السينما والأقمار الاصطناعية والإنترنت وسائل يستفاد منها لإيجاد الانحراف والفساد الفكري والأخلاقي، فإنّ هناك عدداً كبيراً تعرفوا من خلال هذه الوسائل نفسها على الثورة الإسلاميّة وإيران، وعلى الإمام الخميني + وعلى الإسلام وصاروا مسلمين، نعم لقد اعتنق الإسلامَ عددٌ كبيرٌ من الناس القاطنين أقصى العالم، بعدما تعرفوا عبر هذه الوسائل نفسها على الإمام الخميني + وسمعوا كلامه وعرفوا نهجه. وعلى سبيل المثال: كنت في إحدى المرات ضيفاً عند أحد تجار الكومبيوتر في سنغافورة، فأخذ يخبرني عن كيفية تشيّعه فقال: كنت في أوّل حياتي وهّابياً إلا أنّني بعدما تعرفت على الإمام الخميني +، وسمعت كلامه وشاهدت ثورته أيقنت أنّ ما يقوله هذا الإمام + هو الإسلام الواقعي وبالتالي أصبحت شيعياً. وعندما كنت مسافراً في جولة إلى عدة دول في أميركا الجنوبية، التقيتُ في إحدى هذه الدول، وعلى ما في ذهني دولة التشيلي برؤساء ومسؤولي الجامعة وقالوا لي: «نحن قلقون على جيل الشباب في بلدنا ومستقبلهم، ولا ندري ماذا نفعل، فلو أنّكم تضعون لهم برامج تبتني على أسس التربية الإسلامية، ونحن مستعدون بأنّ نضع جميع ما نملك من إمكانات تحت تصرفكم، لأنّنا مطمئنون بأنّ أفضل أسلوب تربوي في هذا العصر هو أسلوب المسلمين». وكان المعاونُ الأوّل في تلك الجامعة يتجوّل معي ليُعرِّفني على أقسامها ومراكزها المختلفة، وعند الظهيرة طلبنا منه مكاناً للصلاة، وبينما نحن نصلي إذ بالمعاون المسيحي يقف ويصلي معنا، وقد تعجّبت من هذا الأمر كثيراً. ثم قال لنا: أنا لا أعرف ماذا تقرؤون في صلاتكم، ولكنّي تأثرت كثيراً من تلك السجدة في صلاتكم، فشعرت برغبةٍ عارمةٍ تدفعني للصلاة معكم. وفي عاصمة كوبا (هافانا) ـ تلك الدولة التي مضى عليها أكثر من خمسين سنة، وما زالت تحت السيطرة الكاملة للشيوعية ـ كنا باستضافة جمع من الأساتذة في منزل بروفسور في التاريخ، وهو أسباني الأصل، مازلت أذكر في ذلك الوقت أنّه قام وألقى كلمة قال فيها: «تدفعني منذ طفولتي رغبة للبحث عن شخصيتين: الأولى رسول الإسلام باعتبار أنّه شخصية عالمية، والثانية عمر الخيام باعتبار أنّه عالم إيراني مرموق، ولكن منذ مدة راودتني رغبة جديدة فاقت تلك الرغبة، وهي البحث عن شخصية غيَّرت العالم بأسره، وهي شخصية الإمام الخميني +»، وعندما وصل هذا البروفسور إلى هذا الحد فَقَد حالته الطبيعية، فقد ركع أمامي مرتين وقبَّل يدي وألحَّ عليّ أن أُقدّم له قرآناً باللغة الأسبانية. نعم لقد حصل هذا الأمر مع بروفسور لعلّه أكبر الأستاذة في تلك الجامعة!. وإنما ذكرت هذه النماذج لكي لا نتوهم أبداً أنّ الأمر قد انتهى بازدياد أسباب الفساد الذي عمّ الدنيا بأسرها، ولم تبقَ أيّ وسيلة لترويج الصلاح ورفع راية الهدى، فإنّ ذلك توهم خاطئ، ولا ينبغي لنا أن ندع لليأس مجالاً إلى نفوسنا، وحاشا لله العالم بكلّ الأُمور أن يخلق هذا العالم لأجل تكامل الإنسان ثم يترك إدارته لعدّة من الشياطين المفسدين، بل أُكرر على مسامعكم بأنه كلما ازدادت أسباب الضلال ووسائل الفساد تبرز طرق جديدة للهداية والصلاح، لم تكن متوفرة في عصر من العصور. ونحن في هذه الأيام نمتلك ظروفاً اجتماعية لإيجاد التحولات والحركات التغييرية لم يكن لها مثيل من قبل، وقد رأيتم أكبر مثال على ذلك ألا وهو انتصار الثورة الإسلاميّة والحرب المفروضة (ثماني سنوات من الدفاع المقدس)، فقد قام شبابنا الذين كانوا قد ترعرعوا في مجتمع الشاه الفاسد، بالثورة الإسلاميّة التي أوجدت تحوّلاً كبيراً في العالم، وتحلَّوا بصفات سامية من الإيمان والمعرفة استطاعوا من خلالها أن يديروا حرب الثماني سنوات من الدفاع المقدس، بعزم وقوة وإيثار يُضرب به المثل، وأن يظهروا شجاعة لا نظير لها خلدت عبر السنين. وأنتم لو أمعنتم النظر لوجدتم بين الشباب والشابات عدداً لا يستهان به ممّن يمتلك الاستعدادات العالية لفهم المطالب العرفانية الدقيقة، يأنسون بالله ويستطيعون أن يقطعوا بيوم واحد ما يحتاج إلى مائة سنة من المجاهدة، وعليه فلو أنّهم يحظون بالإرشاد الصحيح فهم مستعدّون للغضِّ عن كلّ وسائل الانحراف وعدم الالتفات إلى اللذات المادية، وقد شاهدنا الكثير منهم أثناء الثورة وفي جبهات الحرب. وما أودّ قوله هو: أن تحمّل عبء مسؤولية هداية جيل الشباب الذي يتحلى بالفطرة السليمة ويمتلك أفضل الاستعدادات، ملقى على عهدتنا وعهدتكم جميعاً. أكثر التطورات الكبيرة رهينة أفكار العلماء:كان الهدف من الحديث عن المسؤولية هو أن ندرك أهمية وخطر ما نتحمله بشكل أكبر، والمتأمل يجد أن أغلب الأشخاص الذين استطاعوا أن يوجدوا التغييرات والتطورات الكبيرة في المجالات المختلفة ـ ولعلّه أكثر من تسعين في المائة ـ هم من العلماء والمفكرين الجامعين والدينيين. فلو ألقينا نظرة على المجالات المختلفة كالساحة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية وأمثال ذلك، لوجدنا أنّ بدو نشوئهم كان عبارة عن تفكير شخص واحد، ثم بدأ يتسع شيئاً فشيئاً إلى أن انتهى به الأمر لإحداث تحوّل كبير. ومن الطبيعي أنّ هذه التحوّلات ليست كلها إيجابية؛ لأنّنا نلاحظ أيضا وجود تحولات سلبية، فهناك موارد كثيرة أدّت إلى انحرافات أخلاقية أو فكرية كبيرة وخطيرة جداً. ومن جملة هذه الانحرافات: ما يتخبّط به الغرب من انحرافات جنسية وأخلاقية باعتراف نفس الغربيين، وقد كانت نظرية عالم النفس الألماني المشهور (زيغموند فرويد) أكبر مساهم في هذا الانحراف، فإنّ (فرويد) عندما كان بصدد تحليل علل الأمراض النفسية، وصل إلى أن هذه الأمراض عبارة عن صدى وانعكاس للغرائز والميول المكبوحة، لا سيما الغريزة الجنسية، واعتبر رواج الحرية الجنسية في المجتمع أفضل علاج للتخلص من الأمراض النفسية. وبناءً على هذه النظرية انتهى الأمر إلى ما نشاهده اليوم من الانحطاط الجنسي والفساد الأخلاقي في عالم الغرب ـ حتى لو ادعي أن (فرويد) لم يقصد السوء من إظهارها ـ ومن الطبيعي أن يساعد على رواج هذه النظرية واتساع نطاقها الانتهازيون وأصحاب الغايات والشهوة العارمة، ومن أربح صنائع العالم ما يتعلق بدنيا الفحش والمسائل الجنسية، ومن أكثر الأفلام الرائجة عالمياً هي أفلام الدعارة، وأكثر القنوات التلفزيونية رواجاً تلك التي تبثّ أكبر عدد ممكن من البرامج الجنسية البشعة، ولكن الجرعة الأولية لما يجري كانت على يد نظرية (فرويد) وهو ليس إلا عالماً نفسانياً واحداً. وعلى صعيد الانحطاط والفساد الفكري يمكن لنا الإشارة إلى الفكر الماركسي وما جرَّ خلفه من مصائب عظيمة، عندما طرح الفلسفة التي حكمت نصف الكرة الأرضية مدة ما يقارب السبعين سنة، ولم تعد إلا بالنتائج الوخيمة المتعددة على أتباعها باعتراف نفس الأُمم والدول التي كانت متبعة لهذه الفلسفة. لقد أنشأت الماركسية ملايين الملحدين الناكرين لوجود الله سبحانه، ودعتهم بشدة لمحاربة الدين والأفكار الإلهية، وهذه أيضاً وليدة فكر عالم ألماني واحد يحمل اسم ماركس. كما أنّه لا ينبغي أن نغفل عمّا أوجده العلماء من تطورات إيجابية، وعلى سبيل المثال: الثورة الإسلاميّة الإيرانية، فهي أكبر ظاهرة سياسية في القرن العشرين باعتراف الصديق والعدو، ولم تكن إلا وليدة فكر عالمٍ ديني واحدٍ وهو الإمام الخميني +. فالإمام الخميني لم يكن إلا شخصاً واحداً، لا يملك القدرة ولا الأسلحة ولا الأموال، وإنّما كان يملك شيئاً واحداً فحسب وهو ذلك الفكر السامي، الفكر الذي لم يكن يظن تسعة وتسعون بالمائة من محبّي ومريدي الإمام أنّه يمكن أن يطبق على الأرض، وما فتئ أن شاهد الجميع ما صنعه هذا الرجل العظيم، حيث استطاع أن يذلَّ شموخ قدرة الشرق والغرب الكبيرة، وفي نفس الوقت لم يكن طالباً للشهرة ولا للقدرة. فقد جرت العادة أن يسير الطلاب خلف أُستاذهم بعد الانتهاء من الدرس، إلا الإمام + فإنّه لم يكن يسمح لأحد بالمسير خلفه، لقد كان مرجعاً لا يسمح بطباعة رسالته مدة من الزمن، وعندما سمح بطباعتها لم يكن مستعداً لصرف ريال واحد من سهم الإمام على هذا الأمر، وأنا أعرف الأشخاص الذين دفعوا الأموال لأجل طباعة رسالته، فهو عظيم لم يكن طالباً للشهرة والعظمة، بل كان يفرّ من ذلك أيضاً. وكان هذا التحوّل العظيم الذي غير جميع المعادلات العالمية، وكلّ تلك التأثيرات الإيجابية جرّاء فكر رجلٍ عظيمٍ واحدٍ وهو ذلك الإمام +. ما أُريد أن أُؤكّد عليه هو أنّه بمقدور شخص واحد أو أُستاذ جامعي أو حوزوي أن يوجد تحوّلاً عالمياً إيجابياً أو سلبياً، وإذا التفتنا إلى هذا الأمر فسوف نشعر بثقل وأهمية مسؤوليتنا، ونبذل قسطاً من أوقاتنا ولو على حساب تعطيل الدروس، لأجل مباحثة هذه المسائل والتفكير ملياً بأوضاع مجتمعنا ومستقبل شبابنا، لنوصل رسالتنا الإسلامية بأكمل وجه ممكن. أهمية الثورة الثقافية:لقد طرح الإمام الخميني + في السنوات الأُولى للثورة ـ ولا أدري مدى استحضاركم للمسألة ـ قضية الثورة الثقافية، وقد عطلت آنذاك كثير من جامعات البلد لعدة سنوات، ثم توافد إلى إيران من جميع أقطار العالم أشخاص كثيرون ليروا ما هي صيغة الثورة الثقافية التي طرحها الإمام، لأن للثورة الثقافية سابقة تتعلق بثورة الصين الثقافية التي أسسها «ماوتسي تونغ»، فقد جاء الكثير من السياسيين والعلماء من مختلف أنحاء العالم يؤمّون إيران لينظروا ماذا يريد أن يفعل الإمام، وما زلت أذكر جيداً أنّي جلست مع أُستاذ يهودي جاء من أُستراليا إلى قم لكي يعرف بالدقة ماذا يقصد الإمام من الثورة الثقافية وقد بيّنت له في ذلك الوقت مراده. ولكن للأسف حصل بعض الظروف التي منعت الإمام عن بيان قضيته المقدسة بشكل كامل، فقد كانت الثورة في بداية انطلاقتها وكانت تواجه مشاكل متعددة، ولم يمضِ وقت طويل حتى فرضت عليها الحرب مع العراق مدة ثماني سنوات، وكانت أكبر مشكلة تواجهها الجمهورية أن استنفذت الحرب كثيراً من طاقات الثورة الفكرية وقواها العسكرية، وقد اتحد الشياطين خارج البلاد مع عملائهم ومنعوا من تحقق الثورة الثقافية التي كانت تجول في خاطر الإمام. فلو أن شخصاً ادعى أن جميع أنواع الحصار الاقتصادية والعسكرية، ومختلف المشاكل والضغوط المحاكة حول إيران تهدف جميعها لمنع تحقق ثورة الإمام الثقافية، لما كانت دعواه هذه بعيدة عن الحقيقة. وأما في البوسنة؛ فلماذا حصل ما حصل من جنايات فظيعة ووحشية؟ فقد قتلوا آلاف النساء والرجال والعجز والشباب ووصل بهم الأمر إلى قتل الأطفال والرضّع، وأمّا الأشخاص الذين شكّلوا لجنة حقوق الحيوان، وقاموا بالتظاهرات دفاعاً عن بعض الحيوانات، فقد جلسوا متفرِّجين على ما جرى في البوسنة ولم يحرّكوا ساكناً، بل قدّموا المعونات الاقتصادية والعسكرية للجانين المعتدين!! أليس كلّ ذلك لأجل قضية ثقافية؟ فالمسلمون في البوسنة لم يتجاوز عددهم المليونين أو الثلاثة ملايين نسمة، وفي نفس الوقت لا يملكون أرضاً استراتيجية ولا ثروةً عارمةً، ولا سلاحاً ولا تكنولوجيا متطورةً ولا أيّ شيء مهم آخر، فلماذا هذه الهجمة الوحشية ضدّهم؟ الجواب ليس إلا شيئاً واحداً فحسب، وهو الخوف من «الثقافة الإسلامية»، حيث إنّهم يرون في نهاية القرن العشرين وفي قلب أوروبا ظهور دولة للمسلمين تعلن عن موقعيتها للعالم، فقرروا أن يخنقوا هذه الحركة قبل أن ينتقل الإسلام والثقافة الإسلاميّة إلى الدول المجاورة، ومن ثم ينتشر في جميع أنحاء أوروبا ويؤدي إلى تغيير كلّ شيء هناك. وما قاموا به في الجزائر وتركيا وبعض الدول الإسلاميّة الأخرى ليس إلا خوفاً من الإسلام، مع أن الإسلام ليس إلا فكراً وثقافةً، فهم إذاً يخافون من الفكر والثقافة. فلا نتوهم أبداً أن الأبحاث الفكرية والثقافية عديمة الجدوى، وأنّ مشاكل البلد تعود إلى المسائل الاقتصادية والسياسية الخارجية وأمثال ذلك، بل علينا السعي وراء مسؤوليتنا لنشر الثقافة الإسلاميّة في أرجاء المعمورة. دور الحركات الثقافية في استمرارية الثورة:أما بالنسبة للحركة الثقافية فنحن بحاجة لوضع البرامج، وعلينا أن نحدّد حركتنا ومسيرها والشرائط التي تحيط بنا، وأن نتعرف على ما تؤديّ إليه هذه الحركة، كما أنّه لا بدّ من استطلاع آفات الحركة ومسيرها واتخاذ التدابير اللازمة لذلك. وأول خطوة في هذا المسير هي أن نفكّر بتجديد وتقوية الدراسات وترميم نظامنا الفكري، ثم نبدأ عملنا معتمدين على أُسس محكمة وأُصول قوية. كنا نمتلك في بداية الثورة معرفة إجمالية بضرورة الوقوف بوجه الاستكبار وأعوانه حتى آخر رمق فينا، وقد انتصرت الثورة ووصلنا إلى هذه المرحلة معتمدين على هذه المعرفة الإجمالية. وما زال أغلب الناس متعلقين بهذه الأُصول والأُسس، ولكن لا بدّ لنا أن نعي بأنّ استمرارية الثورة وبقاءها لا تكفيها هذه المعرفة الإجمالية. فإذا كانت الثورة منذ انطلاقتها إلى انتصارها تعتمد على المشاعر والعواطف التي أُضيفت إليها تلك المعرفة الإجمالية، لا يمكن اعتماد نفس الأُسلوب والطريقة لأجل استمرارية الثورة ومتابعة الطريق، بل لا بدّ لنا أن ننقل ثقل حركتنا واتكاءها الأصلي، من عامل المشاعر والعواطف إلى عامل البصيرة والمعرفة، فلا يمكن لنا اليوم أن نحافظ على تمسّك الناس بهذه الحركة بواسطة اللطم على الصدور والنوح والشعارات، كما لا ينبغي أن تلغى هذه المسائل أيضاً، ولكن المولّد الأصلي للحركة لا بدّ له أن يعتمد على الشعور والمعرفة والبنية الثقافية. وقد التفتَ الأعداء بفراستهم إلى هذا الأمر، فبدل أن يصبّوا جهدهم على الضغوطات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، نراهم يبذلون إمكاناتهم وقواهم على الحركات الثقافية ويسعون بكلّ طاقاتهم للتسلل إلى مواقع ومعسكرات الثورة الإسلامية، ليحولونها شيئاً فشيئاً في خدمتهم. وإذا كنّا نريد أن نمنع هذا التسلل الثقافي ونسدَّ طريق العدو، فعلينا أن نصحو من سُبات التشتت وعدم التخبّط، وإذا كنا نريد القيام بعمل ثقافي لنجعل للإسلام والقيم الإسلاميّة جاذبية ومكانة في روح وأذهان الشباب والجامعيين، علينا في بداية الأمر أن نجهّز أنفسنا بالسلاح الفكري، ونتعرف بدقّة على أصول ومباني الفكر والثقافة الإسلامية، وكذلك أصول ومباني الفكر والثقافة الغربية بل والشبهات التي يطرحونها، حتى يتأتَّى لنا تقديم الإجابات للمجتمع، والحلول المناسبة للمشاكل والشبهات الفكرية والثقافية التي تواجه جيل الشباب. ولا نغفل عن كون الله سبحانه وتعالى بنفسه يحفظ هذا الدين {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}([1])، وسيوصل سفينة الدين الإسلامي إلى ساحل النجاة، رغم كثرة أعدائه الذين يتربصون به الدوائر {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ}([2])، ولكن لماذا لا يكون حفظ هذا الدين بواسطتنا نحن؟ ويا حبّذا لو نكون نحن أولئك الأشخاص الذين اختارهم الله عزّ وجل لحفظ الدين ورفع كلمة التوحيد. وفي الختام أُؤكّد على أنّ مسؤوليتنا اليوم حساسة جداً ومرحلية، ولكي نقوم بعبء هذه المسؤولية ينبغي علينا سدّ الثغرات الفكرية والفلسفية، والقيام بالاستعدادات اللازمة، وأي تقصير ـ لا سمح الله ـ في هذا المجال يعرّضنا يوم القيامة للسؤال في محضر الله سبحانه والرسول الأكرم | والأئمة الأطهار ^، والشهداء الذين حفظوا بدمائهم هذه الشجرة الطيبة، ويا له من موقف عظيم.
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
| Copyright © 2004-2011 ERFAN.IR | |||||||||||||||||||||||||||||||||||